أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جلال الاسدي - مثلما تُكيلون يُكال لكم … ! ( قصة قصيرة )















المزيد.....

مثلما تُكيلون يُكال لكم … ! ( قصة قصيرة )


جلال الاسدي
(Jalal Al_asady)


الحوار المتمدن-العدد: 7285 - 2022 / 6 / 20 - 14:29
المحور: الادب والفن
    


محمود … يَعتبر نفسه زوجاً ذكيا .. بل الاذكى بين الأزواج ، وقد دلّه ذكاءه الى أن الكذب خطِر .. وحبله قصير ، وسرعان ما ينكشف .. طال الزمان أم قصر ، وأن الصدق كل الصدق .. أمر مستحيل قد يورد صاحبه موارد التهلكة .. لذلك قرر ان يُمسك العصا من المنتصف .. ويكون نص نص .. أي يُخرج نصف الحقيقة ، ويتستر على النصف الثاني !
مثلا .. عندما يلتقي بأحدى عشيقاته يخبر زوجته بأنه التقى بفلانة في المكان الفلاني ، وحيّته وحمّلته تحياتها الى زوجته والعائلة ، ويخفي النصف الثاني من الحقيقة .. بأنه صحبها الى شقة العزوبية ، وقضوا هناك أوقاتا في أحضان الخطيئة لا تُنسى .
فإن صادف وشاهده أحد معها وأخبر زوجته .. عندها لن يكون كاذبا .. فقد سبق وأن أخبر زوجته عن لقائه بتلك المرأة ..أي أنه يسبق الأحداث ، ويمنع الكوارث والمصائب قبل أن تقع على رأسه .. ذكاء شيطاني .. وفلسفة لا تخطر إلا على بال ابليس !
وهكذا عاش محمود مع زوجته في هدوء .. سعيداً وبدون مشاكل ، ولا منغصات ، ووفق بينها وبين عشيقاته ، اللواتي يرى فيهن جمالاً آخر غير الجمال الذي تتميز به زوجته .. ويستدعي التذوق !
لكن الرجل مهما كان حذراً ، ومهما كان حريصاً ، لابد أن يخطئ يوماً ما ، فهو أولا وأخيراً بشر ، والبشر خطاؤون بطبيعتهم .. وفي لحظة الخطيئة تنام العقول ، وتستيقظ الغرائز ، وتُعمى الابصار والبصائر .. وتصبح الحقيقة مهددة بالعري !
يعود محمود يوماً من احدى مغامراته النسوية .. ! منتشياً .. مزهواً بانتصاراته ، وقد نسي أن الزوجة تدرك بغريزتها الأنثوية عندما يخونها زوجها ويغدر بها .. ربما من علامات قد تبدو بسيطة ، وقد تكون تافهه ، أو ربما من جرعة اضافية من الاهتمام بها ، وتدليلها أكثر مما تعود .. واحدة منها كافية لادانته ، والمرأة لا تمزح في مثل هذه الامور ، ولا يمكن لأحد أن يتوقع ردة فعلها .. فهي تتقلب تقلب الزمان ، وتغدر غدره ، والغبي الذي يعبث معها كأنه يعبث بفم الاسد !
الى أن كان يوم ..
كانت فيه زوجته قادمة من التسوق في أحدى المولات المعروفة .. فقالت له ببساطة ، وبنفس الطريقة الماكرة التي كان يستعملها معها .. انها التقت بصديقه فلان وانه حمّلها له السلام .
هذا هو كل ما قالته بالضبط .. ثم جرت الى غرفة النوم مسرعة كأن ناراً قد امسكت بثيابها .. وصفقت الباب وراءها في عنف .
جُن جنون محمود ..
كأن كل عفاريت الكون تكالبت عليه .. وبدأت ريح الشك تهب عليه بشدة .. لقد فعلت كلماتها به فعل الشرارة في الهشيم .
فهو يعرف أي نوع من الاصدقاء هذا .. انه دونجوان لا يشق له غبار .. تترامى على اقدامه النساء .. سلاحه الفتاك وسامته المفرطة ونذالته ، فهو انسان بلا مبادئ ، ولا يعير اهتماما لأي التزام أخلاقي .. يعتدي على حقوق غيره ببساطة .. فيه من محمود الشبه الكثير ! ألم يكن صديقه ؟ قل لي من هو صديقك .. أقول لك من أنتْ !
لم يطق محمود صبراً .. فلحقها الى غرفة النوم وأخذ يستنطقها ، وقد ذابت نبرة الزهو من صوته .. ثم قال وهو يحاول أن يسيطر على أعصابه ويبدو هادئا :
— ثم ماذا .. ماذا قال .. ؟
قالت في فتور ، وعلى وجهها ظل ابتسامة خفيفة .. كأنها تزيد من اشتعال النيران الملتهبة في قلبه .
— لا شيء .. يبلغك السلام .. لا أكثر !
يسألها بلهفة ، وقد زاد توتره ..
— وبعدين .. ماذا فعلتما .. اين ذهبتما ؟
تواصل كلامها دون ان تبالي بلهفته ولا بذهوله ، وتجيب بلامبالاة وبغموض :
— لا شيء .. كان مجرد لقاء صدفة ..
— هل رفعتِ الكلفة بينك وبينه ؟
تصمت ولا تجيب .. كأنها قد سئمت أسئلته السمجة .. ثم ..
تتركه فريسة تهيؤاته .. يتعذب على نار هادئة .. تغذيها بالحطب بين الفينة والأخرى حتى لا تنطفئ ، ثم تستدير وتلقي بنفسها على السرير ، وعيونها معلقة في السقف كأنها تسبح في أحلامها !
