|
رؤية موضوعية تحليلية ، تاريخية وراهنة لتطور حركة التحرر العربية ومستقبلها
غازي الصوراني
مفكر وباحث فلسطيني
الحوار المتمدن-العدد: 8413 - 2025 / 7 / 24 - 20:47
المحور:
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
بداية أشير إلى أن تطور حركة التحرر الوطني العربية تميز منذ نهاية القرن 19 في سياق النضال ضد النظام العثماني بطابع معقد ومتناقض، فقد كانت القوة المحركة للعمل الوطني ضد الاستعمار هي الجماهير العفوية الكادحة في المدينة والريف والبادية، لكن قيادة هذه الحركة ظلت في يد القوى الرجعية من كبار الملاك الاقطاعيين ورموز العشائر ، "وزاد الوضع تعقيداً بعد صدور قانون الأراضي (الطابو) سنة 1858 الذي وضع أساساً لتجميع الأراضي في أيدي الأغنياء والوجهاء ورؤساء القبائل، ولم تعد الأرض ملكية جماعية للقبيلة او للقرية، بل أصبحت ملكية للإقطاعيين الذين مارسوا أبشع مظاهر الاستبداد والاستغلال الطبقي ضد الفلاحين الفقراء ، ونتيجة لهذا الاستعباد او الاستغلال الاقتصادي الاجتماعي والسياسي لجماهير الفلاحين من كبار الملاك فقد أصبح نظام "العبودية" الأقرب الى القنانة سائداً وان لم يكن بصورة قانونية. في هذه المرحلة كانت البرجوازية "الوطنية" في المشرق العربي غاية الضعف من حيث التشكل أو التأثير ، ولم تكن تشغل مكاناً ملحوظاً في الحياة الاجتماعية – الاقتصادية للمدينة ، سوى في سورية و مصر ، وكانت العائلات المالكة الإقطاعية (الباشوات) تجسد طبقة الحكام الحقيقيين لمناطقهم بالتحالف مع البورجوازية التجارية (نواة الكومبرادور الذين سيطروا على السوق والتجارة المحلية). وفي مثل هذه الاوضاع، حرصت السلطة العثمانية على قمع أية آراء متحررة او مخالفة للعقائد الرسمية الجامدة، واعتبر أبسط نقد للسلطة وأجهزتها المستبدة ، أو للعلوم اللاهوتية من أفظع الجرائم ( وهي أساليب قمعية متوارثة ما زالت سائدة في معظم بلدان الوطن العربي في المرحلة الراهنة من القرن 21). كما حُظِرَ على كافة الصحف والمطبوعات استخدام كلمات حداثية ليبرالية او ثورية مثل : الانتخابات/مجلس النواب / الديمقراطية/ حرية الرأي والمعتقد/ حرية الصحافة/مجلس الشيوخ / القنبلة / الحكم الذاتي / الديناميت/ الثورة / الوحدة الوطنية والقومية/العروبة ... الخ ، مع تزايد تراكمات وأساليب القهر والاستغلال والتخلف والجهل والأمية . ولكن مع تفاقم الاستبداد وأدوات القمع والأوضاع المتردية، بدأت معالم وحراكات النضال الوطني ضد العثمانيين من خلال العديد من الظواهر والمؤشرات: 1- تفككت وتراجعت التصورات حول عظمة السلطان وتفوق المسلمين على ما عداهم من الاديان الأخرى. 2- تقوضت أسس العلاقات الاجتماعية التقليدية بسبب عدم تلاؤمها من حيث التفكير مع الظروف الجديدة. 3- بداية التراجع تجاه التصورات الميتافيزيقية القديمة عن العالم (عبر عدد من المثقفين المستنيرين الذين تأثروا بالليبرالية الغربية ). 