أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعود سالم - الحرب الأمريكية الروسية في أوكرانيا















المزيد.....



الحرب الأمريكية الروسية في أوكرانيا


سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 7333 - 2022 / 8 / 7 - 14:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


١ - أوروبا لم تتوفر بعد على ما يكفي من الأنقاض كي تزدهر فيها الملحمة - إيميل سيوران

٢ - إن محاولة إنقاذ العالم، أو مجرد التفكير بإمكانية التفكير في هذه المحاولة، يبدو اليوم للعديد من المنظرين السياسيين والإجتماعيين ضرب من الجنون والهلوسة. للأسف الشديد، الوقائع والأحداث تؤيد هذه الإستحالة المادية لتغيير "العالم" وإعطاءه صورة أكثر إنسانية. لا أحد يجرؤ اليوم على التفكير في إنقاذ هذا العالم المترنح، هذا العالم الذي فقد عقله منذ عقود، هذا العالم المزري الذي وصل مرحلة عدم إمكانية الرجوع، أصبح اليوم محكوما عليه بالموت والدمار والإندثار، ولا داعي في نظرنا لتضييع الوقت في إعطاء الأمثلة وتقديم الدلائل على هذا التفسخ المادي والنفسي، حتى لا نقول الروحي، لكل البشرية. "العنف" بكل أشكاله وألوانه، المسيطر على كافة مظاهر الحياة المعاصرة والذي يمكن معاينته بالعين المجردة يكفي لإعفائنا من مهمة تقديم التهم ورفع القضايا والبحث عن الأدلة.

٣ - آخر مظاهر هذا العنف العبثي، وهو عنف منظم تقوم به جماعات منظمة ولها شرعية الدستور والإقتراع والأغلبية، وكل مكونات الطبخات البرلمانية، أي ما يسمى بالدولة والحكومة التي تديرها، ونقصد هنا بطبيعة الحال الحرب الروسية الأمريكية والتي تدور على الأرض الأوكرانية وبواسطة الأوكرانيين الذين يدافعون عن أرضهم، دون أن يدركوا أنهم في نفس الوقت يدافعون عن المصالح الأمريكية ويساندون أمريكا في حربها ضد روسيا. بالإضافة إلى أن ضحايا هذه الحرب الإقتصادية هم الأوكرانيين أولا، حيث دمرت العديد من المدن تدميرا كاملا، وهُجِّر الآلاف من المواطنين هربا من الموت تحت أنقاض بيوتهم.

٤ - نحن ندين كل أنواع العنف وبالذات العنف المسلح، وبالذات العنف العسكري الذي تقوده الجيوش والدول، وبالتالي ندين ونقف ضد كل الحروب بكل أنواعها وأهدافها وأسبابها، وبالتالي ندين كل القوميات والأعلام والحدود والأناشيد الوطنية وكل ما يمكن إستعماله لتبرير وإشعال الحروب بين الشعوب المسالمة والتي لا تطلب سوى العيش والحياة بسلام.
القيصر الروسي يريد حماية مواطنيه من إقتراب جيوش الحلف الأطلسي من حدوده، ويريد أيضا رد الإعتبار لروسيا التي فقدت هيبتها بعد الهزيمة الإيديولوجية التي زلزلت المجنمع الروسي وتسببت في تفكك الإمبراطوية السوفييتية وأعلنت إنتصار الرأسمالية الليبرالية على رأسمالية الدولة. بالإضافة إلى أنه يريد الإستحواذ على ثروات أوكرانيا كما فعل لينين و البولشفيك قبله. غير أنه بدلا من نيستور ماكنو Nestor MakhnoK، الفلاح الثوري والأناركي الأوكراني الذي قاد الثورة ضد الجيش الأبيض القيصري، وضد الجيش الأحمر البولشيفي، هناك اليوم قائد المقاومة الأوكرانية، زيلينسكي، يعبد الرأسمالية ويهتف بالنصر لليبرالية الهمجية الممثلة في الكوكا كولا والآي باد والحصول على بطاقة الإنتماء للحلف الأطلسي لحمايتهم من إخوانهم الروس.

