أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبير سويكت - أمادو همباطي با و الصوفية، وحدة الأديان، و رسالة مفتوحة للشباب.4-2















المزيد.....


أمادو همباطي با و الصوفية، وحدة الأديان، و رسالة مفتوحة للشباب.4-2


عبير سويكت

الحوار المتمدن-العدد: 7418 - 2022 / 10 / 31 - 21:42
المحور: الادب والفن
    


عبير المجمر(سويكت).

الجزء الثاني

متابعةً لسلسلة مقالاتى عن أمادو همباطي با هذا العالم الإفريقي أقواله، أفعاله، و فكره الصوفي يكشف لنا عن ان بداخله بحر يفيض بالإنسانية فى أبهى صورها.
إن آدبه الصوفي على الطريقة التيجانية يدفعنا إلى التأمل و التفكر فى الصوفية، تعاليمها، أدبها، و مفهومها.

("إذا كانت الصوفية في الإسلام، و تجربة الصوفية تركز في فهم الإسلام على المحبة، و ليس على القدرة على الحكم فقط")، على حد وصف محمد غوماز وزير الشؤون الدينية و الأوقاف الأسبق لتركية، فى حوار أجريته معه، تحدث فيه عن تجربة ما وراء النهر التركية الصوفية، مضيفًا : ("في تركيا عندنا عالم إسمه سعيد النورسي و هو يقول : المجازات تتحول في أيدي العوام إلى حقائق، و لكن في أيدي العلماء أيضا تحولت إلى حقائق.
و يضيف : المشاكل المنهجية في فهم النصوص و في فهم الدين، و علاقة الإنسان مع الدين و مع الأخلاق").

وفى حديثه لى من خلال حوارنا عن الصوفية، كشف لنا عن تعاملهم و تعاونهم مع بلدان أخرى لتصحيح المفاهيم الإسلامية، ولكن ليس عن طريق أفكار مستوردة ودخيله على حد وصفه ، بل تعاملوا معهم على النحو الآتي على حد قوله : (" عندما ذهبنا الى افريقيا قلنا لهم: عندكم تاريخ عريق وانتم دخلتم الإسلام عن طريق التصوف الصحيح، ونرجو منكم إنشاء هذا التصوف فقط، و عندما دخلنا بلاد روسيا قلنا لهم : في بداية العصر كان عندكم مدارس تجديدية وعندكم أفكاركم، و مؤسساتكم أنتم لا تحتاجون لافكارنا وبهذه الطريقة تعاملنا مع باكستان، وحتى مع العالم العربي ، و عندما جلسنا مع شيخ الأزهر، وقررنا أن نفتح مكتبين لتجديد الافكار الإسلامية والبحوث الاسلامية، وأحد في اسطنبول وآخر في القاهره، وقلنا لهم نحن نرسل العلماء من هنا للقاهرة، و هم يرسلون العلماء لإسطنبول يعني تعاون متبادل.
ولكن بعد الثورة في مصر كل هذه المحاولات فشلت، و أيضاً مع أخواننا في السعودية، و حينذاك كان وزير الشؤون الإسلامية حفيد عبد الوهاب شيخ صالح رجل طيب، جلست معه مرات، وجلست مع علماء السلفية في الرياض، و ألقيت محاضرة أمامهم، فقد طلب مني الوزير التداخل في محاضرة تحريم النساء من قيادة السيارة، حينذاك ناقشت معهم، وقلت لهم : لماذا تحرمون الحلال؟؟؟ من اين لكم هذه الفتوى؟؟؟ من أي آية؟ و من أي حديث؟ فقالوا : سُئل عبد العزيز بن باز رحمه الله عن قيادة السيدات للسيارة فقال : لا يجوز قيادة النساء للسيارة لأنها تؤدي الى المفسده، فقلت لهم : وما المفسده؟؟؟، 
ولكن بعد زيارتهم لترامب، وعندما طلبت منهم زوجة ترامب وغيرهم غيروا فتاويهم، وهذا لا يليق بنا ، و لا يليق بعزة الإسلام. ").
و بأعتبار السيد محمد غورماز من علماء الإسلام الصوفية الذين يدعون إلى السلم و الاعتدال، كشف لنا فى حوارنا معه عن مبادرات عديدة لبسط السلم و الاعتدال لم ترى الشمس، لآنها و جدت حينها معارضة من أكثر من 300 من العلماء الإسلاميين ، و يواصل حديثه قائلًا: كنا قد شكلنا لجنة لكى نطفئ النيران بين الأمة، و أرجو أن تستمعوا لكلمتي باللغة العربية في إيران في أسبوع الوحدة تجاه الشيعة و التشيع، و أيضاً كلمتي في السعودية أمام الملك، و كلمتي عندما ألقيت خطبتي في المسجد الأقصى يعني بعد 60 سنة، و حتي كلمتي في السودان في مسجد النور، و كلمتي و خطبتي في اليمن، و في الكاميرون في ياوندي أيضا باللغة العربية، بكل هذه المفاهيم حاولنا تصحيح هذه المفاهيم و إنشاء التسامح، تسامح جديد").

