أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - المطاردة














المزيد.....

المطاردة


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 7755 - 2023 / 10 / 5 - 20:21
المحور: الادب والفن
    


تناولتُ العشاءَ عند صديقي، وبللنا حلقينا بالعَرَق. كنتُ قد جلبتُ معي ربطة ورقية، أجبرت القطط الشاردة على أن تلاحقني بلا هوادة. لأنني مررتُ في طريقي على الجزّار، فطلبت منه أن يشوي لي نصفَ كيلو من الكباب. أما المُضيف، فإنه جلبَ من المطعم المجاور صحنَ حمّص مع بطاطا مقلية. من الواضح أن أمه ما برحت مريضة، لذلك أعفيت من واجب تحضير المازة في هذه الأمسية الشتوية.. هذه الأمسية، التي حصلت قبل خمسة وثلاثين عاماً. لكنني أدينُ باستعادتها إلى حلم، أو كابوس بالأحرى.
في صباح اليوم التالي، غادرتُ منزل صديقي وفي نيّتي الذهاب إلى المكتبة العامة. أساساً، كانَ صديقي يروم مرافقتي، ولذلك حثّني على النوم في حجرته بعدما طالت سهرتنا إلى ما بعد منتصف الليل. لكنه إعتذرَ، بحجّة الدراسة. المنزل، ينحدرُ من أمامه أخدودُ سيل جبل قاسيون، الذي غدا في الأزمنة الحديثة طريقاً معبّداً للسيارات. سلكتُ هذا الطريق، المتصل مع الشارع الرئيس للحي، مُحاذراً برك الماء الموحلة، التي ما زالت غارقة في الظلال. السماءُ قاتمة، تتراص فيها الغيوم الرمادية. الهواءُ الجاف، يتخلله لسعة برد. لقد كانَ صباحاً مشئوماً.
بمجرد ما أجتزتُ الخزانَ الكهربائيّ الكبير، المُعرّف هذا الزقاق بإسمه، فتحَ بعنف بابٌ إلى اليسار وإندفعت منه إمرأة بقميص النوم، صارخة مُروَّعة. بأثرها، خرجَ بنفس اللهوجة رجلٌ بسترة سوداء، ينقصها ربطة عنق. كوني أعرفُ هذا المنزل، فلم يفتني معرفة الزوجين. الرجل، كانَ جارنا؛ إقترن قبل نحو خمسة عشرة عاماً بإبنة عمه، التي كانت تعدّ حسناء الحارة بلا منازع. غاصَ معها بالفقر، لكن هذا لم يمنعه من أن يستولدها نصف دزينة من الأولاد. ولكن في السنين الأخيرة، تحسّن وضعه بعدما توسطوا له بالعمل ممرضاً في مستشفى عام. وتزايد الدخلُ، كون إمرأته حصلت على أدوار مساعدة في مسرحيات تجارية. إنفجرت بينهما مشكلة كبيرة، لما قررت الفرقة المسرحية نقل عروضها إلى مصر. كانَ الرجلُ موقناً، بأن إمرأته لن تعود إليه أبداً لو وقعت أعينُ المنتجين المصريين عليها.
بهذه الخلفية، المُستوعَبَة من قبلي سلفاً، إندفعتُ بدَوري لصدّ الرجل. يبدو أن قدمي إصطدمت بقدمه وهوَ بهذه السرعة، فتدحرج على الأرض وطارت المدية من يده. لم ألتفت إلى الخلف، وإنما لحقتُ بحسناء الحارة. أدركتها عند مبتدأ دخلة ضيقة، يصعد منها دربٌ موحل بإتجاه دار جدّتي. قلت لها، ممسكاً بمعصمها: " هلم من هذه الناحية! ". طاوعتني بذلك. وفي أثناء دخولنا في المنعطف، رأينا الرجلَ الهائج ينحدرُ راكضاً بإتجاه الشارع الرئيس وقد توهّم أنه المقصود من قبلنا. وصلنا إلى دار الجدّة، وكانَ البابُ الخشبيّ موصداً. أوقعت عليه عدة طرقات، ثم ما لبثَ أن ضربته برجلي في قوّة. أملتُ بعدئذٍ لو أن حجرة الجدّة غير موصدة، هيَ من تنام أحياناً في منازل بناتها. لكن حجرتها كانت كذلك، فإنتقلنا إلى إحدى حجرتين كانتا قد أخليتا من المستأجرين مؤخراً. ثمة على العتبة الإسمنتية الباردة، أجلستها وقعدتُ بمقابلها. قصّت عليّ عندئذٍ ما جرى: " لقد خطط لقتلي مسبقاً، فجلبَ من المستشفى المخدرَ ومشرط الجرّاح. إنتابتني المخاوفُ حينَ طلبَ مني أن أنقل طفلتنا الصغيرة إلى حجرة أشقائها، المجاورة. على ذلك، فما أن أطبق على أنفاسي وبيده خرقة مبللة بسائل المخدر إلا وركلته بقوة ثم وليت وجهي إلى ناحية باب البيت "
" في الوسع بعد قليل إيقاف سيارة أجرة، للذهاب إلى المخفر وتقديم شكوى. وأنا سأكون الشاهد "، قلتُ لها دونَ أن أعلّق على كلامها. أطرقت قليلاً برأسها الجميل، ثم ما عتمَ أن رفعت نظرها إليّ لتقول بنعومة: " الله جعلك منقذي، لأنني لم أعشق أحداً غيرك! ". تملّكني شعورُ الخجل والحَرَج، فلم أرَ نفسي إلا وأنا أنهضُ متمتماً: " سأجلبُ لك من الحمّام معقماً وضماداً ". كان في يدها اليمنى جرحٌ غائر، لكنه لم يكن ينزف. غادرتُ الحجرة كالهارب، متنفساً بعمق. كنتُ سعيداً للغاية بذلك الإعتراف، وقررتُ أن أبوحَ لها بمثله عندما أنهي موضوع الجرح. حالما عدتُ، راعني أنها قد تكوّمت بكامل جسدها في العتبة، ورأسها مختفٍ وراء الباب. أزحت قليلاً البابَ، لأفاجأ بجرح عميق في رقبتها يكاد يصل من الأذن للأذن. حركة ما، جعلتني ألتفت إلى الخلف، لأرى السحنة المربدّة تسبح فيها عينان وحشيتان على شكل سمكتيّ قرش. أطبقت الظلمة على حين غرّة، وبالكاد خرجت صرخة من حنجرتي.



