أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - مهند طلال الاخرس - حين استشهد المستشفى ونام ضمير العالم















المزيد.....

حين استشهد المستشفى ونام ضمير العالم


مهند طلال الاخرس

الحوار المتمدن-العدد: 7804 - 2023 / 11 / 23 - 12:47
المحور: القضية الفلسطينية
    


طائرات امريكية فوق سماء فلسطين تحمل الموت وعلم اسرائيل ، تخرق السماء وتجوب الاجواء، تبحث عن غايتها في حرب ابادة تستهدف القتل والتهجير...

تُشم رائحة الموت المنبعثة من صواريخها وقنابلها التي تطلقها عن قرب.

تصيب نيرانها بيوت السكان الآمنين فيسقط الاطفال والنساء والشيوخ وتدمر الشوارع وتهدم البيوت على رؤوس اصحابها في مشهد دامي يراه كل سكان المعمورة.

يهرع كل من سَلِمَ لانقاذ من يصرخون من تحت اكوام الركام.. ينجوا من لم تستطع قنابل الاحتلال الوصول اليه ويصعد الى السماء العدد الاكبر...

بالعادة تهرع سيارات الاسعاف لنجدة المنكوبين ... لكن هذه المرة لم تتحرك سيارات الاسعاف؟!
كان القصف قد استهدفها وقتل طواقمها... يهرع المواطنون ومن تبقى على قيد الحياة لنجدة من كتبت لهم النجاة او اخطأتهم صواريخ الاحتلال، يبحثون بين الركام عن انفاس مخنوقة وسط غبار كثيف وبصيص امل.. تتعالى الاصوات وتبدا الصرخات، ثمة انين ياتي ويروح...انه تحتنا، هنا لا بل هناك افسحوا المجال ازيلوا الركام من هنا..جاء صوت من بعيد ...احذروا وانتبهوا لعل الطائرات تعود من جديد.

يرد اخر لا مجال للانتظار ثمة اصوات تنبعث من تحت الركام...تكاثرت الجموع وتقدمت اكثر واكثر اعتلت اكوام الركام تبحث عن مصدر الانين..
صاح احدهم هنا هنا، انا اسمعهم بوضوح..
تتشارك الايدي الكثيرة بازاحة الركام تتضح الصورة اكثر وينقشع الغبار..
اولادي اولادي..
هنا هنا، انها امراة صاح احد المنجدين..
ساعدوني يا جماعة.
تخرج امراة من تحت اكوم الركام وهي تصيح اولادي اولادي وتابى ان تُسعف قبل البحث عن اطفالها..
تُحمل على الاكتاف وهي تتمتم:
اسمع صراخ احدهم ارجوكم اعيدوني.. دعوني ارجع اليهم، دعوني ابحث عنهم او اموت بينهم..
تستجيب الجموع لرغبات الام الثكلى وصياحها..
تسكب على راسها رشات من المياه علها تزيل شيئا من الغبار الذي يملأها من راسها لاخمص قدميها.. تظهر ملامح وجهها المهشم والجريح ..يتعرف عليها احدهم، ولا يهمك يا ام عايد كلنا ولادك..
تصيح في وجهه اولادي اولادي تحت الردم وكمان حجابي..
يخلع احدهم قميصه ويغطي به راسها..
عادت ام عايد تضرب على صدرها وتصرخ: اولادي اولادي..
انصاعت الجموع لصرخاتها فاسندتها لاقرب جدار تبقى وبقيت يدها تشير الى الركام وهي تصرخ اولادي اولادي..
وجد المنقذون احدهم..كان انينه مسموعا والغبار قد انقشع..
وصلت يد المنجدون له، هللو وكبروا ..
نهضت الام الثكلى مستندتاً على الجدار واكتاف من يحيطون بها .. وسارت اقدامها المترنحة باتجاه الركام... تلقفت ابنها وحوطته بنوبات من البكاء وصرخات من العويل..
كان مصابا وتنزف منه الدماء وبالكاد تُعرف ملامحه .. اوصلها احدهم الى سيارة هرعت للنجدة واوصلهم لاقرب مستشفى [المعمداني] وهناك سلمته امه لاطباء الطوارىء وطلبوا منها الانتظار ...
دقائق وخرج لها الطبيب محاولا طمأنتها وتهدئة روعها قائلا: هناك امل، لكننا بحاجة لبعض الوقت... ان شاء الله الامور تكون بخير...