و بما أني مهتمة بحوار الأديان السماوية و الثقافات الانسانية، و بناء جسر تواصل بين الشرق و الغرب، لذا كنت حضورًا فى مؤتمر الوسطية بالاردن عن الصوفية الراشدة، و هناك التقيت و تعرفت على السيد محمد غورماز رئيس الشؤون الدينية و الاوقاف الأسبق بتركيا، و رئيس معهد التفكر الإسلامي ، رجل كانت له إجتهادته و تجربته و خبرته إبان عمله كرئيس للشؤون الدينية في تركيا، و من هذا المنظور، منظور الخبرات المتراكمة، وددت أن ألتقيه حتى نزود الجيل النابت بالتراث الفكري الإسلامي الصوفي التركي ، و نعلم كل العلم أن الشباب في أمس الحاجه لبناء جسر تواصل بين الشرق و الغرب.
فكان من ضمن حديثه لنا الأتي:("حين ما زارني الباب فرنسيس قلت له :حضرتك أنت أول بابا لأول مرة في تاريخ الفاتيكان يأتي بابا من أمريكا اللاتينية و يصبح بابا في أوربا، و راتسينغر كنا قد زارنا أيضا ، و كان لي نقاش معه، و أنتم أكيد تتذكرون كلمته الصارمة تجاه الإسلام والمسلمين في رينسبورغ ، و أنا كنت قد كتبت ضده حينها َ هذه أيضاً كلمة مهمة، و عندما زارني فرانسيس أيضاً كنت رئيساً للشؤون الدينية، فقلت له : هل عندك مشروع لتأسيس علاقة جديدة بين الأسلام و الغرب و الشرق و التعايش السلمي ؟؟؟ قال نعم : إنتراج ستيك ديالوك، فقلت له : لا هذا مشروع الستينات، بقى في رفوف الفاتيكان، و أنا لا أحب أن أسمع هذا، علينا أن ننشأ علاقات جديدة،أفكار جديدة، و أدب الحوار، و التسامح و التعايش السلمي ،و عندها كتبنا 25 مادة كدستور، و لكن وفدنا ذهب إليهم، و لم يرسلوا وفدا من فاتيكان إلينا و هذه المحاولات أيضاً فشلت. ").

بالطبع، أنا استمعت الى هذا العالم الوسطى التركى، و حاورته، بهدف تعزيز جسر تواصل بين الشرق والغرب ، و على كل حال، أنا شخصيًا تبقى قناعاتي ثابته حول ان الأديان يجب ان لا تصبح نقطة شد و جذب، و آلية تفرقة بين ابناء البشرية، و يجب ان لا تكون ماكينة حروب بين الشعوب، لذلك يجب علينا ان نسعي لاستخلاص أفضل ما فى الديانات الثلاث، و نجعل من الإنسانية حلقة الوصل و التواصل.

و فى الجانب الإسلامي تظل الصوفية هى البوابة الرئيسية للربط ما بين الشرق والغرب، و تقريب الهوه بين الديانات السماوية ، و العلو و السمو بالإنسانية.

كما يحضرني هنا، مقولة العجوز الأفريقي : هناك حقيقتى و حقيقتك، و لكن الحقيقة فى المنتصف. للاقتراب منها، يجب على كل واحد ان يحرر نفسه قليلًا من حقيقته ليخطو خطوة نحو الآخر.

