أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - روح الجدية















المزيد.....

روح الجدية


سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 7260 - 2022 / 5 / 26 - 21:08
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أركيولوجيا العدم
العودة المحزنة للقفص الزجاجي
١٤٣ - الوجودية وروح الجدية

من الضروره إذا العمل على إيجاد تعريف جديد ومعاصر لمفهزم العبثية والعدمية وفكرة السلب عموما، ومعاينة فكرة "روح الجدية" التي تسري في عروق وشرايين الفكر المعاصر، وتفرض السببية والغائية والمعنى والهدف كمكونات أساسية للكينونة، وبالتالي فكرة المتعالي والعلة الأولى والمهندس الكبير والتي تصبح بديهيات وأساسيات لا سبيل للمفاوضة بشأنها، وبالتالي إنعدام أية فرصة لفك الحصار عن العقل المستلب.
"الرجل الجاد" « l’homme sérieux »، كما تسميه سيمون دو بوفوار، الذي يُسحق تحت وطأة حريته، يرسّخ قيمه الأساسية النسبية والمتعلقة برؤيته للعالم في مباديء وقيم عامة عالمية وإنسانية وتصبح من المسلمات والثوابت الأساسية الغير قابلة للنقاش أو التعديل، وذلك من أجل الهروب من فكرة الفشل والهزيمة في مواجهة مسؤوليته في بناء مشروع مستقل لحياته. الهروب من شبح الفشل في مشروع وجوده، هذا الهروب الدائم هو إعتراف ضمني بهذه الهزيمة الوجودية، حيث يكون قد راهن بكل قوته وإمكانياته على حقيقة أزلية وهمية وهي أن الحياة لها هدف وغاية ومبرر، وحياته الشخصية بالذات لا بد من أن يعطيها معنى ميتافيزيقي متعال، وهذا الهروب الجدي يعتبر من أكمل أشكال الفشل البشري.
سيمون دي بوفوار (1908 – 1986) من كبار الفلاسفة الوجوديين، ارتبط نشاطها الفكري مع الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر في النصف الثاني من القرن العشرين وانتجت مجموعة متنوعة من الاعمال بينها دراسات اخلاقية وكتابات فلسفية وسياسية إلى جانب الروايات والقصص وبعض المذكرات والسيرة الذاتية، وآهم أعمالها هو كتاب الجنس الثاني La Deusiém Sexe الذي حللت فيه فكرة الحتمية والقبول السلبي للدور الذي انيط بالمرأة طوال التاريخ من قبل المجتمع وأسست للفلسفة النسائية المعاصرة، وكان الكتاب أول ثورة فكرية نسوية ويبقى حتى هذا اليوم من اهم النصوص الخاصة بالمشروع الثوري التحرري للمرأة. أما في كتابها عن اخلاق الالتباس pour une morale de l ambiguïté، فقد طورت نظرية اخلاقية وجودية أدانت فيها الروح الجدية التي بموجبها يتم تصنيف الاشخاص أوتوماتيكيا وفق بعض التجريدات المتعلقة بالأهداف والغايات التي يعينها المجتمع لكل فرد، متناسين أن الهدف النهائي والأعلى للإنسان هو الحرية، وبذلك تستنتج سيمون دو بوفوار بأن الرجل الجدي « l’homme sérieux » هو إنسان خطِر ومن الطبيعي أن يتحول إلى طاغية.
كرست دي بوفوار معظم اعمالها وحياتها في سبيل فهم المسؤولية الاخلاقية التي ينبغي ان يشعر بها الانسان تجاه نفسه وتجاه المجتمع وبالذات تجاه الأقليات وتجاه المجموعات المهمشة أو المضطهدة، وكانت تعالج قضية المسؤولية الاخلاقية من خلال التظرة الوجودية والمسؤولية الفردية. وقد لقي تحليلها الفلسفي والاخلاقي استجابة واسعة في فرنسا الممزقة ذلك الوقت بسبب نتائج ومخلفات الحرب العالمية الثانية، وبخلاف سارتر، في ذلك الوقت الذي كان يرى بان الصراع هو بين الوجود لذاته والوجود بذاته، أي الصراع الأنطولوجي بين الإنسان والعالم، أو بين الوجود والكينونة، فان تحليلات دي بوفوار للذات الحرة كانت تنصب على المتطلبات الاخلاقية الفعلية لمواجهة حرية الآخر والتعايش مع حرية الاخرين. العالم الخارجي غالبا ما يقدم نفسه كحقيقة موضوعية تسحق الانسان بحتمية القوانين الفيزيائية، بينما يكشف لنا الاخر عن وجودنا كذوات تتمتع بالحرية وبإمكانية الإختيار. وتنتقد مقولة