أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تشريح الذات: كانَ صيفَ الخفّة















المزيد.....



تشريح الذات: كانَ صيفَ الخفّة


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 7953 - 2024 / 4 / 20 - 18:51
المحور: الادب والفن
    


1
ولأنه كانَ عام العشق، فإنّ دارين كانَ لا بد أن يتعارف فيه على أحد مواطني عشيقته. لعله إلتقى " همرين " لأول مرة عند أحمي، في هذا الصيف الرائع، الشاهد على البطولة الدولية لكرة القدم. كونهم ثلاثتهم غير متحمسين للكرة، شرعوا في الحديث عن شأنٍ أكثر جاذبية. وثالثهم كانَ أيضاً شاعراً، وقد إنهمك في الآونة الأخيرة في ترجمة بعض قصائد سليمو؛ قديس الأدب الكرديّ المكتوب بالعربية ـ كما دَرَجَ زوجُ الثعلب على إشاعته مؤخراً. وهمرين رجلٌ ساخر أكثر منه كاتباً، بالرغم من أنه على شبه كبير بالسويديّ غونّار إيكيلوف في مرحلة صباه. وبدأ شاعرنا يفقدُ شَعره في الآونة الأخيرة، وبصورة متسارعة، كونه تعرّضَ لقصفٍ كيماويّ حينما هاجمت مقرَ الأنصار الشيوعيين طائراتُ صدّام حسين قبل نحو خمس سنين. همرين كانَ قليلَ الكلام، وبعيداً عن التبجّح، يمتلكُ بصيرةَ التمييز بين الأصيل والمزيّف. لذلك أطلقَ على خفيفو لقبَ " اللوطي "، مباشرةً عقبَ تعارفهما. سوى أن لغته العربية كانت ركيكة نوعاً ما، وبالتالي، فإنّ ترجماته المباركة إلى الكردية السورانية من الصعب تقييمها.
لقد إستهلت صداقته مع دارين ببداية طيبة، عموماً. مع أن جوّ الجلسة كانَ باهتاً نوعاً ما، بسبب نظرات التحفّظ من لدُن المُضيفَيْن ـ كصدى لتلك الصداقة. إذ تأبّط دارين مقالته النقدية عن رواية جديدة لسليمو، نشرتها إحدى الصحف اللبنانية البارزة، وظهرت في عددين. إنهمك الضيفُ في قراءة المقالة، فيما أحمي وإمرأته يتبادلان كل فينةٍ نظرة ساخرة. وكالمألوف، أخذت المرأة نظرة مسبقة عن دارين؛ وهيَ نفسها، نظرةُ الريفيّ إلى إبن المدينة. رَجُلها هوَ ربُ البيت، كونها لا تُجيد شيئاً من الواجبات المنزلية. كانت تكتفي بوضع رجلٍ على رجل، راسمةً إبتسامة متحفّظة على شفتيها المسحوقتين مع نظرةٍ متكبّرة. وكانَ في وسع هذه النظرة، لو سُددت إلى السماء، أن تجعل سُحُبها تمطر خراءً؛ أو بولاً في أحسن الأحوال. للحقيقة، أنها في مبتدأ التعارف مع دارين، محضته شعورَ الود. وفي عام سابق، حثّت زوجها على قبول دعوة غداء في بيته. حقاً أنها أبدت قليلاً من الإمتعاض حيال المطبخ الشاميّ، كونه لا يصدرُ عنه رائحة الزنخ، ولكنها أشادت عموماً بالرجل الشرقيّ ذي العقلية المتطوّرة. شعورُ الود هذا، ما لبثَ أن إمّحى عقبَ معرفتها أن دارين في سبيله للإقتران بقريبته: لقد كانت تفكّر بشقيقتها الصغيرة، مؤملة أن تشحنها إلى السويد عن طريق الزواج بأحدهم.
في تلك الآونة، كانَ دارين يُقيم في ستوكهولم للأسبوع التالي على التوالي. مُضيفه، لم يكن سوى عُمَرو، أو بالأحرى صديقته. كانت مياهُ علاقته بالكذّاب قد تعكّرت، على خلفية السفرة الخائبة إلى ألمانيا في عامٍ سابق. إلا أنه دوغان، مَن حثّ قريبه على مساعدة صديقهما في تنضيد مجموعته الشعرية الأولى، بعدما أخذ هذا الأخير وعداً من دار نشر في العاصمة بطباعتها. هكذا وضعَ عُمَرو جهازَ الكومبيوتر في تصرف الضيف، غبّ إعطائه دروساً سريعة في الترقين. الصديقة الجديدة، لم تكن بطيبة وبساطة فيكتوريا، إلا أنها كانت ودودة مع ضيفها. بالرغم من أن ثلاجتها كانت متخمة، فإن صديقها كانَ يطلب من دارين رفدها بإستمرار بكل ما يخطر لشراهته. وهوَ بنفسه، لم يكن ليشتري الخبز حتى لو خابرته صديقته مسبقاً.