كما يحضرنى في ذات الوقت حديث الأديب الإنساني جبران خليل جبران فى التحرر من “قيود الطائفية” و فلسفة الصعود بالإنسان إلى طور جديد متجه نحو الإنسانية بإعتبارها مسيرة ولادة الإنسان الأسمى، و التطور بالبعد عن التفرقة بأسم الديانات، و تلك المدينة الروحية التي حدثنا عنها، مدينة الأحلام، و كيف يمكن للإنسان أن يدخلها و يصل إليها؟؟؟ ، و هل هي مدينة خيالية؟ أو روحيه لا يمكن للإنسان أن يدخلها إلا من باب الإيمان؟ تلك المدينة الحقيقية و الروحية في نفس الوقت، هي مدينة تدور حول الإنفراد، أي أن على الإنسان أن يعيش تجربة خاصة تجعله يشعر بالجوع و العطش و الوحده حتى يتمكن الإنسان من الدخول إلى هذه المدينة، و الدليل على ذلك ما ورد في الحديث (يدخلها بعض أمتي ).

و من جانب اخر أنا أعتقد أن تلك التجربة الخاصة لا تتمثل فقط فى الجوع، العطش و الوحدة، قد تكون أيضًا تجربة خاصة في التعرض للظلم، القهر، عدم العدالة، عدم المساواة، عدم الحريات، الاضطهاد الطائفي او العرقي، تجربة قاسية مع الإستعمار فى شتى أشكاله، الحروب الاهلية فى العالم، الإبادة الاجتماعية فى مختلف اشكالها…الخ.
لكن "ظلام الصمت المضيء"، يكون فى التحرر من جميع الأحاسيس السلبية، و ردود الفعل الناتجة عن تلك الأحاسيس السالبة بالعفو، الغفران، التسامح، و التسامى بالنفس و العلو بها، كما فعل الزعيم الثورى الأفريقي و تحول من رجل ثورى إلى صانع سلام و تسامح.
ان تلك المرتبة الإنسانية السامية يصل لها الآنسان بعد الانتصار على الصعاب و المحن و مشقة الطريق للوصول لتلك المدينة الروحية الباقية، التي لم تُحجب عن الناس لكن الناس هم من حجبوا أنفسهم عنها، على الإنسان أن يصل إلى مرتبة يتمكن فيها من الوصول إلى هذه المدينة، و أن يشعل "سراجه" إلى أن يصل إليها، إذًا على الإنسان أن يسلك طريقاً داخلياً حتى يصل إلى هذه المدينة الروحية فهي مدينة حقيقية يمكن الوصول إليها، إذا سلك الأنسان طريقها، و هذا الطريق هو طريق الإيمان، و لكنه إيمان مختلف، كإيمان الصوفية المتمثل في العطاء، الفناء و الزهد، التسامح ، العفو، و الغفران…إلخ.

هذه النزعة الصوفية الموحدة بين الأديان، فى مختلف أشكالها و أنواعها: الصوفية الإسلامية، التصوف العلوي الشيعي، و التصوف المسيحي la mystique chrétienne, هى نفسها التى نجدها في مسرحية جبران خليل جبران (أرم ذات العماد)، و مسرحيته الأخرى (النبي) The prophet, فهو يرسل من خلالها رسالة هي: “أنه على الإنسانية أن تصل إلى هذا الطريق” ، و حتى الأشخاص المذكورين في هذه المسرحية آمنه العلوية، نجيب رحمه، زين العابدين بن علي، جبران خليل جبران و الشاعر… إلخ هذه الشخصيات تساعد في مهمة الوصول إلى هذا الطريق المؤدي إلى هذه المدينة الروحية .