٥ - لثلاثة عقود مضت، كان الفضاء الأوكراني مسرحًا جيوسياسيًا للعديد من الصراعات والمعارك المرئية وغير المرئية، العلنية والسرية، قامت بها الإمبريالية الأمريكية في محاولة للتحكم في المنطقة وذلك بالفصل بشكل قاطع بين الإمكانيات الإقتصادية الصناعية والبشرية الضخمة لأوروبا الغربية، وبين الفضاء الروسي ذا المساحات الشاسعة المليئة بالموارد والثروات المعدنية المتعددة والأراضي الزراعية الخصبة. سبب هذه المحاولات المتواصلة لفرض القطيعة والإنفصال بين أوروبا الغربية والشرقية هو الخوف من إمكانية التعاون والشراكة الإقتصادية بين الفضائين من بريست Brest إلى فلاديفوستوك Vladivostok، وهو الخوف الأساسي الذي كان يهيمن على السياسة الأمريكية ويقود مغامراتها ومؤامراتها السياسية والعسكرية. ولهذا خلقت منظمة حلف شمال الأطلسي North Atlantic Treaty Organization ويُعرف اختصاراً بالناتو، هي منظمة عسكرية دولية تأسست عام 1949م بناءً على معاهدة شمال الأطلسي التي تم التوقيع عليها في واشنطن في 4 ابريل سنة 1949. حيث يشكل حلف الناتو نظاما للدفاع الجماعي عن مصالح الدول الأعضاء وعلى الدفاع العسكري المتبادل رداً على أي هجوم من قبل أطراف خارجية. ثلاثة من أعضاء الناتو، الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا والمملكة المتحدة هم أيضا أعضاء دائمين في مجلس الأمن الدولي، يتمتعون بـ "حق الفيتو" وهي دول حائزة للأسلحة النووية. ويقع المقر الرئيسي لحلف الناتو في هارين، بروكسل، بلجيكا، في حين أن مقر عمليات قيادة حلف الناتو يقع بالقرب من مونس، بلجيكا.
هذا هو السبب في أن الولايات المتحدة كلفت مباشرة، المصرفي الفرنسي جان موني ( ١٨٨٨ ١٩٧٩ Jean Monnet)، بعد نهاية الحرب لهندسة الاتحاد الأوروبي، وذلك لمنع إمكانية وجود محور استراتيجي وإقتصادي بين باريس وبرلين وموسكو، لأن مثل هذا المحور كان سيشكل بدون شك القوة العالمية الأولى، مما يتسبب في نهاية الهيمنة الشمولية والمطلقة للدولار على العالم وإنهيار الحلم الأمريكي في السيطرة على الكرة الأرضية. مشروع الإتحاد الأوروبي كان منذ البداية، وسيلة من وسائل الحلف الأطلسي للسيطرة والتحكم على القارة العجوز.
وبعد انهيار رأسمالية الدولة السوفيتية، لم يتوقف حلف الناتو عن التوسع في البلدان الشرقية من خلال حشد المزيد من الأسلحة والقوات والقواعد العسكرية على حواف روسيا وخاصة في دول البلطيق. تم تفكيك يوغوسلافيا إلى عدة دويلات متناحرة وتم إنشاء المافيا الأمريكية الإسلامية في كوسوفو Kosovo في قلب أوروبا، وذلك للتأكيد على أن أكاذيب وتلاعبات وول ستريت Wall Street ستكون منذ الآن القانون الأساسي والمقدس لدول الإتحاد الأوروبي، والذي تمكن منذ سنة ٢٠٠٤ من أستيعاب العديد من الدول التابعة سابقا للإتحاد السوفييتي. 