في أول ليلة قضاها دارين في شقّة ستوكهولم، عرضَ التلفزيون الجزءَ الثالث من ملحمة " العرّاب " لفرنسيس فورد كوبولا. تحمّسَ الكذّابُ كثيراً لأحداث الفيلم، وكانَ يُطلق تعليقاتٍ بالسويدية تنم عن كونه من زعماء المافيا التركية حينَ كانَ يُتم دراسته الجامعية في إسطنبول. مع أنه فيما مضى، قدّمَ نفسه لدارين كخريج الهندسية الفلانية من جامعة أنقرة. لم ينتهِ الفيلم إلا بعد منتصف الليل بساعة. كانَ دارين يودّ النومَ على الأريكة في الصالة، لكن المضيف نفخَ شدقه وقال بنبرة عتاب: " أيُمكن أن أسمحَ لصديقي بالنوم على أريكة؟ "
" ولكن الطفلة تنام في حجرتها "
" لا تنسَ أن السريرَ ثمة مزدوجٌ "، قال ذلك ثم إتجه إلى تلك الحجرة وهوَ يترنّحُ قليلاً. كانَ قد أتى على نصف زجاجة ويسكي، جلبها الضيفُ يومئذٍ كهدية. بعد قليل، دُعيَ هذا الأخير للرقاد في الحجرة المعلومة، وإنسحبَ المُضيف إلى الحجرة الأخرى. حينَ أراد دارين الإرتقاء إلى السرير العلويّ، إنتبه إلى أنّ الطفلة مُعرّاة تقريباً من الأسفل؛ فقام بإسدال اللحاف على جسدها. في ساعةٍ متأخرة من صباح اليوم التالي، تناول الفطورَ مع المُضيف. سأله عن صديقته، فأجابَ أنها أخذت إبنتها إلى المدرسة ومن ثم أكملت الطريقَ إلى عملها في المطار. ثم سأل بدَوره الضيفَ، بنبرةٍ مُبيّتة: " هل نمتَ بشكل جيّد، البارحة؟ "
" نعم، نمتُ بسرعة "
" أعتقدُ أنك رأيتَ أحلاماً إيروتيكية! "
" ولِمَ هذا الإعتقاد الغريب؟ "
" أعني، بسبب مشاهد فيلم العرّاب.. "
" لا أذكرُ أنه إحتوى على هكذا مشاهد، ولا بد أنك تتكلم عن فيلمٍ آخر؟ "
" آه، حقاً. أنا قلتُ ذلك على سبيل المُداعبة "، ردّ وهوَ يتكلّفُ الضحك. وبهذه الروحية، شاءَ المُضيف حملَ صديقه على إصدار مجموعته الشعرية في دار نشر مُرتجلة، أعطاها كنيته. وبالطبع، كانَ يأملُ بإستحواذ مبلغ كبير من المال من المجلس الأدبيّ لقاءَ طباعةٍ في غاية الرداءة؛ شأن دواوينه وترجماته، إذا كانت تسمى حقاً شعراً وترجمة!
فكم كانت خيبة الكذّاب كبيرة، عندما علمَ لاحقاً أن بروفة المسودّة الأساسية للمجموعة الشعرية، قد أضحت عند دار نشر كبرى في ستوكهولم، يُديرها أحد مواطنيه. قبل ذلك، كانَ دارين قد إستشار دوغان في الأمر، فشجّعه هذا بالقول: " نعم إنها دارُ نشر محترمة، وتحصل بإنتظام على الدعم الماليّ من قبلنا ". وكان يقصدُ المجلسَ الأدبيّ، الذي يعملُ فيه مسئولاً عن القسم الأجنبيّ.

2
بصفته الثعلبية، توصّلَ أحمي إلى إقناع دارين بكتابة مقالٍ نقديّ: " هدفه ليسَ مناقشة أعمال دوغان الأدبية، وإنما تعرية شخصيته؛ كدَعيّ ونفّاج "، كما قالَ على الهاتف. المقال، سيكون غفلاً من التوقيع، أو بإسم مستعار، وسيُترجم من قبل الثعلب إلى الكردية وينشر في صفحته الثقافية بتلك الجريدة البائسة. خلفية هذه الفكرة، تمثلت بقراءة دارين لمقابلة أجراها دجلة مع الكاتب الكبير، نشرها في العدد الأخير من مجلته. في المقابلة، يُبدي دوغان إستهانته بمنجزات جيل النهضة الكردية، التي بُعثت في الشام في النصف الأول من القرن العشرين. في حقيقة الأمر، أنّ أحداً من النخبة الثقافية في ستوكهولم لم يكن قد علّقَ بعدُ على كلامه. فيما بعد، إقتنع دارين بأن هدفَ الثعلب هوَ تخريب علاقته مع دوغان، بالنظر لعلمه أنه يسعى لطباعة ديوانه الشعريَ بمساعدة هذا الأخير. كونه إنساناً إنفعالياً، وسليم الطويّة، فإن دارين إندفع إلى كتابة المقال. وعقبَ إرساله على عنوان الثعلب، إتصل هذا به هاتفياً: " المقالُ رائعٌ، ولم أكن أتصوّر بأنك تملك هذه الموهبة الفذة في الكتابة الساخرة. لكن حبذا لو أعدتَ كتابته، بحيث يكون على شكل حواريّة بين شخصين ". من لهجته، لاحَ الثعلبُ أنه في عيدٍ ـ كما هوَ حال سميّه حينَ يعثرُ على منفذٍ في سياج حظيرة دجاج.
