أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال حسن عبد الرحمن - رواية للفتيان روح الغابة طلال حسن















المزيد.....



رواية للفتيان روح الغابة طلال حسن


طلال حسن عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 7935 - 2024 / 4 / 2 - 09:58
المحور: الادب والفن
    


رواية للفتيان









روح الغابة








طلال حسن


شخصيات الرواية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ كويكو
2 ـ أم كويكو
3 ـ سيلفيا
4 ـ أم سيلفيا " روح الغابة "
5 ـ جوفو














" 1 "
ــــــــــــــــــ
كما النسائم ، مسته يد يعرفها ، وعلى الأثر ، تناهى إليه صوت طالما تردد في أعماقه الغائرة بعيداً : بنيّ كويكو ، أفق ..
آه .. إنها أمه ، أمه التي لم تغادره ، رغم أنها رحلت منذ أكثر من عام ، وفتح عينيه الناعستين ، لكن أمه ، ربما من العالم الآخر ، أو من أعماقه الغائرة ، خاطبته قائلة : انهض ، يا كويكو ، الشمس تكاد تشرق .
واعتدل في فراشه ، وتمتم قائلاً ، كأنه يردّ على أمه ، التي لم تفارقه أبداً : ولمَ أفيق ، يا أمي ؟ من الأفضل أن أبقى نائماً إلى ما لا نهاية .
وسمع أمه تضحك كعادتها ، وبدت له ضحكتها رائقة كخرير ماء النهر ، وهي تقول : انهض ، يا بنيّ ، واذهب إلى الغابة ، لعلك تصطاد شيئاً .
ونهض متكاسلاً من فراشه ، وقال كأنما يردّ على أمه : لديّ ما يكفيني أياماً ، يا أمي ، خاصة وأنا وحدي في هذا الكوخ المظلم البارد .
وعلى الفور ، جاءه ردّ أمه ، الذي سمعه منها مراراً وتكراراً : تزوج ..
وردّ كويكو قائلاً : كلا ..
وتابعت الأم قائلة : تزوج ولن تكون وحيداً .
واستدار كويكو ، كأنما يستدير نحو مصدر الصوت ، وقال : كان يمكن أن أتزوج ، لو أنك بقيت معي في الكوخ ، ولم ترحلي بعيداً .
وقالت الأم بصوت دافىء : لكنك تعرف أنني معك ، وسأبقى معك على الدوام ، تزوج يا كويكو ، ودعني أفرح بأحفادي .
ولاذ كويكو بالصمت ، ثم قال بصوت حزين : إنني فقير ، يا أمي ، وقد عشنا طويلاً في هذا الكوخ ، والفقر معنا لا يفارقنا ، لا أريد فتاة فقيرة ..
وصمت لحظة ، ثم قال مبتسماً بصوت حالم : أريد ابنة جميلة ، غنية ،ابنة ملك ..
وهزّت أمه رأسها ، لكنها لم تردّ عليه ، فتابع قائلاً : ابنة ملك الأنهار ، أو ابنة روح الغابة ، أو ..
وصمت كويكو ، وكأنما شعر أن ما يطلبه هو المستحيل ، فخاطبته أمه ، وصوتها يبتعد شيئاً فشيئاً حتى تلاشى تماماً : اذهب إلى الغابة .. اذهب إلى .. الغابة .
وخرج كويكو من الكوخ ، لكنه بدل أن يذهب إلى الغابة ، كما أرادت له أمه ، ذهب إلى النهر ، وجلس على الصخرة الضخمة ، التي اعتاد الجلوس عليها ، والتي تبدو وكأنها انبثقت من مياه النهر .
وحدق في مياه النهر ، التي كانت تسير أمام عينيه ببطء شديد ، وبدون صوت تقريباً ، آه إنها حياته البطيئة ، الرتيبة ، الحزينة ، التي لا يعرف من أين أتت ، ولا إلى أين ستذهب به ، آه .. ماذا يجري لو أن أمه بقيت إلى جانبه ، ولم تغادره ؟ يا لها من حياة .
ومع مياه النهر الجارية ببطء ، جاءه صوت أمه المتلاشي يهيب به : اذهب إلى الغابة .. يا كويكو ..اذهب إلى الغابة .. اذهب إلى الغابة .
وهبّ كويكو من مكانه ، ترى لماذا تريده أمه أن يذهب إلى الغابة ؟ من يدري ، لعلها تعرف ، وهي في العالم الآخر ، ما لا يعرفه هو ، آه .. فليذهب .
وفي الغابة ، في وسطها ، أمام جدار من الأشجار العالية ، فوجىء بامرأة ، تبدو في الأربعين ، جميلة ، بيضاء ، تكاد تكون شفافة ، فتسمر في مكانه .
من تكون !
وما الذي جاء بها إلى هذه الغابة ؟
وتسمرت فيها عيناه ، لعلها ليست امرأة من البشر ، يا للويل ، واستدار ، هامّاً أن يبتعد ، ويلوذ بالفرار ، لكنه توقف ، فها هي أمامه ، تتطلع إليه بنظرتها الثابتة ، واستدار إلى اليمين ، ثم إلى اليسار ، عجباً ، إنها موجودة في جميع الجهات في آن واحد .
وتمتم في أعماقه مستنجداً : أمي ..
لكن أين أمه لتنجده ؟ ثم تنجده ممن ؟
واتسعت عيناه ، وراح قلبه يخفق بشدة ، حين رأى المرأة الأربعينية الشفافة ، تسير إليه بخطوات بطيئة ثابتة ، واستدار يميناً ويساراً وإلى الخلف ، لعله يفرّ منها ، لكنها كانت في جميع الجهات ، و .. توقفت على مقربة منه ، وهي مازالت تتطلع إليها بنظرتها الثابتة .
وخاطبته المرأة قائلة بصوت غريب : لم تتوغل من قبل حتى هذا المكان من الغابة .
وبدل أن يرد عليها ، تساءل قائلاً بصوت مختنق ، وهو يحاول الهرب من عينيها : من أنتِ ؟
وتابعت المرأة قائلة : ثمّ أنت لا تحمل اليوم ما يمكنك من صيد ما تحاول صيده كلّ يوم .
ومن جهته ، تابع كويكو بدوره قائلاً : لا يبدو أنك من هذه المنطقة ، ولا حتى من المناطق القريبة ، بل ..
وضحكت المرأة الأربعينية ، الشبه شفافة ، وقالت : لكل كائن روح ، وأنا ..
وتوقفت المرأة عن الكلام ، وقبل أن يقول كويكو شيئاً ، قالت : انظر ، هذه الغابة التي حولك ، إنها كائن ، كائن واسع ، مليء بالحياة .
وتمتم كويكو : روح الغابة !
وابتسمت المرأة الأربعينية ، الشبه شفافة ، وقالت : يا كويكو ..
وتمتم كويكو مذهولاً : أنت تعرفين اسمي !
وتابعت المرأة قائلة : ما تحتاجه ، لم يعد هنا ..
وتمتم كويلو ثانية : ماذا !
وقالت المرأة : إنه ينتظرك حيث تعود .
وقبل أن يقول كويكو أي شيء ، اختفت المرأة الأربعينية ، الشفافة تقريباً ، فتلفت كويكو حوله مذهولاً ، لكنه لم يقع على أي أثر للمرأة ، وكأنها لم تكن قبل قليل تتبادل الحديث معه ، في هذا المكان بالذات .