دوستوييفسكي المشهورة " في غياب الله، كل شيء مباح" وتقلب المعادلة، وترى بأنه في حالة وجود الله يصبح كل شيء مسموحا به، لأنه هو الذي يدير العالم والمسؤول عما يجري فيه من أعمال خيّرة أو شريرة، أما في غياب الله، فإن الإنسان هو المسؤول الوحيد عما يقوم به من أعمال ولا سند ميتافيزيقي يبرر أفعاله سوى ضميره. وفي غياب معيار اخلاقي يتوجب على الانسان أن يتحمل مسؤوليته ويساهم في انشاء نظام اخلاقي ملزم من خلال الممارسة الاخلاقية، وهذا الالتزام يتطلب بدوره التزاما تجاه العالم من خلال مشاريع تعبر عن حرياتنا مثلما تعبر عن حريات الاخرين، فالشرط الانساني هو التعالي على العالم وتجاوز الطبيعة من خلال الحرية، وتؤكد دي بوفوار على ان التعالي يتحقق من خلال المشروع الانساني الذي يضع لنفسه اهدافه وقيمه التي يختارها بنفسه مع الآخرين، بدلا من الاعتماد على المصادقة من الخارج على مباديء مسبقة وميتافيزيقية أو غيبية، او تبني معنى جاهزا لقيمة المشروع الإنساني، لذا فان معنى المشروع وهدفه لا يمكن ان ينعزل ولا أن ينفصل عن النشاط أو الفعل الذي يحقق هذا المشروع، لان هدف النشاط الموجه خلال المشروع هو غاية تتأسس من خلال الحرية التي تمنح المشروع شرعيته الإنسانية ومعناه الأنطولوجي. المشروع الانساني الفردي أو الجماعي ينبغي ان ينبع من العفوية الفردية أو من الطاقة الجماعية المنظمة عفويا وبحرية، وليس من قبل مؤسسة او سلطة او أو قوة متعالية، سياسية كانت أم إجتماعية أو إقتصادية أو دينية. لذلك تنتقد بشكل عنيف الروح المطلقة لدى هيغل والتصورات المسيحية بشأن الكائنات المجردة مثل الانسانية او الوطن أو الخير والحقيقة إلخ، والتي تستلزم قمع الحرية او التضحية بها من اجل قضايا تجريدية فضفاضة. فكل النظريات الدنيوية التي تتطلب التضحية بالفرد او تقليص الحرية انما تقلص من حقيقة وكثافة واهمية الوجود الانساني الفردي. في كتاب اخلاق الالتباس الصادر عام 1947 تستمر دي بوفوار في ايمانها بالفكرة الأساسية للوجودية التي أكتشفها سارتر وهي فكرة العرضية أو احتمالية الوجود la contengence بمعنى عدم وجود اية ضرورة لوجودنا ومن ثم ليست هناك ماهية جوهرية أوقيمة او معيار أو برنامج انساني مسبق أو ثابت، بل تؤكد على ان الحرية الانسانية هي التي بمقدورها تصميم وبناء مشروعها الوجودي. ورغم أن الوجودية في الظاهر تؤكد على الوضع المأساوي للانسان الذي يختبر حريته من خلال صراعه مع كينونة الأشياء وثقل العالم الخارجي، غير أنها تؤكد على الحرية الانسانية كمزيج غامض من الحرية الداخلية أو الأنطولوجبة، وبين حتمية الظروف الطبيعية المعطاة في العالم والتي تشكل صخرة سيزيف وثقل العالم الذي نحمله على أكتافنا وبطريقة تقع خارج سيطرتنا ولا يخضع لاختياراتنا، وبالنسبة لنا ولكي نعيش وفق معيار اخلاقي علينا الإقرار بهذه الطبيعة المزدوجة للحرية وان لا نتهرب منها او نتجاهلها بسبب ما يسميه سارتر بسوء النية، بل يجب مواجهة المشكلة التي بموجبها يرغب الموجود الفردي انكار تناقضاته وغض النظر عنها بأعتبارها عدم وعبث ولا معنى لها. فالحرية لا تعني ان تكون مرخصا للقيام بكل ما ترغب فيه، فهناك الحدود الطبيعية والتي حللها سبينوزا منذ وقت طويل، بل ينبغي ان تكون الحرية نابعة من الوعي الذي يفترض هذه الحرية من خلال المشاريع التي نختارها في كل لحظة من حياتنا وهذا يعني بان ما يمنح المعنى لافعالنا ليس مصدر خارجي للقيم مثل الدين أو الفقهاء أو دار الإفتاء أو الكنيسة او الدولة أو القبيلة او الاسرة أو المجتمع، بل الاختيار العفوي الحر لهذه الافعال، وهكذا فنحن نتصرف بصورة اخلاقية فقط في حالة القبول بوزن خياراتنا وما يتبعها من نتائج ومسؤوليات لأن - اختيار الانسان لنفسه اخلاقيا واختياره لنفسه حرا هما نفس الشيء ونفس الإختيار ويتعلقان بالقرار ذاته -