لسنوات عديدة، حلف الناتو والعديد من زبانيته وأعوانه من التجار والعسكر والرأسماليين من كل نوع، بما في ذلك أوروبا بروكسل، وهم يطمحون إلى إدخال أوكرانيا إلى الحظيرة الأمريكية وزريبة أوروبا الأطلسية كما هو الحال مع المجر، بلغاريا، رومانيا وسلوفاكيا وغيرها. وهكذا ، فإن المخابرات الخاصة والـ C.I.A، الرأسمالية والبرجوازية الأوكرانية، والعديد من القوى اليمينية واليمينية المتطرفة وبعض الشراذم النازية والفاشية، كل هذا الخليط شارك على نطاق واسع في الإطاحة بالنظام الموالي لروسيا في عام 2014، عن طريق تنظيم ما سمى ثورة Maïdan ميدان التي ساندتها كل القوى"الديموقراطية" الغربية، كما ساندت قبل ذلك بعامين القوى الرجعية الإسلامية الليبية في الإنقلاب على نظام القذافي بواسطة أسلحة وخبراء الناتو وفرنسا. موسكو بطبيعة الحال ردت بوضوح عن هذا التدخل، بدعم السكان الناطقين بالروسية في دونباس - دونيتسك Donbass-Donetsk، وبضم القرم la Crimée، وهي أرض روسية تاريخية منذ القرن الثامن عشر. ثم تم انتهاك بروتوكول هدنة مينسك Minsk لعشرات المرات من قبل كييف Kiev، التي كانت تحت سيطرة البيت الأبيض مباشرة، لمضايقة إستفزازية منهجية منظمة، عسكريا واجتماعيا وثقافيا ضد سكان دونيتسك Donetsk , ولوهانسك Lougansk، كما أستمر تسليم الأسلحة وتسريبها من قبل الناتو إلى أوكرانيا لتحقيق الغرض المنشود وهو إنضمام أوكرانيا إلى التحالف الأمريكي. وفي نفس الوقت، تم رفض جميع الطلبات التي قدمتها روسيا لإجراء مفاوضات شاملة بشأن الأمن الأوروبي ولإعادة النظر في خارطة الحدود الأوروبية، رفض قاطع وماكر بشكل عدواني منهجي.
وهكذا فإن الحرب الحالية في أوكرانيا، ما هي إلا تعبير عن "الوقت الطويل" الذي يحتاجه المنطق التاريخي لتقوية الاصطفافات والتكتلات الإمبريالية الناتجة عن استمرار سياسة الهيمنة الإمبريالية الأمريكية، وسياسة الإنبطاح الأوروبية منذ نهاية الحرب سنة ١٩٤٥ .. . في هذه الأزمة المتسارعة، حيث من الضرورة أن تصبح المنافسة التجارية وحرية السوق حربًا عسكرية، يجب على المرء أن يبحث عن الحقيقة العميقة المدفونة تحت ركام النفايات التي تنتجها وسائل الإعلام المأجورة من قبل السلطات المالية والسياسية، هذه الحقيقة لا يجب أن تختفي وراء الدعاية الكاذبة من طرفي المعادلة.
في هذه الحرب الغبية، تعمل الولايات المتحدة هنا - من خلال استراتيجية مباشرة وغير مباشرة - لإجبار أوروبا للعمل ضد مصالحها الأساسية، وإجبارها على الإنبطاح والطاعة وإعلان الحرب الإقتصادية على روسيا لصالح الرأسمالية الأمريكية التي ستبيع الغاز والبترول لأوروبا. إعلان الشركة الألمانية بأنه لن يتم المصادقة على مشروع الغاز نورد ستريم Nord Stream - 2 يشكل أول انتصار للإمبريالية الأمريكية لفرض رؤيتها وهيمنتها على الإقتصاد والطاقة في أوروبا، وتخلصت ممن سيكون خصمها الرئيسي الوحيد الممكن، أي أوروبا الأوروبية، المتحررة من قيود الإدارة الأمريكية. ولكن هذا يعني أيضا أن الإمبريالية الروسية لها حساباتها أيضا، وقد استغلت العدوانية الأمريكية والأوروبية لإظهار عضلاتها وقوتها العسكرية والنووية وكذلك عدم خوفها من الحرب.
وقد حذر المفكر الأمريكي ناعوم شومسكي Noam Chomsky منذ عام 2015 بأن "فكرة انضمام أوكرانيا إلى تحالف عسكري غربي ستكون غير مقبولة أبدا لأي زعيم روسي" وأن رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى الناتو "لا تحمي أوكرانيا، ولكنها تهدد أوكرانيا بحرب كبرى ". كما حذر السير رودريك لين Sir Roderic Lyne، السفير البريطاني السابق لدى روسيا ، قبل عام من أن "دفع أوكرانيا للانضمام إلى الناتو [...] هو حماقة على كل المستويات." ويضيف "إذا كنت تريد أن تبدأ حربًا مع روسيا ، فهذه أفضل طريقة للقيام بذلك".