" 2 "
ـــــــــــــــــــ
روح الغابة ، المرأة الأربعينية ، الشفافة تقريباً ، ترى أهي حقيقة أم .. ؟ وظلّ كويكو معها طول الطريق ، من وسط الغابة حتى ..
وتراءت له روح الغابة ، أي أربعينية هذه ، وأي شفافية ، الماء .. أهو شفاف ؟ إنها ماء انبع ، الهواء .. هواء صباحات الصيف .. أهو شفاف ؟ إنها هواء صباحات الصيف ، يا إلهي .
ها هي تقف أمام جدار الأشجار المتطاولة حتى السماء ، وسط الغابة ، أكان ذلك وسط الغابة ؟ الغابة واسعة جداً ، لا يستطيع أي صياد ، مهما كان فتياً ، أن يجتازها في يوم واحد ، من شروق الشمس حتى غروبها ، فكيف وصلها ، دون أن يدري ؟
وحثّ خطاه ، أهي روح الغابة ؟ سيجن ، وتناهى إلى سمعه ، مع الأنين الخافت للريح ، وهي تتخلل أغصان الأشجار في الغابة ، صوتها الذي لا يشبه صوت أيّ امرأة عرفها طول حياته ، تقول له : حيث تعود ، يا كويكو ، ينتظرك ما تحتاجه .
وأفاق كويكو ، عند باب كوخه ، وإذا فتاة ، دون العشرين ، في ثياب رثة ، تحدق فيه بعينين واسعتين ، خضراوين ، يمضها البرد وتعب الانتظار ، وقالت له بصوت مرتعش : لقد تأخرتَ ..
لم يردّ كويكو عليها ، فتابعت قائلة بصوتها المرتعش : إنني أنتظرك هنا منذ ساعات .
وكمن يتحدث في نفسه ، قال كويكو : كنت في الغابة ، ولم أعرف أن أحداً ينتظرني هنا .
وتلفتت الفتاة حولها ، وهي تضم ذراعيها حول صدرها ، ثمّ قالت بصوتها المرتعش : يا للجو المتقلب ، إنني أشعر بالبرد الشديد .
وحدق كويكو فيها ، وقال : لعل ثيابك الخفيفة ال .. هي السبب في شعورك بالبرد .
ونظرت الفتاة إليه ، وقالت وهي تحاول التحكم بصوتها المرتعش : أو لعلها الريح ، إنها باردة جداً ، وكأنها آتية من قلب القطب .
ثم نظرت إلى باب الكوخ ، وتابعت قائلة : لابدّ أن البرد أقلّ في داخل الكوخ .
وتنهد كويكو ، ربما بشيء من الضيق ، ثم تقدم من الكوخ ، ودفع بابه ، وخاطبها قائلاً : ادخلي .
وأسرعت الفتاة بالدخول ، ودخل كويكو وراءها ، وأغلق الباب ، فرمقته الفتاة بنظرة سريعة ، ثم قالت : البرد هنا أخفّ .
ثم التفتت إليه ، وحدقت فيه بعينيها الخضراوين الواسعتين ، وقالت : أنا .. سلفيا ..
وهزّ كويكو رأسه ، دون أن يتفوه بكلمة واحدة ، فقالت الفتاة : كويكو ..
وبدت الدهشة الشديدة في عيني كويكو ، ترى كيف عرفت اسمه ؟ وهمّ أن يقول شيئاً للفتاة ، لكنه فوجىء بها تقول : إنني جائعة .
وتلفت كويكو حوله ، وكأنما يريد أن يتأكد بأنه في كوخه ، وليس في مكان آخر ، ثم تطلع إليها ، وقال : البارحة اصطدتُ طائراً من الغابة ، سأعده لكِ .
فاستوقفته الفتاة سلفيا ، وقالت : اذهب أنت ، واجلب مزيداً من الخشب للموقد ، واترك لي الطائر ، سأعده بطرقة تعجبك جداً .
وتوقف كويكو صامتاً ، يحدق فيها ، فمدت يديها إليه ، وأدارته نحو الباب ، ثم دفعته برفق ، وهي تقول : اذهب ، يا كويكو ، إنني جائعة .
وخرج كويكو من الكوخ ، وأغلق الباب وراءه ، وقد بدأ الليل يسدل ستائره القاتمة على الغابة وما حولها ، ترى ماذا يجري ؟ أهي روح الغابة ؟ من يدري .
وأسرع إلى حيث توجد قطع أغصان الأشجار ، التي جاء بها منذ أشهر من الغابة ، وأخذ فأسه ، وراح يقطعها ، ويضعها جانباً ، ليأخذها إلى الداخل ، فهذه الفتاة الغريبة سلفيا ، تشعر ببرد شديد ، وعليه أن يوفر لها الدفء والراحة هذه الليلة ، خاصة وأن الجو ينذر بعاصفة ثلجية عنيفة باردة .
وحمل كويكو بين ذراعيه ، قطع الخشب متجهاً بها إلى الكوخ ، وعلى مقربة من الباب ، تباطأت خطواته ، وتراءت له روح الغابة ، بسنيها الأربعينية ، وهيئتها الشفافة ، أهي سلفيا ما يحتاجه ؟
وتراءت له أمه ، تحدق فيه صامتة ، ماذا يا أمي ؟ أهي سلفيا ما تريدينه لي ؟ أخبريني ، وقبل أن تتفوه الأم بكلمة ، فُتح الباب ، وكأنه يقول له : ادخل .
ودخل كويكو ، ووقف مذهولا ، وقطع الأخشاب بين ذراعيه ، أهذا كوخه ؟ قنديله مضاء ، أهو قنديله ؟ والمائدة الصغيرة مثقلة بالطعام ، ووسطها باقة من الورد ، من أين جاءت بهذا الورد النظر ؟ والربيع لم يأتِ بعد ؟
والفرش مرتبة ، بل ونظيفة أيضاً ، كما لو أن أمه لم ترحل ، والنار بكل دفئها وعنفوانها ، تطقطق في الموقد ، وتشيع الدفء في أرجاء الكوخ .
وأيقظه صوت الفتاة سلفيا ، الذي لم يعد يرتعش ، وهي تقول : كويكو ..
ونظر كويكو إليها ، فابتسمت له ، وقالت : المائدة جاهزة ، هيا نأكل ، إنني جائعة جداً .
وعلى الفور ، وضع كويكو قطع الخشب ، التي جاء بها من الخارج ، قرب الموقد ، ثم جلس إلى المائدة ، وهو يحدق في الطعام وباقة الورود ، وقال : مثل هذه المائدة ، لم أرها منذ سنين عديدة .
ثم رفع رأسه إلى الفتاة سلفيا ، وخاطبها قائلاً : هيا ، نأكل ، قبل أن يبرد الطعام .

















" 3 "
ـــــــــــــــــــ
تناولا العشاء صامتين ، وبين حين وآخر ، كان أحدهما يختلس النظر إلى الآخر ، وتوقف كويكو عن تناول الطعام ، ونظرت إليه سيلفيا مبتسمة ، فقال : طعام لذيذ جداً .
وردت سيلفيا ، وقد اتسعت ابتسامتها : مادام طعامي قد أعجبك ، سأطبخ لك منه كلّ يوم .
ومست قلبه " كلّ يوم " هذه ، فلاذ بالصمت لحظة ، ثم نهض من مكانه ، وقال : تعالي نجلس قرب الموعد ، إذا كنت قد انتهيت من تناول الطعام .
ونهضت سيلفيا بدورها ، وقالت بصوت هادىء : نعم ، لقد انتهيت من تناول الطعام ، لكن عليّ أن أنظف المائدة ، وأغسل الصحون أولاً .
وجلس كويكو قرب الموقد ، وقد لاذ بالصمت ، بينما انهمكت سيلفيا بتنظيف المائدة ، ثم راحت تغسل الصحون ، وتضعها في أماكنها .
وتوقفت سيلفيا عن غسل ما تبقى من الصحون ، وراحت ترهف السمع ، وقد بدأ الخوف والقلق يتسللان إلى أعماقها ، وقالت بصوت مرتعش " كويكو ..
ولعل كويكو شعر بما في صوتها من خوف وقلق ، فرفع رأسه إليها ، وقال : نعم .
وتابعت سيلفيا قائلة ، وهي مازالت ترهف السمع : اسمعْ ، اسمعْ ، يا كويكو .
وأرهف كويكو السمع ، لكنه لم يردّ عليها ، فقالت سيلفيا بصوت بدأ يرتعش : العاصفة ، إنها قادمة .
وهزّ كويكو رأسه ، وقال : نعم ، يبدو أنها العاصفة .. ونظر إليها ، ربما ليطمئنه ، فقد لاحظ خوفها وقلقها ، وقال بصوت حاول أن يجعله هادئاً : من يدري ، لعلها آخر عواصف هذا الشتاء ، فالربيع على الأبواب .
ويبدو أن سيلفيا ، لم تكن تصغي إليه ، وإنما كانت تصغي إلى أعماقها ، فقالت بصوت مرتعش ، وهي مازالت ترهف السمع : إنها عاصفة ثلجية مخيفة .
وصمتت لحظة ، ثم تابعت بصوت ازداد ارتعاشاً : سيتساقط الثلج ، ربما لساعات طويلة ، ولابد أن البرد سيزداد هذه الليلة .
ورمق كويكو النار المشتعلة في الموقد بنظرة سريعة ، ثم نظر إلى سيلفيا ، وقال يطمئنها : ليسقط الثلج ، بقدر ما يشاء ، نحن في داخل الكوخ .
ثم خاطبها قائلاً : تعالي ، واجلسي قرب الموقد .
وخفّت سيلفيا ، وجلست إلى جانب كويكو ، على مقربة من الموقد ، ورمقته بنظرة خائفة قلقة ، وقالت : لو تعرف كم أخاف .. العاصفة الثلجية .
وصمتت لحظة ، ثم راحت تتمتم بما يشبه الهذيان : الليل .. شتاء .. أطول ليل في الغابة .. خلال الشتاء .. وتقترب العاصفة الثلجية .. يتناهى أنينها الموجع من بعيد .. وتتسلل بين أشجار الغابة .. شيئاً فشيئاً .. وشيئاً فشيئاً يتحول أنينها الموجع .. ويصير عويلاً .. وتنوء الأشجار بالثلج .. آه هذا الليل .. يبدو أنه لن ينتهي .
وصمتت سلفيا ، وتطلع كويكو إليها ، وعيناها تنطفئان مع تصاعد أنين العاصفة الثلجية ، وهي تتقدم في الليل متسارعة شيئاً فشيئاً ، وقال لها : أنتِ متعبة .
وحاولت سلفيا أن تتمالك نفسها ، وتبتسم له ، دون جدوى ، وكأنها تحاول أن تطمئنه بأنها بخير ، لكنها لم تتفوه بكلمة ، فتابع كويكو قائلاً : لعل الذنب ذنبي ، فقد أتعبتك بإعداد الطعام ، وتنظيف وترتيب الكوخ .
وهزت سيلفيا رأسها ، فقال كويكو : أنا أيضاً متعب ، ولعل أفضل علاج لنا هو النوم ، نعم ، لننم ، ونرتاح بعض الشيء ، وغداً ستكونين بخير .
ومدّ كويكو يديه ، وبرفق أنهض سيلفيا ، واتجه بها إلى فراشه ، فتوقفت سيلفيا ، وقالت بصوت واهن : لا ، لا ياكويكو ، هذا فراشك .
ودفعها كويكو برفق ثانية نحو الفراش ، وهو يقول : أنتِ تشعرين بالبرد ، وفراشي سيدفئكِ ، هيا ارقدي ، وسأرقد أنا في الفراش الآخر ، الذي كانت ترقد فيه أمي .
وتمددت سيلفيا في الفراش ، وأغلقت عينيها المتعبتين ، وكأنها كانت تتطلع للنوم في أسرع وقت ممكن ، فدثرها جيداً ، وربت برفق على رأسها ، ثم تراجع ، وتمدد في الفراش ، الذي مازال يحمل عبق أمه الراحلة .
وأغمض عينيه ، اللتين كانت سيلفيا قد بدأت تسكن في أعماقهما ، وبصورة لا إرادية ، راح يصغي إلى العاصفة الثلجية المقتربة ، وأنينها يرتفع شيئاً فشيئاً ، ويستحيل بالتدريج إلى عويل ممطوط لقطيع من الذئاب الجائعة ، و .. واستغرق في النوم .
وأفاق كويكو ، ربما بعد منتصف الليل ، على أنين متشنج ، يشوبه شيء من الخوف ، وفتح عينيه ، هذا الأنين ليس أنين العاصفة الثلجية ، واعتدل في فراشه ، ونظر حيث ترقد سيلفيا ، وإذا به يراها تتململ بادية الخوف ، لكنها كانت ما تزال مستغرقة في النوم .
ونهض كويكو من الفراش ، ومال على سلفيا ، وهمّ أن يوقظها ، ويخلصها من كابوس ، ربما كانت تعاني منه ، وسمعها تتمتم بصوت لاهث مضطرب : أمي ، إنني أشعر بالبرد الشديد ، احضنيني .
وتحير كويكو ، ما العمل ؟
وبدل أن يوقظها ، اندس بهدوء إلى جانبها ، تحت الفراش الدافىء ، ومدّ يديه ، واحتضنها ، ورغم حرجه ، شعر بشيء من الارتياح ، فقد هدأت سيلفيا بين ذراعيه ، وكفت عن التململ والأنين ، ومن ثم استغرقت في نوم عميق ، لا يزعجها حتى عويل العاصفة الثلجية في الخارج ، التي بدا صوتها حقاً كعويل قطيع من الذئاب الجائعة في الليل المثلج .
















