أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الهوّة














المزيد.....

الهوّة


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 7752 - 2023 / 10 / 2 - 02:47
المحور: الادب والفن
    


جاثية فوق ركام منزلها لليوم الثالث على التوالي، لا تكاد ترى ما حولها. لا تشعر بحرارة الشمس نهاراً، ولا بالبرودة القارصة ليلاً. إنها تحفر وتحفر، بإصرار وعناد ـ كمجنون بكنزٍ موعود أو موهوم. إسمها " تالا "، ويعني بالأمازيغية: المُعين العذب. وبهذه اللغة، عُرفت بلدتها " أمزميز " وكل القرى في هذا الجزء من الأطلس. لكن البلدة، كما والقرى في محيطها، أمحا وجودها الزلزالُ إلا من الخارطة. وتالا لم تأبه بالخرائط، ولا بأيّ شيءٍ خلا التنقيب عن أحبائها لإخراجهم من تحت الأنقاض.
" يا ولد، آتِ بكوز الماء من تحت "، كانَ رَجُلها قد أمرَ الابنَ الأصغر المناهز سن السابعة. كونها هيَ من سلت أمر الماء، المتوجّب وجوده مع وجبة العشاء، فإنها نهضت لجلبه من المطبخ، الكائن في الدور الأرضيّ. وكانوا يتناولون العشاء في صالة الدور الثاني، وذلك عقب عودة رَجُل البيت من جولته على البغل وهوَ يسرح مع بضائعه، المنذورة غالبها للسيّاح إن كانوا أجانب أو محليين. بمجرد أن أمسكت بالكوز، المشغول من الفخار، وهمّت بمغادرة المطبخ، إهتزت الأرضُ فجأةً. وأخذت ساعة الحائط تتمايل بشدة، قبل أن تقع فوق أريكة الصالة الأرضية، المقابلة لجهاز التلفاز. بالرغم من الدمدمة العظيمة، تناهى إليها أصواتُ أولادها، الفزعين والمروّعين. بالكاد خرجت منها صرخة، بجملة وحيدة تخاطب زوجها: " إنزل بسرعة مع الأولاد! ". مع سماعها لوقع الأقدام على الدرج، وتساقط خشب السقف وأحجاره فوق رأسها، إندفعت بكل ما فيها من الرعب بإتجاه باب البيت. وما لبثَ أن غابت عن الوعي، لحظة رؤيتها إنهيار المنزل مع دور الجيران الأخرى. منذ أن إستعادت الوعي في ساعةٍ متأخرة من الليل، بفضل من نجوا من البلدة، هُرعت بجنون نحوَ منزلها. فلم تستطع تمييز المنزل إلا بأجمة أشجار التوت، التي كانت أكبرها سنّاً يُعلق عليها القرويون قطعاً من القماش ـ كنذور من أجل إستجلاب الحظ.
في اليوم الثالث، إرتضت تالا التبلّغ ببعض حبات الزيتون مع كسرة خبز وقدح شاي. لقد سمعت بالأمس هديرَ طائرة هليكوبتر، أخرجوا منها المؤن والبطانيات والأدوية، ومن ثم عادت لتحلّق مع الجرحى. ولكنها لم تعلم، أن من عُثرَ عليهم من الموتى، قد أهيل عليهم التراب في خنادق جماعية مع صلاةٍ مرتجلة. الآنَ ترقدُ تالا تحت شجرة التوت المباركة، شبه الأسطورية، تحاول إستعادة وعيها. لقد لاحت لمن حولها، أنها تعاني من العته. كانوا بأنفسهم مضطربين، وأعصابهم تالفة. خاطبتهم بصوتٍ كامد، لكنه يشعُ أملاً: " أحمو لم يأتِ أمس من جولته، ولعله ما زال في ستي فاطمة ". كانت تتكلم عن زوجها، وكأنها فطنت فقط لمسألة عمله كبائع جوّال. ثم نهضت، قائلة أنها ستمضي للبحث عن الرجل. عبثاً حاولوا تهدئتها، وإقناعها بالبقاء كي تمضي مع طائرة الهليكوبتر لتتلقى العلاج. كانوا يعنون وضعها النفسيّ، كونها لم تصب سوى بجروح بسيطة جرّاء الزلزال. لكنهم سبقَ أن عقموا تلك الجروح، وأيضاً لفوا أصابعها بالضماد والتي تقرّحت بسبب الحفر لمدة أيام ثلاثة.
غبّ مسير طويل، وصلت فيه الليل بالنهار، بلغت للّا تالا بلدة ستي فاطمة، وكانت الشمسُ تغمر واديها الكبير. لم تنتبه إلى حال البلدة، التي تضررت قليلاً جراء الهزة الأرضية، وإنما عجبت من ندرة الخلق. المقاصف، المتداخلة مع مياه الوادي، كانت مهجورة تماماً. لم يُنبئ عن وجود حياة سوى بعض الكلاب، التي كانت تتهارش مع الهررة أو مع الديوك. ثم مر صبيّ صغير، راحَ يتطلع إليها بفضول. سألته عندئذٍ، ما لو صادفَ البائع الجوّال. لكنه أطلق ساقيه للريح، متجهاً إلى ناحية البلدة، المستلقية على السفح. ألقت تالا نظرة على الجانب الآخر من الوادي، المتصل مع هذا الجانب بجسور من الحبال أو الأخشاب: " لا بدّ أن أحمو في تلك الجهة، يُساوم الكَاوري ". المفردة الأخيرة، تعني النصارى الأجانب. بهذا الشعور من الثقة، بدأت تالا بإجتياز أحد تلك الجسور. فما أن أحتوتها الضفة الأخرى من الوادي، المتكاثف فيها الأشجار، إلا وأخذت ترتقي المعبرَ الضيّق، الذي تحف به الصخور. إلى أن تناهى سيرها إلى معبر آخر، لا يبلغ عرضه نصف متر، ولكن في الوسع إجتيازه بخطوتين لا غير. المعبر يحدّه من اليمين الجدار الصخريّ، ومن اليسار هوّة بعمق يقارب الأربعين متراً. مع أنه المعبر الوحيد لمنطقة الشلالات، فإن السلطات لم تقم بتوسيعه؛ طالما لم يسقط أحدٌ حتى الآن في الهوّة. في اللحظة نفسها، التي أقدمت فيها على الخطوة الأولى، سمعت للّا تالا أصواتُ أحبائها وهم يصرخون رعباً وفرقاً. وإذا أحدهم يهتف بها عن قرب: " لا تخافي، يا أختاه! خطوة ثانية وتجتازين المعبرَ! ". إلتفتت إلى مصدر الصوت، لترى رجلاً متوسط العُمر، يقف في المكان الذي غادرته تواً.
ذلك الرجل، وكانَ الشاهدُ الوحيد على الواقعة المفجعة، كانَ يعمل دليلاً للسياح؛ فيمضي معهم إلى الشلالات، لقاء مبلغ صغير من الدراهم. بسبب إنعدام وجود السيّاح على أثر الزلزال، كان هذا اليوم يتسلى بذرع الدرب ذهاباً وإياباً. وقال في شهادته لمحقق الأمن الوطني، بنبرة أسف وحزن: " ظننتُ أنها في رعب من إجتياز المعبر، فمددت لها يدي. لكنها دفعت كلتا يديها بالجدار الصخريّ، لتسقط من علٍ في الهوّة. لقد صرخت بهذه الجملة، قبل سقوطها: " ليذهبَ الكوزُ إلى الجحيم، يا أحمو! ".