ولكن في زمن الصناعة والنقد والأزمات المالية واسعة النطاق، تحريض روسيا بشكل خبيث على غزو أوكرانيا كان نوعًا من الضرورة الحيوية بالنسبة إلى وزارة الخارجية الأمريكية، ضرورة حيوية من أجل التمكن من إخضاع أوروبا العجوز نهائيا؛ لان أوروبا هي أقوى منافس محتمل - وذلك من خلال عزلها عن احتياطيات الطاقة الضخمة الموجودة في الفضاء الروسي، والتطورات والمستلزمات والمبادلات الصناعية والزراعية التي يسمح بها السوق، وبالتالي إخضاعها أكثر من أي وقت مضى لإملاءات سوق أمريكي نهم لا يرحم، وفي نفس الوقت المبادرة بتعزيز العلاقات العسكرية داخل التحالف الأطلسي. وحينما يذهب الرئيس الأمريكي جون بايدن على الحدود البولندية الروسية ويطالب برأس بوتين الدكتاتور، فإنه يقوم بذلك ليس من أجل عيون الأوكرانيين والأوكرانيات، ولكن لمصلحة البنوك الأمريكية وتجار البترول والغاز والسلاح. والنتائج الإقتصادية والإجتماعية والسياسية لهذه الحرب ستقع حصرا على رؤوس الأوربيين، كما تقع القنابل الروسية على رؤوس الأوكرانيين حاليا وفي كل دقيقة. وأمريكا ستحصد الفوائد والأرباح كما هي العادة.
التدهور التاريخي للرأسمالية الخرفاء والمخدرة والذي ما زال مستمرا منذ عقود من المديونية العبثية، والتشبع المفرط للأسواق، والليبرالية المجنونة وإرهاب الدولة المحموم الذي لا هوادة فيه لتحطيم كل إنجازات الطبقة العاملة، التي تم دفع ثمنها مرات ومرات من دم وعرق العمال والعاملات منذ نهاية القرن التاسع عشر، والقوانين الإجرامية ضد المهاجرين والعمال وتفكيك الضمان الصحي وحقوق النساء وحقوق المواطن البسيط في السكن والتنقل والصحة والتعليم، كل ذلك يدخل في معادلة السياسة الأمريكية والأوروبية الرأسمالية في داخل أوروبا الأطلسية، والتي لا تهتم في نهاية الأمر إلا بالربح وفائض القيمة، حيث جميع الثروات العامة للبشرية، من الأرض والغابات والجبال والسواحل والشطوط، إلى البذور وانواع الإنتاج الزراعي، إلى الماء والهواء، كل ذلك أصبح ملكية خاصة للشركات الكبرى، تبيعه للمواطن بالأسعار التي تحددها هذه الشركات. 
بطبيعة الحال لا يمكن علاج هذه الأزمة الكارثية من قبل الذين كانوا السبب المباشر في إنطلاقها. هذا هو السبب الذي يجعلنا نعتقد بأنه لا يمكن إنهاء الأزمة بدون ثورة إجتماعية شاملة. ولا يوجد إلا البروليتاريا العالمية كي تقوم بهذه الثورة، وتقترح بديل حقيقي عن المنظومة الرأسمالية المنفلتة، مجتمع بشري جديد يخلو من الفقر والإستغلال والتسلط، مجتمع بدون دولة وبدون استغلال وبدون مصارف، بدون أعلام وبدون أناشيد وطنية ركيكة، بدون ديكتاتورية تبادل القيمة، بدون حرب اقتصادية، بدون دين الديموقراطية البرلمانية الكاذبة وبدون حرب عسكرية، وأيضا بدون كنائس وبدون مساجد وبدون طبقة دينية ومؤسسات ظلامية تستغفل المواطنين وتدفعهم وقودا لمعارك عبثية لا مصلحة لهم فيها ( لا بقرة لهم فيها ولا خنزير كما يقول الأوربيون، أو لا ناقة لهم فيها ولا جمل كما يقول بدو الصحراء). مجتمع بدون جيوش وبدون عسكر وبدون جنرالات وبدون أسلحة، بدون أعداء وبدون تحالفات إقليمية أو وطنية مبنية على الكذب والخداع والمصالح المتبادلة، مجتمع إنساني بكل بساطة.