4- بداية تكون الشكل الجنيني لأيديولوجية البرجوازية الجديدة وثقافتها الليبرالية في سوريا ومصر (بدءاً من الأفغاني ومحمد عبده، أحمد لطفي السيد، وسلامه موسى ، وشبلي شميل ، وفرح انطون وإسماعيل مظهر، وعلي عبد الرازق وفيليب تقلا وطلعت حرب وغيرهم) ، حيث بدأت تتكرس العلاقات الرأسمالية التي كان لها آثارها الهامشية على اختلاط المفاهيم القومية بالمفاهيم الدينية. ومع هزيمة الاتراك 1919، بدأت تتراكم الاشكال الجنينية للتحرر الوطني والقومي، العربي، وظهرت الافكار القومية ، خاصة في الولايات السورية في اوساط المثقفين البورجوازيين فقط دون وصولها الى الجماهير الشعبية ، حيث ظلت الزعامات الاقطاعية والعشائرية والدينية تحتل نفوذاً لا جدال فيه على آراء وعقول الجماهير. من أوائل المنورين في مجال الفكر التحرري القومي ، بطرس البستاني وناصيف اليازجي اللذان أكدا على التلاحم العربي ونبذ التفرقة الدينية، وإبراهيم اليازجي الذي رفع شعار إسقاط الحكم التركي واستقلال العرب ، وألف نشيد "بعث الأمة العربية" عام 1868 ، وفي عام 1904 دعا المفكر القومي الفلسطيني نجيب عازوري الى استقلال العرب عن الاتراك ، وأعلن تأسيس رابطة الوطن العربي ، وأصدر في عام 1905 -من باريس- بيان يقظة الامة العربية ، ثم أصدر عام 1907 صحيفة الاستقلال العربي باللغة الفرنسية. وعلى أثر هزيمة الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى ، تشكلت الجمعيات العربية ذات الطابع القومي من اجل الاستقلال ، كما أدى انتشار انباء الثورة الاشتراكية والدور الاممي للاتحاد السوفياتي آنذاك تأثيرا إيجابيا لدى بعض حركات التحرر الوطني في الوطن العربي، لكن اغلبية هذه الحركات التي اتسمت بالضعف بحكم فكرها اليميني الرجعي المرتبط بتركيبها الطبقي شبه الإقطاعي ، رفضت كلفة الأفكار المتحررة الليبرالية عمومآ والاشتراكية خصوصا حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية وحصول معظم البلدان العربية على استقلال شكلي، مع استمرار هيمنة الطبقات الاقطاعية والفئات العليا من الرأسمالية( المولودة من احشاء الإقطاع) ، وفي مثل هذه الأوضاع كان دور القوى الوطنية عموماً واليسارية خصوصاً هشاً ضعيف التأثير . ومع قيام ثورة يوليو في مصر، ثم قيام الثورات او الانقلابات الوطنية ( بقيادة البرجوازية الصغيرة) في الجزائر والعراق وسوريا واليمن و السودان ، بدعم صريح من النظام الناصري الذي كان له دوراً رئيساً في الدعوة الى إزاحة وتفكيك الاقطاع المحلي ، ومجابهة الاستعمار والنظم الرجعية العربية ، الى جانب الموقف ضد الدولة الصهيونية . وقد تميزت تلك المرحلة بحالة من المد القومي العفوي والرومانسي بتأثير كاريزما الزعيم الراحل عبد الناصر ، كما تميزت بشعاراتها السياسية الفاقدة للرؤى والأفكار والبرامج الاقتصادية التنموية والاجتماعية النهضوية التقدمية الديمقراطية بسبب هيمنة البرجوازية الصغيرة الحاكمة وحلفائها على قيادة حركة التحرر القومي ، الى جانب استمرار قمع واعتقال القوى اليسارية ومن ثم إضعافها وغياب دورها وتأثيرها على الرغم من تأييد الاتحاد السوفياتي غير المحدود لعبد الناصر و