عندما نُشرت الحواريّة الساخرة، صادفَ أن دارين كان عندئذٍ ما زال ينضّدُ ديوانه الشعريّ في منزل الكذّاب. وإذا بجرس الهاتف يرن، وهذا الأخير ما لبثَ أن همسَ: " إنه دوغان.. ". دقائق قليلة، ثم دُعيَ الضيفُ للتكلم مع الكاتب الكبير. كانَ الرجلُ في غاية الإنزعاج، يكاد رذاذ فمه يصل إلى الطرف الآخر من الخط: " هل قرأتَ ما كتب عني؟ "، قال ذلك ثم ذكرَ اسمَ الصحيفة. تجاهلَ دارين معرفته بالأمر، فمضى المتصلُ ليوضّحَ الموضوعَ: " لقد نشروا كتابة ساخرة، كلها إسفاف، تستهدفني أنا ودجلة "
" لو كانت هكذا، فلِمَ تهتم أنت بها؟ "، سأله دارين بنبرة بريئة. عاد الرجلُ للقول: " بلى، إنها إسفافٌ وغايتها تشويه سمعتي الأدبية. إنها مكتوبة باسم مستعار، لكنني أعرفُ صاحبها! "
" أتعني، أنه أحمي؟ "
" لا، هذا ليسَ إسلوب أحمي. مع أنه متواطئٌ مع الكاتب، كون المقالة نشرت في صفحته الثقافية. على العموم، إنهم يدّعون بأنني أسرقُ نصوصَ الآخرين "
" أيّ نصوص؟ "
" نصوص من مجلة هاوار وغيرها "
" لو كانت نصوصاً كلاسيكية، فإن هذا ‘ تناصٌ ‘ وليسَ سرقة أدبية "
" عال! وأنا أرجو منك أن ترد عليهم بمقالٍ نقديّ، تتكلم فيه عن هذا التناص! لتتعاون أنت وعُمَرو على إنجاز المقال، وفيما بعد أقومُ أنا بمهّمة تهذيبه ومن ثم يُنشر بإسمك! ". في اليوم التالي، بعد عودته من ستوكهولم، إتصل دارين بأحمي وحدّثه عن مكالمة دوغان. الثعلبُ، إنفجرَ مقهقهاً؛ وبلغ به الحال، أنه سقط من الأريكة على الأرض. في نفس الليلة، إتصل زورو بدارين: " لقد ظهرت مقالة ساخرة في صحيفة صاحبنا أحمي، أزعجت كثيراً دجلة ". ثم أضافَ، أنه خابرَ هذا الأخير، لكن إمرأته هيَ من ردّت وقالت: " وصلته صحيفة هذا اليوم، وبعد قراءته لها، إندفعَ إلى الشارع وراحَ يذرعه جيئةً وذهاباً وهوَ في غاية الغضب! ". وكانَ الثعلبُ بنفس السعادة والمرح حينَ ألمّ بالخبر، وطلبَ من دارين مقالة جديدة للعدد المقبل من الصحيفة. بعد عشرة أعوام بالتمام، حينَ ظهرَ على أحد مواقع النت مقالٌ ساخرٌ يُشرّحُ ذاتَ الثعلب نفسه، فإنه فكّرَ فوراً بأنّ الكاتبَ لا يُمكن أن يكونَ شخصاً آخر غير دارين. إذ ظهرَ المقالُ بإسمٍ مستعار، وأيضاً على شكل حواريّة.
وإذاً كانت الفضائحُ تنطلق من صحيفة أحمي، وكانَ هذا يحث دارين على المزيد. الكتابة الساخرة، وجّهت سهامها نحو النخبة الثقافية في ستوكهولم، أي أولئك الذين ركبوا عربة " أدب الكباب والبيتزا ". إن تعرية ذواتهم، كانت ضرورية كي يتم صقلُ إسم الثعلب؛ كممثل وحيد ـ كذا ـ للثقافة الكردية الأصيلة. وفيما العربة تتدهور، فإن كاتبَ تلك المقالات كان يجري دونَ وعي، مثل حصان سباق وُضِعَت على عينيه غمّامات. كانَ قليل الثقة بذاته، يبتغي دعماً من أشخاصٍ سبقَ أن خذلوه وأظهروا له عداوتهم. لكنه خُدع بهم مجدداً، وهذه المرة لأنهم إستطاعوا كسبَ ثقة شاعرٍ يمحضه دارين شعورَ التعاطف منذ أن تعرّفَ عليه؛ وهوَ همرين. ثم أضيفَ إليه أديبٌ آخر، كانَ على تواصل مع دارين حينَ كانَ مختفٍ في بيروت خشية أن يتم إعتقاله من لدُن مخابرات النظام. إنه " جَجْنو "، الذي عرفه في دمشق بمنتصف الثمانينات عندما كانَ يدرسُ في جامعتها. آنذاك، إنضم الشابُ الإيزيدي الخجول إلى حلقة تروتسكية لها علاقة غامضة بحزب العمل الشيوعيّ، المحظور والمطارد. في بيروت، أصدرَ بضعة أعداد من مجلة بانورامية، تخلط السياسة بالأدب. مسودة رواية دارين الأولى، أرسلها إلى هذا الصديق بغرض نشرها في بيروت. وقد بقيت النسخة لديه بضعة أشهر، دونَ أن تحظى بالنشر، ثم إصطحبها معه حينَ تمكّن من الحصول على حق اللجوء السياسيّ في النرويج وهوَ بعدُ في العاصمة اللبنانية. وإنتقل الشابُ الثلاثينيّ بعدئذٍ إلى ستوكهولم، وذلك بغيَة إتمام مشروع زواج بشقيقة إمرأة أحمي، التي كانت قد حضرت للسويد بفيزا دعوة. هذه الفتاة، اللطيفة والحسنة القسمات، ستبدي نفورها فوراً من صلعة الخطيب، الشبيهة بالصلعة السحريّة للينين. كذلك أزعجها صوته، الأشبه بمواء القطة.
في أحد أيام الصيف الجميلة تلك، إلتقى دارين مع ججنو في ستوكهولم، بحضور أحمي وهمرين. جلسوا في مقهى، ينفتحُ على " حديقة الملك "، التي تجرى فيها حفلات موسيقية أوقات الصحو. كان ثلاثتهم ينظرون بتعاطف إلى الضيف القادم من أوبسالا، ويطلقون التعليقات المرحة في شأن مقالاته الساخرة. لكن ججنو كانَ أكثر تحفّظاً، فأبدى رأياً عن جدوى المقال النقديّ الجدّي. عندئذٍ، أخرجَ دارين من حقيبته نسختين من مقالته عن رواية سليمو، ووزعهما على المعنيّ وهمرين. كأنما كانَ يُلمّح، إلى أنّ المقالات الجادة يستحقها الأدبُ الجاد. هذا المقال، كانَ قد تُوّجَ بقول لمارون عبود: " الناقدُ الأدبيّ، لا يفجّره سوى ديناميت الفن ". فيما كانَ أحمي وعديله يتطلعان في المقالة، راحا يرمقان كاتبها بنظرات الحسد والضغينة، التي تعكس شعور الفلاح إزاءَ الموسم الجيّد لجاره. قبل ذلك، أظهرا نفسَ الشعور حينما كانَ دارين يوقّع لكلّ منهما نسخة مجموعته الشعرية الأولى، الصادرة حديثاً.