يتحرك فيها احساس يشتد عليها بين حين وآخر .. بأنها قد ظلمت نفسها .. لقد اعطت كل حياتها الى هذا الزوج الخائن المجرم ، ولم تعطي لنفسها شيء ، لماذا لا يكون لها حياة خاصة بجانب الحياة التي اعطتها لزوجها كما تسمع عما تفعله الكثير من الزوجات ؟! لكنها كانت تقاوم هذا الإحساس وترفض الاستسلام له لأنها لا تريد أن تكون رخيصة كما استرخص هو نفسه وتمرغ في وحل الخيانة !
انها تعرف وتحس وتشعر بكل ما كان يفعله زوجها الخائن الجحود الذي لم يحفظ النعمة .. تعرف النصف الثاني من الحقيقة المرة التي يجتهد في إخفاءها .. ليشرب اذن هذا الملعون من نفس الكأس التي كانت تشرب منها ، والبادئ أظلم .. ليتعذب بظنونه وشكوكه واوهامه !
سكتْ محمود .. وكل ما فيه يغلي كالمرجل ..
ثم أخذ يتفرس في وجهها بعينيه الجاحظتين كأنه مجنون .. يبحث عن شيء بدأ يؤرقه ، ويسرق الطمأنينة من قلبه .. وربما النوم من عينيه .. يبحث عن النصف المملوء من الكأس .. عن النصف الاخر من الحقيقة .. عن الصدق !
فلم يجد في عينيها سوى الغموض والفراغ !
ثم أخذ يدمدم مع نفسه ، ورأسه يكاد ينفجر :
الامر واضح وضوح الشمس في رابعة النهار .. فهو يعرف أين ذهبا وماذا فعلا ، ويعرف هذا الوغد جيداً ، وحتى مكان شقته أين يكون ، وكل تفاصيلها شبر شبر ، فلهم فيها معاً سهرات .. وصولات وجولات .. وليالي حمراء .. ولا ليالي الف ليلة وليلة !
ثم يمر به خاطر مفاجئ يعذبه ويكاد أن يطيح به : هل كانت زوجته صيداً سهلاً ؟ ما هذا العذاب ، يا ربي ؟!
ثم رآه بعين خياله كيف يفعل بزوجته مثلما كان يفعل بضحاياه ! يخور كأنه ثور هائج جريح !
القى برأسه على الوسادة في اعياء .. يستجدي النوم .. ظل يتقلب في فراشه ، ولم يزره النوم في تلك الليلة الا قليلا .. وعيناه محمرتان مجهدتان كأنهما عائدتان من الموت .
ثم قال مع نفسه كأنه طفل يهم بالبكاء :
— يا الهي .. ماذا أفعل الآن .. هل أطلقها ويذهب كل في طريقه .. أم أدفع الثمن وأسكت ؟ ويا له من ثمن ؟!
وفي الصباح .. استيقظ وفي نفسه أمر عزم على تنفيذه فوراً ، وبعدها يتخذ قراره .. ركب سيارته وانطلق يبحث عن صديقه هذا ، وفي نيته أن يحطم عظامه ويشوه وجهه .. هذا الوجه الذي يخدع به بنات الناس .. كيف له أن يتجاسر هذا الكلب .. وعلى من ؟ على زوجته هو .. محمود كامل الصياد ! لص يسرق لص .. سيقطّعه ارباً ويشرب من دمه !
وعندما وصل الى العمارة صعد مباشرة الى شقة صديقه .. في قفزات سريعة دون الاهتمام باستعمال المصعد .. واخذ يقرع الجرس بيد ، وباليد الاخرى يطرق على الباب بعنف .. فاحدث ضجيجاً خرج على أثره الجيران .. وكانت المفاجأة .. عندما اخبروه بأن حسام غير موجود .. مسافر منذ شهر ، ولا يعرفون متى يعود .. كأنه لم يصدق .. فقفز الى سيارته ثانية ، وتوجه الى مقر عمل حسام في الشركة ، وسأل عنه فأكدوا له ما قاله الجيران !
عاد الى البيت .. يزفر آلامه .. منهكاً ، وهو في حالة انهيار شبه كامل .. فاستقبلته زوجته فزعة وسألته :
— قلقتني .. أين كنت .. ؟ لقد خلعت قلبي .. وما هذا الاصفرار على وجهك ؟
اجابها ببرود :
— لا شئ ..
ثم القى برأسه في حضنها كأنه طفل يرتمي في أحضان أمه ، حضنته في حنان كأنها فهمت ، واخذت تتمتم :
— شدة وتزول حبيبي .. شدة وتزول ..
لقد فهم كل شيء .. لقد وصلت الرسالة التي ارادت أن توصلها اليه .. ودق عنده جرس الانذار !
قضى يومه كله وهو يفكر .. ثم بدء يشعر بشئ يتململ في صدره كأنه أنين الضمير عندما يصحو ، ويدعوه الى أن يتوقف عن خيانة زوجته ، ويبتعد عن غريزة التملك التي تسيطر عليه !
كيف يمكن أن يستغني عن مثل هذه الزوجة العاقلة الوفية التي تعطيه دائماً أعز ابتساماتها وانظفها ، وهو كلما قلَّب في تفاصيل حياته يجد لها مكانا طيباً فيها .. احس ان كل شيء فيه يستريح ، عقله روحه وجسده ..
وتوصل الى قرار نهائي لا رجعة فيه أن يكون زوجا مخلصا وفيا .. والى الابد .. !
فهل يا ترى سيصدق في وعده ، وهو الذي لا يستطيع ان يعيش بدون امرأة ثانية .. ؟!
الله أعلم .. !!