٦ - شراسة الدعاية الأوروبية والأمريكية ضد بوتين ورورسيا، أخذت تكتسح تدريجيا جميع المجالات الحيوية من التبادل بين الأمم، من الرياضة إلى السينما والأدب ووصلت هذه الداعية والمقاطعة إلى المجالات الثقافية والفنية، حيث ألغيت العديد من المشاريع الثقافية والمهرجانات السينمائية أو المسرحية الروسية في أغلب أوروبا الغربية. ومؤخرا استقال من منصبه قائد ألأوركسترا الروسي الجنسية Tugan Sokhiev من منصبه ككقائد لأوركسترا الكابيتول في تولوز نتيجة الضغوط التي كان يعانيها من قبل عميد البدية والمجمع السياسي التابع لماكرون.
الدعاية الحربية الأوروبية والأمريكية المطبقة على الصراع الأوكراني الروسي، تتلخص في إلقاء المسؤولية، كل المسؤولية على الطرف الآخر، أي على بوتين وروسيا، دون فحص عواقب السياسات التي سبقته في المعسكر الغربي وبالذات سياسة الحلف الأطلسي والإتحاد الأوروبي التوسعية، ووكذلك سياسة الدولة الأوكرانية الموالية لأمريكا. إن شيطنة الخصم وجعله يبدو وكأنه لا ينتمي للبشرية، هي وسيلة بدائية لإلغاء الخصم وتعديمه وعدم محاولة فهم وجهة نظره وإلغاء إمكانية الحوار، وهذا يزيد من حدة الصراع ومن صعوبة فهم تطوراته المختلفة.
البروباقاندا الأوروبية دخلت مرحلة لا مجال فيها للاختلافات، أغلبية ساحفة من وسائل الدعاية تدق طبول الحرب وتدعوا للمزيد من الدماء والحرائق والأنقاض. الرئيس النائم جو بايدن، استيقظ من غفوته ليدعو بوتين بالجزار والدكتاتور وغير ذلك من النعوت السوقية والتي لا تساهم سوى في زيادة قوة الحريق. وتجدر الإشارة إلى أن أوكرانيا تمتلك ترسانة ضخمة من ألأسلحة، وهذه الأسلحة لم تأت من السماء، ولم تصنع في أوكرانيا، لقد تم تسليح أوكرانيا منذ عام 2014 من قبل أمريكا وفرنسا وبقية أوروبا، وتطلق الحكومة الأوكرانية بانتظام أسلحتها ضد "المشاغبين" في ما يسمى الأراضي "الموالية لروسيا".
لدى أوروبا كما هو معروف معايير مزدوجة صارخة. تخيلوا لو أن بلاد الباسك أو كاتالونيا أو جزيرة كورسيكا أو كاناكي أعلنوا إستقلالهم الذاتي. فما الذي سيحدث، بالتأكيد لن يصفق أحد، وسترسل فرنسا وأسبانيا قواتهم العسكرية لقمع إرادة هذه الشعوب المحتلة والتي ترفض حتى اليوم أن تكون فرنسية أو إسبانية، وهذه هي نفس السياسة ونفس المنطق الذي يريدون تطبيقه في أوكرانيا. متناسين موقفهم المخزي عندما فككت دولة يوغسلافيا وانفصلت عنها أراض مثل كرواتيا وكوسوفو، صفق الجميع لذلك. الدول الغربية أيدت مباشرة ما سمى في ذلك الوقت بإستقلال هذه الأراضي. واعترفت ألمانيا والفاتيكان على الفور باستقلال كرواتيا مساهمين بذلك في تقسيم جثة دولة كانت حتى ذلك الحين موحدة. لكن عندما يكون الأمر عكس ذلك، كما هو الحال هنا مع عدو أمريكا الرئيسي، الذي يدعم الحكم الذاتي لبعض الأراضي التي كانت تتبع أوكرانيا، فإنها الفضيحة والإنفصال والخيانة والإحتلال.
ليس من الواضح ما الذي دفع روسيا لمهاجمة أوكرانيا، باستثناء اعتبار أن بوتين رجل مجنون يريد الهيمنة على العالم. وهناك رسالة من وكالة فرانس برس، الغير محايدة، نقلتها العديد من وسائل الإعلام الأخرى، تثير ما تلومه موسكو على كييف : إبادة جماعية للناطقين بالروسية في دونباس، ووجود جماعات فاشية متطرفة ونازيين جدد في الجيش الأوكراني وطموح زيلينسكي لإمتلاك أسلحة ذرية ... لكن وكالة فرانس برس أكدت بإصرار على أن هذه "اتهامات مجنونة". فهل حقا هي إتهامات مجنونة؟