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنهارٌ من زنبق: النهر السادس
- الهوّة
- أنهارٌ من زنبق: الفصل الخامس
- الشحيح والشيطان
- أنهارٌ من زنبق: النهر الرابع
- أنهارٌ من زنبق: النهر الثالث
- أنهارٌ من زنبق: النهر الثاني
- أنهارٌ من الزنبق: النهر الأول
- أنهارٌ من زنبق: ملاحظة
- أملُ إبليس: خاتمة
- أملُ إبليس: عن السهرة الأخيرة
- أملُ إبليس: عن الفروة الثعلبية
- أملُ إبليس: عن الفردوس الموعود
- أملُ إبليس: عن المازة المرّة
- أملُ إبليس: عن القلب النبيل
- أملُ إبليس: عن الحاجز الحديديّ
- أملُ إبليس: عن الصيف المُختلف
- أملُ إبليس: عن السجادة الأعجمية
- غرامُ آينور هانم: خروجٌ آخر
- غرامُ آينور هانم: تأريخُ الخيانة


المزيد.....




- “بتخلي العيال تنعنش وتفرفش” .. تردد قناة وناسة كيدز وكيفية ا ...
- خرائط وأطالس.. الرحالة أوليا جلبي والتأليف العثماني في الجغر ...
- الإعلان الثاني جديد.. مسلسل المؤسس عثمان الحلقة 157 الموسم ا ...
- الرئيس الايراني يصل إلي العاصمة الثقافية الباكستانية -لاهور- ...
- الإسكندرية تستعيد مجدها التليد
- على الهواء.. فنانة مصرية شهيرة توجه نداء استغاثة لرئاسة مجلس ...
- الشاعر ومترجمه.. من يعبر عن ذات الآخر؟
- “جميع ترددات قنوات النايل سات 2024” أفلام ومسلسلات وبرامج ور ...
- فنانة لبنانية شهيرة تتبرع بفساتينها من أجل فقراء مصر
- بجودة عالية الدقة: تردد قناة روتانا سينما 2024 Rotana Cinema ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - المطاردة