أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - دولةُ الأوبرا تحتضنُ مليكتَها














المزيد.....

دولةُ الأوبرا تحتضنُ مليكتَها


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 7466 - 2022 / 12 / 18 - 11:19
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كان حضورُها آسرًا كما عهدناها كلّما أمسكتِ "الفلوت" بين أناملِها، وغرّدت منتشيةً بتلك الحال الصوفية الفاتنة، فندخلُ معها في فردوس النشوة العلوية. تعلّمَ الفلوتُ أن يُصغي إلى همس شفتيها، فتتحّولُ ثقوبُه الثمانيةُ إلى قلوب صغيرة تخفق مع خفقِ قلبِها، وتغدو الأوكاتفاتُ الثلاثةُ أوركسترا كاملا يتناغمُ مع إيقاع روحها. تذوبُ الفِضّة الصلبةُ في دفء أصابعِها حتى تصيرَ نُسْغًا ليّنًا داخل ساق زهرة لوتس ممشوقة القَدِّ ترقصُ على وجيبِ مشاعرها. حين تشاهدُ الفنانةُ "إيناس عبد الدايم" تعزفُ على الفلوت بكل خلجة من روحها، مغمضةَ العينين، إلا من رمقاتٍ خاطفة إلى النوتة الموسيقية وعصا المايسترو، تتأكدُ أن الموسيقى تنهمرُ من السماء؛ فهي صوتُ الملائكة حين تُغنّي، فننصتُ خاشعين. هكذا كانت الحالُ حين استضاف "أوركسترا القاهرة السيمفوني" الفنانة العالمية د. "إيناس عبد الدايم" في مملكة "دولة الأوبرا" التي فتحت أبوابَها بفرح لاستقبال مليكتَها. كنتُ أتأملُ عاشقَ الفلوت "فرانس دوبلر" وهو ينهضُ من رُقاده وينفضُ عنه التراب النمساوي، ويُعدلُ ربطة العنق، ليدخل معنا قاعة المسرح الكبير في دولة الأوبرا المصرية، ويجلس إلى جوارنا، حينما علِم أن موسيقاه ضيفُ الشرف على مسامع المصريين في تلك الأمسية الباذخة يوم السبت ٣ ديسمبر الجاري. وحينما بدأت الفنانةُ المصريةُ "إيناس عبد الدايم" في عزف كونشرتو الفلوت رفقة الفنان الفنلندي "سامي جونيون" وقيادة المايسترو "هشام جبر"، راح يكتم أنفاسَه وجلا وشغفًا. وبعد انتهاء المقطوعة، لمحنا دموعَه بين هدير تصفيقنا. نهض من مقعده واختفى وسط الجموع التي هدرت نحو الِمنصّة تحملُ باقات الزهر لتلقيها تحت قدمي الفنانة الجميلة التي أوحشنا حضورُها المشرقُ في مملكتها، تعزفُ الموسيقى وتعلّمنا قانون الفرح والفن الرفيع. مهامُّها كوزيرة للثقافة تنازعت شغفَها بالموسيقى. لكن الموسيقى دائمًا تنتصرُ. صدّقوا الموسيقى واحذروا من لا يحبُّ الموسيقى ولا تذوبُ جوارحُه مع قراراتها وجواباتها. لهذا احتشد المسرح الكبير بجميع أطياف عشاق الموسيقى من الوزراء والأدباء والإعلاميين والفنانين والجمهور الذي يدركُ أن الموسيقى حياةٌ. المجدُ للموسيقى والفخرُ لصانعيها وعازفيها وذوّاقيها.
“إيناس عبد الدايم" حدوتةٌ مصرية كبيرة. فعدا عن كونها موسيقارة عالمية ترفع اسمَ مصرَ عاليًا في جميع المحافل الموسيقية الدولية، فإنها أيقونةُ "اعتصام المثقفين" حين انتفضنا غضبًا ضدّ الإخوان الذين حاولوا إقالتها من منصبها كمدير لدار الأوبرا المصرية في عهدهم الأسود، ذلك الاعتصام الحضاري الذي انتهى إلى ثورتنا المجيدة ٣٠ يونيو ٢٠١٣. وسوف يشهدُ التاريخُ دائمًا أنها كانت "أول وزيرة ثقافة" امرأة في تاريخ مصر العريق. وهل أجملُ من أن تكون وزيرة ثقافة مصر موسيقارة! هذا يليق بمصرَ لأن الموسيقى تليقُ بمصر صانعة الموسيقى. ثم فتحت البابَ لتعقُبَها وزيراتٌ أخريات كانت الباليرينا الجميلة د. "نيفين الكيلاني" في طليعتهن.