من ناحية أخرى، كان ذلك العام آخر عهده بصداقة دوغان. خصلة دارين، النائية عن النفاق والمكر، دفعته إلى قطع علاقته بالكاتب الكبير. وربما أيضاً، تملّكه بعضُ الشعور بالخجل والحَرَج، الذي يُلازم كل كاتبٍ ساخر. وكانَ دوغان قد سبّبَ جلبة كبيرة في المقهى اليونانيّ، عندما إلتقى في مدخله بصحفيّ من مواطنيه، يُدعى " مستي ". إذ كانَ إسمُ هذا الشاب، شبيهاً بالإسم المستعار لكاتب المقالات الساخرة. لقد أمسك دوغان به من ياقته، صارخاً: " لم أكن أتوقّع هذا الغدر منك، أنتَ بالذات! ". ثم ما لبثَ أن أعتذرَ من الشاب، لما بيّنت ملامحه أنه يجهل المسألة برمّتها.

3
مهما يكن من أمر تلك المناوشات، فإن دارين كان يطفو على سطحها مثل كائنٍ هلاميّ. فإن قلة قليلة جداً، عرفوا أنه صاحب المقالات الساخرة، التي هزت النخبة الثقافية لا في السويد، حَسْب، بل وأيضاً في بلدان أوروبية. إذ بفضل مجلة دجلة، ظهرت أسماءٌ أكثر بؤساً من تلك البلدان، وكانَ بينهم مَن إنتحلَ بشكلٍ حرفيّ قصيدة " الحرية " لبول إيلوار. إلا أنّ أحمي، كونه يَسْكرُ بسرعة، أفلت لسانه ذات مرةٍ بإسم دارين أمام محرري الجريدة الآخرين. هؤلاء، وكانَ أبرزهم " تمّو " الطاعنُ في السن ( وخصمُ دوغان الأدبيّ )، أصرّوا على الإحتفاء بالكاتب الساخر في منزل أحدهم.
وكانت وليمة حافلة، أنجمها كؤوسُ الكريستال المترعة بالعَرَق التركيّ الفاخر. وقد دُعيَ أيضاً همرين، الذي شربَ بشكلٍ مُعتدل كيلا ينكأ جراحَ ذكريات الجبل. في طريق العودة، إفترقَ الأصدقاءُ على أساس أن يُستضاف دارين في مسكن أحمي لهذه الليلة. قبيل مغادرتهم شقة المولمين، تم تحذيرهم من إحتمال تعرّضهم لإعتداءٍ عنصريّ؛ كونه يوم عطلة نهاية الأسبوع، وهم في طريقهم إلى حي تقطنه غالبية أجنبية. عندئذٍ، عرضَ صاحبُ البيت على أحمي، مطوى بقبضةٍ من العظم المشغول، إلا أنه لم يأخذه. فالثعلبُ، كونه كائناً معروفاً بجبنه، سيُطلق رجليه للريح عند أيّ خطر. لما سُئل دارين عن إحتياطاته الشخصية، ردّ بجوابٍ مماثل: " أنا بطلٌ في سباق المسافات الطويلة! ". إلا أنّ همرين هدّأ من هذه المخاوف، بالقول أنه معتادٌ على التجوّل ليلاً ولم يقع له أيّ حادث.
حينَ إقتربَ الصديقان من المسكن المطلوب، لحظا على الناصية وجودَ سيارةٍ في داخلها شبحٌ ما. قال أحمي لدارين بصوتٍ منخفض، مرتعش قليلاً: " إتبعني ركضاً لو أنه أحد العنصريين، ريثما أفتح بابَ العمارة الخارجيّ ". وإذا الشبحُ يطلقُ معاً، بوقَ سيارته وضوءها، مع تلويحةٍ من يده عبرَ النافذة: " هاي أميغو! "، هتفَ بالإسبانية. أفرخَ روعُ الصديقين، بعدما بانت أيضاً ملامحُ الشبح، الموحية أنه من لاتين أمريكا. ثم قدّمَ الشابُ نفسه على أنه من مواطني تشيلي، ويتاجرُ بالمعاطف الجلدية الأصلية. كانَ لسانه ذرباً، ويُحسن المساومة. ولأنه من بلد بابلو نيرودا، حاز حالاً على ثقة أحمي. وقال رداً على شكوك دارين: " هؤلاء يسرقون الأشياءَ الباهظة الثمن، ثم يبيعونها بربع سعرها أو حتى أقل ". كانَ يودّ مفاجأة إمرأته بمعطفٍ ربيعيّ ثمين، علّها تخفف من غلواء تكبّرها. بالنتيجة، دفعَ ستمائة كرون. في الشقة، تلقّت إمرأته الهدية بشيءٍ من البرود.
في اليوم التالي، أولموا لدارين ومن ثم حضرَ همرين وصديقته السويدية. " روزا " هذه، كانت في مقتبل الثلاثين، أو أقل قليلاً، جميلة ومرحة. شأن مواطناتها عموماً، كانت ذات ثقافة عالية ومتنوّعة. ثم إنضم إلى الوليمة شابٌ من الجزيرة، خريج كلية الطب في موسكو. وكانَ دارين قد تعرّف على الشاب في العاصمة السوفييتية، وأخذ عنه إنطباعاً كشخصٍ نمّام. ويبدو أنه تحلّى أيضاً بخصلة الغرور، مذ أن صارَ يُنادى بصفة " الدكتور ". عقبَ الغداء، وفيما كانوا يحتسون الشاي، أرادت ربّة البيت أخذَ رأي روزا بهدية رَجُلها. الضيفة، نظرت بعين الشك إلى المعطف الجديد ولاحَ أنها مترددة في إعطاء رأيها. لكنّ الدكتور، سارعَ بالقول: " آه، لا شكّ أنه نفس الشخص الذي باعني رداءً من الجلد الطبيعيّ، ثم تبيّن أنه من المشمّع! ". سقطَ في يد المرأة المتكبّرة، أما زوجها فكانَ الأسلم له ألا ينبس بنأمة.
