أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد خليل - صفعة من الماضي














المزيد.....

صفعة من الماضي


خالد خليل

الحوار المتمدن-العدد: 8153 - 2024 / 11 / 6 - 21:05
المحور: الادب والفن
    



‎كان يوماً قائظاً، والشمس تتسلل من نوافذ المدرسة كأنها تراقب بهدوء كامن كل شيء، تراقبني أنا خاصةً، وتراقب أستاذ البيولوجيا وهو يمشي بين مقاعدنا بخطوات ثابتة، مغلقةً عليّ باب التردد. كنت في الصف العاشر حينها، طالباً تغمره رغبةٌ في المعرفة وفضولٌ بلا نهاية. في ذلك اليوم، حملت أسئلتي وشكوكي التي راودتني بعد الامتحان، ووقفت أمام الأستاذ عسى أن أجد جواباً يغذي هذا العطش.
‎اقتربت منه بأدب، طلبت مساعدته، وبسطت أمامه تلك الأسئلة العالقة كمن ينثر أمانيه على باب خيباته، لكنه قابلني بنظرة باردة، قاسية، أشعرتني بأنني أطلب شيئاً بعيداً عن متناول إنسانيتي. وقبل أن أستوعب ما يحصل، رأيت يده تمتد، عابرةً الهواء كالسوط، لتنزل صفعةً على وجهي. شعرت بصدمةٍ تهز كياني، وشاهدت نفسي أسقط على الأرض أمام أعين زملائي الذين لم يجرؤوا على التدخل.
‎كانت تلك الصفعة كجرحٍ لا يُرى، لكنها حفرَت عميقاً في روحي، وأخذت معها شيئاً من نقائي وثقتي. ولم أكن أعلم حينها أن هذه الضربة لن تبقى في ذلك اليوم فقط، بل ستمتد كظلّ ثقيل يرافقني في كل خطوة لاحقة من حياتي.
‎مضت السنوات، ومع كل عثرةٍ أو جرحٍ كان يعود ذلك الشعور الغريب. أتعثر في الدنيا، وأفقد شيئاً في كل مرة، ليعودني شعور أن جسدي لا يزال يحمل ندوب تلك الصفعة، وكأن روحي لم تعد تشعر بالأمان منذ ذلك اليوم. حتى الأمراض التي أصابتني لاحقاً، الجسدية منها والنفسية، كانت كأنها نابعة من ذلك الجرح العميق، من أيامٍ وأحداث تشبهها، حيث كنت أتعرض للأذى وأبقى صامتاً. نعم، هكذا كان سيقول لي الطبيب لو أعددنا معاً بروفايلاً نفسياً لرحلتي مع الألم: "كل هذه الأوجاع هي خيوط متشابكة، تمتد من تلك اللحظة، حين وقع الصمت بينك وبين صفعة لم تنسها، ومن كل لحظة بعدها حيث كان الآخرون يؤذونك وأنت تخفي جرحك بلا رد."
‎وفي لحظةٍ من حياتي، حين بلغتُ من العمر ما يكفي للتأمل في الماضي بشجاعة، قررت أن أكتب رسالة إلى ذلك الأستاذ. لم تكن رسالة عتاب، بل كانت رسالة تساؤل وبحث عن فهم. كتبت فيها: "أيها الأستاذ، هل تتذكر ذلك اليوم؟ هل خطر لك يوماً أن الصفعة التي وجهتها لي لم تكن مجرد فعل عابر؟ هل تذكر وجهي المصدوم؟ ذلك الوجه الذي لم ينسك يوماً، لأنه حمل معه ندوب تلك اللحظة إلى الأبد؟"
‎لكنني حين انتهيت من كتابة الرسالة، شعرت كأنني وضعت جزءاً من ثقل الماضي جانباً. طويت الورقة ببطء، ووضعتها في صندوق خشبي قديم حيث أسكنُ فيها الذكريات المنسية. وفي تلك اللحظة أدركت أنني لست بحاجة لإرسال الرسالة، فقد كان الحديث الذي دار بيني وبين نفسي هو الرسالة الأعمق. رأيتُ حينها في المرآة ذلك الشاب الذي سقط أرضاً، لكنه هذه المرة لم يكن ضعيفاً أو منهزماً، بل كان يقف شامخاً رغم كل شيء.
‎قد تكون الصفعة قد تركت ندوباً عميقةً في كياني، وقد لا تغادرني آثارها أبداً، لكنها لم تعد تأسرني. لقد أخذت منها درسي، وقررت المضي قدماً، تاركاً الماضي حيث ينتمي، ومُعترفاً أنني أقوى بكثير مما كنت أتصور. فقد أدركت أن الغصة الحقيقية لم تأتِ من الضربة ذاتها، بل من تساؤلي الذي لن يجد إجابة: "لماذا ضربتني؟



#خالد_خليل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنشودةُ الرملِ والندى
- رماد الطفولة في خيام اللهب
- الظلّ
- مقام الذكرى
- ‎قصة: -رهان الظلال-
- عندئذ…
- إيماءات
- مزيج غامض
- هو أنت…
- طيف السراب
- مسارات أزلية خارج الزمن ( رواية مكثفة )
- العلم والدين: تكامل ديناميكي - ونقد لأعداء الروحانية برؤية ح ...
- جرعات بنكهة السخرية
- في قيد الزمان
- ظلال الخيانة-سردية فلسطينية
- هوى بحري
- اغنيات لا تكتب في النهار
- أنشودة فلسطين الخالدة
- الإعلام الإسرائيلي: أداة في خدمة الاستعمار ومنظومة الأمن
- انطباع أولي حول رواية النهار بعد ألف ليل لمحمد هيبي


المزيد.....




- عبور مؤجل إلى ما خلف العدسة.. عبد الله مكسور يكتب يومه في ال ...
- -أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما ...
- أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
- مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني- ...
- انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
- أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
- أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف ...
- مهرجان كان السينمائي: لجنة التحكيم تبدأ عملها في مشاهدة أفلا ...
- -عيبٌ أُحبّه-.. 7 أيام كافية لهزّ الوجدان في الرواية الأولى ...
- دراسة نقدية لنص(نص غانية) من ديوان (قصائد تشاغب العشق) للشاع ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد خليل - صفعة من الماضي