أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - أنهارٌ من الزنبق: النهر الأول















المزيد.....



أنهارٌ من الزنبق: النهر الأول


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 7734 - 2023 / 9 / 14 - 18:50
المحور: الادب والفن
    


1
في عامٍ ما من سنة الرب، أبصرَ " ميخائيل " نورَ الحياة في هذه المدينة الساحرة، التي أطلق عليها العثمانيون " شام شريف "، بإعتبارها مدينة مقدسة. في مقابل ذلك، لم تكن هذه المدينة آمنة في غالب عهود ولاة آل عثمان. وعلى النقيض، كانت فترةُ حكم الغازي المصريّ، " إبراهيم باشا "؛ وكانَ كاتبُ هذا السِفْر شاهداً على أعوامها، المُقدّرة بعشرةٍ إلا بضعة أشهر. ولن يُجدي الآنَ الإسهابُ في المفاضلة بين عهد إبراهيم باشا والعهود السابقة واللاحقة، طالما أنّ هذا السِفْرَ سيتعهّدُ روايةَ بعض تفاصيل تلك السنين العشر. مع ذلك، كانت أعواماً عاصفة؛ ما لو تذكّرنا ما جرى فيها من فتن، بالأخص قبيل إنسحاب المصريين من سورية. بفضل والد ذلك الفاتح، الشهم والعادل، سينالُ ميخائيل شهادة الطب في القاهرة على أيدي أساتذة أجانب بعدما كان مُساعداً للنطاسيّ، الأقرب إلى صفة العطّار. أحد مزاولي هذه المهنة الأخيرة، المُعرّف بكنيته، " اللاوندي "، سيغدو صديقه الأقرب في مرحلةٍ حاسمة من مراحل عُمره، صاقبت مُبتدأ تلك الأعوام العاصفة. هذا الرجلُ، المُماثل لميخائيل في السنّ، كانَ مهووساً بالبحث. تارةً يبحثُ عن كتابٍ مفقود، وتارةً أخرى يبحث عن كنزٍ حقيقيّ أو رمزيّ. وقد شاركه ميخائيل بالتقصّي، خصوصاً عن سلسلة من الجرائم، الغامضة والمُلتبسة، ما جعلهما في مواجهةٍ مع أحد الشخصيات المؤثّرة: إنه المَدعو ب " القاروط "، وكانَ وكيلَ أعمال عزيز مصر في الشام، ثم تبيّنَ لاحقاً أنّ مهمّته الحقّة هيَ تمهيد الطريق لهذا الأخير في الإستيلاء على الولاية.
ولكن مهلاً، أيها القلم! فإنّ عليك ألا تستبق رواية الأحداث، لكي لا تُشوَّش ذاكرةُ كاتب هذا السِفْر، فتضحي الأحداثُ مُبعثرة وغير مرتبة. فالكتابة شأن الجَمال، سمتها الأساس هوَ التناسق لا الفوضى.
كانَ الوقتُ فجراً، لما أمسك المُدوّن بالقلم كي يخطّ أولى كلمات هذا السِفْر، وكان بالكاد يرى ما كتبه لولا النظارات الطبية، التي وصلتنا من الغرب؛ أو بلاد الفرنجة، بحَسَب التعريف المُتداول في المشرق. وإنها من إبتكارات العقل الأوروبيّ، الذي ما فتأ يُدهشنا مذ حضور " بونابرتة " إلى مصر في نهاية القرن الثامن عشر، والمُتفق مع ميقات مولد بطل حكايتنا. كانَ الوقتُ فجراً، إذاً، وربيعاً في واقع الحال. من علو الدور الثاني من الدار، أين إنفتحت نافذة حجرته على هذا اليوم الجميل، كانَ في وسعه رؤية جبل قاسيون، الذي يحنو على دمشق ـ كما يفعلُ أبٌ حينَ يُمرر على أطفاله النسيمَ من خلال التهوية بمروحةٍ من جريد النخل. وكأني بالغوطة هيَ الأم، ولولا رحمها الأخضر الرؤوم ما كانَ للمدينة من معنى أو حتى وجود. إن نهرَ بردى، بفروعه السبعة،ومياهه الناصعة كالزنبق، ليُعدّ شريانَ حياة الغوطة والمدينة على حدّ سواء. وكانَ ميخائيل قبل الشروع في الكتابة، قد نهضَ لإشراع مصراع النافذة كي يفغم أنفه المشامُ العبق للأزهار، الذي حمله الهواءُ مع أصوات تغريد الطيور، المتدفقة إلى سمعه. فيما بصره، المتفتح للتو، مُنبهرٌ بمناظر الجبل والغوطة والمدينة ـ كأنه يراها لأول مرة، وليست مألوفة لعينيه في خلال مسيرة الحياة، الآفلة ببطء ولكن بمزيدٍ من التصميم.
على الصفحة الأولى لأوراق السِفْر، كانَ ينعكس ضوءُ السماء، الموشّحة بعض الشيء بالسُحُب، الشاردة كقطيع من الخرفان البيض. بينما أخترقَ سربٌ مُحلّق من طيور السنونو السماءَ المبقعة بالسحب، مثلما تفعلُ ظلالٌ سوداء فوق حباتٍ من اللؤلؤ. المزيدُ من الطيور، تبدو لعينيه وهيَ تعتلي السقفَ الحجريّ، المثلث الشكل، لكنيسة اللاتين؛ وأيضاً لسقف برجها الصغير، القرميديّ. إنها طيورٌ تثيرُ غضبَ الرهبان الكارهين للحرية، أو الأصح، المحسودين من الأحرار. هذا، مع أن رؤساءهم، المفترض أن يهتموا بالحياة الروحية لرعيتهم ، تجدهم يدسّون أنوفهم بكل تفاصيل الحياة العامّة ويُؤرّثون نارَ الفتن بين أصحاب المذاهب المختلفة ويُحرضون الحاكمَ ضد بطاركة تلك المذاهب وقساوستها. لا غرو أن الحاكمَ يُسعده هكذا مسلك، كونه سبيلاً لرفد خزينته بمزيدٍ من المال الحرام. مثلما جرى في قضية مقتل أحد الخوارنة الروم في صيدنايا، ولم تتوصل السلطاتُ آنذاك لمعرفة القاتل. إلا أنّ بطرك طائفة القتيل إتهمَ ثلاثة من القساوسة الكاثوليك بالجريمة، وكانَ أحدهم شيخاً مُسنّاً. متسلّم الشام، الذي نابَ آنذاك عن الوالي المُسافر مع المحمل إلى الحج، أمرَ بالقبض على الثلاثة وتعريضهم من ثم لأنواع النكال بإستخدام الكاشات المُحمّاة على النار. لم يحتمل العجوزُ المسكين العذابَ، فأسلمَ الروحَ. بعد فترة، طلبَ المتسلّمُ إحضار القسَيْن الآخرين وذلك بوجود بطرك الروم، الذي راحَ على الأثر يُمرّر يده المضمّخة بالعطر أمام أنفه، لكي يَتخفف من رائحة اللحم البشريّ، المشويّ. ذلك أنه عقبَ إشارة الحاكم، أعيد تعذيب الرجلين. إنتبه الحاكمُ لعلامات السعادة على ملامح البطرك، فقال له: " عجباً! كيفَ تغدو بهذا السرور ورجالي المسلمون يُنكّلون بمسيحيين من دينك؟ ". ردّ الآخرُ ببساطة: " إنهم ليسوا من ديني، بل هم كفّار ". عندئذٍ، أمرَ الحاكمُ بإيقاف تعذيب الرجلين وإطلاق سراحهما. ثم إلتفتَ إلى البطرك، ليقول موبّخاً: " إذا كانَ الأمرُ كما قلتَ، فإنني لن أدهشَ لو وضعت يدك بيد أعداء الدولة العليّة، طالما أننا بنظرك ولا شك أشدّ كفراً من الكاثوليك ". لكن الحاكمَ، المعروف بالجشع كأنداده، أمرَ بطرك الكاثوليك بدفع ديّة الخوري القتيل. وقد تم جمع الديّة من الرعية المغلوبين على أمرهم، والتي وضعها المتسلّمُ بخزينته ولم يؤدّها لأهل القتيل.
أساساً، فإنّ سببَ وجود أسرة بطل حكايتنا في دمشق إنما عائدٌ لجشع حاكمَيْن آخرين. ينبغي القولُ أولاً، أنّ جدّه لأبيه كان بالأصل من إحدى جزر الأرخبيل اليونانيّ؛ أي أنه كانَ رومياً. كانَ يُتاجر عبرَ البحار، إلى أن رست سفينته ذات يوم في مدينة الإسكندرية ذات الماضي الإغريقيّ العريق. وقد أعجبته المدينة، التي تعدّ الياقوتة الأجمل والأثمن بين مجوهرات أفريقيا السوداء، فقررَ الإستقرار فيها مع عائلته. ثمة، أظهرَ في نهاية حياته الكثيرَ من الورع، فأخذ يتبرع بماله للأديرة ودونما حساب. بل إنه إشترى ضيعةً بالقرب من بحيرة مريوط، لكي يجعلها وقفاً على دير حمل إسمَ سميّه، " ميخائيل "؛ رئيس الملائكة. عقبَ موت الجد، دأبَ أولياءُ الدير على أداء القداس يومياً بإسم المُحسن الراحل. بيد أنهم ما لبثوا أن أمتنعوا عن ذلك، بسبب مصادرة الوالي لأملاك الأسرة بزعم عدم دفع عميدها الراحل للضرائب. بينما جليّة الأمر ( عدا عن جشع الوالي )، أنه على خلفية تمرّدٍ يونانيّ ضد العثمانيين، دعمته بعض الدول الأوروبية.
الوالد، واسمه " جرجس "، ما أبطأ بتوديع أشقائه الثلاثة حينَ صممَ على السفر إلى بيروت كي يواصل العملَ في التجارة. ثمة، إلتقى مع الأمير بشير الشهابي الكبير، الذي شاءَ أن يتعرّفَ بمَن تخلّى عن مذهب الروم ليتحوّلَ إلى مذهب الكاثوليك. لما أختبرَ الأميرُ حذاقةَ الرجل بأمور السجّلات وأضرابها، عيّنه كاتبه الخاص. إلى أن حلّ على الأمير غضبُ والي عكا الغاشم، المدعو ب " الجزّار "، كونه لم يقبل إثقال كاهل رعيته بأتاوة جديدة، جسيمة، فرضها هذا الأخيرُ عليه. فيما إنتقل الأميرُ إلى حوران، بحماية أصدقائه الدروز، فإن كاتبه فضّلَ العيشَ في دمشق وعاد لممارسة التجارة برأسمالٍ ضئيل. خشية عيون الجزّار، المبثوثين في المدينة، فإنه عمدَ إلى تغيير إسمه وكنيته؛ فصار يُدعى منذئذٍ ب " جرجي الحمصي ". لقد أختار إسم تلك المدينة السورية، لكي يُنسى تماماً منشأه الحق. كأنما القدَرُ كتبَ للمدوّن أن يحذو حذوَ أبيه، وها هوَ ذا بَدوره يُخفي هويّته، مُحاذراً أن تقع تذكرته هذه بأيدي المُتربّصين الأشرار.
على أية حال، نواصلُ سرد سيرة الأسرة، التي قدّر لأفرادها التنقل من بلد إلى آخر. وإذاً، هنا في دمشق إقترنَ السيّد جرجي بشقيقة شريكه التاجر، وكانت قد ورثت داراً مُعتبرة في الحيّ المسيحيّ. فما لبثَ أن أنجبت له صاحبَ هذا السِفْر، وذلك بعد عامٍ من وفاة إبنتهما البكر.