الدكتور، كانَ آنذاك ما زال في وضعٍ بائس، لأن شهادة الطب الروسية لا تؤهّله أن يغدو ممرضاً أو حتى مستخدماً. وقد إبتهجَ لحصوله من دارين على نسخة من مجموعته الشعرية، وهذا ما شجعَ الأخير للقول له في نبرة رجاء: " حصلتُ من المطبعة على حوالي مائتي نسخة، وقد شحنتُ خمسين منها إلى أوبسالا. بقية النسخ ما فتأت في المطبعة، القريبة من بيتك. وأريد أن أضع النسخ عندك، ريثما أتدبر سيارة "
" ليسَ ثمة مشكلة، سنمر على المطبعة بسيارتي و نأخذ النسخ "، ردّ الشاب ثم أضافَ بأريحية: " أساساً، كنتُ سأقترحُ عليك الذهابَ معاً إلى منزلي كي نستعيد ذكريات موسكو ". هكذا ودّع دارين الحاضرين، وإستقل من ثم سيارة الدكتور المُتهالكة في الطريق إلى المطبعة. مساءً، هجعَ هذا الأخيرُ باكراً إلى السرير: " أنا عادةً لا أتعشى، فلو شعرتَ بالجوع إفتح الثلاجة ". في صباح اليوم التالي، كسرَ المُضيف ثلاث بيضات في المقلاة، ثم دعا ضيفه إلى الوليمة. في خلال الأكل، أبدى أسفه لأن دارين لم يكمل دراسته في موسكو. لكنه إستدرك، بنبرةٍ شاكية: " أنا تخرجتُ طبيباً، والنتيجة أن السويد لا تعترف بالشهادات إلا من جامعاتها ".
بقيت نسخُ الديوان عند الشاب، ولم يتسنّ لدارين أن يؤمّن سيارة كي يأتي بها إلى مسكنه في أوبسالا. كانت علاقته إذاك مقطوعة، بمن ملكوا سيارات؛ نظير عُمَرو ودوغان ودجلة. أما أحمي وهمرين، فكانا يستخدمان المترو بطريقةٍ تجنبهما دفع ثمن التذاكر. أيضاً، تعلم الثاني من الأول فن سرقة الكتب العربية من المتاجر الخاصة. بعد بضعة أشهر، فوجئ دارين بوجود نسخ من مجموعته الشعرية في تلك المتاجر. لما راجعَ المطبعة ( كانَ صاحبها شخصاً نزيهاً )، فإنه تيقّنَ بأن الدكتور هوَ من سرّبَ النسخ بهدف بيعها. لكنه لم يعُد يراه، ولا الآخر إتصل به مرةً قط. ثم شاءت الظروفُ، بعد مرور ما يزيد عن العقد من الأعوام، أن يتراسلا عن طريق الإيميل. وقتئذٍ كان دارين قد أضحى له إسمٌ لامع، كأحد كتّاب موقع إلكترونيّ خليجيّ مرموق. الدكتور، كانَ مهووساً بإقامة علاقاتٍ مع المشاهير. وفي ذلك الوقت، إعترفت السويد بشهادته؛ كون الكثير من أطبائها إنتقلوا للخدمة في النرويج.

4
بالنسبة لخفيفو، كانت تلك المقالات الساخرة قد بدأت تزعجه. لعله إكتشفَ أنها تشرّحُ ذاته أيضاً، بشكلٍ من الأشكال. لكن في حقيقة الأمر، كانَ غير راضٍ عن أي شيء يصدر عن دارين؛ لا الشِعر ولا النثر ولا الرسم ولا المقالة ولا حتى الأصل والفصل. لكنه عمل معروفاً مع صديقه اللدود، عندما مر على بيته في دمشق أثناء سفرته إلى الوطن. قبل السفر، أبدى قلقاً عميقاً من إمكانية أن يُعتقل؛ هوَ مَن لم يتورّط مرةً قط بأي نشاط سياسيّ محظور أو بكتابة يُستشف منها معارضة النظام. مبرراً ذلك القلق، قال بنبرته الرصينة: " تصوّر أن الشاعر الفلاني، المشهور في العالم كله، سألني حول إمكانية السفر إلى سورية دونَ أن يتعرّض المرء إلى التوقيف ". على أية حال، زارَ منزل دارين وتعرّفَ على والديه وأيضاً على خطيبته. سلّمَ هذه الأخيرة رسالةً من خطيبها، تتضمّنُ تعليماتٍ بشأن تحقيقٍ مُحتمل في السفارة السويدية؛ وهوَ إجراءٌ معتاد قبل البت بإعطاء الفيزا. إلا أنّ خفيفو فاجأها، عندما طلبَ منها أن يلتقيا في أحد المقاهي. فلما إعتذرت عن ذلك، فإنه قال بنبرة مُبيّتة: " على العموم، دارين شاب لا بأس به ولو أنني لا أعرفُ حقاً لِمَ هاجرَ إلى السويد وماذا يفعل هناك! ". شكرته على هذه المعلومة، وأيضاً على إيصال رسالة خطيبها. لقد إمتلأ قلبُ خفيفو بالغل، لناحية أخرى؛ ألا وهوَ رونق منزل أسرة دارين، وبالأخص حديقته النادرة المثال. كأني به فكّرَ هكذا، مُخاطباً الشبحَ المُسبب له القلق دوماً: " لِمَ أجدادك لم يأخذوا أجدادي معهم، حينما هاجروا إلى الشام؟ لم تمتعت أنتَ بحياة رائعة في العاصمة، فيما أنا تعفّرت بتراب الفقر في البلدة البائسة؟ ".. الخ. لم تخرج من فمه، في أوان عودته وإتصاله بدارين، كلمة إشادة بوالديّ هذا الأخير، اللذين يتكلمان بالكردية بالرغم من أن أسلافهم جاؤوا إلى الشام قبل نحو قرنين من الزمن. إكتفى حَسْب بالقول، وهوَ يلهثُ كالثعلب في أوان السفاد: " كيفَ دبّرتَ تلك الفتاة الحسناء، الشبيهة بالسويديات؟ ".