قضايا التحرر العربي ، وذلك انطلاقا من قناعة السوفيات بدور جمال عبد الناصر الوطني والقومي التقدم المعادي للإمبريالية من ناحيه ، ودوره في تطوير قدرات المجتمع المصري الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية والسياسية الى جانب دوره في دعم حركات التحرر الوطني من ناحيه ثانيه ، وبالفعل كان دور القائد الراحل عبد الناصر متميزا في رؤاه و مواقفه الوطنية والقومية_ رغم ممارساته القمعية ضد الشيوعيين _ بمثل تميزه في النهوض ببلده مصر وتقدمها الصناعي والاقتصادي والثقافي والسياسي ودورها العربي الريادي ، لكن القوى الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية انطلاقا من حرص هذه القوى على مصالحها في بلادنا ، وقفت بالمرصاد ضد كل ممارسات الراحل عبد الناصر بهدف افشال سياساته وبرامجه الوطنية والقومية التقدمية ، ذات الطابع الفردي غير الممأسس تنظيمياً وفكرياً ومجتمعياً ، الأمر الذي وَفَّر عوامل نجاح المخطط الامبريالي الصهيوني لإسقاط النظام الناصري ، وكانت هزيمه عام 1967 تتويجاً وتنفيذاً لكل تلك المخططات التي وجدت بالطبع العديد من الثغرات السلبية في البنيه السياسية والاجتماعية الحاكمة لنظام عبد الناصر خاصة بعد ان تفاقم دور البورجوازية الصغيرة العسكرية خصوصا التي شاركت في النظام الحاكم ، ومن ثم تطور دورها عبر متغيرات طبقيه انتهازيه بالتحالف مع البيروقراطية الطفيلية وبقايا الاقطاع والفئات العليا من الرأسمالية الكومبرادورية الرثة التابعة ، الأمر الذي ادى الى توفير المناخات المعادية لعبد الناصر والتي كانت احد اهم عوامل انتصار العدو الصهيوني في حزيران 1967 واضطرار الراحل عبد الناصر بعد تلك الهزيمة الى اجراء بعض التغييرات في مواقفه السياسية تجاه انظمه الرجعية العربية الى جانب استعداده للتوصل الى تطبيق ما سُمّي بـ شعار "السلام العادل" وقبوله بقرار مجلس الامن 242 ..الخ ، وفي نفس الوقت حرصه الشديد على بناء الجيش المصري بدعم غير مشروط من الاتحاد السوفياتي . ولكن رحيل القائد الخالد في 28 سبتمبر 1970 عن دنيانا فتح الباب مشرعاً امام القوى والأنظمة اليمينية والرجعية العربية ، خاصة السعودية ودويلات النفط ، باسم الانفتاح وتكريس التبعية الكاملة للمخططات الأمريكية/الصهيونية ، وصولاً الى اتفاق كامب ديفيد 1978 ، الأمر الذي عزز حالة المأزق في مجابهه حركات التحرر العربية عموما والفلسطينية بوجه خاص. وبالفعل نجحت الامبريالية بالتعاون مع عملائها حكام النظام العربي في حصار وخنق حركات التحرر في بلداننا العربية وتفكيكها في شروط تُحاصَر فيها الثورة التحررية الوطنية والقومية الديمقراطية في بلادنا، سياسياً وإيديولوجياً وثقافياً وأمنياً عبر وسائل القمع والاضطهاد الممتدة حتى اللحظة في المشهد الراهن الذي تسيطر عليه القوى الكومبرادورية والبيروقراطية والطفيلية المتخلفة والتابعة (في ظل تراجع وتراخي وضعف القوى اليسارية الماركسية ) ، وأصبح هذا المشهد – في فلسطين وكل بلدان الوطن العربي زاخراً بصور الهزيمة