2
مثلما علمنا، أنّ والد بطلنا عملَ ككاتب عند الأمير بشير، قبل أن يعود إلى مهنته الأصلية وهيَ التجارة. لقد شاءَ لإبنه الوحيد، أن يصبحَ أيضاً تاجراً. لكنه أرادَ له أولاً أن يحصل على المبادئ الأولية في التعليم، فدفعه إلى الدراسة في فصلٍ يتبعُ كاتدرائية " سيّدة النياح "، الكائنة في بقعةٍ تظللها أشجار الزيتون في باب شرقي. لاحقاً حينَ رأى الوالدُ لهفة الإبن على قراءة المجلدات، التي تذخر بها مكتبة المنزل، توسّم فيه أن يغدو كاتباً مثله، ولو في أحد دواوين الولاية ـ كالنظارة العدلية، الموجودة في المرجة الخضراء بمُقابل القصر المنيف للكنج الكرديّ، والي الشام الأسبق ( القاروط كانَ إبنه بالتبنّي )، والذي إلتجأ إلى عزيز مصر عقبَ عزله ومن ثم عصيانه.
صدفةٌ سعيدة، قادت ميخائيل إلى مهنة الطب. ذات مساء، كانَ عائداً للمنزل حينَ إلتقى برجل مُسنّ يحمل حقيبة صغيرة بيده. بالرغم من عُمره المتقدّم، كانَ شديدَ الحيوية، وكانَ طوله معتدلاً مع رشاقة في البدن، ملامحه محددة ومنطلقة الأسارير. سألَ عن عنوان منزل أحدهم، وقال أنه يحتاج للعناية الطبية. عرفَ ميخائيل أنه نطاسيّ، فمشى أمامه في الطريق إلى ذلك المنزل. في خلال مسيرهما، تبادلا الحديثَ. قال ميخائيل مُتباهياً، وإن كانَ على شيءٍ من الحياء بطبعه: " لقد قرأتُ كتباً في علوم الطب، ألّفها أمثال إبن سينا وإبن النفيس ". ثم أضافَ، فيما كانَ الرجلُ يهزّ رأسَهُ إعجاباً: " أيضاً قرأت سيرة الإغريقيّ، أبقراط، الذي كانَ يعتقدُ أنّ جسم الإنسان متوافقٌ مع عناصر الطبيعة الأربعة، وهيَ الماء والهواء والتراب والنار؛ أي الرطوبة والبرودة والجفاف والحرارة "
" أحسنت، أيها الفتى! يُخيّل إليّ أن عُمرك لا يتجاوز الرابعة عشرة، ومع ذلك تنهلُ من معارف كبار العلماء، الذين يقرأ كتبهم كهلٌ مثلي يُقارب عُمره الستين ". ما عتمَ أن راوحَ قدميه أمام واجهة أحد المنازل، قبل أن يستطرد: " سوف تقصّ عليّ فيما بعد حكايتك مع الكتب، أما الآنَ فإننا أمام المنزل المطلوب على ما أظنّ؟ "
" نعم، هوَ هذا المنزل "
" لقد جئته قبل زهاء أسبوع، لإجراء عملية غسل معدة لرجل أصيب بالتسمم. أتودّ أن ترافقني إلى الداخل، لكي أفيدك بعلم الطب عملياً وليسَ قراءةً حَسْب؟ "
" بلى، يا سيدي، بكل سرور "، أجاب الفتى فيما يمدّ يده لحمل حقيبة الطبيب. ناوله الحقيبة بيده اليسرى، وباليد اليمنى شدّ على يده: " أنا إلياس الحكيم "، قدّم له نفسه وكأنه ندٌ له. لقد أمتلأ قلب الفتى بالفرح والفخر، لأن النطاسيّ عامله بتلك الطريقة، المعبّرة عن الصداقة برغم تفاوت السنّ الفادح بينهما.
ولأقف هنا قليلاً لأقول، أنّ الحكيمَ قد إمتهنَ الطبّ في فترة متأخرة بعضَ الشيء. إنه قضى ردحاً من الزمن يُعالج النحاسَ، لكي يجعله مُتقمّصاً صفة الذهب. مع فشله في حقل الكيمياء، إنتقل للزراعة في حقل آخر؛ ألا وهوَ علم الفلك. كانَ يسبرُ حركةَ النجوم من خلال مرصد على شكل عدسة عملاقة، إمتلكه رجلٌ من تابعية القنصلية الفرنسوية، سبقَ وجاء به من باريس، وذلك قبل نشوب الثورة هناك. إلا أن الحكيم عزفَ أيضاً عن علم الفلك، وقررَ أن يغدو طبيباً. لأجل ذلك، سافرَ إلى بلاد الجرمان في بعثةٍ كانت هيَ الأولى في هذا الباب. كانَ الحَمْو، المنهك الأعصاب والنافد الصبر، هوَ من تعهّد الوساطة مع أولي الشأن لضمه إلى البعثة. لحُسن حظ الحكيم، أنه بعودته من البعثة بعد نحو أربعة أعوام، وجد أن أهالي الحيّ المسيحيّ قد زهدوا في المعالجة عند العطّارين. ذلك جرى، نتيجة السماح لطبيب القنصلية الفرنسوية بتقديم خدماته لبعض الأهالي ضمن ظروفٍ معيّنة ومحدودة.
أولاً بأول، غاضاً الطرفَ عما لحظه من موهبة ميخائيل في الإستذكار، كانَ معلّمه الحكيم يعطيه الدروسَ في شتى مناحي العلوم والمعرفة. كما أنه كانَ يرافقه إلى بيوت مرضاه، وبعضهم كانَ من المسلمين الموسرين. آنذاك كان والد الفتى ما زال على قيد الحياة، ولم يكن أقل حماسة في تقدير جهود الرجل. كانَ الفتى يزورُ المعلّمَ بشكلٍ دوريّ في منزله، الكائن في حارة الزيتون، غير بعيد عن مدرسته الأولى. أحياناً، كانَ هوَ أيضاً يحل ضيفاً عندهم. إذاك، وعقبَ شرب قدح قهوة مع الوالد في الصالة، يصعد النطاسيّ إلى هذه الحجرة؛ أينَ تخط فيها الآنَ الصفحاتُ البكر من تذكرة السيرة.
ذات يوم، وكانَ الوقتُ عصراً، إقتعد الحكيمُ بمقابل الفتى على الأريكة، وقد إنتشرت في الحجرة عبق أزهار حمضيات حديقة الدار، التي حملها النسيمُ ـ كما تحمل النحلة حباتِ الطلع إلى خليتها. كانَ الربيعُ في مبتدأه، وما نكّد من التمتع بحُسنه هوَ عددٌ من الإجراءات، التي إتخذها ذلك الوالي، المدعو بالكنج الكرديّ. لقد شدد على النصارى بعدم التزيي بلباس المسلمين، وألا يمتطوا مركوبهم، وألا يرفعوا أصواتهم. في حقيقة الحال، أنه فرضَ على المسلمين أيضاً أشياء لم تلقَ صدىً حسناً في نفوس أكثرهم، كانَ منها أن يرخوا لحاهم مع حبس النساء داخل دورهن. كذلك منعَ دورَ الملاهي والبغاء والمقاهي، بل وحتى حرّم شربَ القهوة. كل هذه الأمور، ذكرها المعلّم لمريده. لقد أدلى من ثم بمعلومة، كانَ على ما يبدو واثقاً منها. كانَ يتكلمُ عندئذٍ وهوَ يتطلعُ خلسةً إلى ناحية النافذة، كأنما خشية أن يصل صوته للشارع. واصل الكلامَ بصوتٍ منخفض على كل حال: " الكنج، أزعج سكانَ المدينة بتلك السلسلة من المحظورات، وذلك إرضاءً لجماعة الوهّابية، التي سيطرت على زمام الأمور في الحجاز وبدأت بالزحف شمالاً على غرار الفتوحات الإسلامية "
" عجباً! أتريدُ هذه الجماعة فتحَ بلادٍ، هيَ أساساً إسلامية وتحت حكم دولة الخلافة؟ "، تساءل الفتى في دهشة. كانت هذه المرة الأولى، يسمعُ فيها باسم الوهّابية. مضى معلّمه في تفصيل أخبار أولئك القوم، وأنهم فرقة مُغالية في أمور الدين، تكفّر كل ما عداها. قال له ميخائيل: " كنتُ أعتقدُ أننا نحن المسيحيون، حَسْب، من إبتلى بتعدد المذاهب. مع أنني أعلمُ أن الفرقة المنشقة، التي تدعى بالشيعة، تعيشُ تقريباً في ظهرانينا وبمنأى عن المدينة الإسلامية "
" أجل، وثمة فرقة الدروز، التي يقطنُ بعضُ أتباعها خارجَ السور "
" هل تتوقّع، يا سيّدي، أن يجتاحَ أولئك الأعرابُ بلاد الشام، ونحنُ نعيش اليوم في أوهى أيام الدولة العثمانية؟ "، سأله وليسَ بقليلٍ من القلق. رفعَ النطاسيّ حاجبيه، بحركة تنمّ عن الشك: " مهما يكن ضعفُ الدولة، فإنها قادرة في الوقت المناسب، وحين يأذن الخطر، على حشد قوات الولايات المجاورة للشام ". توقفَ الحديثُ عند هذا الحد، وقد أفرغ روع الفتى.
ذاك الحديث، الذي تناهى همساً، ما أسرعَ أن أضحى يترددُ على كل لسانٍ سواءً في حيّنا أو في المدينة الإسلامية وأرباضها. إذ بدأت الأخبارُ تترى، بأن الوهّابيين قد إجتاحوا شرقي نهر الأردن وأنهم قد يصلون قريباً إلى الشام. وقيل كذلك، أنّ أولاء القوم وجهوا حملة أخرى وهيَ في طريقها إلى بلاد البصرة وبغداد. ثم إذا الناس يهجمون على الحوانيت، لخزن المزيد من المؤونة، خشية نفادها لو ضربَ الأعرابُ الحصار على المدينة. التجار، بغية رفع أسعار سلعهم ومنتجاتهم، قاموا بإخفائها في المخازن. في واقع الأمر، أن التجار أرادوا التعويض عن خسارتهم بعدما إحتكر الكنجُ تجارة الصابون. الأدهى، أنّ الكثيرَ من فلاحي بر الشام، نزحوا إلى المدينة إحتياطاً. لقد تركوا حقولهم في مستهل فصل الصيف، وموسم الحصاد في أوجه، ما أنذرَ بوقوع مجاعة مُحتملة.