في تلك المكالمة، أتى خفيفو على ذكر المجموعة الشعرية الجديدة لدارين، وذلك حينَ دعاه لزيارته في غوتنبورغ: " إجلب معك الديوانَ الجديد، لكي أراجعه من الناحية اللغوية! وعلى فكرة، همرين مدعوّ أيضاً، وفي وسعكما التنسيق معاً بشأن طريقة السفر ". همرين كانَ متردداً في قبول الدعوة، ولو أنه كانَ يود زيارة رفيقٍ من أيام الكفاح في الجبل. على ذلك، إستقل دارين القطارَ لوحده من محطة ستوكهولم. كانَ بدَوره مُتردداً، ولكن لأمرٍ مُغاير. إنه شعرَ بخطئه، بخصوص وضع مجموعته الشعرية الجديدة بين براثن الثعلب. ومن ناحية أخرى، لو لم يأتِ بها فإنه سيكون مُحرجاً أمام مضيفه: " بأيّ حال، كوني نشرتُ أيضاً بعضَ قصائد المجموعة هنا وهناك، فإن هذا سيجعل المنتحلُ يرعوي ولا ريب "، هكذا فكّرَ دارين. ولكنّ الطريقة، التي إنتزع بها خفيفو الديوانَ من يد دارين، ثمة في محطة غوتنبورغ، جعلت هذا الأخير يوقنُ أن من المُحال تثبيط عزيمة المنتحل.
مع المخطوط في الحقيبة، التي يمتطيها دوماً كحمار خادم دونكيشوت، مضى خفيفو بضيفه رأساً إلى المقهى، الكائن في الدور الثاني من الغاليري الكبير. ثمة قُدِّم إليه أولاً، شاعرٌ عراقيّ، يُدعى " بسام لعبي "؛ وهو ناقد أيضاً. عقبَ التعارف، أعطاه دارين مجموعته الشعرية مع الإهداء، فعكفَ الشابُ للفور على القراءة. وظهرَ أن للمنتحل مريداً، ولو أنه من طائفة أخرى. " مجيد قمبز " هذا، كانَ أيضاً عراقياً. إنه قزمٌ، ربما بحجم أكبر قليلاً من الطرح. كانَ نفّاجاً كشيخه، ومثله يقرض الشِعر. تخرج من كلية آداب إحدى الدول الإشتراكية السابقة، وهو بنفسه شيوعيّ سابق. بلفتة ودية، ناوله الضيفُ مجموعته الشعرية، وأخرج القلم كي يكتب الإهداء. لكن ما أن أبصر القزمُ عنوانَ المجموعة، إلا وهتفَ بإنزعاج: " لا يعجبني عنوانَ الديوان، الذي يُقحَم فيه الإنتماءُ القوميّ للشاعر "
" ولكن عنوان ديواني يُحيل إلى التاريخ أكثر منه إلى الإنتماء "، رد دارين. هذا الحريص على نقاوة الشِعر من أيّ شائبة، سينشر فيما بعد ديواناً بعنوان " أجراسُ الآشوريين ".
الموتور الآخر، دعمَ رأيَ مريده بالقول وهو يومئ إلى حقيبته: " وديوانك الجديد، واضحٌ من عنوانه أنه يتغنّى بالشام "
" وهل سأتغنى، إذاً، بغوتنبورغ؟ "، تساءل دارين. فعادَ خفيفو يعقفُ فمه: " أنتَ كرديّ؛ فما شأنك والشام؟ "
" عجيب أمركما، والله! أحدكما يأخذ عليّ الإنتماء الكرديّ، والآخر يأخذ علي الإنتماء الدمشقيّ "، قالها دارين متكلفاً نبرة مرحة. وإذا بالصديق الثالث، يرنو إلى الضيف، متسائلاً بلطف: " يبدو أن الديوانَ لم ينتشر بعدُ، لأنني لم أقرأ عنه؟ "
" نعم، ولكن وصلتني رسائلَ من بعض الشعراء بخصوصه "، أجاب دارين. ثم أخرجَ من حقيبته رسالة من أهم شاعر عربيّ، يُبدي فيها دهشته من المستوى الرفيع للقصائد. هذا، أخرجَ خفيفو عن طوره. فتلوّى وتمعجنَ، قائلاً: " هل يحتاجُ المرءُ لشهادة الآخرين بشِعره، لو كانَ قد تجاوزَ مرحلة الصبا؟ ". رداً على الموتور، أطلقَ المعنيّ ضحكة خفيفة. نقل بسام نظره بينهما، قبل أن يقول لهذا الأخير وقد بانَ على ملامحه التعاطفُ: " على أيّ حال، بودي كتابة مقال نقديّ عن ديوانك ". عندئذٍ، بدأ خفيفو يهتز ويرتعش وكما لو أصيب بنوبة عصبية. ما لم يعرفه الضيفُ إلا في يوم آخر من الزيارة، أن المُضيف كانَ منذ حلوله في السويد يُراجع طبيباً نفسياً لكي لا يُطلَب منه العمل. كونهم أسرة كبيرة العدد، بحَسَب المنظور السويديّ، فإنّ المالَ كانَ ينهمرُ عليهم غزيراً من السوسيال. آنذاك، لم يكن خفيفو مدمناً على الكحول، وإنما على الحبوب المهدئة.
لم يُبدد غيمة الغل والضغينة، المهيمنة على الجلسة، سوى حضور همرين في آخر المطاف. لوحَ للأصدقاء من الدور الأرضيّ، ثم أسرعَ بإرتقاء الدرج. حالما جلسَ، فطنَ من النظرة الأولى أن الجوّ مكهربٌ. ألقى نظرة أخرى على رسالة ذلك الشاعر المشهور، الموضوعة على المنضدة، ثم تناولها وبدأ بقراءتها. على حين فجأة، نهضَ خفيفو مع حقيبته: " لديّ موعدٌ هام! "، قالها بنزق. قال له همرين: " هاه، تدعونا لزيارتك ثم تهرب؟ "
" لا، عندي موعد فعلاً. مجيد سيصحبكم إلى مسكني، لأنه يقيم في نفس المنطقة "، ردّ بنبرة أقل توتراً. فيما بعد، إستعاد دارين خلفيّة هذا التصرف. لقد كانَ المنتحلُ مستعجلاً في الذهاب إلى آلة الأوفست، كي ينسخ أوراق المخطوط. كونه قد بيّتَ إستفزاز دارين، وربما التعارك معه أيضاً، فإنه توقّع أن يُطالبه هذا بإرجاع المخطوط إليه.