" 4 "
ـــــــــــــــــــ
أفاقت سيلفيا ، الجو دافىء داخل الكوخ ، ولا أنين للعاصفة في الخارج ، وليس لها عواء ، أهي كانت كابوساً ، تلك العاصفة الثلجية ، أم حقيقة ؟ من يدري ، المهم ، لا وجود لها الآن .
وفتحت عينيها ، اللتين لا أثر فيهما للنعاس ، وحانت منها نظرة سريعة إلى الموقد ، وإذا ألسنة لهب النار الفتية ، تتواثب مطقطقة بين قطع الخشب اليابسة ، آه ما ألذّ هذه الفاكهة ، التي تشيع الدفء فيما حولها ، وتذكرت كويكو ، فتلفتت حولها ، ترى أين كويكو ؟
وعلى الفور ، فُتح باب الكوخ ، ودخل كويكو ، يحمل في يد قدحاً طافحاً بالحليب ، وفي اليد الأخرى ، كان يحمل ثلاث بيضات ، وهبت سيلفيا من مكانها ، وحيت كويكو قائلة : صباح الخير .
وابتسم كويكو لها ، وردّ قائلاً : صباح النور ..
وأشار إلى الخارج ، وتابع قائلاً : أرأيتِ ؟ لا عاصفة في الخارج ، والشمس تطل من فوق أشجار الغابة ، وكأنها تقول ، الربيع على الأبواب .
وتقدمت سيلفيا منه ، وقالت بنبرة مرحة : هذا ما تمنيته ليلة البارحة ، فقد كنت خائفة ، والبرد يقرصني ، رغم الدثار الثقيل ، لكني فيما بعد شعرتُ بالدفء ..
وسكتت إذ لمحت ابتسامة في عمق عينيه ، ماذا ؟ أهو حلم ذلك الدفء ، الذي شعرت به في المنام أم .. أم ماذا ؟ آه .. ، ومدت يديها إلى كويكو ، محدقة في القدح ، الذي في يده ، وتمتمت : هذا حليب !
ووضع كويكو قدح الحليب في يدها ، وهو يقول : إنه حليب عنزة أمي ، التي ربتها وهي صغيرة ، والآن ، ها هي تعطيني الحليب .
ثم قدم لها البيضات الثلاث ، وقال مبتسماً : ولي خمس دجاجات ، وديك واحد ، وهذه الثلاث بيضات من دجاجاتي الخمس .
وأخذت سيليا البيضات الثلاث منه ، وقالت : لنكن حذرين ، علينا أن نحمي دجاجاتنا الخمس ، وكذلك الديك ، من أي ثعلب في الجوار .
فردّ كويكو عليها قائلاً : لا خوف على الدجاجات الخمس ، وكذلك على الديك والعنزة من الثعلب ، فنحن لدينا كلب فتيّ لا يغفل لا ليلاً ولا نهاراً .
وهنا ارتفع نباح الكلب من الخارج ، وكأنه سمع ما قاله كويكو ، فابتسمت سيلفيا ، وقال كويكو : أرأيتِ ؟ هذا كلبي ، فلا أمل للثعلب بأي شيء خارج الكوخ .
واستدارت سيلفيا ضاحكة ، وفي يدها القدح الطافح بالحليب ، وباليد الأخرى البيضات الثلاث ، واتجهت إلى الموقد ، الذي تشتعل فيه نار نشطة ، وهي تقول : اجلس أنت ، وأنا سأعد طعام الفطور .
وجلس كويكو إلى المائدة ، وقال لسيلفيا : وعند الغداء ، ستعدين لنا سمكاً .
والتفتت سيلفيا إليه ، وقالت مندهشة : سمكا !
فردّ كويكو قائلاً : يبدو أنكِ لا تحبين السمك .
وانهمكت سيلفيا بإعداد طعم الفطور ، وهي تقول : سأحبه ما دمت أنت تحبه .
وبعد الإفطار بقليل ، ذهب كويكو إلى النهر ، ليصطاد سمكة أو أكثر ، ليتغدى بها اليوم هو وسيلفيا ، التي سيجعلها تحب السمك ، ليس بقدر ما هو يحبه فقط ، بل وبقدر ما كانت أمه الراحلة تحبه .
وانصرفت سيلفيا إلى ترتيب فراشي النوم ، الفراش الذي نامت فيه ليلة البارحة ، والفراش الذي نام فيه كويكو ، ثم راحت تنظف الكوخ ، وتوقفت أكثر من مرة ، وهي تفكر في ليلة البارحة .
لقد أحست في البداية ، ولفترة ليست قصيرة ، بالبرد الشديد ، حتى أنها كانت ترتجف تحت الفراش ، رغم أنه كان فراشاً ثقيلاً ، لكن البرد بدأ يزايلها ، بل وسرعان ما شعرت بدفء غريب لذيذ ، ترى من أين أتى ذلك الدفء ؟ و .. وتعود إلى عملها ، فتنظف ما سبق لها أن نظفته ، دون أن تدري .
وغذت النار في الموقد ، وقد تجاوز النهار منتصفه ، سيأتي كويكو بالسمكة ، وستشويها على النار ، وعليه يجب أن تبقى النار متأججة في الموقد ، لكن أين تلك السمكة ؟ بل أين كويكو نفسه ؟
وراح الوقت يمرّ ، بطيئاً وثقيلاً و .. ومثيراً للوساوس ،
كلا ، سيأتي كويكو ، ربما لم يصطد السمكة التي تمناها لها ، لكنه سيأتي ، ومعه السمكة التي يعتقد أنها سترضيها ، آه .. كويكو .
وفوجئت بنغزة في قلبها ، يا للويل ، ماذا جرى ؟ ووقفت وسط الكوخ ، ورفعت رأسها إلى الأعلى ، وصاحت بأعلى صوتها : ماما ..
وبدل أن تجيبها أمها ، من أعماق الغابة المثلجة ، تناهت إليها أصوات مخالب الكلب ، وهي تضرب الباب ، وارتفع عواؤه مخاطباً إياها : عو عو عو ..
واتسعت عينا سيلفيا ، وتمتمت ملتاعة : كويكو ..
وفتحت الباب بسرعة ، واندفعت إلى الخارج ، لم تسأل نفسها إلى أين ، فقد ذهب كويكو ليصطاد سمكة لها ، والأسماك لا تعيش عادة على الأشجار في الغابة ، وإنما في النهر ، ومضت مهرولة إلى النهر ، والكلب يعدو إلى جانبها ، وهو يلهث .
وعند دغل كثيف ، قريباً من شاطىء النهر ، سبقها الكلب مسرعاً ، وهو ينبح بصوت مرتفع ، كأنه يطلب منها أن تسرع في أثره : عو عو عو ..
وتوقف الكلب ، وهو يحوم نابحاً ، ولحقت سيلفيا به مسرعة ، وإذا بها ترى كويكو على الأرض ، مضرجاً بدمائه ، فشهقت سيلينا مرعوبة ، وهتفت بصوت باك : يا ويلي ، كويكو ..
وتململ كويكو متوجعاً ، ورفع وجهه إليها ، وقال بصعوبة : سيلفيا ، لا تخافي ، إنني بخير .
وانحنت سيلفيا عليه ، والدموع تنبثق من عينيها ، وقالت : ملابسك غارقة بالدم ..
وحاول كويكو أن ينهض ، وهو يتألم ، وقال بصوت واهن متوجع : في هذا الدغل ، هاجمني فجأة خنزير ضخم ، وكاد أن يفتك بي .
ومدّت سيلفيا يديها ، وأسندته إلى صدرها ، وقالت : لا عليك ، لابدّ أن اصاباتك طفيفة ، سآخذك الآن إلى الكوخ ، وأعالج جراحك حتى تشفى .
وأنهضته برفق ، وهو يتوجع ، ثم سارت به إلى الكوخ ، والدماء مازالت تنزّ من جراحه ، ورمقها كويكو بنظرة سريعة ، وقال كأنه يعتذر : للأسف ، يا سيلفيا ، لم أصطد لك سمكة .
فشدته سيلفيا إليها ، وقالت : كويكو ، لن آكل السمك طول عمري ، مهما كان لذيذاً .
وحاول كويكو أن يبتسم ، رغم ضعفه الشديد وجراحه النازفة ، وردّ عليها قائلاً : لا يا سيلفيا ، سأشفى قريباً ، وأصطاد لك سمكة ، سمكة شبوط كبيرة ، وسترين كم هو لذيذ سمك الشبوط .. آآآي ..
وواصلت سيلفيا السير به نحو الكوخ ، وهي تقول : توقف عن الكلام الآن ، سنصل قريباً إلى الكوخ ، وأعالج جراحك كلها .
وصمت كويكو ، وحاول أن يكتم أنينه وتوجعه ، وسارت سيلفيا به ببطء إلى الكوخ ، والكلب يسير أمامهما ، وهو ينبح بين حين وآخر : عو عو عو .