هدا بالها لبرهة ثم سرعان ماعلت صرخاتها مجددا: اولادي اولادي..وانطلقت باتجاه بوابة المستشفى حتى وجدت السيارة التي اوصلتها .. لحقت بها بعض النسوة يهدئن من روعها..كانت تمسك برقبة صاحب السيارة وهي تصرخ اولادي اولادي..
طلب منها صاحب السيارة بمساعدة النسوة المتحلقات التحلي بالصبر وان تُهديء من روعها..
بقيت المراة تصيح اولادي اولادي..
لوهلة اعتقد الجميع ان المراة تهذي او انها اصابها مس او صرع من هول ما حدث..
بعض النسوة التقطن حروف الكلمات المبعثرة المنطلقة من فم المراة الثكلى، وجمعن اشلاء الكلمات والتقطن سر ذلك الهذيان؛
-لديها اطفال اخرين مازالوا تحت الركام، تريد الذهاب اليهم..

يهرع صاحب السيارة التي زجت بنفسها فيها وهي تندب وتولول .. وسريعا انطلقت السيارة عائدة نحو مكان القصف حيث منزل ام عايد المهدم.. غادرت ام عايد وتركت خلفها صدى وجعها ودعوات النسوة التي تغص وتمتليء بهن ساحات المستشفى المعمداني بغزة...

وصلت ام عايد مدخل حارتها حيث المربع السكني المهدم، ترجلت من السيارة وسارت باقدامها العارية فوق اكوام الركام، كان المسعفون والمواطنون ورجال الدفاع المدني قد انتشلوا كافة افراد الاسرة من تحت الانقاض..كانوا كلهم شهداء...

دارت الدنيا في عيون ام عايد حتى غابت عن الوعي.. وحين استفاقت .. سالت عن طفلها الذي اودعته مستشفى المعمداني...لم يُجبها احد، صرخت وولولت وهي تقول: اولادي اولادي .. وحين لم يُجبها احد..أُغشي عليها مجددا وحين استفاقت ثانية علمت بهول ماجرى؟؟

كان طائرات الاحتلال قد قصفت مستشفى المعمداني حيث اودعت طفلها الناجي الوحيد للعلاج..كان طفلها قد صعدت روحه الى السماء برفقة خمسمائة اخرين جُلهم من الاطفال الذين لاذوا بساحات المستشفى والكنيسة المحاذية طلبا للامن والامان، وللاحتماء من رائحة الموت المنتشرة في سماء غزة على يد طائرات الموت الاسرائيلية الحُبلى دائما بالصواريخ والقنابل والفسفور الابيض والحقد الاسود والموت الزؤام.

احد الكاميرات التلفزيونية التقطت اللحظة وعلى وقع المجزرة سألت ام عايد عما جرى، فقالت:

"كان هناك أمل صغير، هذا ما أخبرني به الطبيب عن طفلي، ذهبت لاطمئن على من بقي من ابنائي تحت الانقاض، وجدت ارواحهم قد فاضت الى السماء...وعدت، وحين عدت لم أجد لا طفلي، ولا الطبيب، ولا المستشفى.. كان الجميع قد استشهد..".

استشهد المستشفى...استشهد المستشفى..كلمات اخذت طريقها على لسان ام عائد وملأ صداها ارجاء المكان ووصل مداها مسامع كل انسان؛ لكن بقيت الاكف فارغة يمتلىء بها ماء الوجه وقلة الحيلة ولسان حالها يقول:
"لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نار نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد"

كانت الكاميرا لازالت تجول وتصور وترصد مايحدث ويجري في ساحة المستشفى من هرج ومرج وصيحات التكبير وموجات الغضب المختلط بالبكاء والعويل ...كانت الاشلاء مبعثرة، جلها لاطفال بعمر الورد لم يبقى منهم الا رائحة الموت وبعض الاشلاء وعمود غبار يتصاعد نحو السماء..لعله يحمل ارواحهم او يشكي امرهم الى رب السماء..

استشهد المستشفى...استشهد المستشفى كلمات جرت على لسان تلك المرأة الثكلى وبقي صداها عالقا بالاثير علّها تهز ضمير العالم او تلامس نخوة المعتصم... فلا هي هزت ضمير العالم ولا لامست نخوة المعتصم، جل ما حدث جرح جديد في الجسد الفلسطيني، ونُدبة اخرى على جبين الانسانية، ووصمة عار اخرى تضاف الى سيرة الاحتلال الملطخة بالدم والحافلة اصلا بقاموس لا يعجز ان يستولد كل يوم اسم وفعل جديد لمجزرة او محرقة او حرب ابادة شاملة.