تشويه صورة العدو هو مبدأ أساسي مستمر إلى حد ما في الدعاية الحربية. كان نابليون مجنونًا، وكان القيصر وصدام حسين وميلوسوفيتش والأسد والقذافي كلهم مجانين، وها هو الآن بوتين بدوره يكمل القائمة.
ومع ذلك ، فإن قضية النازيين الجدد حقيقية للغاية وموثقة من قبل الأوكرانيين أنفسهم. كتيبة آزوف le bataillon Azov المعروفة أيضا باسم الرجال السود، ليسوا من الملائكة، لكنهم نازيون يدعون لتفوق العنصر الأبيض وتنظيف أوروبا وتنقيتها من الشوائب الأخرى. يجب أن نتذكر أيضًا أن بعض الأوكرانيين أظهروا تضامنهم مع ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، هناك جزء من السكان قاتل النازيين، لكن جزء أيد الإبادة الجماعية لليهود وجميع الفظائع المرتكبة من قبل المؤسسة النازية. عندما يقول بوتين "سنقاتل الفاشيين الأوكرانيين"، تعرف روسيا ما تتحدث عنه، رغم أن هذا يظل مجرد حجة لتبرير الهجوم العسكري. هنا أيضًا، جعلت الدعاية الغربية الناس ينسون أن الاتحاد السوفيتي السابق كان أكثر من تعاون في هزيمة ألمانيا النازية. كان واضحًا تمامًا للسكان البلجيكيين في عام 1945، ولكن منذ ذلك الحين، كان للدعاية آثارها الكارثية على ذاكرة الأجيال الجديدة، لا سيما من خلال إنتاجات هوليوود والتي خلقت تاريخا جديدا تخيله بعض المنتجين لمثل هذه البضاعة المسماة بالفن السابع.
نتسائل هنا، كيف يمكننا اليوم تخيل حركة سلام في هذه الظروف وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى التقدمية والمناهضة للحرب ؟ إنه أمر صعب للغاية في الوقت الحالي، إن الوقوف ضد الحرب، يعني بكل بساطة بأنك مع العدو وستعامل عمليا كعميل للعدو. حينما نتسائل عن حقوق الذين يعيشون في منطقة دونباس، مثل أولئك الذين يعيشون في كوسوفو، أليس لهم الحق أيضا في إدارة حياتهم وبلادهم بأنفسهم؟ بطبيعة الحال حين نطرح هذا النوع من الأسئلة نصبح أوتوماتيكيا عملاء ومؤيدين لسياسة بوتين. في حقيقة الأمر كل المعلومات المتداولة في الغرب عن هذه الحرب وتداعياتها هي في النهاية معلومات الناتو.
نحن نعرف اليوم أن قوات الناتو هي القوات تطوق روسيا، وليس العكس ومع ذلك فهناك القليل جدا من الناس الذين يعون معنى هذا الحصار ونداعياته السياسية والعسكرية. وفي الآونة الأخيرة ، لم يكن هناك سوى عدد قليل من المتظاهرين ضد الحرب، الذين لا يدون المساهمة في هذه الحرب العبثية. منذ الحرب في العراق حتى الآن، كان هناك إحباط معين لحركة السلام عموما، ناتج عن عدم فعالية التظاهر كوسيلة للضغط على جنرالات الحرب. التظاهرات الضخمة التي حدثت على سبيل المثال في بريطانيا وإيطاليا، ذلك لم يمنع هذه الحكومات من المشاركة في المذابح، على الرغم من ردود الفعل الشعبية ضد الحرب. الأمر هذه المرة يختلف قليلا، بايدن لن يدخل الحرب بقواته ولن يرسل جنوده لمواجهة روسيا ، ليس لأن بايدن وعد ناخبيه بعدم إرسال القوات الأمريكية مباشرة إلى أي جبهة أثناء ولايته، فذلك مجرد وعد إنتخابي، ولكن لأن تجربة الحرب بالوكالة أثبتت فعاليتها وجوانبها الإيجابية، كما حدث في ليبيا وسوريا واليمن، أي إستعمال البيادق المحلية للقتال لمصلحة أمريكا والغرب، ولقد نجح بايدن إلى حد الآن لجعل المواجهة تنحصر مواجهة أوروبية - روسية.