يتبع



#سعود_سالم (هاشتاغ)       Saoud_Salem#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شيزوفرينيا
- التحول
- اغنية الحجر
- تشققات
- هزيمة الكلمات المنهكة
- حلم الذئاب المرقطة
- زريبة الوعي
- العبث والطريق المسدود
- الحاضنة
- رسالة من لا مبيدوزا
- ثورة العمال
- إستحالة الهروب
- الهزيمة
- فعل التكوين
- السلم الطائر
- الكابوس المجوف
- ليلة الإنتظار
- المخطط الخفي
- عدسات المعنى
- الحاضنة الزجاجية


المزيد.....




- شاهد ما رصدته طائرة عندما حلقت فوق أكبر بركان نشط في العالم ...
- اليوم العالمي لمكافحة الإيدز: -رغم سنوات من الوقاية، لا يزال ...
- ميقاتي: نطالب بالتعاون لإنهاء أزمة النزوح السوري ولا يجوز أن ...
- تركيا.. كشف حقيقة ضرب طبيب تركي على يد لاجئ سوري في إزمير
- شاهد: السودانيون الراستا يخوضون معركة للدفاع عن نمط حياتهم
- تندر: كيف يستغل المجرمون تطبيقات المواعدة للإيقاع بالأثرياء؟ ...
- الكشف عن رسائل مفخخة استهدفت رئيس الوزراء وعدد من المنشآت ال ...
- دزن تعليق: مقتل شخصين وفقدان العشرات بعد انهيار أرضي وسط طري ...
- -أزمة أوكرانيا-.. حديث عن شرطين لتحقيق السلام
- استبدال كادر مكتب جهاز المخابرات في مطار بغداد


المزيد.....

- وجهات نظر في نظريات علم الاجتماع المعاصر (دراسة تحليلية - نق ... / حسام الدين فياض
- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - روح الجدية