كذلك، إرتباط هذه الشخصيات بحدث و قيم دينية معينة، فعلى سبيل المثال :زين العابدين بن علي هو شخصية معروفه عند الشيعة و هو صوفي درويش في الأربعين من عمره، و اختيار جبران خليل جبران لسن الأربعين لأنه عمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، الشخصية الثانية نجيب رحمه و هو مسيحي في الثلاثة و الثلاثين من عمره و هو عمر يسوع المسيح عليه السلام عندما توفي، أما الشخصية الأخرى هي آمنه العلوية و إسمها يذكرنا بإحدى رموز الصوفية “رابعه العدوية” ،و آمنه العلوية هي من طائفة العلويين الشيعة.
أما شخصية زين العابدين بن علي المعروفه لدى الشيعة، و إختيار جبران خليل جبران أن يكون عمر هذه الشخصية أربعين سنة سن نبوة الرسول (ص)، و هنا إشارة إلى كتاب جبران خليل جبران “The prophet” النبي ،حيث أن هذا الكتاب يتضمن كلام هذا النبي و الحاضرون الذين يطرحون عليه أسئلة كثيرة حول مواضيع متعددة : الزواج، الحب، الأبناء، الملبس ،العطاء…. إلخ، و في الكتاب يُقال أن هذا الرجل إسمه المختار المصطفى الشريف (النبي)، و أن هذا الرجل أتى من بلاد بعيدة جداً أي أنه “هاجر” مثل هجرة النبي (ص)، و وجد نفسه في مدينة اورخاليس و باللغة اليونانية معناه “مدينة”، و بدأ يخاطب الحاضرين في شهر يوليو أي شهر الحصاد حيث تكون المقارنة بين الحصاد الحقيقي و الكلمات و الخطاب الذي سيسمعه منه الحاضرين في مواضيع دنياهم.

ثم أن تموس المذكور إله البعث و القيامة في ديانات الشرق الأدني القديم و جميعها أشارت إلى الولادة و النبوة و البعث.

إضافة إلى أن محاولة جبران خليل جبران في رائعته أرم ذات العماد، و اختياره لشخصيات المسرحية من توجهات دينية مختلفة في الشرق الأوسط مسيحيين (نجيب رحمه)،مسلمين شيعة و سنه (زين العابدين، أمنه العلوية… إلخ) كمحاولة للجمع بين هذه الأديان و توحيدها، و هي أحدي تعاليم آمنه العلوية المتمثلة في وحدة الجسد و الروح، و وحدة الوجود، و التدين كحالة استبطانية ،و خلود الحياة، و وحدة الأديان.

كذلك الحكيم الإفريقي أمادو همباطي و رحلته في طلب العلم و التعلم و ثمار تجربته، ملخصًا ذلك فى نصائح و إرشادات فى رسالة مفتوحة للشباب على النحو الأتي :
‎طلابي الأعزاء ،