5
في اليومين التاليين، توهم دارين أن تلك المحنة كانت عابرة. لقد أظهر خفيفو وإمرأته إحتفاءً معتبراً بالضيفين، وأخليت لهما حجرة المكتبة. كانَ ثمة الكثير من الكتب، والمرجّح أن غالبيتها مسروقة، وأنها لم تقرأ بعدُ. ربة البيت، كانت إمرأة لطيفة، وقد أنجبت مؤخراً طفلة جميلة، صهباء. المسكن، كانَ عبارة عن شقة في الدور الأرضيّ، يحظى بحديقة؛ ولكنها مهملة. فالريفيّ الأصيل لا يحب الورود، ويعتقد أن الحديقة خلقت فقط للخضار. إلا أن المضيفَ مشغولٌ بإبداعه، وإمرأته عليها الإعتناء بأربعة أولاد. في مساء اليوم الأول من الزيارة، دُعيَ الضيفان إلى عشاء لدى شاب مثقف من ريف الساحل، زوجته من بلدة السلمية. ولأنّ عم دارين قد تآخى مع مواطن من هذه البلدة في زمن الإنتداب الفرنسي، كانَ ثمة حديثٌ مشترك بينه وبين ربة البيت. هذا أزعج خفيفو، الذي نبرَ لمقاطعتهما: " في رأيي أن نعود إلى حديث الأدب، لأنه أكثر جدوى! "، قالها برصانة وهوَ يهتز كمألوف العادة. وكي يُبرهن على جدّية الحديث، أخرجَ من حقيبته عدداً من صحيفة عربية تصدر في لندن، نشرت له قصيدة: " كمكافأة، حصلتُ على إشتراكٍ مجانيّ بالصحيفة لمدة شهر ". المُضيف، وكانَ معتقلاً سياسياً سابقاً، طلبَ من الشاعر أن يجلب له كل مرةٍ العدد الجديد من تلك الصحيفة. بعد العشاء، واصلوا شربَ الخمرة والتهويم بشتى الأحاديث. عادوا إلى مسكن خفيفو بعد منتصف الليل، فقال هذا لضيفيه وهوَ يفحّ: " آه، لو أتمكّن من مضاجعة تلك المرأة الجميلة! ".
أمسية اليوم التالي، كانَ من المفترض أن تكون منذورة لحديث الأدب بما أنّ المُضيف كان يكتب القصة القصيرة. كانَ رجلاً أربعينياً، جاد الملامح، وبحَسَب ما أفصحت عنه كنيته فإنه من أسرة كردية عريقة، أقامت في بغداد ولعبت دوراً سياسياً مهماً في زمن الحماية البريطانية. حينما ذكرَ له دارين ما يعرفه عن أسرته، أجابه بجفاء: " لا أعرف ما لو كانت أسرتنا عريقة أو وضيعة! ". كانَ الرجلُ شيوعياً سابقاً، لكنه بقيَ مؤمناً بصراع الطبقات. إلا أنه كانَ كريماً، مثلما تجلّت المأدبة، المحتفية بعدد من الصحون الصغيرة، المحتوية على حبيبات الحمّص الساخن. هذه المازة، رافقت أقداح العَرَق المُترعة. ولأنّ معدته بقيت خاوية، شعرَ دارين أنه يسكر بسرعة. في حقيقة الأمر، أنّ شيمة العراقيين هيَ أن يستهلوا أولاً بالشرب وبعدئذٍ في نهاية السهرة يتم تقديم العشاء. القزمُ، حضرَ متأخراً قليلاً. فما لبثَ أن بدأ ينفش ريشه، حينما تركّز الحديث عن الأدب الأمريكي. تجادل مع دارين بخصوص تقييم أرنست هيمنغواي، وقال أنه لم يكن يستحق جائزة نوبل. كذلك عارضه، لما أشادَ بهنري ميللر. وكانَ خفيفو خارج الحديث، إلا أنه تدخلَ قائلاً لدارين: " من هوَ هيمنغواي ومن هوَ ميللر؛ لقد تجاوزهما الأدب الأمريكي منذ فترة طويلة! "
" أذكر إذاً كاتباً أمريكياً، يستحق أن يُقال أنه تجاوزهما؟ "، قال له دارين. تلجلجَ المُخاطَبُ، ولم يجد في جعبته سوى هذا الرد: " أتختبر معلوماتي الأدبية؟ ". شاءَ المُضيف أن يتولى الجوابَ، كونه من أثار الموضوعَ: " ثمة وليم فوكنر وجون شتاينبك ولورانس داريل "
" لورانس داريل، كاتب إنكليزي وليس أمريكياً "، لاحظ دارين. فأوضحَ الرجلُ، متلعثماً: " وما الفرق، طالما أنّ لغة الأدب الأمريكي هيَ الإنكليزية؟ "
" فرق كبير ولا ريب، لأن الأدب الأمريكي هوَ غير الأدب البريطاني. وإلا لدمجنا أيضاً الأدب الكندي والأدب الأسترالي مع الأدب البريطاني "
" كل هذه الآداب، تدخل تحت رقّ اللغة الإنكليزية "
" بهذه الحالة، سنشطبُ ببساطة على الخصائص الوطنية لكل أدب؟ "
" أرى أن هذا الحديث أخذ أهمية أكثر من اللازم "، قالها خفيفو مُقاطعاً. عندئذٍ، تبادل دارين وهمرين نظرة ساخرة. إذا بالقزم، الذي لحظ تلك النظرة، يلقي هذه الملاحظة بوجه دارين: " أنت كردي وتكتب بالعربية، لكنك تصر على إبراز عنصريتك بالرغم من أن الأديب صفته الأساسية هيَ أن يكونَ لامنتمياً "
" أتعدّ إستخدامي لرموز من هويتي الإثنية، عنصرية؟ أهذا ما تعلمته من الأدب، المؤمن قبل كل شيء بالتعددية والتنوّع؟ "، ردّ دارين موبّخاً. رد القزم بالقول: " أنت تذكّرني بأولئك المتعصبين، الذين يشطبون في المكتبة العامة على اسم شمال العراق ويسجلون بدلاً عنه اسم كردستان ".