3
بينما المدينة تمورُ بالأقاويل ونُذُر الخطر، إذا الفتى يكاد يُنحّي كلّ ذلك جانباً، عقبَ وقوعه في الحب لأول مرة في حياته؛ وهيَ حياة، على أيّ حال، لم تتجاوز الستة عشرة ربيعاً. كان الحكيمُ قد عادَ أحدَ مرضاه، وأصطحب ميخائيل معه كمألوف العادة. الوقتُ، كانَ على مشارف المساء، والجوّ على شيءٍ من الحرارة، حينما ولجا منزلَ المريض، المنزوي في الدرب المتصل بباب توما، والمنتهي على طرف باب شرقي. إمرأة المريض، هيَ من تعهّدت فتح الباب. كان بيدها قطعة صوف تحوكها بإبرة معدنية، رفيعة. ولعلها وخزت إصبعها، فيما كانت تحدّق في الفتى ببعض الدهشة. لم يكن ميخائيل في وسامة " يوسف " وهوَ في تلك السنّ، إلا أن وجهه كانَ نضراً وقسماته متناسقة، مثلما أنه كانَ يُناهز معلّمه في طول القامة. بدَوره، فإنّ وخزة مماثلة ألمّت بقلبه فيما لاحظ حُسنَ المرأة، الساطع أكثر من جذوة القنديل، الذي حملته باليد الأخرى. قادتهما إلى حجرة المريض، المفتوحة منها نافذة تقع بمقابل سريره، وكانت مشرعة المصراعين كي تمرر الهواءَ إلى الرجل في هذا الجو القائظ.
" لا بأسَ عليك، حالتك ليست عصيّة على العلاج "، قال النطاسيّ للرجل كما هي شيمته في التخفيف من قلق مرضاه. كانَ الرجلُ في غاية الخور، لونه يُحاكي الشمع، يسعل بشكل متواتر وجبينه ينزّ عرقاً. هامساً، طلبَ المعلّم من مساعده أن يبتعد عن السرير: " إنه مصابٌ بالتدرن الرئويّ ". وكانَ على الفتى أن يجفل لسماع إسم المرض الخبيث، فتراجع دونَ تبصّر بحيث صدم المرأة، الواقفة خلفه. أعتذر منها وقد تضرّجَ وجهه، فهزّت رأسها فيما بسمة حزينة تضافرُ من جمال وجهها. بطلب من الطبيب، خرجت إلى الصالة، وهناك أبلغها أن حالة رجلها ميؤوسٌ منها. مع ذلك، أستطردَ بلهجة مُشجّعة: " يُمكن أن يطرأ عليه بعض التحسّن، لو أنه إنتقل للإقامة في إحدى قرى وادي بردى، أينَ سيحظى بالهواء العليل والمياه النقية "
" إننا قدمنا أصلاً من بلدةٍ في القلمون، وهيَ تتنعّمُ بنفس المواصفات "
" إذاً الأمر سيكون أكثر يسراً عليكم، أليسَ صحيحاً؟ "
" ولكن أهالي البرّية، يفرون منها الآنَ للإحتماء وراءَ أسوار الشام "، قالت المرأة وهيَ تفرك يديها بحركة تنمّ عن الحيرة. قاطعها الطبيبُ، بالقول: " بلى، أعلمُ ذلك. لكنني أطمئنك ألا خطر عليكم لو مضيتم إلى بلدتكم وقضيتم فيها بقية الصيف "
" أتعني، أنّ زوجي لن يعيشَ إلى الخريف؟ "
" ثمة قوة سرمدية، تمنحنا الحياة ثم تستردها متى شاءت. لكن إعملي بمشورتي، يا سيّدتي "
" سأتحدثُ مع شريكه في المتجر، وهوَ في الآن نفسه إبن عمه "
" حسنٌ، والأفضل أن يتم سفركم بالسرعة الممكنة. أيضاً، عليكِ أن تبقي حذرة عند الإقتراب منه، كون مرضه شديد العدوى. وهذا ما ستبلغينه للآخرين، ولكن دونما حاجة لإزعاج المريض بحقيقة مرضه "
" إنه قد حَدَسَ حقيقة مرضه، سلفاً. رأى الدمَ في منديله، عندما جاءته نوبة سعال ذات مرة "، قالتها وقد أنحدرت من عينيها العبرات ـ كأنها لآلئ تسيل على المرمر.
سلى الفتى أمرَ المرأة، فيما بعد، مع أن جرحَ الوخزة لم يندمل تماماً. لقد أعتقد أنها إنتقلت مع رَجُلها المريض إلى بلدتها، عملاً بنصيحة الطبيب. إلى أن كانَ يوماً، والوقتُ في أول الليل، رأى فيه نفسه يسيرُ ـ كالمسرنم ـ على نفس الدرب، الكائن فيه منزلها. أبصرها عندئذٍ جالسة على كرسيّ واطئ من القش، مُستندة إلى باب المنزل. كانَ البدرُ مختفٍ، وكأنما لتحل هيَ محلّه فتضيء العتمة. لكن مصباح " الدومريّ " كانَ يشعُ بنوره الضعيف، ملقياً الظلالَ على المرأة المنهمكة في التطريز وقد تهدّلت خصلات شعرها الفاحم على صفحة وجهها الناصعة. كأنما أحست بوجوده، فما لبثَ أن رفعت رأسَها وبقيت تحدّق فيه كأنها تتحرّى حقيقة شخصه. كاد يفر من المكان، وقد أجتاحه شعورُ الحَرَج، لما لوّحت له بيدها الممسكة بالإبرة. أقتربَ ببطء، فيما ألقى نظراتٍ مواربة على جارات المرأة، اللواتي أقتعدنَ بدَورهن على عتبات مداخل بيوتهن.
" أنتَ مَساعد الطبيب، أليسَ حقاً؟ "، سألته فيما إبتسامة تطوف على شفتيها. كانت إبتسامة مُتماهية مع شيءٍ من الشفقة على خجله؛ ما ضاعف هذا الشعور لديه. قبل أن يرد، تابعت هيَ القول: " هل أرسلك الطبيبُ للإطمئنان على زوجي؟ ". كانت تتكلمُ بصوتٍ مرتفع، لكي تسمعها جاراتها على مرجوح التأويل. عند ذلك إمتلأ ميخائيل بشعور جديد، ألا وهوَ الإحساس بالرجولة. أجابها مُستعيداً الثقة بنفسه، فيما ظلّه قد تحالفَ مع هيئتها: " لا، كنتُ ماراً على سبيل المصادفة. إنّ هذا الدرب، يقود إلى منزل أسرتي بشكلٍ من الأشكال "
" على أية حال، أرجو أن تنقل تحياتي إلى معلّمك وأن تخبره بأنني لم أستطع العمل بمشورته "، قالت ذلك مُتنهّدة. ثم أضافت بصوتٍ منخفض، مومئة برأسها إلى ناحية تلك النسوة: " لقد أوصلَ الجيرانُ شكوى للسلطات عن مرض زوجي المُعدي، وذلك حينَ كنا نستعد للسفر. فجاء الجندرمة وأصطحبوه إلى البيمارستان، ولم يُسمح لنا من بعد بزيارته "
" آه، إنه لخبر مؤسف "، علّقَ بتأثّر. عندما كانت تتحدث على سجيّتها، إنتبه لأول مرة إلى أنها في ميعة الصبا وأنّ جمالها قد تضاعف أيضاً. كذلك، لحظ أنّ جاراتها يلقينَ عليها نظراتٍ مفعمة بالريبة والحذر كلما سعلت. إلا أنه لم يلقِ بالاً لتلك الملاحظة، فيما كانَ غارقاً بترف الحضور البهيّ. دعته للجلوس على كرسيّها، بينما إنتقلت هيَ لتقتعد على درجة العتبة. حلّ الصمتُ بعدئذٍ، اللهم إلا ما كانَ يتناهى من جهة الجارات، اللائي كنّ يتحدثنَ بصوتٍ عال عن فقدان المؤونة وخطر هجوم الأعراب.
ثم جاز لصوتها أن يخرقَ الصمتَ، مثلما تفعلُ اليراعة في العتمة البهيمة: " أأنتَ تحصلُ على أجرٍ من الطبيب، أم أنك مجرّد مُتدرّب يُحصّل التعليم؟ ". كانت في الأثناء تتفحّصُ هيئته بإهتمام، وربما بإعجاب أيضاً. حينما كانت تنحني على قطعة الصوف، التي تنيّرها بأشكالٍ وخطوطٍ، كانَ نهدُها العارم يندلقُ إلى جانبٍ، مُتكئاً على ساعدها البضّ. أساساً، كانَ صوت الفتى قد أختنقَ بعض الشيء مذ أن إستهلّا الحديثَ. قال يجيبها، بذلك الإنفعال ولا غرو: " لا أطالبه بأجرة، طالما أنني أتدرب لديه. كذلك أمضي قليلاً من الوقت في متجر أبي، ثمة في سوق الأروام "
" متجرُ رَجُلي يقع في ذلك السوق أيضاً، ولعله يعرفُ أباك "، قالت ذلك قبل أن يظلم وجهها حينَ أردفت: " مردودُ متجرنا، آيلٌ إلى التناقص يوماً بعد يوم مذ أن إستفردَ إبنُ عم زوجي به. وأنا إمرأة وحيدة في هذه المدينة، كون أهلي يعيشون في القلمون ". كلامها، إنقطعَ مرةً بسعالٍ خفيف. شكواها، شجّعته على إبداء رأيه كي يتقرّب منها أكثر. في حقيقة الأمر، أنه لم يكن يعرفُ ما وراء إهتمامه بها غير الإعجاب والوله. هكذا قال لها: " في وسعي سؤال أبي في هذا الشأن، لو أردتِ؟ ". عبّرت عن إمتنانها أولاً برشقه بإبتسامة جميلة، قبل أن تجيب وهيَ تنفخ بقنوط: " المشكلة، أنّ ذلك الشريك من نفس بلدتنا. وأخشى أن يحوك دسيسة أو يؤلّف نميمة تتعلق بشرفي، لو أنني أستعنتُ بشاب غريب مثلك ". نطقت الكلمات الأخيرة بشيءٍ من التدلّه، مشفوعة بتنهّدة. كونه ما أنفكّ في سنّ البراءة ( بالرغم من وعيه المبكر نتيجة مطالعاته في الكتب )، فإنه لم يفسّر ما قالته بشأنه على أنه دعوة صريحة للوصال أو مجرّد إشارة عشق: كانَ ينبغي أن يلتقيا مرةً أخرى، بعيداً عن الأنظار الفضولية، لكي يستعيدَ ميخائيل كلماتها تلك ويُدرك حقيقة مراميها.