‎الشخص الذي يتحدث إليك هو من أوائل من ولدوا في القرن العشرين. لذلك عاش وقتًا طويلاً ، وكما يمكنك أن تتخيل ، رأى وسمع الكثير من الأشياء في العالم الواسع. ومع ذلك ، فهو لا يدعي أنه سيد في أي شيء. قبل كل شيء ، أراد أن يكون باحثًا أبديًا ، وطالبًا أبديًا ، واليوم لا يزال تعطشه للتعلم قويًا كما كان في الأيام الأولى.
‎بدأ بالنظر داخل نفسه ، وبذل جهودًا كبيرة ليكتشف ويعرف نفسه جيدًا ، حتى يتمكن بعد ذلك من التعرف على نفسه في جاره ومحبته وفقًا لذلك. إنه يود أن يفعل كل واحد منكم نفس الشيء.
‎بعد هذا المسعى الصعب ، قام بالعديد من الرحلات حول العالم: إفريقيا ، الشرق الأوسط ، أوروبا ، أمريكا. كطالب بلا عقدة أو تحيزات ، التمس تعليم جميع الأساتذة وجميع الحكماء الذين أُعطي للقائهم. استمع لهم بطاعة. لقد سجل كلماتهم بأمانة وقام بتحليل دروسهم بشكل موضوعي ، من أجل فهم كامل للجوانب المختلفة لثقافاتهم ، وبالتالي ، أسباب سلوكهم. باختصار ، كان يحاول دائمًا فهم الرجال ، لأن مشكلة الحياة الكبرى هي التفاهم المتبادل .
‎بالتأكيد ، سواء كنا نتحدث عن أفراد أو أمم أو أعراق أو ثقافات ، فنحن جميعًا مختلفون عن بعضنا البعض ؛ لكن لدينا جميعًا شيئًا مشابهًا أيضًا ، وهذا ما يجب أن نبحث عنه حتى نتمكن من التعرف على أنفسنا في الآخر والحوار معه. لذا فإن اختلافاتنا ، بدلاً من أن تفرقنا ، ستصبح متكاملة ومصدراً للإثراء المتبادل. مثلما يرجع جمال السجادة إلى تنوع ألوانها ، فإن تنوع الرجال والثقافات والحضارات يصنع جمال وثراء العالم. كم سيكون مملاً ورتيبًا عالمًا موحدًا حيث يفكر ويعيش جميع الرجال ، على غرار النموذج نفسه ، بنفس الطريقة! لم يتبق شيء ليكتشفه في الآخرين ، فكيف يمكن للمرء أن يثري نفسه؟
فى عصرنا الملئ بالتهديدات من جميع الأنواع ، يجب على الرجال ألا يركزوا بعد الآن على ما يفصل بينهم ، ولكن على ما يشتركون فيه ، مع احترام هوية بعضهم البعض. دائمًا ما يكون لقاء الآخرين والاستماع إليهم أكثر إثراءً ، حتى من أجل تطوير هوية المرء ، من النزاعات أو المناقشات العقيمة لفرض وجهة نظر المرء.
قال معلم عجوز من أفريقيا: هناك "حقيقتى" و "حقيقتك" ، التى لن تتقابل أبدًا. الحقيقة في المنتصف. للاقتراب منها ، يجب على الجميع أن يحرروا أنفسهم قليلاً من "حقيقتهم" ليأخذوا خطوة نحو الآخر ...
‎أيها الشباب ، آخر مواليد القرن العشرين ، تعيشون في زمن مخيف من حيث التهديدات التي يشكلها للإنسانية ومثيرًا من حيث الإمكانيات التي يفتحها في مجال المعرفة والتواصل بين الرجال. سيختبر جيل القرن الحادي والعشرين لقاءً رائعًا بين الأجناس والأفكار. اعتمادًا على كيفية استيعابها لهذه الظاهرة ، فإنها ستضمن بقائها أو تؤدي إلى تدميرها من خلال الصراعات المميتة. في هذا العالم الحديث ، لا أحد يستطيع أن يلجأ إلى برجه العاجي بعد الآن. إن جميع الدول ، قوية كانت أم ضعيفة ، غنية أم فقيرة ، أصبحت مترابطة الآن ، ولو على الصعيد الاقتصادي فقط أو في مواجهة أخطار الحرب الدولية. سواء أحبوا ذلك أم لا ، فإن الرجال على نفس الطوافة: يأتي إعصار ويتعرض الجميع للتهديد في الحال. أليس من الأفضل محاولة فهم ومساعدة بعضنا البعض قبل فوات الأوان؟
‎إن تكافل الدول ذاته يفرض تكاملاً لا غنى عنه بين الشعوب والثقافات. في الوقت الحاضر ، تشبه الإنسانية مصنعًا كبيرًا حيث نعمل على خط تجميع: كل جزء ، صغيرًا كان أم كبيرًا ، له دور محدد يمكن أن يلعبه والذي يمكن أن يهيئ التشغيل السلسل للمصنع بأكمله.
‎حاليًا ، كقاعدة عامة ، تتعارض كتل المصالح وتمزق بعضها البعض. ربما يكون الأمر متروكًا لكم ، أيها الشباب ، لإحداث حالة ذهنية جديدة شيئًا فشيئًا ، أكثر توجهاً نحو التكامل والتضامن ، على الصعيدين الفردي والدولي. سيكون هذا هو شرط السلام ، الذي بدونه لا يمكن أن تكون هناك تنمية.