" أهذا أيضاً ما تعلمته أنتَ من الشيوعية، المؤمنة بحق تقرير المصير للقوميات؟ "
" إنه بكداشي..! "، خاطبَ خفيفو الآخرينَ بصوتٍ منخفض. أطلق المعنيّ ضحكة مقتضبة، ثم قال للخبير بالنميمة والتلفيق: " أهم شعراء العالم، كانوا من الشيوعيين. وأعتقد أنّ جميع من في هذه الجلسة، كانوا كذلك ". هز المسعورُ رأسَهُ، النامية فيه صلعة مضيئة، وتمتم متخذاً نبرة الفيلسوف: " نعم، ولكن تلك شيوعية لينينية وهذه شيوعية ستالينية! ". بُتر الحديث، حينما إرتفع صوتُ زوجة المضيف من وراء باب الصالة: " الطعام جاهز ".
في خلال طريق العودة إلى مسكن خفيفو، واصل هذا إستفزازَ ضيفه بإجترار بعض جُمل السهرة المنقضية. أخيراً في حجرة المكتبة، وكانَ الضيفان يتحضران للنوم، إستمر المسعورُ في الهذيان: " ماذا يعني أن تحط من قيمتي أمام أصدقائي، بالتشكيك بثقافتي؟ بل إنني أحرجت أمامهم، لأنني أتخذ شخصاً مثلك صديقاً! ".
صاحَ دارين وهوَ يضربُ يده بقوة على طاولة الكتابة، أين كانَ جالساً إليها: " أنتَ منذ لحظة وصولي تقوم بإستفزازي بشتى الأشكال، وأعطيتَ فكرة مسبقة عني لذلك القزم التافه ". إنتتر خفيفو مفزوعاً، وقال لهمرين: " إتصل بالبوليس! ". هذا الأخير، نهضَ دامع العين ثم خاطب دارين بالقول: " هيا بنا ". كانا بالفعل يهمان بتجهيز حقيبتيهما، حينَ إندفعَ المُضيف إلى المطبخ وعاد وهوَ يحمل سكيناً طويلة النصل: " سأطعنُ نفسي لو أنكما تغادران البيت بهذه الطريقة المهينة ". ثم أجهش باكياً، عندما إنتزع همرين السكين من يده.
في صباح اليوم التالي، إجتمعوا ثلاثتهم في الحديقة، تحت ظلال شجرة خوخ عجفاء. آب المُضيف إلى الإعتذار، متحججاً بأنه شربَ كثيراً في أثناء السهرة. بعد قليل، حضرَ ذلك المعتقل السابق وإمرأته: " اليوم السبت، فلنمضِ معاً إلى بازار الأشياء المستعملة ". عقبَ شربهم القهوة، مضوا إلى السوق، أينَ حظيَ دارين بلوحة معدنية تصوّرُ عربة آشورية لصيد الأسود. إشترى اللوحة بثمن بخس، وحملها بيده بالنظر لحجمها الكبير. نفس التصوير، ولكن على الرخام، كانَ معلقاً على أحد جدران مشرب " السفراء " في دمشق، وكانَ دارين من روّاده الدائمين. من البازار، إتجه مع صديقه مباشرةً إلى محطة القطار.



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشريح الذات: كانَ ربيعَ العشق
- تشريح الذات: كانَ شتاءً كئيباً
- تشريح الذات: كانَ صيفاً فاتراً
- تشريح الذات: كانَ ربيعاً عارياً
- تشريح الذات: كانَ خريفاً دافئاً
- أنهارٌ من زنبق: الخاتمة
- النملة الممسوسة
- أنهارٌ من زنبق: النهر السابع
- المطاردة
- أنهارٌ من زنبق: النهر السادس
- الهوّة
- أنهارٌ من زنبق: الفصل الخامس
- الشحيح والشيطان
- أنهارٌ من زنبق: النهر الرابع
- أنهارٌ من زنبق: النهر الثالث
- أنهارٌ من زنبق: النهر الثاني
- أنهارٌ من الزنبق: النهر الأول
- أنهارٌ من زنبق: ملاحظة
- أملُ إبليس: خاتمة
- أملُ إبليس: عن السهرة الأخيرة


المزيد.....




- فؤاد شرف الدين.. رحيل -كابتن- أفلام الأكشن في لبنان
- إعلان 2 مترجم.. مسلسل المتوحش الحلقة 36 على mbc وشاهد vip مد ...
- أحداث مثيرة… المؤسس عثمان 162 الموعد والقنوات الناقلة مترجم ...
- محمد رمضان: -مكسوف لنفسي ولكل عربي- (فيديو)
- سينما الإنسان المسلم في لندن: مهرجان يتحدى الصورة النمطية
- تابع الحلقة 162 قيامة عثمان.. مسلسل المؤسس عثمان الحلقة 162 ...
- شاهد.. الرئيس الايراني الشهيد بريشة فنان فلسطيني
- أقوى أفلام الكرتون.. تردد قناة توم وجيري عبر أقمار العرب سات ...
- بخطىً ثابتة.. -جائزة سليماني- تكرّس حضورها في قلب المشهد الأ ...
- 300 صالة سينما فرنسية تعيد عرض -إنقاذ الجندي رايان- في ذكرى ...


المزيد.....

- أبسن: الحداثة .. الجماليات .. الشخصيات النسائية / رضا الظاهر
- السلام على محمود درويش " شعر" / محمود شاهين
- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تشريح الذات: كانَ صيفَ الخفّة