أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - ماذا يبقى من -القضايا العادلة-















المزيد.....

ماذا يبقى من -القضايا العادلة-


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 7283 - 2022 / 6 / 18 - 22:41
المحور: الادب والفن
    


بعد 20 عاماً من السجن، سبقها ثلاثون عاماً من التخفي في لبنان وغيره من بلدان الشرق الأوسط قبل أن تعود سراً إلى بلدها اليابان وتعتقل هناك في العام 2000، أفرجت السلطات اليابانية عن إحدى أبرز النصيرات العالميات للقضية الفلسطينية. هذه المرأة التي تحمل، في بلدها الأم، لقب "امبراطورة الإرهاب" أو "الملكة الحمراء"، لها اسمان، الأول ياباني (فوساكو) والثاني فلسطيني (مريم). لا تصعب اليوم ملاحظة هذا التناسب الصريح بين مسار تضاؤل قضية فلسطين ومسار شيخوخة هذه المرأة اليابانية التي تثابر على وضع الكوفية الفلسطينية على كتفيها.
بداية سبعينات القرن الماضي، كانت اليابانية فوساكو شيغينوبو (ابنة ضابط في الجيش الياباني، تحول بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية إلى بائع بقالية) في منتصف العشرينات من عمرها، وكانت منخرطة في الاحتجاجات ضد حرب فيتنام وضد سياسة الحكومة اليابانية في السماح للقوات الأميركية البقاء في اليابان، حين تعرفت على القضية الفلسطينية وانخرطت في الفرع الأممي للجيش الأحمر الياباني وجاءت إلى لبنان لمناصرة هذه القضية العادلة. "في البداية، لم أكن مؤيدة للعرب أو معادية لإسرائيل. لكن (في ذلك الوقت) كان للقضية الفلسطينية صدى فينا، نحن الشباب الذين عارضوا حرب فيتنام والذين كانوا متعطشين للعدالة الاجتماعية". وقد نفذت هذه المجموعة التي ضمت حوالي أربعين مقاتلاً يابانياً، بالتعاون مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عدة عمليات مسلحة في ما أرادوه أن يكون دعماً للقضية الفلسطينية، أشهرها عملية مطار اللد (مطار بن غوريون حالياً)، عام 1972، احتجاجاً على المساعدات اليابانية لإسرائيل، وعملية احتجاز رهائن في السفارة الفرنسية في هولندا في 1974، العملية التي نجحت في تحقيق هدفها بإطلاق سراح أحد عناصر الجيش الأحمر الياباني المحتجزين في فرنسا، وقد حوكمت فوساكو وتمت إدانتها بوصفها المدبرة الرئيسية لهذه العملية.
في حياتها ونشاطها واسمها وثمرة بطنها (الابنة اليابانية الفلسطينية التي "قررت ولادتها تحت شجرة التفاح")، كانت فوساكو ورفاقها نقطة بارزة في ذلك اللون الصارخ الذي تكلم وعبر (وإن بأسلوب عنيف لم يوفر المدنيين) عن وحدة القضايا العادلة في العالم ووحدة أنصار هذه القضايا، غير أن هذا اللون راح يتراجع ويبهت مع الوقت، وراح ممثلوه وحملته يهترئون في القبور والسجون والنسيان، وراحت قضاياهم تضمحل وتتحطم. لا يخفى هذا المعيار العالمي على مراقب.
صحيح أن محصلة ذاك العمل المسلح الذي اتخذ شكل الإرهاب لم تكن في صالح القضايا التي يجري الدفاع عنها، "كانت النهاية قبيحة" كما تقول فوساكو، لكن ذاك العمل كان بمثابة صراخ احتجاج في وجه عالم لا يبالي بالضعفاء، يبطش بالمحتجين ويصعب عليه الاعتراف بحقوقهم أو بسوء أفعاله.
على باب السجن كانت تنتظرها ابنتها "مي" (لأب فلسطيني من قادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حين كانت تنهض قلوب كثيرة لاسم هذه الجبهة)، بباقة من الورد وشال فلسطيني على الكتفين. وكان ثمة بضعة أشخاص مثل زهور في غير موسمها، يمسكون لافتة تشبه اليأس، مكتوب عليها "نحن نحب فوساكو". وعلى باب السجن أيضاً كانت مجموعة من الصحفيين الذين جاؤوا يقطفون من فم السجينة العجوز المحررة جملاً تزين هذا الخبر الهامشي، مثل "تسببنا بآلام لأشخاص أبرياء لا نعرفهم عبر إعطاء الأولوية لمعركتنا"، أو "آمالنا لم تتحقق وكانت النهاية قبيحة". صحفيون، تستعجلهم عناصر شرطة مسلحون بالهراوات، جاؤوا كي يكتبوا "أعربت فوساكو شيغينوبو عن أسفها بسبب الكفاح المسلح لتحقيق مثلها الثورية".
تغادر هذه المرأة سجنها وقد بلغت السادسة والسبعين من العمر، وتقف خارج الأسوار أمام العدسات كأنها علامة احتضار قضية، او كأنها أثر حزين باق من زمن غابر، أو كأنها شاهدة بيضاء على قبر مرحلة. وقد أرادت هي وأمثالها أن لا تنتهي تلك المرحلة كما انتهت. ولكنها فشلت هي وأمثالها، وتقف اليوم بعيون ذابلة أمام العالم وتقول: "أعتقد أن اليابانيين الآن أصبحوا أقل اكتراثا بالقضايا السياسية (...)، وأعتقد أن أفعالي وأفعال آخرين (ثوار يابانيون) ساهمت في ذلك". المغلوب يتأسف للعالم، فيما للغالب أن يصنع معايير الحق والعدالة ويرى إلى ما تسبب به من ضحايا ودمار، على أنه ضريبة ضرورية لمحارية "الإرهاب"، أو منتج ثانوي لصناعة الحق الذي يفرضه على العالم.
لماذا فشلت فوساكو وأمثالها؟ ألم تكن قضاياهم عادلة؟ أم أن قضاياهم انتهت إلى هذا الحال من البؤس والتردي لأنها عادلة ولأن القوى المضادة للعدل هي الغالبة، ولأن الظلم ملح الأرض؟ أم أن المشكلة في أن أنصار القضية يكونون مشبعين بعدالة قضيتهم وغاياتهم إلى حدود تدفعهم إلى التطرف والتهور في الدفاع عنها؟ ولكن ألم يكن عدوهم الذي يسعى إلى خنق قضيتهم أكثر تطرفاً في عنفه ووسائله؟ لماذا ينتصر العدو دائماً؟ أم أن استعمال وسائل العدو، العنف والإرهاب، هو ما قاد إلى ما يجعل سجينة أكل السجن عمرها قبل أن يلفظها عجوزاً، تبدي أسفها على شكل احتجاجها ضد عالم ظالم، فيما لا يتأسف الغالبون في هذا العالم، ويظهرون على أنهم أدنى إلى الحق والعدالة، ويمتلكون القلم الذي يصنف القضايا والنضالات؟ يمكن ويجب على المغلوب أن يتأسف على أفعال حملت الأذى لأبرياء، ولكن لماذا لا يتأسف الغالب؟ وهل يبدو الغالب على حق إذا تأسف المغلوب؟
ليس في هذه الأسئلة دفاع مبدئي عن العمل المسلح، وليس فيه، على نحو خاص، أي ظل من دفاع عن استهداف المدنيين لمناصرة قضية ما، لكنها أسئلة تبحث عن تبديد ضباب الاعتياد وإقلاق راحة التسليم بما يفرضه الغالبون من حيف ومظالم كبرى، دون أن تجد منهم من يأسف لها أو يعتذر عنها أو يقول كما قالت فوساكو، "لقد تسببنا بآلام لأبرياء"، القول الذي يراد له أن يأتي على لسان ضحية لكي يدين عنفاً دون عنف آخر (الاحتلال والاستيطان والقتل والتهجير والقمع ... ) أكثر هولاً واتساعاً، فضلاً عن كونه السبب الأولي لكل عنف تلاه. وكأن الحق يختار، بعد انتهاء الصراع أو انقلاب كفته بوضوح، أن يضرب خيامه في معسكر الغالبين، وكأن الوعي والنفسية العامين تعتادان على قبول الواقع الذي صنعته غلبة الغالبين.



