أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعود سالم - مقابلة صحفية مع الله - الحلقة الأولى















المزيد.....

مقابلة صحفية مع الله - الحلقة الأولى


سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 7277 - 2022 / 6 / 12 - 15:51
المحور: الادب والفن
    


1

يغمرني إحساس عميق بنوع خفي من الإحباط في هذا الصباح البارد وأنا أراقب الشارع من نافذة المكتب كما أفعل كل يوم منذ سنوات عديدة. وقلت في نفسي بأنه لا بد من أخذ الأمور من زاوية أخرى، الطريق يبدو مسدودا من هذه الناحية أو على الأقل هذا ما يترائى لأول وهلة. يجب الإنتظار وترقب الأمور وهي تتكون والمواقف وهي تتبلور والحياة ذاتها وهي تنمو وتتطور حتى تتوقف فجأة ذات يوم وتبدأ في الخمود حتى تنطفئ مثل عود الكبريت. ومن وراء النافذة ، أراقب المطر وأنتظرالحل الذي قد يأتي أو لا يأتي. ومع مرور الوقت يظهر بوضوح أنه لم يكن هناك طريق ولا معبر ولا ممر ولا نفق ولا جسر من أي نوع ، فهذا الطريق المألوف والذي يمكن تتبعه بكل دقة على الخريطة لا يؤدي في حقيقة الأمر إلى أي مكان، بل أنه ليس طريقا على الإطلاق. إنه مجرد خطوط متعرجة ذات ألوان مختلفة على ورقة مطوية بطريقة يصعب إعادة طيها كما كانت ولا تشكل سوى صورة مسطحة للعالم ولمن يريد أن يتظاهر بالسفر من نقطة إلى أخرى. بقيت واقفا لدقائق أراقب الشارع الذي ما زال خاويا ما عدا بعض السيارات القليلة وبعض العمال المتوجهون لأعمالهم. جلست إلى مكتبي في النهاية ووضعت فكرة السفر في درج المكتب إلى يوم آخر، وطلبت قهوة في إنتظار الإجتماع اليومي للجريدة.
منذ شهرين تقريبا، ظهر رئيس التحرير متبرما كالح الوجه وكأنه سقطت على رأسه صاعقة .. وبدا لنا طوال اليوم غريبا وغير قابل للحوار أو لأي علاقة عمل عادية. وفي صباح اليوم التالي، في الإجتماع اليومي لهيئة التحرير قال لنا بهدوء وهو يحاول الإبتسام: يا جماعة .. الكارثة ليست بعيدة .. الكارثة وشيكة .. الكارثة قادمة لا محالة .. للأسف سنضطر لإقفال الجريدة .. والعطالة مستقبلنا جميعا .. وتوقف عن الكلام ونظر إلى الجميع واحدا واحدا ليأكد أن الخطر يهدد كل واحد منا بدون إستثناء .. وبعد لحظات الصمت الطويلة واصل بهدوء متأكدا من فعل وتأثير أداءه المسرحي: الكارثة هنا أمامنا إذا لم يتغير وضع الجريدة .. إذا لم نتمكن من زيادة عدد القراء .. وعدد الإشتراكات .. والأهم من كل ذلك عدد الإعلانات.. وأخرج كراسة ملاحظاته وبدأ في محاضرة طويلة عن الصحافة وأهميتها في تغيير المجتمع ودورها كسلطة أولية للديموقراطية .. ثم أسهب في تعداد المشاكل الإقتصادية التي تواجهها الصحافة المكتوبة في عصر الإنترنت والصحف الرقمية والتي وصفها بصحافة الهواة مقابل الصحافة الحقيقية .. صحافة المحترفين الذين يحترمون المهنة ويموتون من أجلها .. وانتهى بالكلام عن الفيس بوك وتويتر والمدونات الألكترونية ولعن وجودها وسبب وجودها .. ولعن أبوها وجدها وأصل أصلها. وبعد أن هدأ قليلا وشرب كأسا من الماء ، وجه كلامه إلى كل منا على حده ناصحا بتغيير سياسة الكتابة وتوجهات الكاتب أو مواصلتها والتأكيد على نقاط محددة . كان يبدو أنه متمكن من موضوعه وله خارطة واضحة لكل صفحة ولكل مقالة ولكل باب من الجريدة .. رئيس تحرير يعرف ما يريد .. ويتخيل كل عدد في كل صباح .. وعلينا أن نتفهم ذلك ونحاول تنفيذه حرفيا قدر الإمكان .. لمصلحة الجميع بطبيعة الحال. وحينما وصل إلي توقف أمامي وقال موجها كلامه للجميع : هذا خير مثال لما قلته سابقا ولما يجب أن يتغير في هذه الجريدة. الباب الذي تديره منذ سنوات هو كارثة وفضيحة، من يهتم الآن بالفقراء أو بصراع الطبقات؟ السجن .. بيوت الصفيح .. إضراب الحمالين .. العمال المهاجرين؟ الثورة التي ستسحق البرجوازية في السنوات القادمة، مفاهيم قديمة عفى عليها الزمن، يبدو وكأنك تعيش خارج التاريخ وخارج المجتمع، الفقراء لا يعرفون القراءة وليس لديهم ما يشترون به الجرائد فلمن تكتب؟ .. لقد سميت الصفحة بكاملها " شبردق " والغالبية من القراء لا يعرفون معنى هذه الكلمة .. القارئ يريد أخبارا سارة، مفرحة، مثيرة، مشوقة، ولا يريد أن يتصبح على خراء الدنيا كل يوم .. لا يريد البكاء والنواح والندب على مصير الإنسانية .. القارئ يا عالم ليس مازوشيا.. لا يريد بالضرورة جلد نفسه كل صباح .. وتوقف لحظة يفكر وعلى ملامحه رأيت أنه أدرك للحظة أنه ذهب بعيدا في إنتقاد الصفحة الإجتماعية التي أديرها، وواصل بهدوء هذه المرة: لا أنكر أهمية هذه الأشياء، ولكن الآن يجب تقديمها بطريقة مختلفة.. يجب إيجاد صيغة جديدة .. قالب أكثر جاذبية للقراء .. المقابلات مثلا .. اللقاءات الطويلة نسبيا مع الذين يخدمون المجتمع .. سياسيين ، نقابيين، ناشطين إجتماعيين .. ولم تفاجأني تصريحاته كما لم تفاجئ بقية المحررين الحاضرين، فطوال سنوات عديدة ظل يكرر علينا نفس المحاضرة المملة. وقبل أن يخرج وضع ذراعه على كتفي محاولا إصلاح الأمر كما يبدو وقال لي: أنت تعرف رأيي في نصوصك وتقديري لرأيك السياسي، ولكن الآن هو أمر حياة أو موت الجريدة ، عليك أن تبدل مجهودا إضافيا وتترك أفكارك فيما يخص التغيير إلى فيما بعد.. وقلت له بجد: ولا يهمك أفهم الموضوع جيدا وسأجد بالتأكيد قريبا شيئا يزلزل ويفجر أرقام القراء سأنظم لك محاولة إغتيال للبابا وربما سأحصل لك على مقابلة صحفية مع الله نفسه، وهنا توقف لحظة تم ابتسم ابتسامة واسعة وأشار لي بسبابته قائلا بأعلى صوته ليسمعه الجميع : ذات إز إت ذات إز إت لقد وجدتها والآن إلى العمل .. وضحك الجميع على النكتة السيئة ، غير أنني لم أضحك، لأنني لسبب ما أخذت الأمر بجدية مخيفة، ربما لكي لا أبحث عن شئ آخر وربما ليس المقابلة المستحيلة ذاتها وإنما الفكرة البسيطة المباشرة .. كيف لم تخطر لى على البال من قبل، رغم تواجد الله تواجدا مستمرا في حياتنا الإجتماعية والمهنية، ونتوجه إليه في كل يوم عشرات المرات .. لا يتركنا لحظة واحدة دون أن يدس أنفه المقدس في أمورنا، إنه يحتل عقولنا وقلوبنا وبيوتنا وشراشف أسرتنا ويتدخل في ثنايا كل جزء من حياتنا وفي كل مسامات جلودنا. . هنا بيننا نشرب قهوتنا بهدوء فيرتمي على الطاولة حاضرا بعزته وجلالته حتى قبل أن نجلس: بأسم الله ..الحمد لله .. الله إيخلليك .. الله معك .. لا حول الله .. لا قوة إلا بالله.. يا الله .. إنشاء الله .. على مشيئة الله .. الله أكبر .. الله أعلم .. إنه هنا في كل لحظة كالهواء الذي نتنفسه وملتصق بجلودنا كقملة .. لا سبيل للتخلص منه أو نسيانه ولو للحظة.. فلماذا إذا لا نسأله ونحاوره ونقول له كل ما في صدورنا وكل ما يؤرق حياتنا .. وهو الذي يسمونه السميع المجيب؟ فلابد أنه سيجيب على تساؤلاتنا .. من باب الأدب على الأقل.