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنهارٌ من زنبق: الفصل الخامس
- الشحيح والشيطان
- أنهارٌ من زنبق: النهر الرابع
- أنهارٌ من زنبق: النهر الثالث
- أنهارٌ من زنبق: النهر الثاني
- أنهارٌ من الزنبق: النهر الأول
- أنهارٌ من زنبق: ملاحظة
- أملُ إبليس: خاتمة
- أملُ إبليس: عن السهرة الأخيرة
- أملُ إبليس: عن الفروة الثعلبية
- أملُ إبليس: عن الفردوس الموعود
- أملُ إبليس: عن المازة المرّة
- أملُ إبليس: عن القلب النبيل
- أملُ إبليس: عن الحاجز الحديديّ
- أملُ إبليس: عن الصيف المُختلف
- أملُ إبليس: عن السجادة الأعجمية
- غرامُ آينور هانم: خروجٌ آخر
- غرامُ آينور هانم: تأريخُ الخيانة
- متاهةُ إمرأة
- غرامُ آينور هانم: مُريدا الغلمة والكلمة


المزيد.....




- مظفر النَّواب.. الذَّوبان بجُهيمان وخمينيّ
- روسيا.. إقامة معرض لمسرح عرائس مذهل من إندونيسيا
- “بتخلي العيال تنعنش وتفرفش” .. تردد قناة وناسة كيدز وكيفية ا ...
- خرائط وأطالس.. الرحالة أوليا جلبي والتأليف العثماني في الجغر ...
- الإعلان الثاني جديد.. مسلسل المؤسس عثمان الحلقة 157 الموسم ا ...
- الرئيس الايراني يصل إلي العاصمة الثقافية الباكستانية -لاهور- ...
- الإسكندرية تستعيد مجدها التليد
- على الهواء.. فنانة مصرية شهيرة توجه نداء استغاثة لرئاسة مجلس ...
- الشاعر ومترجمه.. من يعبر عن ذات الآخر؟
- “جميع ترددات قنوات النايل سات 2024” أفلام ومسلسلات وبرامج ور ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الهوّة