محمد عبيد حمادي
أكاديمي وكاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي
(Mohammed Obaid Hammadi)
الحوار المتمدن-العدد: 8429 - 2025 / 8 / 9 - 07:25
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في قلب الشرق الأوسط، وفي زمن تموج فيه المنطقة بالصراعات السياسية والأزمات الاقتصادية، برزت المملكة العربية السعودية كقوة ضاربة تمزج بين النفوذ الاقتصادي، والتأثير الإعلامي، والقدرة العسكرية المتنامية. لم يكن هذا الحضور وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية استراتيجية وضعت ملامحها بوضوح في رؤية 2030، التي رسمت طريقًا طموحًا للانتقال من الاعتماد شبه الكامل على النفط إلى اقتصاد متنوع الأركان، قادر على المنافسة عالميًا.
المملكة التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم لم تكتفِ بلعب دور المزود الأساسي للطاقة، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في ضبط أسواق النفط العالمية من خلال قيادة منظمة أوبك بلس، والتحكم في إيقاع العرض والطلب بما يخدم مصالحها ويؤثر في استقرار الاقتصاد الدولي. ومع هذا الثقل الاقتصادي، اتجهت السعودية إلى استثمارات ضخمة في قطاعات السياحة، والصناعة، والتقنية، والطاقة المتجددة، مما عزز قدرتها على الصمود أمام تقلبات الأسواق العالمية.
وفي موازاة ذلك، أدركت القيادة السعودية أن القوة الناعمة لا تقل أهمية عن القوة الصلبة، فاستثمرت في الإعلام التقليدي والرقمي، لتصبح منصاتها مثل “العربية” و”الشرق للأخبار” وغيرهما أدوات فعالة في صياغة الرأي العام، ومواجهة الحملات الإعلامية المضادة، وتقديم صورة المملكة كدولة فاعلة ومسؤولة في محيطها الإقليمي والعالمي. ولأن العالم اليوم يُدار بقدر كبير عبر الشاشات والمنصات، فقد استطاعت السعودية توظيف هذه القوة الإعلامية لتكون جزءًا من استراتيجيتها السياسية والدبلوماسية.
أما في الميدان العسكري، فقد شهدت المملكة تحديثًا واسعًا لترسانتها الدفاعية والهجومية، وأطلقت مشاريع للصناعات العسكرية المحلية عبر الشركة السعودية للصناعات العسكرية، في خطوة تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز القدرات الوطنية. ولم تقتصر قوتها على السلاح التقليدي، بل امتدت إلى تطوير قدراتها في مجال الحرب السيبرانية والطائرات المسيّرة، وهو ما جعلها قادرة على مواجهة تهديدات معقدة في بيئة أمنية مضطربة.
ورغم التحديات المحيطة، من النزاع في اليمن إلى التوترات مع إيران، ومن تقلبات أسعار النفط إلى الضغوط الدولية، فإن المملكة استطاعت أن تحافظ على استقرارها الداخلي، وأن تبني شبكة تحالفات استراتيجية مع قوى عالمية كبرى، مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، مما عزز مكانتها كقوة توازن أساسية في المنطقة.
هكذا، وفي ظل عالم يزداد اضطرابًا، تواصل السعودية ترسيخ مكانتها كلاعب لا يمكن تجاوزه، يجمع بين قوة الاقتصاد، وذكاء الإعلام، وصلابة الجيش، لتبقى بحق قوة المملكة الضاربة التي ترسم ملامح الحاضر وتؤسس لمستقبل أكثر نفوذًا وتأثيرًا
#محمد_عبيد_حمادي (هاشتاغ)
Mohammed_Obaid_Hammadi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