" 5 "
ـــــــــــــــ
عادت سيلينا بكويكو إلى الكوخ ، وهو يوشك أن ينهار ، وقبل أن تضعه في فراشه ، الذي ينام فيه عادة ، وليس في فراش الأم ، الذي نام فيه الليلة الماضية ، نزعت عنه بعض ثيابة الملوثة بالدماء ، ونظفت جراحه ، ولفت ساقه حيث أصيب ، بقطعة قماش نظيفة .
ودثرته جيداً بغطائه الثقيل ، ثم مالت عليه ، وقالت : كويكو ، لابدّ أنك جائع .
وهزّ كويكو رأسه ، وهو يئن متوجعاً ، فقالت سيلينا : كلا ، سأعدّ لك بعض الحساء .
وتمتم كويكو بصوت خافت ، وهو يتململ ويئن : لا ، لا يا سيلينا ، لا أريد شيئاً .
ومدت سيلينا يدها ، وتحسست جبهته المتعرقة ، ثم قالت : عليك أن تأكل بعض الحساء ، حتى لو لم تكن جائعاً ، سيقويك الحساء ، ويدفئك .
وحاول كويكو أن يعترض ، لكن سيلفيا ، استدارت عنه ، متجهة نحو الموقد ، وغذت ناره بعدد من قطع الخشب ، ثم انهمكت في إعداد الحساء ، وهي تلقي عليه نظرات سريعة ، بين حين وآخر .
وحين نضج الحساء ، صبت سيلينا بعضاً منه في صحن صغير ، واتجهت به إلى كويكو ، لعله يأخذ قليلاً منه ، يدفئه ، ويسد به رمقه ، لكنها فوجئت به قد أغفى ، فلم تشأ أن توقظه ، وتركته يرتاح قليلاً .
وهبط الليل في الخارج ، ولفّ كلّ شيء بأستاره السوداء ، وأقبلت الغيوم المثقلة بالثلوج ، في الظلام ، من الجبال المثلجة البعيدة ، وشيئاً فشيئاً غطت النجوم في السماء ، وبقايا القمر النحيل .
ورفعت عينيها وراحت تنصت ، وقد بدأ الخوف يغزو قلبها الفتيّ ، فقد تناهى إليها أنين أشبه بالدمدمة ، أهو أنين كويكو ، أم أنين يتسلل إليها من الخارج ؟
ورمقت كويكو بنظرة مترددة ، وازداد خوفها أكثر ، فكويكو كان مستغرقاً في النوم ، ولا يصدر عنه أي صوت ، إنها إذن .. آه يا ويلي .
واتكأت على طرف فراش الأم ، وقلبها يخفق بشدة ، وتمنت لو يفيق كويكو ، لتتحدث إليه ، وتطمئن بحضوره ، لكنها ، ومهما كان السبب ، لن توقظ كويكو ، فهو بحاجة إلى الراحة ، بعد تجربته القاسية مع ذلك الخنزير الضخم ، الذي واجهه في الدغل .
ورغم ارتفاع الأنين والدمدمة في الخارج ، كانت تغفو إغفاءة سريعة قلقة ، بين حين وآخر ، لتفزّ بعدها خائفة قلقة ، وتفتح عينيها على سعتهما ، وتنظر إلى كويكو ، لتجده مازال يغط في النوم .
وارتفع أنين الريح ، وبدأ يتحول شيئاً فشيئاً إلى عويل ، وفجأة التمع البرق ، وعلى أثره قصف الرعد ، وبدا وكأن الكوخ يرتجّ بمن فيه ، فهبت سيلينا من مكانها ، أهو قطيع الذئاب الجائعة عاد من جديد ؟
وأسرعت إلى كويكو ، تلوذ به ، وتوقفت على مقربة منه مترددة خائفة ، والتمع البرق ثانية ، وتفجر الرعد ، ووجدت نفسها ، وبدون إرادة منها ، تنسل مسرعة إلى جانبه ، وتغطي رأسها بالدثار الثقيل ، وبدا وكأن كويكو شعر بها إلى جانبه ، فمدّ يديه ، وضمها إلى صدره ، وسرعان ما استغرقت في نوم عميق ، رغم البروق والرعود التي تتفجر في الخارج .
وأفاقت سيلينا عند طلوع النهار ، على الديك يصيح في الخارج بأعلى صوته : كوكو .. ريكو .. ، ووجدت أنها ما تزال بين ذراعي كويكو ، وبهدوء شديد ، انسلت من بين ذراعيه ، وبنفس الهدوء نهضت مبتعدة .
وتوقفت تتنفس الصعداء ، لا أنين ، ولا عواء ، وتلفتت حولها ، لقد حان وقت الإفطار ، ولابدّ أن كويكو جائع الآن ، فهو لم يتناول حتى ملعقة واحدة من الحساء ، الذي أعدته له البارحة .
والآن ما العمل ؟
البارحة صباحاً أفطرا بيضاً وحليباً ، واليوم عليها أن تُهيأ له بيضاً وحليباً أيضاً ، إلى العمل ، وتناهى إليها مأمأة العنزة في الزريبة ، ها هي العنزة تناديها ، ولابد أن ضروعها ممتلئة بالحليب ، فإلى العنزة .
وغذت سيلينا النار ، بعدة قطع من الخشب ، ثم اتجهت إلى الخارج ، وفتحت باب الكوخ بهدوء ، وإذا هي وجهاً لوجه مع الكلب ، وتوقفت خائفة مترددة ، لكنها هدأت شيئاً فشيئاً ، حين رأته ينظر إليه ، ويبصبص بذنبه الكث ، معلناً عن صداقته .
وتنحى الكلب قليلاً ، دون أن يصدر أي صوت ، فاتجهت إلى الزريبة ، والقدح في يدها ، الذي ستحلب فيه العنزة ، وفتحت باب الزريبة ، واقتربت من العنزة ، وحدقت فيها ملياً ، إنها لم تحلب من قبل لا عنزة ولا نعجة ولا أي .. ومدت يدها مترددة ، وربتت على رأس العنزة ، ويبدو أن العنزة ارتاحت لها ، فنظرت إليها ومأمأت بهدوء ، وكأنها ترحب بها .
وجلست سيليا مقرفصة ، على مقربة منها ، ومدت يدها إلى أحد ضروعها الممتلئة ، وراحت تحلبها برفق ، حتى أوشك القدح على الامتلاء .
وخرجت سيلفيا بعد قليل من الزريبة ، ومعها قدح حليب ، وبيضتان ، وهذا فطور جيد ، يماثل فطور اليوم الماضي ، وهو يكفيها ، وكفي كويكو أيضاً .
وحانت من سيلينا نظرة إلى الغابة ، التي كانت أشجارها مازالت مكللة بثلوج الشتاء ، الذي لا يريد أن يرحل ، وتوقفت مذهولة ، فقد خيل إليها ـ أم أن الأمر حقيقة ـ أنها ترى روح الغابة ، تقف بين الأشجار المكللة بالثلوج ، وكأنها امرأة قُدت من ثلج شفاف ، وتلوح لها من بعيد ، فأشاحت عنها ، وأسرعت إلى الكوخ ، وكأنها تقول : لا .. لا .. كويكو ينتظرني .. ولا أريد أن أتأخر عنه .