استشهد المستشفى...استشهد المستشفى..كلمات خرجت من فم ام عائد وصل مداها سائر ارجاء الارض وطاف وعاد حيث ام عايد..وحين عاد كان صوت ام عايد قد ابتلعته المجزرة.

رحل عايد واخوته وصوت امه وكل من ساقه الرصاص والهلع الى المستشفى...ففاضت الجثث وطافت الشظايا وغرقت الاحلام في ساحة المستشفى [المعمداني] ونام العالم كما ينام دائما بعد كل مجزرة.



#مهند_طلال_الاخرس (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شهدائنا ليسوا مجرد ارقام؛ عبد الكريم الحشاش مثالا
- اكتُبُ كي اعيش وابقى بينكم
- دروس وتجارب ثورية؛ علاقة الثورة بالجماهير
- عيدنا عودتنا 6/6
- عيدنا عودتنا
- قضية فلسطين والادب؛ يحي يخلف نموذجا
- مهر البومة؛ حنا ابو حنا
- قوات ال 17 سيرة ومسيرة؛ فؤاد معمر
- خلف الاسم تختبيء الحكاية
- عيدنا عودتنا ]1/6[
- باجس ابو عطوان -مات البطل، عاش البطل- معين بسيسو
- عن امل لا شفاء منه؛ فواز طرابلسي
- اطول يوم في حياة الزعيم؛نبيل عمرو
- الشياح؛ اسماعيل فهد اسماعيل
- ابو جهاد [اسرار بداياته واسباب اغتياله] محمد حمزة
- خواطر فلسطينية [دهاليز الوطن] عبدالفتاح القلقيلي
- الرواية الصهيونية الاسرائيلية الملفقة وانتهازية الربط بالتور ...
- ذكرياتي مع ياسر عرفات؛ بكر عبدالمنعم
- صراع الفدائيين ]الفدائيون العرب في حرب فلسطين 1948[ ؛ محمد ح ...
- فلسطين في قلبي؛ بكر عبدالمنعم


المزيد.....




- الرئيس البرازيلي يصف إطلاق سراح أسانج بأنه انتصار للديمقراطي ...
- RT العربية تطلق برنامجا تدريبيا لتأهيل الكوادر الإعلامية بمش ...
- شاهد: مناورات للجيش الكوري الجنوبي بالذخيرة الحية محلية الصن ...
- محكمة مغربية تُنصف تلميذة محجبة طردت من مدرسة فرنسية بمراكش ...
- وزير الدفاع الأمريكي يحذر من حرب إقليمية في المنطقة وغالانت ...
- مستشار الأمن القومي الإسرائيلي: لا يمكن القضاء على -حماس- كف ...
- حرب غزة تخلف أكثر من 17 ألف طفل يتيم
- أنصار الله: المرحلة المقبلة ستشهد تصعيدا
- فرنسا: ممثلو أبرز الكتل السياسية يتواجهون في أول مناظرة ضمن ...
- حرفي تركي يحوّل نفايات الزجاج إلى قطع فنية وأدوات للزينة


المزيد.....

- القضية الفلسطينية بين المسألة اليهودية والحركة الصهيونية ال ... / موقع 30 عشت
- معركة الذاكرة الفلسطينية: تحولات المكان وتأصيل الهويات بمحو ... / محمود الصباغ
- القضية الفلسطينية بين المسألة اليهودية والحركة الصهيونية ال ... / موقع 30 عشت
- المؤتمر العام الثامن للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين يصادق ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- حماس: تاريخها، تطورها، وجهة نظر نقدية / جوزيف ظاهر
- الفلسطينيون إزاء ظاهرة -معاداة السامية- / ماهر الشريف
- اسرائيل لن تفلت من العقاب طويلا / طلال الربيعي
- المذابح الصهيونية ضد الفلسطينيين / عادل العمري
- ‏«طوفان الأقصى»، وما بعده..‏ / فهد سليمان
- رغم الخيانة والخدلان والنكران بدأت شجرة الصمود الفلسطيني تث ... / مرزوق الحلالي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - مهند طلال الاخرس - حين استشهد المستشفى ونام ضمير العالم