‎كانت الحضارة التقليدية (التي أتحدث عنها قبل كل شيء إفريقيا من السافانا إلى جنوب الصحراء ، والتي أعرفها على وجه الخصوص) قبل كل شيء حضارة المسؤولية والتضامن على جميع المستويات. لم يكن الرجل ، مهما كان ، منعزلاً بأي حال من الأحوال. لم نكن نسمح أبدًا لامرأة أو طفل أو مريض أو شيخ بالعيش على هامش المجتمع ، مثل قطع غيار. كان هناك دائمًا مكان له داخل الأسرة الأفريقية العظيمة ، حيث وجد حتى الأجنبي العابر المأوى والطعام. سادت روح المجتمع وإحساس المشاركة جميع العلاقات الإنسانية. طبق الأرز ، مهما كان متواضعا ، كان مفتوحا للجميع.
يتطابق الرجل مع كلمته التي كانت مقدسة. في أغلب الأحيان ، كان يتم تسوية النزاعات سلمياً بفضل "المستهزئ": "الاجتماع معًا للمناقشة ، كما يقول المثل ، هو تهدئة الجميع وتجنب الخلاف". وكان الشيوخ حكّامًا محترمين يراقبون حفظ السلام في القرية. " سلام ! "،" السلام فقط! هي الصيغ الرئيسية لجميع تحيات الطقوس الأفريقية. كان أحد الأهداف العظيمة للتنشئة والأديان التقليدية هو اكتساب كل فرد للسيطرة الكاملة على الذات والسلام الداخلي الذي بدونه لا يمكن أن يكون هناك سلام خارجي. في سلام وسلام فقط يمكن للإنسان أن يبني المجتمع ويطوره ، في حين أن الحرب تدمر في أيام قليلة ما استغرق بناؤه قرونًا
كان الإنسان يعتبر أيضًا مسؤولًا عن توازن العالم الطبيعي المحيط. نهى عن قطع الشجرة بغير سبب ذبح حيوان بغير سبب. لم تكن الأرض ملكًا له ، بل وديعة مقدسة عهد بها الخالق ولم يكن سوى مديرها. هذا مفهوم يأخذ معناه الكامل اليوم إذا فكرنا في الرخاء الذي يستنفد به رجال عصرنا ثروات الكوكب ويدمرون توازناته الطبيعية.
‎بالتأكيد ، مثل أي مجتمع بشري ، كان للمجتمع الأفريقي أيضًا نواقصه وتجاوزاته ونقاط ضعفه. الأمر متروك لكم ، أيها الشباب والشابات ، وكبار الغد ، للسماح للعادات المسيئة بالاختفاء من تلقاء نفسها ، مع معرفة كيفية الحفاظ على القيم التقليدية الإيجابية. حياة الإنسان مثل شجرة كبيرة وكل جيل مثل بستاني. البستاني الجيد ليس هو الذي يقتلع جذوره ، ولكنه الشخص الذي ، عندما يحين الوقت ، يعرف كيفية تقليم الأغصان الميتة ، وإذا لزم الأمر ، ينتقل بحكمة إلى ترقيع مفيد. إن قطع الجذع يعني الانتحار ، والتخلي عن شخصيته والتأييد المصطنع لشخصية الآخرين ، دون أن ينجح أبدًا. مرة أخرى ، لنتذكر القول المأثور: "قطعة الخشب كانت في الماء لفترة طويلة ، وقد تطفو ، لكنه لن يصبح كايمن! »
‎كونوا أيها الشباب ذلك البستاني الجيد الذي يعرف أن الشجرة تحتاج إلى جذور عميقة وقوية لكي تنمو طويلاً وتنشر فروعها في كل اتجاهات الفضاء. وهكذا ، فإنكم ، المتجذرون في أنفسكم ، سيكونون قادرين دون خوف ودون ضرر على فتح أنفسكم نحو الخارج ، في العطاء والاستلام على حد سواء. لهذا العمل الواسع ، هناك أداتان أساسيتان لك: أولاً وقبل كل شيء ، التعميق والحفظ. لغتك الأم ، مركبات لا يمكن الاستغناء عنها لثقافاتنا الخاصة ؛ إذن ، المعرفة الكاملة للغة الموروثة من الاستعمار (بالنسبة لنا اللغة الفرنسية) ، لا يمكن الاستغناء عنها ، ليس فقط للسماح للمجموعات العرقية الأفريقية المختلفة بالتواصل مع بعضها البعض والتعرف على بعضها البعض بشكل أفضل ،
‎أيها الشباب في إفريقيا والعالم ، شاء القدر أنك في نهاية القرن العشرين ، في فجر عصر جديد ، مثل الجسر الذي تم إلقاؤه بين عالمين: عالم الماضي ، حيث تطمح الحضارات القديمة فقط إلى توريث لك كنوزهم قبل أن تختفي ، وكنوز المستقبل ، المليئة بالشكوك والصعوبات ، بالطبع ، لكنها غنية أيضًا بالمغامرات الجديدة والتجارب المثيرة. الأمر متروك لك لمواجهة التحدي والتأكد من عدم وجود انقطاع مشوه ، بل استمرار هادئ وتخصيب حقبة بعصر آخر.
‎في الزوابع التي ستأخذك بعيدًا ، تذكر قيمنا القديمة للمجتمع والتضامن والمشاركة. وإذا كنت محظوظًا بما يكفي لتناول طبق أرز ، فلا تأكله بمفردك. إذا هددتك الخلافات ، فتذكر فضائل الحوار والنقاش!
‎وعندما ترغب في توظيف نفسك ، بدلاً من تكريس كل طاقاتك للعمل العقيم وغير المنتج ، فكر في العودة إلى أمنا الأرض ، ثروتنا الحقيقية الوحيدة ، وامنحها كل رعايتك حتى نتمكن من رسم ما يكفي لإطعام جميع الرجال. باختصار ، كن في خدمة الحياة من جميع جوانبها!