" 6 "
ـــــــــــــــــــ
دفعت سيلفيا باب الكوخ برفق ، ودخلت حاملة قدح الحليب بيد ، والبيضتين باليد الأخرى ، ممنية نفسها أن تعد إفطاراً شهيا لكويكو ، تشاركه فيه على المائدة ، ولو بلقيمات قليلة .
وتوقفت مذهولة ، حتى أنها لم تغلق الباب ، رغم برودة الجو ، أحقيقة ما تراه أم .. ؟ رأت كويكو في فراشه ، مستغرقاً في النوم ، وقد بدا عليه الهدوء والارتياح ، وإلى جانبه تقف امرأة عجوز ، أهي أمه ؟ لكن أمه رحلت منذ ..
وأدارت المرأة العجوز رأسها نحو سيلفيا ، محدقة فيها ، ثم رفعت إصبعها إلى فمها الأدرد ، وقالت بصوت لا يكاد يُسمع : هششش .
وردت سيلفيا بصوت خافت : من أنت ؟
وبدل أن تردّ المرأة العجوز عليها ، قالت بصوت خافت : انتبهي ، الحليب سيسكب ، ضعي القدح والبيضتين على المائدة بهدوء .
وانتبهت سيلفيا إلى أن الحليب يوشك أن يسكب ، فعدلت القدح ، ثم وضعته على المائدة ، وإلى جانبه وضعت البيضتين ، ثم رفعت رأسها إلى المرأة العجوز ، وقالت لها بصوت خافت : لم تقولي لي من أنت ..
وألقت المرأة العجوز نظرة على كويكو ، ثم استدار إلى سيلفيا ، واقتربت منها ، ثم قالت : اهدئي يا ..
وهمست سيلفيا لها : سيلفيا ..
وتابعت المرأة العجوز قائلة : لا داعي للقلق ، اهدئي .
وتابعت سيلفيا قائلة : ثم كيف يمكن أن أفسر وجودكِ هنا ، إنني لم أرك تدخلين الكوخ .
وضغطت المرأة العجوز بيدها ، على يد سيلفيا برفق ، وقالت : عندما دخلت الكوخ ، كنتِ في الزريبة ، تحلبين العنزة ، وكان الكلب معك .
وصمتت المرأة العجوز لحظة ، ثمّ تابعت قائلة : أنا الحكيمة ، وقد شهدت ولادة كويكو ، إنه بمثابة ابني ، وقد سمعت بما جرى له قرب النهر .
وحدقت سيلفيا فيها ، وتساءلت قائلة : وكيف عرفت بما جرى له ؟ لا أظنّ أن أحداً رآه ، وإلا لوقفوا إلى جانبه ، وقاموا بمساعدته ، ونقله إلى الكوخ .
وبدت ابتسامة طفيفة في عيني المرأة العجوز ، وقالت بصوت خافت : لم يره أحد ، لقد رأيته ، وأنا في كوخي المنعزل ، إنني الجدة الحكيمة .
وصمتت المرأة العجوز ، ورمقت كويكو بنظرة سريعة ، ثم ربتت على يد سيلفيا ، وقالت لها بصوت خافت مريح : اطمئني ، يا سيلفيا ، كويكو سيكون بخير ، لقد دهنت جراحه بمرهم فعال ، ثم سقيته مهدئاً ، نام على أثره ، وحين يستيقظ ، سترين أنه بخير .
وقالت سيلفيا : أشكرك ، أشكرك أيتها الجدة .
وقدمت المرأة العجوز لسيلفيا مرهما موضوعاً في علبة صغيرة ، وقالت لها : خذي هذا المرهم ، يا بنيتي ، وضعيه على جراحه مرة في اليوم .
وأخذت سيلفيا علبة الدواء من المرأة العجوز ، وقالت : ليتك تبقين معنا ، سأعد لك إفطاراً يعجبك .
واستدارت المرأة العجوز مبتسمة ، ثم قالت : أشكرك ، عليّ أن أعود إلى كوخي ، إن قطتي تنتظرني .
وفتحت باب الكوخ ، وهي تقول : أستودعكِ الله .
فقالت لها سيلفيا : رافقتك السلامة .
وأغلقت سيلفيا الباب ، وعادت إلى كويكو ، وجلست ساعات طويلة على مقربة منه ، تفكر فيه ، وما يمكن أن تقدمه له حين يفيق .
وغالبت ابتسامتها الخجلة ، وهي تتذكر كيف لاذت به خوفاً من العاصفة ، وأغمضت عينيها ، وتمنت ـ ويا للعجب ـ أن تهب العاصفة الثلجية ، التي تخافها كثيراً ، لتهرب منها ، وتتسلل تحت الفراش إلى جانبه ، و .
وفتحت عينيها الحالمتين ، وكأنها تهرب من أحلامها التي تحبها ، وحدقت فيه ملياً ، آه مازال كويكو مستغرقاً في نوم عميق ، لكنه سيستيقظ عاجلاً أو آجلاً ، وعليها أن تقدم له ما يسد به رمقه ، ماذا سأعد له ؟
وفكرت .. لن يكفيه الحليب والبيض .. إنه لم يأكل منذ البارحة صباحاً .. اللحم .. هذا ما يحتاجه .. اللحم يغذيه أكثر من البيض والحليب .. فلتذبح له دجاجة ..كلا ، فالدجاجة تعطيهما ما يحتاجانه من بيض .. وتراءى لها الديك ، يتبختر مزهواً بريشه الملون ، وعرفه الأحمر ، فلتذبحه ، إنه لا يبيض ، وصمتت ثانية ..كلا .. كلا .. من يحمي الدجاجات المسكينات .. ومن يصيح كلّ صباح .. كوكو ريكو .. ثم من يقول أن الدجاجات لن يحتجن على ذلك ، ومن يدري ، فقد يمتنعن عن وضع البيض .. العنزة ؟ كلا .. كلا .. كلا .. إنها عنزة أمه ، ولن يفرط بها مهما كان السبب .. ثم إنها تقدم لهم الحليب كلّ يوم ، و .. ما العمل إذن ؟ ما العمل ؟
وأفاقت سيلفيا على باب الكوخ يُطرق ، بصوت لا يكاد يُسمع ، وأنصتت ملياً ، أهو يُطرق حقاً ، أم أنها تتخيل ذلك ؟ لكنها نهضت من مكانها ، حين سمعت الباب يُطرق ثانية .
وبهدوء شديد فتحت الباب ، وإذا هي وجهاً لوجه ، مع شاب في عمر كويكو ، يحمل سمكة بين يديه ، فقالت له بصوت خافت : نعم ، تفضل .
ومال عليها الشاب ، وقال : أنا جوفو ..
وتساءلت سيلفيا : جوفو !
فتابع جوفو قائلاً : صديق كويكو ..
وحدقت سيلفيا فيه ، وقالت : أهلاً وسهلاً .
وتابع جوفو ثانية : صياد سمك ، وطالما اصطدنا الأسماك معاً ، أنا وكويكو .
وصمت جوفو لحظة ، ثم قال : صباح اليوم ، جاءتني الحكيمة العجوز ، وقالت لي : إن صديقي كويكو جريح ، هاجمه خنزير في دغل قرب النهر .
ومالت سيلفيا عليه ، وقالت : كويكو نائم الآن ، بعد أن عالجته الحكيمة العجوز .
ونظر جوفو إليها ، وقال : كويكو مثلي ، يحب أكل السمك ، وخاصة سمك الشبوط ..
وقدم لها السمكة ، وهو يتابع قائلاً : خذي هذه السمكة ، واشويها له في الموقد ، وقدميها له حين يستيقظ ، وقولي له ، إنها من صديقك .. جوفو .
وأخذت سيلفيا السمكة منه ، وقالت له : أشكرك .
واستدار جوفو ، ومضى مبتعداً ، وهو يقول : تحياتي إلى صديقي .. كويكو .





" 7 "
ـــــــــــــــــــ
نظفت سيلفيا سمكة الشبوط ، وهيأتها للشيّ على النار في الموقد ، لكنها لم تشوها ، فالسمكة لكويكو ، وكويكو مازال يغط في نوم عميق .
وفي انتظار أن يفيق كويكو ، جلست سيلفيا على مقربة منه ، بعد أن وضعت السمكة ، التي نظفتها وهيأتها للشي ، على المائدة ، وفكرت .. ماذا لو بقي كويكو نائماً ، حتى بعد حلول المساء ؟
وتململت سيلفيا ، لينم كويكو ما يشاء ، ولتبقَ السمكة تنتظر ، لن يأكلها أحد ، مهما كان الأمر ، إلا كويكو ، فجوفو ، صديقه ، صياد السمك ، اصطادها له ، وليس لأي شخص آخر .
وقبيل المساء ، وقد أوشك الليل المثلج أن يخيم ، خيل لسيلفيا أن حركة طفيفة صدرت عن رموش كويكو ، وفتحت عينيها على سعتهما ، أحقيقة ما رأته ، أم رأت في مخيلتها ما تتمناه ؟
وقبل أن تفيق مما خيل لها أنها رأته ، تناهت إليها أنّة خافتة ، ولم تدري ، هذه المرة أيضاً ، ما مصدر هذه الأنّة ، وفكرت لعلها من الخارج ، من مكان بعيد في الجبال ، وهذا يعني أن العاصفة الثلجية ، ستأتي الليلة أيضاً ، أم أنها ..
وأبرقت عيناها ، لا .. هذه الأنّة الخافتة ، لا يبدو أنها من الخارج ، وإنما .. وجمدت عينا سيلفيا .. فها هي رموش كويكو تتحرك بوضوح .. وتصدر عنه أنّة واضحة رغم خفوتها.. نعم .. سيستيقظ .. سيستيقظ حتماً .. هذا ما قالته الحكيمة العجوز .
وهبتْ سيليا من مكانها ، وتناولت سمكة الشبوط ، التي هيأتها للشيّ ، ووضعتها في الموقد ، وتركات الجمرات المتقدة ُتنضجها على مهل ، فكويكو سيستيقظ ، عاجلاً وليس آجلاً ، ويأكل سمكة الشبوط المشوية ، سيأكلها كلها وحده ، وستشبع هي ، ستشبع حتماً ، وهي تراه يأكل سمكة الشبوط حتى آخر لقمة منها .
وخفق قلبها بشدة ، وسمكة الشبوط تكاد تنضج ، فوق الجمرات المتقدة ، حين تناهى إليها من ورائها صوت واهن يهتف لها : سيلفيا ..
لم تلتفت على الفور ، فهي تريد لهذا الحلم أن يبقى .. ولو حلماً ، ولعل ما سمعته هو تحوير من خيالها لأنين العاصفة الآتي من بعيد ، أو .. وجاءها الصوت الواهن ثانية ، وهذه المرة أكثر وضوحاً : سيلفيا ..
وعلى الفور ، وبسرعة فائقة التفتت سيلفيا ، وإذا كويكو جالس في فراشه ، وعيناه تتطلعان إليها ، وقبل أن يتفوه بكلمة واحدة ، هتفت فرحة : كويكو ..
وتطلع كويكو إليها ، بعينيه اللتين بدأتا تفيقان ، وقال بصوته الواهن : إنني .. جائع ..
وهتفت سيلفيا بصوت فرح : سمكة الشبوط ، التي أردتَ أن تصطادها لي ، اصطادها لك صديقك جوفو ، وهي على النار الآن ، وستأكلها في الحال .
واستدارت سيلفيا بسرعة ، محدقة في السمكة ، آه لقد نضجت ، وحان التهامها ، فمدت يدها ، وأخرجتها من الموقد ، وهي تقول : سأضعها في صحن واسع ، لتأكلها على راحتك ، وأنت في ..
لكنها حين استدارت ، وقد وضعت السمكة في الصحن ، فوجئت بكويكو يجلس إلى المائدة ، والإرهاق بادٍ على محياه ، فابتسمت له ، وقالت : أردت أن تأكلها وأنت مستريحاً في الفراش ..
وابتسم كويكو لها ، وقال بصوت بدأ يتعافى : هذه السمكة في الأساس لك ، لقد وعدتك بسمكة شبوط ، وها هي سمكة الشبوط ، فلنأكلها معاً .
ووضعت سيلفيا السمكة المشوية أمام كويكو ، وجلست قبالته ، وهي تقول : حسناً ، فلنأكل معاً .
لكن كويكو مدّ يده ، ودفع السمكة المشوية برفق إلى وسط المائدة ، وقال مبتسماً : هنا أفضل ، والآن هيا نأكل سمكة الشبوط هذه .
وراحا يأكلان معاً ، ونظر كويكو إلى سيلفيا ، وقال لها : ها .. ما رأيكِ ؟
فهزت سيلفيا رأسها متلذذة ، وهي تقول : لا ألذّ من السمك ..
وقال كويكو : الشبوط .
وضحكت سيلفيا ، وقالت : نعم ، الشبوط .
وتباطأ كويكو في تناول السمكة ، وبدا وكأنه يرهف السمع ، ثم قال : سيلفيا ..
ونظرت سيلفيا إليه ، وقد تباطأت هي الأخرى في تناولها للسمكة ، وقالت : نعم .
وبدا وكأن كويكو توقف عن تناول السمكة ، وهو يرهف السمع ، ثمّ قال : اسمعي ..
وتوقفت سيلفيا عن تناول السمكة ، وأرهفت السمع ملياً ، وقال : لا أسمع أي شيء ..
ورفع كويكو يده عما تبقى من السمكة ، وهو مازال يرهف السمع ، وقال : اسمعي ، يا سيلفيا ، اسمعي جيداً ، اسمعي .. آه ..
وتساءلت سيلفيا حائرة ، وهي تمعن في إرهاف سمعها : ماذا ! قل لي ، ماذا ؟
ونظر كويكو إليها ملياً ، بعينيه اللتين أفاقتا تماماً ، وراحتا تلمعان ، وقال : إنني أسمع العاصفة الثلجية ، يا سيلفيا ، أسمعها قادمة ، تقول .. هووووو .
وانبثقت ابتسامة ربيعية على شفتي سيلفيا ، وراحت تنتشر بعطرها في ملامحها كلها ، وقالت بنبرة ماكرة : وإذا لم أخفْ الليلة ..
فقال كويكو : أنا سأخاف ..
فاتسعت ابتسامة سيلفيا الماكرة ، وقالت : لنخفْ معاً إذن ، حتى لو لم تهب العاصفة .
وهتف كويكو بنبرة احتفالية ، وهو يمدّ يده إلى ما تبقى من السمكة : لتهب العاصفة ، أو لا تهب ، لن نخاف ، هيا نجهز على بقية السمكة .