4
فيما بعد، وفي عشيّاتٍ إزداد فيها الحرّ مع تقدّم الصيف، مرّ الفتى عدّة مرات حَذاء ذلك المنزل دونما أن يحظى برؤية صاحبته. عند ذلك إنتابه الجزعُ، مُتصوّراً أنها قد سافرت إلى بلدتها وربما لا تعود أبداً. معلّمه، المُتّسم بالذكاء والنباهة، لعله لحظَ شرود مساعده وعلامات القنوط على سحنته. مع أنه كانَ يُعامله ندّاً لند، فإنهما لم يسبق أن تبادلا حديثاً يتعلّقُ بمشاغل القلب. وهوَ ذا يربتُ على وجنة ميخائيل بلطف، مُتسائلاً: " كأنّي بك تُعاني من حمّى؟ "
" لا أشعرُ بأيّ مرض، سوى أنني مرهقٌ قليلاً "، أجاب مُتململاً. وإذا بالحكيم يسأله عن تلك المرأة، وكانَ قد سبقَ وبلغه سلامها له وما جدّ مع زوجها المسكين. وكانَ أن تضرّجَ وجه المساعد، حينما رد بأنه لم يعُد يلتقي بها. بقيَ المعلّم يرمقه بنظراتٍ مليّة، قبل أن يُبدي هذه الملاحظة: " ولأنك ما عدتَ تراها، راودك شعورُ الشفقة بأنها قد تكون لحقت رَجُلها إلى البيمارستان. أليسَ حقاً؟ "
" لا، لقد كانت بصحة جيدة حينَ رأيتها تلك المرّة "، قالها وهو ينتفضُ ذعراً من ذلك الإحتمال ولم يكن قد خطر قط لذهنه. هزّ المعلّم رأسَهُ بحركة تفهّم، ثم ما عتمَ أن فاجأه مجدداً بالتساؤل ما لو كانَ يرى أن يعوداها بغية الإطمئنان عليها. ردّ مُغمغماً، ولم يكن قد زايله الإرتياعُ: " كما تشاء، يا سيّدي "
" إذاً نمضي الآنَ على الفور، طالما أننا اليومَ لن نعودَ غيرها على مرجوح الظنّ "
" أجزمُ أنها ليست مريضة. ولكن لا بأس، فلنمضِ كما أمرتَ "، قالها في ضيق وتوتّر. لكنه سُعد ولا غرو بالإقتراح، فحملَ حقيبةَ المعلّم ومن ثم غادرا المنزل. كانَ الوقتُ أصيلاً، والدروبُ إنتعشت بحركة الناس؛ وعلى وجه الخصوص في المقاهي، المطلّة على جانبيها. في خلال الطريق، وكدأبه في إغناء معارف الفتى، راحَ المعلّم يتكلمُ عن تطوّر الطب في أوروبا، التي نال إجازته العلمية من جامعة إحدى بلدانها: " أتعلم أن المؤرخ الإغريقيّ، هيرودوت، أشاد بالحالة الصحيّة للمصريين في زمنه وأنّ ذلك عائدٌ لكونهم عرفوا التخصصَ في كل بابٍ من أبواب الطب؟ "
" هيرودوت، المُكنّى بأبي التاريخ؟ "
" أحسنت! ولم يكن قومه بأقل من الفراعنة في مجال الطب، حتى أنّ مواطنهم، أبقراط، دُعيَ أيضاً بأبي الطب. وفي العصور الوسطى، تقدّمَ المسلمون على غيرهم في هذا المجال، بدءاً بترجمتهم مئات الكتب العلمية من اللغتين الإغريقية واللاتينية، وأيضاً لظهور أطباء لديهم لا يقلون براعة ـ كإبن سينا وإبن الهيثم وإبن النفيس، الذين وضعوا بدَورهم عدداً كبيراً من المؤلّفات في إختصاصهم "
" لكن في هذه البلاد الإسلامية، لا نجدُ النطاسيين تقريباً سوى في الأديرة؟ "
" حقاً، لأنّ الحال تغيّرَ مع هيمنة العثمانيين على المشرق، فدخل في طور الجمود في المعارف والعلوم فيما الغربُ إسترجعَ العصرَ الذهبيّ لحضارته القديمة على كافة تلك الأصعدة. بل إنهم ثمة إبتكروا شيئاً يُدعى بالتلقيح، وذلك حينَ حقنَ أحد أطبائهم صبياً بقيح فتاة مصابة بالجدري؛ ما جعل للصبيّ مناعة ضد هذا المرض الخبيث "
" أمن الممكن إستنباط علاج لمرض السل أيضاً، أو على الأقل إيجاد مثل ذلك اللقاح؟ "
" بالطبع، بما أنّ الإكتشافات والإختراعات هيَ سمة هذا العصر "، أجابَ المعلّمُ ثم أضافَ: " ولا بدّ أن نفيدَ نحنُ أيضاً، هنا في المشرق، من ذلك التطوّر الغربيّ، فيدع البسطاءُ البدعَ والخرافات جانباً طالما أنّ كل إمرئ يرغبُ بأن تكون صحته جيدة وأن يعيشَ مدة أطول "
" لكنني فهمتُ من كلامك، أنّ البابَ العالي هوَ مَن يسدّ البابَ في وجه التطوّر؟ "
" رياحُ التغيير، ستدفعُ سفينةَ هذه الدولة أيضاً. ولقد بدأ البابُ العالي يعي أهمية العلوم، بالنظر لإخفاقاته العسكرية المتتالية على الجبهات الأوروبية والمسكوبية. ويقال، أنه يفكّرُ بإستبدال الإنكشارية بجيش حديث على غرار الجيوش الأوروبية. فيما مضى، لقيَ السلطانُ سليم الثالث حتفه على أيدي أولئك الإنكشاريين، لمجرد تفكيره بإدخال أنظمة جديدة تتعلقُ بتسليحهم وملابسهم "، قال المعلّم ذلك وما عتمَ أن سكتَ عن إتمام كلامه. فعلى سبيل الإتفاق، أنّ عدداً من أفراد الإنكشارية ظهروا في آخر الدرب وكانوا يسيرون مترنّحين سُكراً. وقد أضطرا لتجنب الإحتكاك بهم، وذلك بالإنعطاف إلى دربٍ جانبيّ. قال ميخائيل لمعلّمه على الأثر: " واضحٌ أنّ الإنكشاريين يُعاندون الوالي، الذي شددَ على منع الخمرة "
" بلى. وكون الكنج سمحَ للنصارى بإستمرار عمل المقاهي والحانات، فإنك تلحظ كثرة أفراد الوجاقات والأورطات هنا في حيّنا "، ردّ عليه وهوَ ينطقُ بإزدراء أسماءَ فرق أولئك الأشرار. بعد قليل، كانا قد أضحيا في ذلك الدرب، أين يقعُ المنزلُ المقصود. أخذ المعلمُ يقرعُ بابَ المنزل، ولكن دونما مُجيب. إلى أن ظهرت إمرأة في نافذة المنزل المقابل، وخاطبته بالقول: " جانيت سافرت إلى البلدة، برفقة جثمان رَجُلها ". ولم يعُد ميخائيل يسمع بقية الحديث بين معلّمه وتلك الجارة.
" إذاً، إنّ إسمها جانيت؛ فما أعذبَ نطق هذا الاسم! إنها لم تسألني قبلاً عن إسمي، وأظن أنها عرفته منذ البداية، كون النطاسيّ كانَ يُناديني به حينَ كانَ يستقصي مرضَ زوجها "، فكّرَ في سعادة. لكنه تابع التفكيرَ، وقد إختلط الأملُ باليأس: " يُمكن أن تمكث في البلدة بشكلٍ نهائيّ، لو أنّ أهلها منعوها من العيش وحيدة في المدينة أو فكّروا بتزويجها مجدداً. عندئذٍ، أحرمُ من رؤيتها أبداً. إنني سلوتُ عن سؤالها في حينه عن إسم بلدتها، التي تقع في جبال القلمون. يا لغفلتي وغبائي! ". وإذا بمعلّمه يوقظه من توهان الفكر، حينما طلبَ أن يتحركا لمغادرة المكان. قال على الأثر، وكانا يعودا أدراجهما على نفس الدرب: " مؤسفٌ حقاً أنّ مريضنا قد فارقَ الحياة، ثمة في البيمارستان. إنّ حشرَ المرضى في ذلك المَحْجَر، يُسرّع في موتهم عوضاً عن شفائهم، أو على الأقل، أن يعطيهم فرصة الإستمرار بالحياة لفترةٍ أطول "
" لو يُبنى بيمارستان، مخصص لمرضى التدرّن الرئويّ، ثمة في الريف "
" كم تعجبني نباهتك، يا بنيّ، ودقّة ملاحظاتك! "، هتفَ المعلّم وهوَ يقاطعه. ثم أضافَ: " سأطرحُ هذه الفكرة على بعض ذوي النفوذ في مجلس الولاية، ممن تربطني بهم صداقة "
" كما أتذكّرُ، يا سيّدي، أنك قلتَ لي ذات مرةٍ بكون هذا المرض نتيجة الرطوبة وقلة التعرّض للشمس والهواء النقيّ. لكن منزل ذلك الرجل، كانَ يتوفّر فيه تلك الشروط، مثلما أنه أصلاً من إحدى بلدات الجبل؟ "
" بلى، إنني أعرفُ بلدته، جبعدين، وأهلها أصحاءُ الأبدان بسبب طبيعتها وخيرات حقولها ومياه عيونها. بالنسبة لمريضنا، رحمه الله، فلا تنسَ أنه كانَ يقضي سحابة النهار في متجره، وكذلك لا يُستبعد أن يكون قد أخذ العدوى من أحد الزبائن "، ردّ عليه. وكانَ الفتى بالكاد قد سمعَ بقية الجملة، طالما أنّ قلبه خفقَ لمعرفة إسم بلدة الحبيبة. بلى، لا يُمكن إلا أن يكونَ قد وقعَ حقاً بالحب طالما أنّ جسده بدَوره قد إرتعش قبلاً، حينما ذكرت تلك الجارةُ إسمَ المرأة؛ إسمَ جانيت، التي شغلت ذهنه وقلبه مذ أن وقعَ نظره عليها أول مرةٍ.
وحيداً كان في حجرته بالدور العلويّ، في منزله، وكانَ في ذلك الوقت ( واحسرتاه! ) يضجّ بأصوات الأهل والجيران.. أقولُ، أنه كانَ متوحّداً مع أفكاره في ذات الليلة، التي شهدت عشيّتها تلك الزيارة لمنزل الحبيبة. كانَ حائراً بعضَ الشيء، بالرغم من مشاعر السعادة والرجاء. أن يذهبَ للبحث عن جانيت في بلدتها، ليسَ بالأمر الشاق، ويكفي أن يذكر لأحد قروييها عن رجلٍ توفي مؤخراً بالسل حتى يدلّه على المنزل المطلوب: " ولكن، كيفَ في الوسع التملّص من عملي في متجر أبي في رحلةٍ قد تستغرق ربما بعضَ اليوم؟ والشيء الأهم، كيف سأبررُ أمام المرأة نفسها ملاحقتي لها، وهيَ لم يسبق أن أعطتني وعداً صريحاً؟ ولأفترض أيضاً، بحالٍ من الأحوال، أنها سايرتني وأرخت للحَمَل الوديع الحبلَ كي يعبّر عن حبه وشوقه؛ فماذا بعد؟ "، إنتهى إلى هذه الفكرة المُحْبِطة. لقد وصفَ نفسه بالحَمَل، وهكذا بالفعل كان يراه أقربُ الناس إليه؛ وفي مقدمتهم، بالطبع، والداه ومعلّمه. لكنّ فكرةً أخرى، جريئة، ما لبثَ أن عصفت في داخله وبلبلت كيانه: " لو إحتاجَ الأمرُ، فقوبلت رغبتي بالصدّ من لدُن أسرتها أو أسرتي، أو كلتاهما، فإنني سأحملُ حبيبتي على القبول بالهرب معي. وليكن ما يكون! ". بقيت الفكرةُ تداعب رأسه وهوَ في الفراش، لحين أن غلبه النعاس أخيراً.