٧ - إن الوحشية الشديدة للتصور الروسي للسلطة ليست قابلة للنقاش وليست موضع الشك، لكن الأوكرانيين يمكن أن يستاءوا من اللعبة الغامضة والمزدوجة لقادتهم، الذين في كثير من المناسبات ما خدموا المصالح الأجنبية (غالبًا ما ترتبط هذه الخدمة بالفساد الشديد والرشوة، كما هو الحال مع عمدة كييف وغيره). في هذا النص القصير، تجميع لعدد من آراء الإستراتيجيين والدبلوماسيين في الولايات المتحدة الذين حذروا من الخطر الشديد لهذه اللعبة الضارة، وحذروا بأنها ستقود إلى الحرب لامحالة. الشيء الأكثر إثارة للدهشة في أحداث الحرب التي تعيشها أوكرانيا حاليا، هو عدد المفكرين والسياسيين والاستراتيجيين البارزين الذين حذروا لسنوات عديدة من أن هذه الحرب قادمة لا محالة، إذا واصلنا السير على نفس المسار. لم يستمع إليهم أحد وها نحن في وسط هذه الحرب العبثية.
تجميع صغير لهذه التحذيرات ، من كيسنجر Kissinger إلى ميرشايمر Mearsheimer.
- الأول هو جورج كينان George Kennan الذي يمكن القول إنه من كبار استراتيجي السياسة الخارجية لأمريكا ، ومهندس استراتيجية الحرب الباردة الأمريكية. في وقت مبكر من عام 1998 ، حذر من أن توسع الناتو هو "خطأ مأساوي" من شأنه أن يثير في النهاية "رد فعل سيئ من روسيا".
- ثم هناك هنري كيسنجر Kissinger، في عام 2014 حذر من أنه "بالنسبة لروسيا، لا يمكن أن تكون أوكرانيا مجرد دولة أجنبية " وبالتالي يحتاج الغرب إلى سياسة تهدف إلى "المصالحة"، كما كان مصرا على أن "أوكرانيا لا ينبغي أن تنضم إلى الناتو"
- جون ميرشايمرJohn Mearsheimer، ربما الباحث الجيوسياسي الرائد في الولايات المتحدة اليوم - صرح في عام 2015: " يقود الغرب أوكرانيا في مسار ومتاهة بلا خارطة، والنتيجة النهائية هي أن أوكرانيا ستغرق [... ما نقوم به في الواقع هو الإسراع بالوصول إلى هذه النتيجة. »
-جاك إف ماتلوك Jack F. Matlock Jr ، سفير الولايات المتحدة لدى الاتحاد السوفيتي من عام 1987 إلى عام 1991، حذر في عام 1997 من أن توسع الناتو كان " الخطأ الاستراتيجي الأعمق، حيث يشجع سلسلة من الأحداث التي يمكن أن تنتج أخطر تهديد أمني للعالم منذ انهيار الاتحاد السوفيتي."
- أوضح وزير دفاع كلينتون Clinton، ويليام بيري William Perry، في مذكراته أنه بالنسبة له ، كان توسيع حلف الناتو سبب "انهيار العلاقات مع روسيا" وأنه في عام 1996 عارض بشدة هذا التوجه لدرجة أنه فضل الإستقالة.
- جادل نعوم تشومسكي Noam Chomsky في عام 2015 بأن "فكرة انضمام أوكرانيا إلى تحالف عسكري غربي ستكون غير مقبولة أبدا لأي زعيم روسي" وأن رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى الناتو "لا تحمي أوكرانيا ، ولكنها تهدد أوكرانيا بحرب كبرى "
- حذر ستيفن كوهين Stephen Cohen، الباحث المشهور في الدراسات الروسية ، في عام 2014 من أنه "إذا نقلنا قوات الناتو إلى حدود روسيا [...] فمن الواضح أن الوضع سيصبح وضع مواجهة عسكرية، وروسيا لن تتراجع، فهذا أمر يتعلق بوجودها"
- قال الصحفي الروسي الأمريكي الشهير فلاديمير بوزنر Vladimir Pozner، في عام 2018 ، إن توسع الناتو في أوكرانيا غير مقبول للروس، وأنه يجب أن يكون هناك حل وسط حيث "لن تصبح أوكرانيا عضوًا في الناتو".
- في الآونة الأخيرة ، قبل بدء الحرب مباشرة ، كتب الخبير الاقتصادي الشهير جيفري ساكس Jeffrey Sachs عمودًا في صحيفة فاينانشيال تايمز يحذر من أن "توسع الناتو مضلل تمامًا ومحفوف بالمخاطر. يجب أن يدعو الأصدقاء الحقيقيون لأوكرانيا وأصدقاء السلام العالمي إلى تسوية بين الولايات المتحدة والناتو مع روسيا . "
صوت كبار مسؤولي الأمم المتحدة مهمة أيضًا ، حيث يبدو أن العديد من المدافعين عن حلف شمال الأطلسي قد نسوا وجودهم.
- بيل بيرنز Bill Burns ، مدير وكالة المخابرات المركزية CIA، في عام 2008: "دخول أوكرانيا إلى حلف الناتو هو ألمع الخطوط الحمراء لروسيا" و "لم أجد بعد أي شخص يعتبر إنضمام أوكرانيا لحلف الناتو أي شيء بخلاف التحدي المباشر للمصالح الروسية "
- حذر مالكولم فريزر Malcolm Fraser، رئيس الوزراء الأسترالي الثاني والعشرين، في عام 2014 من أن "تحرك الناتو باتجاه الشرق كان استفزازيًا ومتهورًا وإشارة واضحة جدًا لروسيا". وأضاف أن ذلك أدى إلى "مشكلة صعبة وخطيرة للغاية".
- بول كيتنغ Paul Keating ، رئيس الوزراء الأسترالي الأسبق ، في عام 1997: توسيع حلف الناتو "خطأ يمكن أن يصنف في نهاية المطاف ضمن الحسابات الإستراتيجية الخاطئة التي منعت ألمانيا من أخذ مكانها الكامل في النظام الدولي في بداية القرن العشرين"
- وزير الدفاع الأمريكي السابق بوب جيتس Bob Gates في مذكراته لعام 2015: "التحرك بسرعة لتوسيع الناتو كان خطأ. [...] كانت محاولة ضم جورجيا وأوكرانيا إلى الناتو مبالغة حقًا واستفزازًا هائلاً بشكل خاص "
- حذر السير رودريك لين Sir Roderic Lyne، السفير البريطاني السابق لدى روسيا ، قبل عام من أن "دفع أوكرانيا للانضمام إلى الناتو [...] هو حماقة على كل المستويات." ويضيف "إذا كنت تريد أن تبدأ حربًا مع روسيا ، فهذه أفضل طريقة للقيام بذلك".