" 8 "
ـــــــــــــــــــــ
بدأ الثلج يذوب ، وراح الشتاء يلملم بقايا برده وعواصفه ، ويستعد للرحيل بعيداً ، فطلائع الربيع لاحت في الآفاق ، وانبثقت من تحت التربة الينابيع والحشائش والأزهار على اختلاف أنواعها .
وتراءى لسلفيا ، وهي ترقب نفسها يوماً بعد يوم ، أن أنفاس الربيع قد مستها هي الأخرى ، ولعل روح الغابة ، الأربعينية ، الشفافة تقريباً ، أحست بذلك ، فأخذت تزورها في المنام ليلاً ، وتحدق صامتة في بطنها .
وطالما فزت سيلفيا ليلا ، تحت وطأة نظرات روح الغابة ، لكنها لا تنهض ، ولا حتى تعتدل في فراشها ، وإنما تلوذ بكويكو ، وتغفو ثانية بين ذراعيه .
وذات صباح ، وقد استعاد كويكو الكثير من عافيته ، التي تضررت كثيراً ، حين هاجمه الخنزير في الدغل القريب من النهر ، مدّ يده ، ولمس كتف سيلفيا ، وخاطبها بصوت هادىء : سيلفيا ..
ولم تفتح سيلفيا عينيها الناعستين ، وردت قائلة : نعم ، أظنّ أن الوقت مازال مبكراً .
ومال كويكو عليها ، وهمس لها قائلاً بصوت منغم : اليوم سأغديك سمكاً .
وفتحت سيلفيا عينيها ، وقد طار النعاس منهما ، واستدارت إليه ، وقالت وهي تهزّ رأسها : كلا ، يا كويكو ، لا أريد سمكاً .
وابتسم كويكو لها ، وقال بنبرات توشك أن تتعافى تماماً : لا تقولي لي ، يا سيلفيا ، أن روح الغابة زارتك مرة أخرى في المنام .
وهزت سيلفيا رأسها ، وقالت : كويكو ، إنني أخاف الدغل ، لقد نما كثيراً قرب ..
واعتدل كويكو في الفراش ، وهو يقاطعها قائلاً : يبدو أنكِ تريديني ، أن أذهب اليوم إلى النهر ، دون أن أتناول طعام الإفطار .
واعتدلت سيلفيا بدورها ، وواجهته قائلة : عدني إذن ، أن تكون حذراً ، وأنت تسير في الدغل .
وغالب كويكو ابتسامته ، وهو يقول : لا أستطيع أن أعدك ، بأن لا أفكر فيك ، وأبعد عينيك عني ، وأنا أسير في الدغل ، متجهاً إلى النهر .
وضربته سيلفيا بكفها على كتفه ، وهي تنهض من الفراش ، فقال لها كويكو ضاحكاً : أسرعي وإلا ذهبت إلى النهر ، دون تناول الإفطار .
وأسرعت سيلفيا إلى الزريبة ، والكلب يهرول وراءها ، وحلبت العنزة على عجل ، وجمعت البيض من قنّ الدجاج ، وعادت مسرعة إلى الكوخ ، وراحت تعدّ طعام الإفطار على نار الموقد .
وبعد أن تناولا طعام الإفطار ، نهض كويكو ، وأخذ أدوات صيد السمك ، ومضى إلى الخارج ، فلحقت سيلفيا به ، وأطلت عليه من باب الكوخ ، وهتفت به قائلة : لا تتأخر ، يا كويكو .
ولوح لها كويكو ، دون أن يلتفت إليها ، وبقيت سيلفيا بباب الكوخ ، حتى غاب كويكو عن نظرها ، فدخلت الكوخ ، وأغلقت الباب ، وهي تتمتم : آه .. كويكو .
وعلى الفور ، ولكن بدون حماس ، عكفت سيلفيا على تنظيف المائدة ، ثم انحنت على الفراش ، الذي تنام فيه جنباً إلى جنب مع كويكو ، وراحت تنظفه ، وتعيد ترتيبه ، ربما لتتشاغل عما يقلقها .
وتوقفت فجأة ، ترهف السمع ، ثم قالت : أمي ..
وردت روح الغابة : نعم .
واستدارت سيلفيا إليها منفعلة ، ووقفت أمامها وجهاً لوجه ، وقالت : لم أسمعك ، وأنت تدفعين الباب ، وتدخلين الكوخ .
وابتسمت روح الغابة ، بشيء من الأسى ، وقالت وهي تحدق فيها : سيلفيا ، جئتك في المنام مراراً ، وأردت منك أن تأتي إليّ ، لكنك لم تأتي .
فردت سيلفيا قائلة : أنت تعرفين ، أن كويكو كان جريحاً ، وكان بحاجة إليّ .
ولاذت روح الغابة بالصمت ، وهي تحدق في سيلفيا ، ثمّ مدت يدها ، ولمست بطنها برفق ، فهزت سيلفيا رأسها ، دون أن تتفوه بكلمة واحدة .
وتنهدت روح الغابة ، وقالت : لم أستبعد هذا ، فأنتِ ابنتي ، يا سيلفيا .
وصمتت روح الغابة ، وتطلعت إلى الخارج ، عبر النافذة الصغيرة ، وقالت في صوت وكأنه صدى صوت يأتي من بعيد : عندما كنتُ في عمركِ ، كان يتردد على الغابة ، حطاب شاب وسيم قوي ، حذرتني أمي من الاقتراب منه ، لكن دون جدوى ، ورأيته يتهاوى ذات مرة ، والثلج يتساقط ، ويبدو أنه أغمي عليه لسبب ما ، وخفت أن يتجمد ، فسحبته إلى كهف قريب ، وضممته إلى صدري ، ودفأته حتى أفاق ..
وصمتت روح الغابة ، ثم التفتت إلى سيلفيا ، ونظرت إليها ملياً ، ثم قالت لها : أنتِ ابنتي ، يا سيلفيا ، وقد أخذتِ الشيء الكثير مني .
وصمتت روح الغابة ثانية ، وقالت : سيلفيا ، أنتِ ابنتي ، وأريد أن تعودي إليّ .
لم تردّ سيلفيا ، وأخفضت عينيها ، وهي تضع يديها على بطنها ، ثم رفعت عينيها ، وحدقت فيها ، دون أن تتفوه بكلمة ، فتنهدت روح الغابة ، وقالت : إنني أتفهمك ، لكن إذا احتجتني لأمر ما ، تعالي إليّ .
وهده المرة أيضاً ، لم تتفوه سيلفيا بكلمة واحدة ، وإنما ظلت تنظر إليها بعينين جامدتين ، وإن راحت الدموع تترقرق فيهما ، فضمتها روح الغابة إلى صدرها ، ثم استدارت ، واجتازت باب الكوخ ، دون أن تفتحه ، واختفت تماماً ، لا عجب ، إنها روح الغابة .
وأفاقت سيلفيا على كويكو ، يدفع الباب ، ويدخل حاملاً بإحدى يديه سمكتين ، واقترب منها فرحاً ، وهتف بصوت احتفالي : سيلفيا .. انظري .
ونظرت سيلفيا إليه ، ثم إلى السمكتين اللتين يحملهما بيده ، دون أن تتفوه بكلمة ، فحدق كويكو فيها ، وقال : أراك على غير طبيعتك ، يا سيلفيا ، ما الأمر ؟
فردت سيلفيا بصوت دامع : لا شيء ..
وتمتم كويكو كأنه يحدث نفسه : لعلها روح الغابة ..
ومدت سيلفيا ، وأخذت من السمكتين ، وهي تقول : كانت هنا ..
ومضت إلى الخارج ، وهي تقول : سأنظف هاتين السمكتين ، وأعدهما للغداء .