والهيمنة الأمريكية الصهيونية على مقدرات شعوبنا من جهة، الى جانب مظاهر الاضطهاد والاستغلال والفقر والجهل والتخلف في ظل مظاهر البذخ والفساد والامتيازات والثروات غير المشروعة للشرائح والطبقات الحاكمة من جهة أخرى. ففي ظل استمرار سيطرة شروط محاصرة الثورة في هذا المشهد العربي المحكوم بأنظمة الاستبداد والتخلف والتبعية والتطبيع والخضوع، مع استمرار غياب التأثير الفعال للقوى اليسارية، وتزايد وتكاثر مظاهر الهبوط السياسي والانتهازية والتكيف والخضوع -في معظم أحزاب وفصائل اليسار العربي- تحت مسميات براقة وخادعة باسم الليبرالية أو الواقعية المستسلمة لشروط الواقع المأزوم والمهزوم، حيث يتم خلط المبادئ والأفكار الثورية وإفراغها من مضامينها ، بدءاً من ماهية التحرر الوطني والديمقراطي، والمشروع الوطني وثوابته وصولاً إلى الهبوط بالقضايا المجتمعية والمطلبية ، والهبوط بالرؤية الفكرية للنظرية الماركسية ومنهجها ، وانحسار النضال والصراع ضد الإمبريالية والحركة الصهيونية ، وقضايا النضال والصراع الطبقي ... الخ، وهو مناخ حاولت (وما زالت) فيه الرأسمالية وبرجوازيتها الكومبرادورية أو أدواتها التابعة في بلادنا فرض الاستسلام والركود على جميع ساحات الحياة، في كل أرجاء الوطن العربي. وبالتالي فان دروس وعبر المجابهة والتحدي في هذه المرحلة المنحطة تتجلى في تعميق الوعي الثوري من أجل التغيير الديمقراطي المنشود وتحقيق الأهداف الوطنية والقومية التقدمية الكبرى في التحرر والديمقراطية والتنمية المعتمدة على الذات والعدالة الاجتماعية من منظور طبقي ملتزم بالماركسية ومنهجها، لكن ذلك الهدف مرهون في تحققه بقوة الالتزام والانتماء في اوساط أحزاب وفصائل اليسار، حيث لا يستطيع العضو الحزبي، والكادر بالذات الاستمرار بالعمل الثوري إن لم يُعلِّم نفسه ويرشد الجماهير ويسترشد بها ويتعلم منها، وأن يمتلك الوعي بالنظرية الماركسية ومنهجها والوعي بالواقع من اجل تغييره باعتبار ذلك الوعي شرط أولي وجزء لا يتجزأ من النشاط التنظيمي. السؤال هنا : ما هو مفهوم حركة التحرر القومي العربية وما طبيعة ازمتها وواقعها ، وبماذا يتسم هذا الواقع اليوم ؟ للإجابة عن هذا السؤال ، فإن من أولويات حركات التحرر القومي التقدمية الديمقراطية العربية ، أن تبدأ بالواقع التاريخي الحديث للأمة العربية ، وتنطلق من الملاحظة التاريخية بأن الأمة العربية جابهت الإمبريالية الغربية منذ البداية ضعيفة مجزأة متخلفة وعارية سياسياً. لكن على الرغم من ذلك -كما يقول د.هشام غصيب- "فإن بذور حركة التحرر القومي العربية موجودة في حركة المقاومة العربية : في مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال الصهيوني، وفي المقاومة اللبنانية والمقاومة العراقية، وكافة حركات المقاومة للإرهاب المعولم ومموليه وداعميه، وفي مقاومة الشعوب العربية للنيوليبرالية وإملاءاتها . لكن تلك المقاومة ما زالت محدودة وما زالت تفتقر إلى المضمون الاجتماعي الثوري الديمقراطي العميق والمشروع التاريخي البديل، فمع