#راتب_شعبو (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ضرورة تأمين قرار الحرب
- المعارضة السورية المؤبدة
- الحرية هي ملمس الياسمين على باطن الكف
- مقطع سوري .. الهوياتية في السياسة خيانة
- عن حدود لقاءات الديموقراطيين السوريين
- الرئاسيات الفرنسية، ماكرون محطة انتظار وتردد
- جورج حوش، يأس نصير الرجاء
- قائد العالم ليس قائد السلام
- التفاوض بدلاً من المصائب
- أوكرانيا، العلة ليست في بوتين وحده
- عن المطلبية والمحلية في احتجاجات السويداء
- تقدير الراحل جودت سعيد
- هل يمكن الخروج من النظام الطائفي؟
- تحية للضعف
- ملاحظات على كتاب -رومنطيقيو المشرق العربي-
- محاكمة أنور رسلان، صرامة القضاء وميوعة السياسة
- في تبعثر الواقع السوري
- ماذا نفهم من قصف مرفأ اللاذقية؟
- ماذا لو كانت مجرد مزحة؟
- في سورية، الصراع الأمني أولاً


المزيد.....




- بالفيديو.. إلهام شاهين تعلن عن نيتها التبرع بأعضائها
- شارع الفراهيدي الثقافي في البصرة.. موطن جديد للكتاب والقراءة ...
- إعادة تعيين ميخائيل بيوتروفسكي مديرا لمتحف -الأرميتاج-
- الأزمة العراقية، الثقافة .. السياسة
- نقابة الفنانين السوريين ترد على حفل محمد رمضان في دمشق
- الكاتب الأوكراني أندري كوركوف: أعيش زمن الحرب بجوارحي وأكتب ...
- مكتبة البوابة: -الصريم- روايةٌ بنكهةِ الأصالةِ
- -الاستبدال الكبير يقع بأعماق البحر أيضا-.. ضجة مستمرة بعد لع ...
- روسيا وأوكرانيا: إلغاء حفلات روجر ووترز في بولندا وسط رد فعل ...
- استشهاد شيرين أبو عاقلة في سجل توثيقي جديد لمؤسسة الدراسات ا ...


المزيد.....

- قميص السعادة - مسرحية للأطفال - نسخة محدثة / السيد حافظ
- الأميرة حب الرمان و خيزران - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- الفارة يويو والقطة نونو - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- قطر الندى - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- علي بابا. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- سفروتة في الغابة. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- فستق وبندق مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- مسرحية سندريلا -للأطفال / السيد حافظ
- عنتر بن شداد - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- نوسة والعم عزوز - مسرحية للأطفال / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - ماذا يبقى من -القضايا العادلة-