" 9 "
ــــــــــــــــــ
مرت أيام وأيام ، ذابت خلالها ثلوج الشتاء ، وذاب معها البرد والرياح المثلجة ، وتدفقت مياه الينابيع العذبة ، وأنفاس الربيع الدافئة العطرة ، وراح كلّ شيء ينمو ، حتى البذرة التي في أحشاء سيلفيا .
وحلّ الصيف المرح بعد رحيل الربيع ، وازداد نمو كلّ شيء ، وسرعان ما جاء الخريف ، وراحت أيامه تزحف مبتعدة ، مع زحف الغيوم في السماء ، التي تنذر بقدوم الشتاء الطويل القاسي ، وها هي أولى رقائق الثلج البيضاء ، تتهاوى من أعالي السماء ، وتسقط على الحقول والأشجار والبيوت .
وخلال هذه الأيام ، بدأ الحزن والقلق ينبتان في أعماق سيلفيا ، وينموان يوماً بعد يوم ، ويقيمان ما يشبه الجدار ، بينها وبين كلّ ما حولها ، حتى كويكو .
ماذا يجري !
وطالما استنجدت بروح الغابة ، وهتفت بها في أعماقها مستغيثة : ماما ..
لكن لا فائدة ، الجدار يتخلق ، وينمو ، وكويكو يشحب شيئاً فشيئاً ، رغم وجوده المستمر إلى جانبها ، ولا أثر لروح الغابة ، لا في الليل ، ولا في النهار ، ولا في أي مكان تقصده بحثاً عنها .
وبدأت سيلفيا ، وربما من أواسط الخريف ، تغيب عما حولها ، لم تعد معظم الأحيان ، تنظف الكوخ ، أو ترتب الفراش ، بل لم تعد معظم الأحيان ، تعد الطعام لأي وقت من الأوقات ، مما حدا بكويكو ، ومن غير تذمر ، القيام بإعداد الطعام بنفسه ، والجلوس معها لتشاركه تناول الطعام الذي أعده .
ومع الأنين الأول ، للعواصف الشتائية ، التي تنحدر ليلاً من الجبال البعيدة ، والتي لا يذوب الثلج عنها ، لا شتاء ولا حتى في الصيف ، راحت سيلفيا تشعر ، بأن البذرة التي تخلقت في أعماقها ، تكاد تنضج ، وبدأت ترسل إشارات واضحة ، باقتراب موعد قدومها ، وبدل أن تحدث كويكو بذلك ، راحت تطلب النجدة من روح الغابة ، لكن دون جدوى ، فروح الغابة لم تعد تزورها ، لا تدري لماذا ، حتى في المنام .
وذات ليلة ، وأولى العواصف كانت تعوي في الخارج ، كما تعوي الذئاب الجائعة ، أفاق كويكو على سيلفيا تئن وتتوجع وتتلوى ، فاعتدل في فراشه ، وهتف بها متسائلاً
: سيلفيا ..
لم تردّ سيلفيا ، وارتفع أنينها وتوجعها ، فنهض كويكو ، وهو يقول : لا عليكِ ، يا عزيزتي ، يبدو أن قمرنا المنتظر سيهلّ الليلة .
وشهقت سيلفيا ، وهي تفتح عينيها الطافحتين بالخوف والألم : كويكو ..
ومدّ كويكو يديه ، واحتضن يدها الخائفة المتعرقة ، وقال لها : اطمئني ، سأذهب الآن إلى الحكيمة العجوز ، وستأتي إليك في الحال .
وقبل أن يخرج كويكو إلى الليل والعاصفة ، دثر سيلفيا جيداً ، وغذى الموقد بقطع يابسة من الخشب ، وشقّ كويكو طرقه في الليل ، والعاصفة تتجاذبه من كلّ اتجاه ، ووصل بيت الحكيمة العجوز بشق الأنفس ، فطرق بابها منفعلاً ، وهو يصيح : أيتها الحكيمة ..
لم تردّ الحكيمة العجوز ، ولم تفتح باب بيتها ، فمدّ كويكو يده ثانية ، وطرق الباب بقوة ، وهو يصيح بأعلى صوته ، لعله يغطي على صوت العاصفة : أيتها الحكيمة ، أنا كويكو ، افتحي الباب .
وقبل أن ينتهي كويكو من صياحه ، فتحت الحكيمة العجوز الباب ، وحدقت فيه مذهولة في الظلام والعاصفة ، وصاحت : كويكو !
فمال كويكو عليها ، وصاح : تعالي معي ، سيلفيا بحاجة إليك الآن .
واستدارت الحكيمة العجوز ، وقفلت عائدة إلى الداخل ، وهي تقول : انتظرني لحظة ، سأعود إليك حالاً ، هذا يوم لن تنساه ، يا كويكو .
ووقف كويكو ينتظر على أحرّ من الجمر ، وتراءت له سيلفيا تئن وتتوجع وتتلوى من الألم ، وكاد يهتف بالحكيمة العجوز أن تسرع ، حين أقبلت من الداخل بسرعة ، وقد استبدلت ثيابها بثياب ثقيلة مدفئة ، وهتفت به : هيا يا كويكو ، لنذهب إلى سيلفيا .
وحثت الحكيمة العجوز خطاها ، والعاصفة تتجاذبها في عتمة الليل من كلّ جانب ، وسار كويكو إلى جانبها مسرعاً ، وقال لها : عفواً أيتها الحكيمة ، لقد أخرجتك من فراشك ، في هذا الليل العاصف .
فردت الحكيمة العجوز قائلة : هذا عملي ، يا بنيّ ، ثم إن سيلفيا عزيزة عليّ .
ورمقها كويكو بنظرة مترددة ، وقال : لو تعرفين ، أيتها الحكيمة ، كم أنا خائف .
فمدت الحكيمة العجوز يدها ، وربتت على يده ، وقالت : لا أحد يلومك ، هذا أمر طبيعي ، سيلفيا جوهرة ، ولك أن تخاف عليها ، إنها ولادتها الأولى ، لكن اطمئن ، سيتحول خوفك هذا إلى فرح ، ستصبح أباً .
ولاح الكوخ من خلال العتمة والعاصفة ، ولاحظ كويكو أن الباب موارب ، والعاصفة تعبث به ، ماذا جرى ؟ وهرول كويكو ، وقلبه يخفق بشدة ، ولحقت به الحكيمة العجوز ، رغم تقدمها في السن ، وأقبل الكلب عليه مسرعاً من العتمة ، وهو ينبح : عو عو عو ..
لم يلتفت كويكو إلى الكلب ، واندفع إلى داخل الكوخ ، عبر الباب الموارب ، ودخلت الحكيمة العجوز وراءه وهي تلهث ، ووقف كويكو وسط الكوخ ، وراح يتلفت مصدوماً ، إذ لم يجد أثراً لسيلفيا .
وتطلعت الحكيمة العجوز إليه متسائلة : أين سيلفيا !
وردّ كويكو مذهولاً ، وعيناه تمسحان الكوخ مرة أخرى : نعم ، أين سيلفيا ؟
ثم نظر إليها ، وتابع قائلاً : كانت في الفراش ، عندما جئت إليك ، وقد أغلقت الباب بنفسي .
وتلفتت الحكيمة العجوز حولها ، وهي تقول : يا للعجب ، ترى أين ذهبت ؟
وقال كويكو ، كأنما يحدث نفسه : ليس لديها أحد ، لتترك الكوخ ، وتذهب إليه ..
وصمت كويكو ، وقد لمعت عيناه ، وتمتم بصوت لا يكاد يُسمع : روح الغابة .
وحدقت الحكيمة العجوز فيه متسائلة : روح الغابة !
واندفع كويكو إلى الخارج ، وسرعان ما ذاب في الليل والعاصفة ، وسمعته الحكيمة العجوز ، يصيح وهو يتباعد : سيلفيا .. سيلفيا .. سيلفيا .