أنه ليس هناك أمة في العصر الحديث قاومت المحتل وقدمت من الشهداء بقدر ما قاومته الأمة العربية وما قدمته من شهداء، إلا أن أمتنا أخفقت حتى الآن في تحويل حركات المقاومة العربية إلى حركة تحرر قومي عربية نهضوية تنموية شاملة، على غرار ما حدث في روسيا والصين وجنوبي شرقي آسيا وكوبا. بالإضافة الى ذلك فإن "الامبريالية لم تكتف بإعادة رسم الحدود، وإنما خلقت أيضاً آليات في كل قطر عربي وعلى الصعيد القومي لتجديد حالة التجزئة والتبعية والتخلف، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني. بيد أن الكيان الصهيوني نما محلياً وعالمياً، فأضحى مركزاً إمبريالياً في حد ذاته واكتسب دوراً أيديولوجياً عالمياً، أي أضحى تجسيداً محلياً للجناح الأكثر ظلامية في الإمبريالية العالمية ، وأخذ يخطط لنظام جديد للتجزئة في الوطن العربي، فهو يسعى إلى بلقنة الوطن العربي وتفتيته على أسس إثنية وطائفية وقبلية ضيقة ومغرقة في تخلفها ورجعيتها بصورة أسوأ بما لا يقاس من تفكيك سايكس بيكو ، والنتيجة هي ما يحصل اليوم في سوريا في ظل حكومة الجولاني المستسلمة لمخططات التحالف الامبريالي الصهيوني ومحاولة تركيع لبنان بعد استشهاد القائد حسن نصرالله ، ثم الحرب ضد ايران وصمودها وهجومها المعاكس على تل ابيب الذي كان أول هجوم فعال ضد الكيان الصهيوني منذ عام 1948 ، ولا ننسى هنا نضال شعبنا الفلسطيني عمومآ وغزة الصامدة خصوصا في مجابهة حرب إبادة نازية صهيونية دموية تدميرية متواصلة منذ حوالي 20 شهر ادت الى استشهاد وفقد وجرح أكثر من 200 ألف ، وكذلك تفجر الصراع بين الكيان الصهيوني واليمن على اثر تضامنها الفعال مع شعبنا وقيامها بقصف الكيان بروح عالية من البسالة ، لكن مساندة الإمبريالية الأمريكية للكيان الصهيوني شجعته على مواصلة تنفيذ المخططات المشتركة ضد القضية الفلسطينية وم.ت.ف وضد سورريا وقصف السويداء ودمشق ، وضد لبنان والحبل على الجرار. وقد تم ذلك من أجل ترسيخ الكيان الدخيل في الأرض العربية ولجم تطور الأمة العربية واحتجاز تطور بلداننا واستمرار تبعيتها وتخلفها والتحكم في الموارد العربية ونهبها عبر التبعية الغارقة في الاستسلام كما هو حال جماعة ما أسماهم ترامب بالابراهيميين دويلات الخليج والسعودية. هنا أشير الى مفهومي التأخر او التخلف والتبعية التاريخيين لمعظم بلدان الوطن العربي، حيث يتجلى هذا المفهومان سياسيا بغياب الرأي العام وبكونه صاغرا وعزوفا، اقتصاديا بكون الاقتصاد العربي مندلقا نحو الخارج وتابعا، ويتجلى اجتماعيا بسيطرة بنى اجتماعية ما قبل قومية (طائفية، عشائرية، عائلية، محلية..)