( تمت )



#جلال_الاسدي (هاشتاغ)       Jalal_Al_asady#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التنور … ! ( قصة قصيرة )
- العين الحمرة … ! ( قصة قصيرة )
- خيوط العنكبوت … ! ( قصة قصيرة )
- حيرة زوجة … ! ( قصة قصيرة )
- لم كل هذه الدموع … ؟! ( قصة قصيرة )
- زوجة .. مع وقف التنفيذ ! ( قصة قصيرة )
- أيامٌ مرَّت وراحت … ! ( قصة قصيرة )
- وكانت أيام … ! ( قصة قصيرة )
- من شابه أباه فما ظلم .. ! ( قصة قصيرة )
- الولد سر أبيه .. ! ( قصة قصيرة )
- الأفعى … ! ( قصة قصيرة )
- زوج .. أبو عين زايغة ! ( قصة قصيرة )
- وداوها بالتي كانت هي الداءُ … ! ( قصة قصيرة )
- في البدء كانت الخيانة … ! ( قصة قصيرة )
- جحلو … ! ( قصة قصيرة )
- العقاب من جنس العمل … ! ( قصة قصيرة )
- فقراء يائسون … ! ( قصة قصيرة )
- الزواج فوبيا … ! (قصة قصيرة )
- رباب … ! (قصة قصيرة )
- غداء رومانسي … ! ( قصة قصيرة )


المزيد.....




- عمر بن لادن، نجل زعيم القاعدة السابق يقيم معرضاً فنياً
- صدور الترجمة العربية لرواية -ما بعد الموت- لعبد الرزاق قرنح ...
- مكتبة البوابة: -كيف تكون مؤثرًا على السوشيال ميديا-
- صدر حديثًا للكاتبة بسمة عبد العزيز، رواية -أعوام التوتة-
- صدر حديثا رواية -ليلة واحدة تكفي- لقاسم توفيق
- فنٌّ عصيّ على الزمن.. عود مارسيل خليفة وقصائد محمود درويش عل ...
- مُحاق
- فيلم -مينيونز- يشعل شباك التذاكر محققا 108.5 مليون دولار
- إحالة الفنان المصري مصطفى هريدي للجنايات
- لاجىء سوري يقدم خدماته الفنية في الصيانة لسكان مخيم لاجئين ب ...


المزيد.....

- المقالة في الدراسات الأدبية الحديثة مفهومها ونشأتها وتطورها ... / ابراهيم محمد
- قراءة في رواية - نخلة وبيت - / هدى توفيق
- دمع الغوالي / السعيد عبد الغني
- كلنا سجناء / رباب السنهوري
- مزامير الاكتئاب وثنائي القطب / السعيد عبد الغني
- رواية راحلون رغما عن انوفهم - الجزاء الاول / صبيحة شبر
- من الشعر نفحات / عيسى بن ضيف الله حداد
- - شعر - قطوف من خارج المالوف / عيسى بن ضيف الله حداد
- المجموعة الشعرية الكاملة في الشعر السياسي / عيسى بن ضيف الله حداد
- المُلحد / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جلال الاسدي - مثلما تُكيلون يُكال لكم … ! ( قصة قصيرة )