لا أنسى وقوفها على خشبة مسرح المنارة قبل عامين لتعزفَ الفلوت في أوبريت "مصرُ الطريق" الذي كتب موسيقاه الموسيقار "جورج قلته"، وأنتجه رجلُ الأعمال الوطني "منير غبور" لتخليد زيارة العائلة المقدسة لأرض مصر الطيبة في غُرّة يونيو. ونشعرُ بالفخر حيث نجحتُ الدولةُ المصرية في تسجيل ملف الاحتفالات برحلة العائلة المقدسة على قائمة التراث الثقافي الإنساني غير المادي في "منظمة اليونسكو". وهذا امتيازٌ حصريٌّ لمصر دون سائر بلاد العالم، أن تختار السيدةُ مريم العذراء أرضَ مصر تحديدًا لتهرب إليها من بطش الملك الشرير "هيرودس" لتحمي طفلَها السيد المسيح عليه وعلى والدته السلام.
شكرًا لدولة الأوبرا المصرية الساحرة على هذا الحفل الممتع، وشكرًا لأوركسترا القاهرة السيمفوني على أيام "السبت" من كل أسبوع حيث نهرعُ لنتزوّد من فرائد موسيقاهم، وشكرًا على السيمفونية الخامسة للموسيقار النمساوي "جوستاف مالر" التي عزفوها في تلك الأمسية الجميلة. وشكرًا للموسيقى التي تضفرُ أرواحَنا بخيوط التحضر والأخلاق الرفيعة. وشكرًا للدكتور الفنان "مجدي صابر" مدير دار الأوبرا المصرية الذي قدّم لنا كل هذا الفرح والجمال. والشكر دائمًا لمصرَ الحبيبة التي تصنعُ الجمال وتنجبُ النجباء في الموسيقى وغيرها من الفنون الرفيعة.
وقبل أن أختتم مقالي دعوني أخبركم لماذا أسميها "دولة الأوبرا"، وليس "دار الأوبرا". لا تصدقوا أنها مجرد بناية تُقدّم الفنَّ الرفيع وفقط. إنما هي "دولةٌ" مستقلة لها: شعبٌ خاص، ومجلس حُكّام خاص، ونهجُ عيش خاص، ودستورٌ خاص، وقانون خاص، ولغةٌ خاصة. قانونُها: الجمالُ والأناقةُ والتحضّرُ والنظافةُ واحترامُ الإنسان. لغتُها: الفنونُ الراقية، مجلّس حُكّامها: رموز مصر الفنية الرفيعة. شعبُها: جمهور مثقف يتعلّق بأهداب الجمال الهاربة من واقعنا منذ ستينيات القرن الماضي. نلوذُ بدولة الأوبرا حتى نتنفس. شكرًا للموسيقى.
***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اتهامات مفيد فوزي ... وهداياه
- ذوو الهِمَم … أبناءُ الحياة
- ياسين بيشوي … والأخلاقُ في اليابان
- أخبرني الخيميائيُّ: عن طيف التوحُّد Autism
- سرُّ إشراق السير مجدي يعقوب: PPHH
- عيد ميلاد الرئيس … محرابٌ ومذبح
- التنمُّرُ ... قاتلُ المستقبل
- تجمَّلْ بالأخلاق
- طنطا … تصدحُ شِعرًا … وتشدو مددًا
- مصرُ الراهنةُ ... في عيون الأشقاء
- ماذا صرتَ اليومَ يا جوناثان؟
- اِتحضَّر للأخضر … نحو عالَمٍ نظيف COP27
- علبةُ كشري ودرسٌ : الأسطى مختار
- افتتاح مهرجان الموسيقى العربية… إبهارٌ في إبهار!
- أخبرني الخيميائي: الزئبق... القاتلُ الصامت
- جيشُنا المصري… مصنعُ رجال
- اليوم العالمي للفتاة … زهرة الحياة
- شهداءُ مصرَ -المصريون- ... لأجل الوطن!
- جائزة الأولمبياد للرئيس... ويومٌ مع أطفال الرجاء
- عِلمُ بلادي الجميلة: Egyptology


المزيد.....




- بقائي: الجمهورية الاسلامية أكثر حرصاً على الأمن الجماعي للمن ...
- -خطوة تاريخية غير مسبوقة-.. بدء ترميم المقبرة اليهودية في دم ...
- الناطق باسم حركة المُقاومة الإسلامية-حماس- حازم قاسم: الاتصا ...
- بقائي: ينبغي مساءلة الجيران في الجنوب: لماذا انخرطوا هم أنفس ...
- التلفزيون الإيراني: 3 ناقلات نفط أجنبية حاولت عبور مضيق هرمز ...
- مقر قيادة خاتم الأنبياء المركزي: الجمهورية الإسلامية الإيران ...
- مقر قيادة خاتم الأنبياء المركزي: نعتبر تحركات ووجود الطائرا ...
- عراقجي: لن ننسى ولن نغفر استشهاد سيد شهداء الثورة الإسلامية ...
- كواليس توبيخ ترامب لنتنياهو: -الجميع سئم منك حتى اليهود-
- أدلة تاريخية وأركيولوجية: هل وصل المسلمون إلى أمريكا قبل كول ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - دولةُ الأوبرا تحتضنُ مليكتَها