" 10 "
ــــــــــــــــــــ
لم تستطع الحكيمة العجوز ، اللحاق بكويكو عندما اندفع خارجاً من الكوخ ، وغاب في الليل والعاصفة ، وخمنت أنه سيعود عاجلاً أو آجلاً ، وإلا فأين يمكن أن يذهب ، في مثل هذا الوقت من الليل ؟
وقرصها البرد ، فأغلقت باب الكوخ ، وغذت النار في الموقد بقطع من الخشب ، فكويكو حين يعود ، سيكون بحاجة إلى الدفء ، ترى متى يعود ؟
وانتظرت الحكيمة العجوز ، انتظرت طويلاً ، لابدّ أن كويكو سيعود ، سواء عثر على سيلفيا ، أو لم يعثر عليها ، ورغم الموقد ، والنار التي تلتهب فيه ، شعرت الحكيمة العجوز بالبرد ، إنه العمر.
ولاذت بالفراش ، لعلها تدفأ ، وتدثرت بالدثار الثقيل ، لكنها لم تتمدد فيه ، وظلت جالسة تنتظر كي لا تنام ، إلا أن النعاس غلبها ، واستغرقت في النوم .
وفزّت خائفة ، حين صاح الديك : كوكو .. ريكو .
وتلفتت حولها ، الكوخ بارد جداً ، وألقت نظرة إلى الموقد ، آه لقد خمدت النار تقريباً ، واعتدلت في فراشها ، وأصغت ملياً ، يبدو أن العاصفة قد رحلت ، فنهضت من الفراش ، وقد قررت أن تعود إلى بيتها .
وفتحت الباب ، وخرجت من الكوخ ، وفوجئت بالكلب يقف أمامها ، ويحدق فيها متسائلاً ، لعله يسأل عن كويكو ، وهزت رأسها ، فهي أيضاً تتساءل عن كويكو ، لكن أين كويكو ؟ هذا ما تريد أن تعرفه .
وسارت مبتعدة ، والكلب يتابعها بعينيه المتسائلتين ، وفي طريقها إلى البيت ، لم يغب كويكو عن بالها ، ترى ماذا جرى له ؟ وأين يمكن أن يكون ، وقد خرج في ذلك الليل العاصف ؟
وتراءى لها صديقه الصياد جوفو ، والتمعت فكرة في ذهنها ، لا أحد يمكن أن يجده غير جوفو ، وحثت خطاها نحو بيت .. جوفو .
واقتربت الحكيمة العجوز من بيت جوفو ، وطرقت بابه ، وسرعان ما فتح جوفو الباب ، وبدا مندهشاً حين رأى الحكيمة العجوز ، فقال بصوت تشوبه الحيرة والقلق : الحكيمة ! ما الأمر ؟
وبدل أن تجيبه الحكيمة العجوز على تساؤله ، قالت له بصوتها المتعب : صديقك كويكو ..
وقاطعها جوفو متوجساً : ما له كويكو ؟
فقالت الحكيمة العجوز بصوت متعب متهدج : أخذني البارحة ليلاً إلى كوخه ، فسيلينا كانت على وشك الولادة ، لكننا لم نجدها في الكوخ ، فخرج كويكو للبحث عنها ، ولم يعد حتى الآن .
وتمتم جوفو : يا للهول .
وقالت الحكيمة العجوز : جوفو ، أنت صديقه ، لابدّ أن تفعل شيئاً ، قبل فوات الأوان .
وقال جوفو ، قبل أن يستدير ، ويدخل بيته : عودي أنتِ إلى بيتك ، واتركي الأمر لي .
وخرج جوفو من البيت بعد قليل ، وقد ارتدى ملابسه ، وحمل سلاحه ، فالغابة خطرة ، مليئة بالوحوش والضواري ، ومضى مسرعاً نحو الغابة ، وقد عزم أن لا يعود ، مهما كان الأمر ، حتى يعثر على كويكو ، أو يقف على مصيره .
وتوغل جوفو في الغابة ، والشمس ترسل أولى تباشير أضوائها من وراء الأفق ، وسار في الطريق ، الذي طالما سار فيه مع كويكو ، كلما خرجا للصيد في هذه الغابة المترامية الأطراف .
وحوالي منتصف النهار ، توقف جوفو عند الحدود ، التي لم يتجاوزها مع كويكو من قبل ، وتلفت حوله ، لا أثر لكويكو ، ورفع رأسه ، وصاح : كويكو ..
وتردد صدى صوته في أرجاء الغابة ، وانتظر منصتاً ، لعل كويكو يردّ عليه ، لكن دون جدوى ، فلا أثر لكويكو حتى الآن ، ما العمل ؟
لم يقفل جوفو عائداً ، ويترك كويكو في المجهول ، وإنما مضى قدماً ، يشق طريقه في أماكن ، ربما لم يصلها صياد غيره من قبل ، إنه يبحث عن صديقه كويكو ، ولابد أن يعرف مصيره ، مهما كان الثمن .
وتوقف كويكو متعباً بعض الشيء ، بعد أن توغل كثيراً في الغابة ، حتى وصل إلى مكان ، غابت الشمس عنه تقريباً ، بسبب كثافة الأشجار وارتفاعها ، فرفع رأسه ، وصاح بأعلى صوته : كويكو .. كويكو ..
وأصغى منتظراً ، والصدى يتردد في كلّ مكان من الغابة ، وأطرق رأسه ، وقد تملكه الحزن والتعب ، آه كويكو ، وهمّ أن يواصل طريقه ، متوغلاً أكثر وأكثر في الغابة ، فهو لن يعود إلى بيته بدون كويكو .
وتوقف جوفو مذهولاً ، وقد اتسعت عيناه ، أهذا كويكو حقاً ما يراه ؟ نعم ، إنه هو ، إنه كويكو ، وطار إليه ، وتلقفه بذراعيه المحبين ، وضمه إلى صدره ، وهو يتمتم فرحا: كويكو .. كويكو ..
ولاذ كويكو بصدره ، وأراح رأسه المتعب عليه ، وهو يتمتم بصوت واهن : قالت لي .. روح الغابة ..
وتمتم جوفو مذهولاً : روح الغابة !
وتابع كويكو متمتماً بصوته الواهن : عد إلى الكوخ ، يا كويكو ، عد إلى الكوخ..
ودمعت عينا جوفو ، وقال له بصوت هادىء مطمئن : لا عليك ، يا كويكو ، هذا ما جئت من أجله ، سأعود بك إلى كوخك ، اطمئن .
وأعاده كويكو إلى الكوخ ، وقد حلّ الليل ، وأجلسه في فراشه ، ودثره بدثاره الثقيل ، ثم أشعل النار في الموقد ، وقال له : ابقَ في فراشك ، سأذهب إلى بيتي ، وأحضر لك بعض الطعام .
وهزّ كويكو رأسه ، وقال : أشكرك ، يا جوفو .
ومضى جوفو مسرعاً ، بعد أن أغلق الباب وراءه ، تاركاً كويكو جالساً في فراشه ، وألسنة اللهب تتعالى في الموقد ، وتعيد الدفء والحياة إلى الكوخ .
وأغمض كويكو عينيه المتعبتين ، وكاد يغلبه النعاس فيستغرق في النوم ، حين تناهى إليه ، ما خيل إليه أنه صوت سيليا ، تهتف به : كويكو ..
وفكر لبرهة ، أهذا حقيقة ، أم وهم يأتيه من أعماقه المضطربة ، وجاءه الهتاف ثانية : كويكو ..
وفتح عينيه ، وإذا سيلفيا تقف أمامه ، تضم إلى صدرها ما يشبه الطفل الوليد ، ترى كيف دخلت ؟ والباب مغلق ، ولم تسمعه يُفتح ، مهما يكن ، فها هي أمامه ، فنهض من فراشه ، وهو يتمتم : سيلفيا ..
وابتسمت سيلفيا ، وقالت : نعم ، سيلفيا ، يا كويكو ..
وأشارت بعينيها ، إلى ما بين يديها ، وقالت : انظر ..
ونظر متسائلاً ، وهو يحدق فيه مبهوراً : كويكو !
وابتسمت فرحة ، وقالت : لا بل .. سيلفيا ..
ومدّ يديه اللتين عادت إليهما العافية والفرح ، واحتضن سلفيا الكبيرة ، وسيلفيا الطفلة ، وهو يقول : أهلاً ومرحباً بكما ..
ورفع عينيه اللتين تبللهما دموع الفرح ، وقال : ها هي شمس الربيع تشرق من جديد ، يا سيلفيا .

24 / 5 / 2022



#طلال_حسن_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسرح صفحات مطوية من الحركة المسرحي ...
- قصص للأطفال عصافير من مخيمات نينوى ...
- رواية للفتيان شبح الاهوار ...
- مسرحية للأطفال الكبش الأحمق طلال حسن
- قصة للأطفال شيشرون ...
- صندوق الدنيا طلال حسن
- قصة للأطفال ماما قصة : طلال ح ...
- الدبة الصغيرة
- الاوركا الحوت القاتل ...
- حوارات مع أديب الأطفال ... طلال حسن
- رواية للفتيان مرجانه ...
- قصص للأطفال عصر الديناصورات ...
- قصة للفتيان اب ...
- قصة للأطفال الغرير الصغير ...
- قصص قصيرة جداً عبارة الموت ...
- ثلاث روايات قصيرة للأطفال طلال حسن
- محطاتي على طريق أدب الأطفال ...
- أسد من السيرك
- قصة للأطفال الترمجان قصة ...
- رواية للفتيان اورانج اوتان ...


المزيد.....




- انطلاق فعاليات -ربيعيات أصيلة- للفنون التشكيلية
- 53 حفلا موسيقيا..وأزيد من 400 فنان في ضيافة مهرجان-كناوة-بال ...
- مصر.. الفنانة هنا الزاهد تكشف عن سبب رفضها تقويم أسنانها (في ...
- شاعر سعودي يكشف تطورات الحالة الصحية للفنان محمد عبده
- السجن 18 شهراً لمسؤولة الأسلحة في فيلم -راست-
- رقص ميريام فارس بفستان جريء في حفل فني يثير جدلا كبيرا (فيدي ...
- -عالماشي- فيلم للاستهلاك مرة واحدة
- أوركسترا قطر الفلهارمونية تحتفي بالذكرى الـ15 عاما على انطلا ...
- باتيلي يستقيل من منصب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحد ...
- تونس.. افتتاح المنتدى العالمي لمدرسي اللغة الروسية ويجمع مخت ...


المزيد.....

- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو
- الهجرة إلى الجحيم. رواية / محمود شاهين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طلال حسن عبد الرحمن - رواية للفتيان روح الغابة طلال حسن