5
في اليوم التالي، كانت نفسُ ميخائيل ما فتأت ممتلئة بالتصميم والعزم، لما رافق والده إلى المتجر. ثم مضى الوقتُ ببطء فيما كان ينظر إلى ملامحه، المفعمة بالطيبة والطوية السليمة، مفكّراً كيفَ ستتجهّم حينما يفتقد وجوده على حين فجأة. كل الحيل، التي سبقَ أن إستنبطها خياله كي يبرر للأب ضرورة غيابه، مسحها ببساطة لكونها غير مُقنعة. عندئذٍ آلى الإنتظار إلى يوم الأحد، وكان المتجر يغلق في العادة بسبب المواظبة على حضور القدّاس في الكنيسة. ثم ما عتمَ يومُ الأحد أن حلّ، وفي خلاله ثبطت إرادته هذه المرة لمرأى الأم في خلال القدّاس وهيَ تبتهلُ ليمنح الربّ البركة لإبنها الوحيد. مشحوناً بأملٍ مستحيل ( وكون معلّمه لا ينتظره في مساء يوم العطلة هذا )، توجّه صوبَ بيت الحبيبة. في خلال الطريق، كان قميصه الخفيف يرشحُ بالعَرَق من شدّة القيظ، فيما الرعدة أمسكت بداخله وكأنه ماضٍ إلى موعدٍ غراميّ مُتفقٍ عليه حقاً. ولكن، ما كانَ أسعده حينَ لمحَ عن بُعد نوراً في نافذة حجرة منزلها، المطلّة على الدرب: " آه! هيَ ذي جانيت تظهرُ بنفسها، لتجلسَ وراء النافذة وتنشغل بما في يدها من حياكة أو تطريز ". لمحض المصادفة، ومثلما كانَ حالُ زيارته الأخيرة للمنزل مع المعلّم، فلم يكن ثمة نسوة يجلسن أمام بيوتهن. لقد كانت ساعة متقدّمة من المساء. هكذا راوحَ قدميه في مقابل مجلس الحبيبة، وقد إضطرم داخله بإنفعال قوي فيما الرعدة تهزّه. ولو أنه لم يعزم على الفرار، مثلما جرى معه مرةً، فلأنّ قدميه لم تعودا تحملانه مما ألمّ فيهما من الخور. أما ما جرى بعدئذٍ، فإنه لا يتذكّره بشكلٍ جليّ وكأنما كان محض طيفٍ يسبحُ في ضباب حكايةٍ من حكايات ألف ليلة وليلة.
" أدخل بسرعة! "، همست وهيَ تجذبه من عتبة المنزل. ثم أردفت وراء الباب، وهيَ تعانقه بجنون مع أنفاسٍ عطرية مُتلاحقة: " وقعت عيني عليك مذ ظهرتَ في أول الدرب، وكنتُ قد إنتظرتك طوال بضعة أيام، واثقة أنك لا بدّ وستأتي كي تراني ". كانت قسماتها في الرونق المُتألّق المُعتاد، ولو كانَ يغشاها شيءٌ من الشحوب. كذلك حظيَ العاشقُ برؤية جسدها الجميل، وهوَ مُغلّفٌ بقميص نوم على جانبٍ من الرهافة، وكان يضمّه بدَوره وبكل ما لديه من شوقٍ ووَجْد. إلا أنه لما إنثنى بفمه كي يقبّل فمها، تملّصت من حضنه: " لا تكن متعجّلاً ولجوجاً! "، قالتها وهيَ مَن كانت خالعة العذار بمجرّد خلوتها به. سارت من ثم بإتجاه الصالة المُنارة، فيما يدها تقبضُ على يده. أجلسته ثمة على أريكةٍ مُظهّرة بالبروكار، بينما إتجهت إلى النافذة كي تسدل ستارةً من نفس القماش ولكن بلونٍ مختلف. في الأثناء، راحَ يتملّى من مشهد جسدها الرشيق، المُكتنز عند الصدر والردفين. لما عادت كي تهم بالجلوس بجانبه، جذبها في جسارةٍ إلى حضنه: " وأنا أيضاً أنتظرتك لأيام طويلة، بل وحملتُ معلّمي على المجيء إلى منزلك كي أطمئن عليكِ "
" نعم، لقد أخبرتني جارتي بحضوركما؛ وهذا ما جعلني واثقة من معاودتك المحاولة "، علّقت وهيَ تقبّله في عنقه وأعلى صدره. عند ذلك، وبنبرة يغلبُ عليها المرح، أخبرها عن خطته لمغافلة الوالد والسفر إلى بلدتها. ثم تعالت ضحكتها، لما ذكر عزمه على الهرب معها كي يتزوّجا بالرغم من إرادة الأهل. إلا أنها سرعانَ ما تقمّصت هيئة الجدّ حينَ عقّبت بالقول: " إنسَ أمرَ الزواج، حبيبي، على الأقل في هذه الفترة. إننا سنلتقي في خفية عن الآخرين، كحالنا اليوم، وكلما شعر أحدنا بالشوق إلى الآخر "
" سأظلُ حبيسَ الشوق كل يوم، يا حبيبتي "، خاطبها في مزيدٍ من الوله. وإذا بها تمدّ يديها إلى قميصه وتنزعه: " إنه غارقُ بالعَرَق "، قالتها وهيَ ترميه جانباً. على الأثر، ودونما حاجةٍ للكلام، قام بدَوره لينضّ عنها قميصَ نومها. حاولت التشبّث بالقميص وقد تكوّم تحت نهديها: " لا، ليسَ بهذه العجلة. فأنا لا ألبسَ شيئاً تحت القميص ". لكن جملتها لم تكتمل إلا وقد تجرّدت بجسدها الجميل ـ كأنها تمثالٌ من العاج قد أخرجَ من صندوقٍ يحفظه.
منذ تلك الليلة، أضحت لقاءاتهما متواترة، يعقدانها بحَسَب الفرص المتاحة لا بحَسَب حنين الروح للروح والجسد للجسد. كانَ النأيُ يؤجج جذوة الحب، والتي سرعان ما تقبع تحت رماد الوصال قبل إنبعاث شعلتها مجدداً. على الرغم من الحرص والتكتّم، فإن علاقتها ربما تم رصدها من الأعين الفضولية؛ وذلك وفق ظنّ الحبيبة. ففي أحد أيام الأحد، كانت جانيت في الكنيسة، ولما أنفضّ القدّاس وكانت تستعد للمغادرة، همسَ الكاهنُ في سمعها: " لو أردتِ الإعترافَ، فإنّ الوقتَ مناسبٌ الآنَ ". دققت النظرَ في ملامح الراعي الكهل، لنستشفّ علامة ريبة؛ إلا أنها أطمأنت لوداعة عينيه وبسمته الواهنة. كانَ في وسعها التملّص، بأن تختلق كذبة ما. لكنها إنصاعت لطلب الرجل، وذلك تحت وطأة جو الورع في المكان الطاهر، الذي تنطق فيه عشرات الأعين لتماثيل وإيقونات الإبن والأم والقديسين. ثم قادها الرجلُ للصومعة، المُشكّلة ما يُشبه الجزيرة المعزولة، أينَ سيغدو ممثلاً عن الرب. ثمة جلس بمقابل المرأة، وقد فصل بينهما حاجزٌ من نفس المادة الخشبية للصومعة. عبرَ ثقوب الحاجز، المنتظمة بشكلٍ هندسيّ، أنصتَ الراعي للمرأة وهيَ تدلي بتقرير عن خطاياها. بعدئذٍ حصلت على وعدٍ ربانيّ بالمغفرة، طالما أنها إلتزمت بالتوبة وتجنّب الإثم.
في الأيام التالية لواقعة الإعتراف، أذعنَ ميخائيل لرغبة الحبيبة في الإقتصار على الحديث دونَ الوصال، كذلك أن تكون لقاءاتهما في أيامٍ متباعدة. لقد قام بينهما منذئذٍ حاجزٌ، شبيهٌ بحاجز صومعة الإعتراف؛ لكنهما تبادلا كلّ مرةٍ دورَ الراعي والخاطئ. وإنما في تلك الآونة، نما لدى الفتى هاجسُ الكتابة، فراحَ يُسجّل على ورقٍ أبيض حالما ينبثقُ النهارُ، خواطرَ ألهِمُ بها ليلاً. ومن ثم صار يغذّي اللقاءات الغرامية بخواطره، حينما يتلوها على مسامع جانيت. كونها تجد صعوبة في فهم اللغة العربية الفصحى، فإنه كانَ يشرحُ لها بكلماتٍ بسيطة ما غمضَ عليها من معانٍ ودلالات ورموز. في الأثناء، وبينما كان يلحظ أنّ كلمات خواطره المتدفقة إلى سمع الحبيبة قد جعلتها أقلّ تحفّظاً، فإنه أنتبه أيضاً لتغيّر رونقها. كأنما سحنتها الجميلة تذوي رويداً، وقد كسا نضارتها اللونُ الشاحب المائل أحياناً إلى الصفرة أو الزرقة. ثم أشتدّ سعالها بمضيّ الوقت، ما جعل حَدَساً مشئوماً يتملّكه.
" يا إلهي! أمن الممكن أنه عدوى ذلك المرض الخبيث، المميت؟ "، خاطبَ نفسه فيما كانَ في طريقه ذات أصيل إلى منزل النطاسي. لم يكن قد جرؤ على البوح لمعلّمه بسرّ علاقته الغرامية، ما ضاعفَ ذلك من خجله وتردده. لقد كانَ مزمعاً على الطلب من المعلّم مرافقته إلى منزل جانيت، لكي يبتّ بأمر الشكوك المعلومة. بنباهته المعهودة، أدرك الحكيمُ مدى ما يعانيه مساعده في التكتّم على أمر مُستطير. لما سأله عما دهاه، فإنه ما أبطأ في مصارحته بعلاقته الآثمة مع إمرأة مريضه الراحل ومظنّته بأنها ربما تعاني من نفس المرض. بقيَ النطاسي هادئاً وهوَ ينصت لبعض تفاصيل تلك العلاقة، إلا أنه سرعانَ ما هبّ واقفاً لما ألمّ بوصف حالتها الصحية: " هيا نذهب إليها حالاً "، قالها وهوَ يناول حقيبته لمساعده. سأله في خلال الطريق، وكانت العتمة قد جعلتهما أشبه بطيفين: " متى إلتقيتَ بالمرأة آخر مرة؟ "
" منذ ثلاثة أيام "
" لندعو الله، إذاً، ألا يكون الجيرانُ قد إنتبهوا لحالتها "، قالها بتأثّر. وقد أصابَ كلامه قلبَ الفتى في الصميم، وهوَ يتخيّل جانيت وقد حُشرت في المحجر الصحيّ، الذي يلفظ الموتى بشكلٍ يوميّ. لكن أفرخ روعه، حينما فُتح بابُ الدار عن وجهها الجميل، الذي عبّر عن الدهشة والإرتياع في آنٍ معاً. مطمئناً نوعاً ما، بكّتَ ميخائيل نفسه لأنه تعجّل في إستدعاء الطبيب. إلا أنّ هذا الشعورَ إضمحلّ رويداً، عقبَ إنتهاء الرجل من النظر في حالة المرأة. حقاً إنها لم تكن تبصق دماً بعدُ، إلا أنّ بعضَ أعراض المرض الخبيث كانت جليّة. في هذه المرّة، لم يضطر المعلّم للإخبات ـ كعادته مع مرضاه ـ فقال لجانيت بصريح العبارة أن عليها العودة على وجه السرعة إلى بلدتها: " مرضك في مراحله الأولى، وفي وسعك التغلب عليه بالإرادة القوية والأمل بالحياة، وأيضاً بالطبع، بتمتعك بالهواء العليل والماء النقيّ ". طفقت المريضة مُمسكة عن الكلام، فيما هيَ مُطرقة بنظرها إلى أرضية الحجرة. ثم ما عتمَ أن أمالت رأسها نحوَ عشيقها، لتخاطبه بالقول مع ضحكةٍ مقتضبة: " سيكون العرسُ في السماء، والشهود هم الملائكة! إنه عرسٌ لن يشهد مثله الفردوسُ، اللهم إلا حين أقترنَ سيّدنا بالمجدلية! ". أرادت الإسترسال في الهذيان، لكن نوبة من السعال ألمّت بها. مع ذلك، إستعادت زمام نفسها حينَ سألها الطبيبُ عما لو كانَ بمقدورها السفر لوحدها. تمتمت بالقول: " بلى، ومنذ الغد ". عند الباب، شاء ميخائيل توديعها وكانت الدموع تملأ عينيه، فسحبت يدها بسرعة.
من النافل وصف حالة بطل حكايتنا منذ ذلك الحين، وإلى أن أضحت جانيت مجرّد ذكرى. في أثناء ذلك، راحَ يكتبُ لها المزيدَ من الخواطر، التي صنّفها معلّمه بأنها نوعٌ جديد من الشِعر لا يلتزم بالأوزان ولا يهتم بالقافية. لم يعُد يشعر بالخجل وهوَ يوافيه كلّ مرةٍ بقصيدةٍ جديدة، يقرأها وكأنما حبيبته مَن تنصت إليه. إلى أن دفعه أخيراً الشوقُ والإملاقُ إلى المرور على ذلك المتجر، الذي يُديره إبن عم زوجها الراحل؛ وكانت جانيت قد وصفت له مكانه في سوق الأروام، أين يقعُ متجر أبيه. الرجلُ، كان شخصاً قميء الهيئة، تتحرك في وجهه عينان تبرقان بالمكر القرويّ. تعاملَ معه ميخائيل أولاً بصفته زبوناً، يرغب بشراء بضاعة معينة. ثم قدمَ له شخصه كمساعد الطبيب، المتعهّد في السابق معالجة إبن عمه. في سياق الحديث، سأله بشكلٍ عابر عن إمرأة الرجل الراحل، دون أن يسميها: " كانت هي الأخرى قد إستعانت بمعلمي، لما شعرت بنفس أعراض المرض؟ ". وإذا هوَ يرسمُ إبتسامةً عريضة على شدقه، قبل أن يصدم الفتى بالخبر: " لقد لحقت برجلها، هيَ الأخرى ". ثم أضافَ، وكأنه يجدُ متعةً بإستعادة الواقعة: " نقلها أهلها إلى مغارةٍ في الجبل، المُطل على البلدة، خشية أن تنقل العدوى للآخرين. كان الوقتُ في أواخر الخريف، وأظن أنها ماتت من البرد وليس من المرض ".