، ويتجلى فكريا بسيطرة فكر تقليدي تمتد جذوره إلى العصر الوسيط. لذلك لا بد لنا في اطار حركات اليسار ان ننتقل من نقد "السطح السياسي" إلى نقد "العمق الاجتماعي" الذي يصوغ الحيز السياسي ويفرزه" ، آخذين بعين الاعتبار الموقف النقدي للمفكر الراحل ياسين الحافظ ضد الايديولوجيا المهزومة "التقليدوية الجديدة" التي توهمت إمكانية دخول العصر بِتَجَنُّب الثورة القومية الديمقراطية أو "المنظور النهضوي" ، والقفز إلى تبني "المنظور التنموي"، فقال: "ما من شعب حقق تقدما اقتصاديا دون أن يكون قد حقق تقدما مجتمعيا وثقافيا وسياسيا. لقد كان الحافظ رائدا في التقاط عوامل هزيمة المشروع القومي العربي، حين استعاد الإشكالية المركزية للنهضة عبر سؤال "التأخر"، باعتباره ليس تخلفا اقتصاديا يمكن تجاوزه عبر التنمية، وليس مسألة فقدان أصالة الذات التاريخية التي زُلْزِلَت موضوعياً أمام التوسع الكولونيالي ، بل المسألة تكمن في التأخر كفوات أو تخلف حضاري يشمل كل بنى المجتمع العربي ، حيث اعتبر الحافظ التأخر هو المسألة المركزية في الواقع العربي المعاصر، لذلك انتقد الأحزاب الشيوعية ومنظروها الذين توهموا بإمكانية دخول العصر و"تجنب الثورة القومية الديمقراطية التي دشنت العصر الحديث من خلال قلبها وتصفيتها المجتمع التقليدي القديم، وعبر هذه التصفية أمكنها أن ترسي بنى المجتمع الحديث المجتمعية والأيديولوجية والسياسية وإطلاق قواه الإنتاجية. في هذا السياق أكد المفكر ياسين الحافظ على مفهوم الوعي المطابق، أي تملك السياسات العربية للوعي المناسب لحاجات تقدم الأمة العربية وتحررها ووحدتها، وهو وعي لا يمكن أن يتكون إلا على أرضية الحقيقة الواقعية، وليس الحقيقة التي تنطوي عليها النصوص في اكتمالها المنهجي الداخلي الذاتي. وهو ذو ثلاثة مستويات: أولها، هو وعي كوني. وثانيها، هو وعي حديث. وثالثها، هو وعي تاريخي. والواقع -كما يقول ياسين الحافظ- "أن الليبرالية والاشتراكية ، على ما بينهما من تكامل وتناقض، وبخاصة الماركسية، ماركسية ماركس، هما الايديولوجيتان الحديثتان اللتان تقدمان مناهج وأدوات وقيم تسهل امتلاك الوعي الكوني المنشود". وحينئذ لا بد من الارتقاء من الواقع الأقوامي المفتت إلى واقع الأمة الذي يحقق الاندماج القومي، وينتج وعياً مواطنياً جديداً يستجيب لصورة الأمة/ الدولة الحديثة، في صيغة وعي قومي – عقلاني- ديمقراطي – علماني- حديث ، فلا يمكن امتلاك وعي مطابق بدون امتلاك الحداثة ، وتطبيق مفاهيمها وأسسها حول المواطنة والحرية والديمقراطية والعلمانية والعدالة ، حيث لا يمكن الامتداد مكانياً في العصر دون الامتداد زمنياً في امتلاك وعي العصر ضمن دولة الأمة أو الدولة القومية ، بما يحقق مضامين الحداثه القادرة على التمفصل في بنية المجتمع العربي للاستجابة إلى حاجات تقدمه، عبر استلهام وتطبيق مبادئ عصر الأنوار، والثورة الفرنسية ، والمجتمع الصناعي ، والحركة الاشتراكية، باعتبار تلك المبادئ تجسد الأهداف التي تتطلع إليها شعوبنا عمومآ وجماهير العمال والفلاحين الفقراء وكل الكادحين والمضطهدين خصوصا، عبر آمال معقودة على استنهاض حركات التحرر العربية التقدمية الديمقراطية لكي تستعيد دورها الطليعي في انهاء وتجاوز كل مظاهر التبعية والتخلف والاستبداد والاستغلال الطبقي كخطوة رئيسية على طريق ازالة الوجود الامبريالي الصهيوني من بلادنا وإقامة دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية لكل سكانها.