‎قد يقول البعض منكم ، "هذا كثير جدًا لنطلبه منا! هذه المهمة تتجاوزنا! ". اسمح للرجل العجوز الذي أنا أن أعترف لك بسر: تمامًا كما لا توجد حريق "صغير" (كل شيء يعتمد على طبيعة الوقود الذي يتم مواجهته) ، لا يوجد جهد ضئيل. كل جهد مهم ، وأنت لا تعرف أبدًا ما الذي يبدو أنه عمل متواضع سيظهر الحدث الذي سيغير وجه الأشياء. لا تنس أن ملك أشجار السافانا ، الباوباب العظيم والمهيب ، ينبع من بذرة ليست في البداية أكبر من حبة قهوة صغيرة ...



#عبير_سويكت (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فرنسا و الإرث الثقافي الحضاري للعالم العلامة أمادو همباطي با ...
- فيديوهات قتل نيرة وسلمى: تحريض على الجريمة أم ردع لها؟
- قضية نيرة و محمد عادل بين إزدواجية المعايير، و الكيل بمكيالي ...
- ماذا بعد إقرار حميدتي بفشل الحكم العسكري في السودان؟3-1
- نعى السفير السودانى جبير إسماعيل جبير
- خطاب السيسى فى قمة جدة بين طمأنت الخارج، و توجسات الميليشيات ...
- الصمت يغذى القمع، إستمرارية حصاد الأعضاء البشرية القسرى فى ا ...
- تدهور الأوضاع الأمنية بولاية النيل الأزرق بالسودان
- قراءة تحليلية فى خطاب رأس الدولة السودانية عبدالفتاح البرهان ...
- قراءة تحليلية هل خطاب البرهان مأزق أم مخرج؟
- فلنرفع أيدينا سويًا، و رؤوسنا معاً نحو السماء للثورية الوطني ...
- حول مظاهرات 30 يونيو بالسودان.
- وفاة وزير الرى و الموارد المائية بدولة جنوب السودان مناوا بي ...
- حول مقتل أحد أصوات الحقيقة و روح الحرية و الكفاح و النضال ال ...
- حول مظاهرات الكلاكلة بالسودان، و أستمرار إستخدام العنف المفر ...
- إستمرارية الاعتقالات التعسفية بالسودان، تردئ أوضاع المعتقلين ...
- حول أحداث أبو نعامة و الاستيلاء على أراضي المواطنين السوداني ...
- رحيل رجل السلم و السلام سمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئي ...
- حول أحداث مخيم جنين بالضفة الغربية، وفاة الصحفية شيرين ابو ع ...
- حول أحداث مظاهرات الخميس بالسودان و المطالبة بمثول شهود قناة ...


المزيد.....




- فنانون أيرلنديون يطالبون مواطنتهم بمقاطعة -يوروفيجن- والوقوف ...
- بلدية باريس تطلق اسم أيقونة الأغنية الأمازيغية الفنان الجزائ ...
- مظفر النَّواب.. الذَّوبان بجُهيمان وخمينيّ
- روسيا.. إقامة معرض لمسرح عرائس مذهل من إندونيسيا
- “بتخلي العيال تنعنش وتفرفش” .. تردد قناة وناسة كيدز وكيفية ا ...
- خرائط وأطالس.. الرحالة أوليا جلبي والتأليف العثماني في الجغر ...
- الإعلان الثاني جديد.. مسلسل المؤسس عثمان الحلقة 157 الموسم ا ...
- الرئيس الايراني يصل إلي العاصمة الثقافية الباكستانية -لاهور- ...
- الإسكندرية تستعيد مجدها التليد
- على الهواء.. فنانة مصرية شهيرة توجه نداء استغاثة لرئاسة مجلس ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبير سويكت - أمادو همباطي با و الصوفية، وحدة الأديان، و رسالة مفتوحة للشباب.4-2