6
في عشية اليوم نفسه، الذي أبلغ به بموت الحبيبة، وقعَ ميخائيل طريح الفراش. لقد أرتفعت حرارته وإنتابته نوبة هذيان، كانَ في أثنائها يردد إسمَ جانيت. أستدعيَ معلّمه النطاسي، بطلب من الأب الملول، الحائر. قال للطبيب فورَ وصوله: " لقد إنهارَ فجأة، كما شجرة في عاصفة، ولم يكن يشكو من أيّ شيء ". مضى المعلّم إلى حجرة مساعده، فألقى عليه نظرة ملية قبل أن يلتفت إلى الوالد: " حسنٌ أنكم وضعتم فوطاً مبللة بالخل على رأسه، لأنها تمتصّ الحمّى "
" أظنّ أن حرارته إنخفضت قليلاً، كذلك توقفَ عن الهذيان باسم فتاة ما "
" أيّ فتاة؟ "
" لا أدري من هيَ، سوى أن إسمها جانيت؛ ولعلها ماتت اليوم "
" آه، ماتت إذاً! يا له من خبر مؤسف "، قاطعه الطبيب. بقيَ السيد جرجي فاغراً فاه، وقد تفاقمت حيرته. فاستأنف الآخرُ كلامه: " لقد كانت إمرأة شابة، أخذت عدوى مرض التدرن الرئويّ من رَجُلها، الذي توفيَ أولاً ". هتفَ الأبُ في ذعر: " أتعتقدُ أن إبني مصابٌ بنفس المرض؟ "
" لا، أعتقدُ أنه محمومٌ بسبب العشق. أعني، نتيجة صدمته بخبر وفاة تلك المرأة "
" إذا كان على علاقة معها، بشكلٍ من الأشكال، فإنها ربما نقلت إليه العدوى؟ "
" أنا ألتقي معه يومياً في الآونة الأخيرة، ولم ألحظ أي علامة على مرضه؛ من قبيل السعال أو تغيّر اللون. مع ذلك، سننتظرُ بضعة أيام للجزم بوجود أعراض المرض من عدمها "
" نعم، أتفق معك فيما يخص عدم ملاحظة هكذا أعراض والشكر لله "، هتفَ الأبُ مُستبشراً ولاحَ كأنه يودّ إحتضانَ الطبيب. قبيل ذهابه، قال هذا الأخير: " أوصيكم بكتمان أمر مرضه، ولو طالَ أكثر من اللازم. إنهم من الجهل، ثمة في المصلحة الصحية، أن يُبادروا عند أول شكوى من الجيران إلى رمي المريض في محجر البيمارستان. وأنصحُ أن تتابعوا طريقة خفض درجة حرارة إبنكم، وأظن أنه سيبلى من وعكته في خلال عشرة أيام؛ ربما تزيد أو تنقص قليلاً ".
تساقطت أوراق الروزنامة، الواحدة بأثر الأخرى، والمريضُ ما إنفكّ غائباً عن الوعي، يهذي وينضحُ بالعَرَق. وكانَ السيد جرجي يرقب بقلق الروزنامة، التي إشتراها من الكنيسة، ككل عام، وكانت تطبع في بيروت. صفحة مبتدأ كل شهر في الروزنامة، كانت مزيّنة بلوحة من أعمال الرحالة الإفرنج، المصوّرة منظراً من بلاد الشام، وقد طبعت الرسوم بطريقة نسخ، تُدعى " ليتوغراف ". مع مضيّ الأسبوع الأول، طرأ بالفعل تحسّنٌ واضح على حالة الفتى، بحيث غدا كأنه غارقٌ في حلم طويل وليسَ في بحران الحمّى. كانَ يحلم حقاً، وليسَ مجازاً. كأن يرى الحبيبة ذات ليلة، تضيء سماءها مجموعةٌ من النجوم، المتبدية كشعلات شمعدان متعدد الرؤوس، وكانت تسير على دربٍ موحش، فينقذها هوَ من عصبة إنكشاريين أشرار.
الوالدان، مع تقديرهما لمهارة وعلم الطبيب، كادا أن يتفقا على رأيٍ مخالف لرأيه فيما يتعلق بمنشأ المرض. كأنهما لا يستوعبان حقيقة، أنّ إبنهما الفتيّ، المطبوع بالحياء والخجل، يُمكن أن يقع بالحب.. حب آثم، فوق ذلك! وكانَ أكثر ما ساءهما في هذا الأمر، لو كانَ صحيحاً، أن يحاطا به علماً من النطاسي، الرجل الغريب بعد كل شيء. وقال الأب لإمرأته، أنه ربما أخطأ حينَ رضيَ أن يوكل تعليم إبنه لشخصٍ، وصفه تارةً بالدهريّ وتارة أخرى بأنه ذو نزعة جمهورية: " إنّ الولدَ أفسِدَ بتلك الآراء المنحرفة، بحيث كان يتهرّب في بعض الأحيان من قدّاس الأحد، لكي يحبس نفسه في حجرته مع كتبٍ أمدّه بها معلّمه "
" ولعله كانَ يغتنمُ فرصة خلو الدروب في خلال القداس، لأجل أن يمضي إلى تلك المرأة، التي لا تقل إنحرافاً "، قالت الأم وكما لو أنها سلّمت أخيراً برأي الطبيب في حالة إبنها. ثم أردفت، تسأل رَجُلها: " هل لديك فكرة ما، بشأن مستقبل إبننا؟ ". بادرَ الرجلُ للإجابة، وكأنما فكّر بالأمر قبلاً: " بلى، سأرسله إلى جبل لبنان كي يواصل تعليمه في أحد الأديرة. أود أن يكون تحت رعاية الأمير بشير، الذي تعلمين مقدار ثقته فيّ حينما كنتُ كاتبه ".
في غضون أيام ثلاثة أخرى، كانَ الإبنُ قد أستعاد وعيه، ولاحَ كأنه أبل من مرضه أخيراً. لكنه كانَ من الوهن أن لزمَ الفراشَ، ولم يستعد شهيته للأكل. في أثناء ذلك، عادَ الطبيبُ مريضه وأبدى سروره بأنه برأ من مرضه. ومن ثم أختلى بأبيه، ليشرح له سببَ الحالة المُستجدّة للمريض: " إنه يتلظّى بفكرة أنّ الموتَ قد خطف محبوبته، ويتمنى لو يلحقها هوَ الآخر. لقد سمعتَ، ولا ريب، بحكاية مجنون ليلى؟ "
" بلى سمعتها، فهل تعني أنّ إبننا سيلقى نفسَ المصير؟ "
" هذا مرضٌ نفسانيّ، يُدعى بالكآبة، ولا يقلّ خطراً عن الحمّى "، أجاب الطبيب. ضربَ الأبُ كفه بالكف الأخرى، قبل أن يعلّق بالقول في قنوط: " من أين خرجَ علينا هذا المرض الجديد، وكنا بالكاد قد سُعدنا بنجاة إبننا من الحمّى؟ "
" كلاهما، الحمّى والكآبة، نتيجة الإبتلاء بفقدان الحبيبة. إن فكره محصورٌ في حلقة مفرغة، يقوم هوَ بملئها رويداً بيأسه ـ كما تملأ الساعة الرملية وتفرغ من جديد "
" وكيفَ السبيل لإخراجه من هذا الوضع؟ "، هتفَ السيد جرجي مُقاطعاً النطاسي. فكّرَ هذا الأخير قليلاً، ثم ردّ بالقول وقد بدا عليه التأثّر: " بما أنه من الصعب عليه حالياً الإنشغال بعشق جديد، فلا مندوحة من تغييره للبيئة، التي تجعله يستعيد دوماً ذكرياتٍ مؤلمة ". عندئذٍ رحّبَ الأبُ بالفكرة، قائلاً أنها واتته أيضاً في أثناء غيبوبة الإبن؛ وبالطبع دونَ ذكر ما يتعلّق بإبعاده عن المعلّم الدهريّ ذي النزعة الجمهورية! أنصتَ المعلّم للأب، وعقّب بإقتراحٍ جديد: " لنجرب أولاً وضعه تحت رقابتي، ثمة في داري. بعدئذٍ وفي حال إستعادته لقواه، تصحبه أنتَ إلى صديقك الأمير ". تقبّل الأبُ الفكرةَ على مضض، ولعله قدّرَ في نفسه أنّ الإبنَ سيبتعد في آخر المطاف عن تأثير معلّمه، وذلك حينَ ينتقل إلى الإمارة اللبنانية.