#غازي_الصوراني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بوضوح ....
-
ثلاثة وخمسين عاما على استشهاد الأديب المبدع والقائد المفكر غ
...
-
حاجة المثقف العربي إلى بلورة مفهوم جديد للمعرفة
-
كيف يمكن للعرب أن يبحروا في خضم المجتمع العالمي الزاخر بالتغ
...
-
في حضرة ليلى خالد
-
لماذا أخفقنا كيساريين ماركسيين في الوطن العربي ونجح غيرنا ؟
...
-
بمناسبة الأول من أيار 2025: رؤية وموقف معزز بالبيانات والأرق
...
-
غزة المنكوبة بالقصف والموت والجوع والمرض تستغيث وتستجير باخو
...
-
وجهة نظر حول استمرار انسداد الوحدة القومية في الوطن العربي
-
عن الهوية القومية العربية وفق المضمون الحداثي كشرط لتفاعل ال
...
-
غزة لم تعد قادرة على صراخ الاستغاثة امام القصف والتجويع ومحا
...
-
في الذكرى التاسعة والاربعين ليوم الأرض
-
من وحي العدوان الهمجي على قطاع غزة ... رؤية استراتيجية حاملة
...
-
باختصار، عن العلاقة بين التخلف المعرفي والتخلف الاجتماعي.
-
تلخيص كتاب : دولة لليهود - تأليف : تيودور هرتزل
-
نحو تشكيل حكومة توافق وطني أو حكومة وحدة وطنية
-
ما هي المعرفة ، وما هو دور الممارسة في عملية المعرفة وأساسها
...
-
وجهة نظر وموقف حامل لدعوة عاجلة لعقد مؤتمر وطني
-
اليهود ليسوا شعبا وليسوا أمة
-
عام 2024 كان عاما حاملا لكل أشكال القتل والارهاب والموت ودمو
...
المزيد.....
-
إسرائيل تعلن اعتراض صاروخ أطلق من اليمن ودوي صفارات الإنذار
...
-
علماء يكتشفون أكبر اندماج على الإطلاق بين ثقبين أسودين هائلي
...
-
طواف فرنسا: الهولندي آرينسمان يحقق انتصارا بطوليا وبوغاتشار
...
-
مظاهر تصاعد وتيرة التحريض العنصري والسياسي على فلسطينيي 48
-
خامنئي: تطوير القدرات العسكرية والعلمية سيشهد تسارعا
-
فرنسا تدعو لتوحيد سوريا عبر حلول سلمية وضمان حقوق الأكراد
-
وسط مواقف متباينة.. فرنسا تدافع عن قرارها الاعتراف بدولة فلس
...
-
حرائق جديدة تلتهم غابات تركيا والحكومة تعلن منطقتي كوارث
-
مراقبون: مقتل العشرات بهجمات للدعم السريع في قرية بغرب السود
...
-
بسبب الحرب في غزة.. هل ستنهج ألمانيا موقفا أكثر صرامة إزاء إ
...
المزيد.....
-
اشتراكيون ديموقراطيون ام ماركسيون
/ سعيد العليمى
-
الرغبة القومية ومطلب الأوليكارشية
/ نجم الدين فارس
-
ايزيدية شنكال-سنجار
/ ممتاز حسين سليمان خلو
-
في المسألة القومية: قراءة جديدة ورؤى نقدية
/ عبد الحسين شعبان
-
موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من قضية القومية العربية
/ سعيد العليمى
-
كراس كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق
/ كاظم حبيب
-
التطبيع يسري في دمك
/ د. عادل سمارة
-
كتاب كيف نفذ النظام الإسلاموي فصل جنوب السودان؟
/ تاج السر عثمان
-
كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان
/ تاج السر عثمان
-
تأثيل في تنمية الماركسية-اللينينية لمسائل القومية والوطنية و
...
/ المنصور جعفر
المزيد.....
|