#سعود_سالم (هاشتاغ)       Saoud_Salem#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة الخلق اليونانية
- أوريفيوس والمثلية
- أي شيء
- عذاب اوريفيوس
- أورفيوس والنزول إلى الجحيم
- عروس البحر
- عودة الدين
- إنبعاث الأسطورة
- أناكسيمين وبداية العقل العلمي
- ورع الذئاب الإلهية
- أناكسيماندر وتحرر العقل
- وخلقنا من الماء كل شيء حي ؟
- طاليس وإختراع الفلسفة
- الخوف من الخوف
- ماهي الفلسفة ؟
- هزيود، الشاعر النبي
- في البداية، كان الشعر
- ليعم الصمت
- مقابلة صحفية مع الله - الحلقة الأخيرة
- مقابلة صحفية مع الله - الحلقة الثانيةَ عَشْرَةَ


المزيد.....




- أكاديمية إيرانية من المنفى تتحدث لـCNN عن اختلاف مظاهرات مهس ...
- أكاديمية إيرانية من المنفى تتحدث لـCNN عن اختلاف مظاهرات مهس ...
- الإيراني الأمريكي محمد باقر نمازي يصل مسقط قادما من طهران بع ...
- مقتل شخصين جراء تحطم طائرة عسكرية في مطار -غاو- شمال مالي
- العام الدراسي: انتقادات -لعدم استعداد- مدارس في مصر لعودة ال ...
- برلين تنتقد واشنطن ودول صديقة على بيع الغاز بـ-أسعار خيالية- ...
- أنقرة تستدعي السفير السويدي على خلفية برنامج بالتلفزيون الحك ...
- السعودية.. ضبط محاولة تهريب كميات ضخمة من المخدرات والكشف عن ...
- قمة إسبانية-ألمانية لبحث أزمة الطاقة
- بوتين يأمر بنقل إدارة محطة زبوروجيه النووية إلى روسيا


المزيد.....

- مسرحية إشاعة / السيد حافظ
- الميراث - مسرحية تجريبية - / السيد حافظ
- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعود سالم - الحرب الأمريكية الروسية في أوكرانيا