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين حول الحرب الاسرائيلية على غزة، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب الفلسطيني نهاد ابو غوش حول تداعايات العمليات العسكرية الاسرائيلية في غزة وموقف اليسار، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنهارٌ من زنبق: ملاحظة
- أملُ إبليس: خاتمة
- أملُ إبليس: عن السهرة الأخيرة
- أملُ إبليس: عن الفروة الثعلبية
- أملُ إبليس: عن الفردوس الموعود
- أملُ إبليس: عن المازة المرّة
- أملُ إبليس: عن القلب النبيل
- أملُ إبليس: عن الحاجز الحديديّ
- أملُ إبليس: عن الصيف المُختلف
- أملُ إبليس: عن السجادة الأعجمية
- غرامُ آينور هانم: خروجٌ آخر
- غرامُ آينور هانم: تأريخُ الخيانة
- متاهةُ إمرأة
- غرامُ آينور هانم: مُريدا الغلمة والكلمة
- غرامُ آينور هانم: ملامحٌ حزينة للحكاية
- غرامُ آينور هانم: مُلغزة كقصر قديم
- غرامُ آينور هانم: اسمُ البحر
- غرامُ آينور هانم: غريمتان
- غرامُ آينور هانم: في شباك العنكبوت
- غرامُ آينور هانم: عاصفةٌ عاتية