يتبع



#سعود_سالم (هاشتاغ)       Saoud_Salem#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لون السماء
- حدود الأبدية
- لعنة الخلود
- فصل في الجحيم
- عن الغبار المعطر
- سيمون دو بوفوار ورواية الموت
- الفوضوية العدمية
- الحياة، كوميديا رديئة الإخراج
- روح الجدية
- شيزوفرينيا
- التحول
- اغنية الحجر
- تشققات
- هزيمة الكلمات المنهكة
- حلم الذئاب المرقطة
- زريبة الوعي
- العبث والطريق المسدود
- الحاضنة
- رسالة من لا مبيدوزا
- ثورة العمال


المزيد.....




- فنانون أيرلنديون يطالبون مواطنتهم بمقاطعة -يوروفيجن- والوقوف ...
- بلدية باريس تطلق اسم أيقونة الأغنية الأمازيغية الفنان الجزائ ...
- مظفر النَّواب.. الذَّوبان بجُهيمان وخمينيّ
- روسيا.. إقامة معرض لمسرح عرائس مذهل من إندونيسيا
- “بتخلي العيال تنعنش وتفرفش” .. تردد قناة وناسة كيدز وكيفية ا ...
- خرائط وأطالس.. الرحالة أوليا جلبي والتأليف العثماني في الجغر ...
- الإعلان الثاني جديد.. مسلسل المؤسس عثمان الحلقة 157 الموسم ا ...
- الرئيس الايراني يصل إلي العاصمة الثقافية الباكستانية -لاهور- ...
- الإسكندرية تستعيد مجدها التليد
- على الهواء.. فنانة مصرية شهيرة توجه نداء استغاثة لرئاسة مجلس ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعود سالم - مقابلة صحفية مع الله - الحلقة الأولى