المزيد.....




- -صَـمْـتْ- البسام يقتنص للكويت حصة الأسد في قرطاج
- “موت غابرييل” مشاهدة مسلسل صلاح الدين الأيوبي محرر القدس الح ...
- “انتقام صلاح الدين” مشاهدة مسلسل صلاح الدين الأيوبي محرر الق ...
- هل ينعكس تغير المناخ والاحترار والكوارث الطبيعية في الروايات ...
- فيلم -أمنية-.. استعادة سحر الماضي بروح تقدمية
- لبلبة: الفنانة المصرية تدلي بصوتها مرتين في انتخابات الرئاسة ...
- “كشف مصير جابرييل بعدما سقط من الجرف” مسلسل صلاح الدين الأيو ...
- سحب جائزة -سيمون فايل- من كاتبة فرنسية نددت بجرائم إسرائيل
- 10 تجارب إنسانية.. الجونة السينمائي يفتح -نافذة على فلسطين- ...
- مصر.. مسؤول في هيئة الانتخابات: إحالة واقعة تصويت الفنانة لب ...


المزيد.....

- الهجرة إلى الجحيم. رواية / محمود شاهين
- سعيد وزبيدة . رواية / محمود شاهين
- عد إلينا، لترى ما نحن عليه، يا عريس الشهداء... / محمد الحنفي
- ستظل النجوم تهمس في قلبي إلى الأبد / الحسين سليم حسن
- الدكتور ياسر جابر الجمَّال ضمن مؤلف نقدي عن الكتاب الكبير ال ... / ياسر جابر الجمَّال وآخرون
- رواية للفتيان ايتانا الصعود إلى سماء آنو ... / طلال حسن عبد الرحمن
- زمن التعب المزمن / ياسين الغماري
- الساعاتي "صانع الزمن" / ياسين الغماري
- الكاتب الروائى والمسرحى السيد حافظ في عيون كتاب ونقاد وأدباء ... / السيد حافظ
- مسرحية - زوجة الاب - / رياض ممدوح جمال


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - أنهارٌ من الزنبق: النهر الأول