أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - القداسة بين النص والناص















المزيد.....

القداسة بين النص والناص


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali)


الحوار المتمدن-العدد: 7214 - 2022 / 4 / 10 - 09:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هل فعلا النص الديني مقدس بذاته أي أنه يحتوي العصمة الذاتية من التغيير والمس في أتجاه ما يرمي له وبالتالي قداسته تنبع من كونه لا يقبل أكثر مما طرحه على لسان وعقل السابقين وعلى اللاحق أن يسلم بما وصله كما هو دون محاولة التحرش بالنتائج أو حتى العودة لمعطيات الفهم السلفي الذي يجب ان نسلم به كوحدة واحدة مع النص، السؤال فعلا يثير الاستغراب عندما يربط السلفيون بين فهم النص وبين النص ذاته بوحدة فكرية، النص عالم كوني أخر لا يمكن أن يكون مع الفهم الإنساني في وحدة لعدة أسباب أولا المصدر وثانيا الكيف والكون وثالثا المحل .
في الناحية الأولى مجرد القول بوحدة المصدر لا بد أن نسلم بمقولتين الأولى أن النص بشري بأعتبار أن الفهم بشري وهو مرتبط معه بوحدة المصدر وهذا ما لا يقبله عاقل، أو أن الفهم كوني رباني وبالتالي من شرح فهمه للنص لا بد أن يكون على صلة مباشرة مع الله أما من خلال الوحي أو من خلال طريق أخر، فقط الرسول هو من يتمتع بهذه الخاصية لأن النص يقول بذلك أما غير الرسول فلابد أن يصل للنص أما عقلا أو نقلا عن الرسول، في الشكل الثاني لا خلاف لو وجد الدليل أما القول الأول فالعملية العقلية تنفي وحدة الفهم والنص.
الحقيقة النص الديني مقدس من خلال كونه كلام الله المنزل بالشكل المعروف والمرسوم باللغة العربية وهو معصوم من المس وليس اللمس وحيث أن اللمس معنى يختلف تماما عن اللمس في اللسان العربي فالقدسية تتجسد في معصومية المس وليس في شكلية اللمس ، أي أن يسط المعصومية عند الإنسان يجب أن تكون في حدود المطهرين ولا تتعدى مفهوم المس ومفهوم المطهر وعلينا أن نبحث عن المعنيين في النصوص الأخرى الواردة في القرآن الكريم لما يتميز به من وحدة النسيج الفكري ووحدة التماثل الكيفي في البناء وفي مرادات البناء.
اللمس بحسب المعنى اللغوي هو الإصابة بما به الإحساس من البدن بقصد الإحساس لملموس ، لا خصوص اللمس باليد ، نعم كثير من موارد اللمس ما يكون باليد باعتبار أنها آلة عادية كثيرة الاستعمال وأقوى إحساسا من سائر ما يصح به اللمس من اجزاء البدن، أما المس فهو مطلق الإصابة لا بقصد الإحساس ، ولذلك يكون أعم من اللمس ، ومن موارد المس هو الإدراك والفهم ، ومنه قوله تعالى (( لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ )) (الواقعة:79) ولا يكون المس هنا بمعنى اللمس ، حيث نرى أن المصحف الشريف كثيرا ما يلمسه غير المتطهرين ، ومنه نفهم أن المراد بالمس في الآية هو الإدراك بقصد التأثر والتأثير منه كما في مورد التأثر هنا من موارد المس الإصابة بعارض من الجن وغيره كقوله تعالى (( الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ المَسِّ )) (البقرة:275) وأيضا بذات معنى التأثر في هذا المورد الإصابة بالوسوسة وما أشبه كقوله تعالى (( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُم طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُبصِرُونَ )) (الاعراف:201) والطائف هو الذي يطوف ويدور حول الشيء ، فكأن وساوس الشيطان تدور حول فكر الإنسان وروحه كالطائف حول الشيء ليجد منفذا إليه .
هذا الفهم نجد له مناقض يبتعد عن الحقيقية العقلية ليركز على شكليات فارغة الهدف منها إسباغ القدسية على عموم كونية النص شكلا ومنطوق وروح ليخرج مفهوم المطهرون من الأقتران الواجب (فإن اللمس والمس معناهما متقارب وقد يعبر بأحدهما عن الآخر ، والفرق بينهما دقيق كما بينه الراغب الأصفهاني في المفردات فقال : اللمس : إدراك بظاهر البشرة كالمس ويعبر به عن الطلب ، والمس يقال فيما يكون معه إدراك بحاسة اللمس) .
الفرق بين الفهمين ليس فرقا شكليا فقط في فهم قداسة النص بل يتعدى ذلك إلى مضمونية القداسة نفسها أي فهم معنى القداسة حينما توسع بالمحدود على العكس من منهج المدرسة ذاتها بتقزيم المفاهيم وحصرها في الشكل الظاهري، هنا الفهم خلط بين التقديس والمقدس بين الصفة والموضوع حينما ساوى أو قارب بالمفاهيم على عكس المثال الأول الذي فرق بين التحسس من خلال اللمس والتحسس من خلال طلب الفهم وحينما فرق بين شكلية اللمس وبين موضوعية المس ،نرجع ونقول أن نص المس هنا ذو معنى أعتباري يغوص بذات القداسة ويحصرها بفئة مخصوصة هم المطهرون.
نرجع أيضا هنا إلى معنى المطهرون ،الشائع عند عامة الناس أن القرآن الكريم لا يمسه إلا من تطهر بشروط التطهير الأولى وهي الإسلام والوضوء وما عدى ذلك لا يمكن لأحد أن يمسه أستنادا إلى ظاهر وشكلية النص، الحقيقة علينا أن نفرق بين المعنيين، ففي الآية ذكرت (المطهرون) ولم تذكر (المتطهرون) .....والفرق كبير بين المعنيين.....فالمطهر من طهره غيره ، والمتوضئ أو المغتسل يصدق عليه وصف (المتطهر) لا (المطهر) فلا بد إذن من تحديد أخر لنعرف من هم المسموح لهم بالمس بالمعنى السابق وهو التغلغل فيه والتماس الإدراك منه أي الغوص فيه لإخراج كنوزه القصدية والدلالية كما هو مطلوب.
وقالوا أصحاب المدرسة الشكلية إن الوصف أي المطهرون يليق بالملائكة الذين طهرهم الله بحيث عصموا فلا يفعلون إلا ما يؤمرون، ولا إشكال في كون الملائكة كلهم مطهرون......لأن الملائكة (المطهرون) في الآية في موقع المستثنى، وليس في موقع المستثنى منه الذي هو عام (محذوف) تقديره لا يمسه (أحد) إلا المطهرون فأخرج الملائكة من غير المطهرين الموجودين في عموم (أحد) النكرة المسورة بالنفي، ويراد من غير المطهرين الشياطين تحديدا .....فتكون الآية جاءت لتصحيح وهم شائع في الجاهلية وهو استمداد الشعراء والكهان والعرافين من قرناء لهم شياطين.
الملاحظ أن هذا الفهم الشكلي مرتبط أساسا بفهم ما سبق من المس فهم يشيرون للمس ويقصدون به المس وهم بذلك وقفوا عند معصومية النص شكلا بأعتبار أن الملائكة هم المطهرون الذين مسوا القرآن الكريم أثناء نزوله وإنزاله على الرسول الكريم وتناسوا حقيقة مهمة جدا أن الرسول كبشر في واحد من حالين أما أن يكون مطهر كالملائكة وهو الأحق باللمس والمس أو لا يكون كذلك، في الحال الأول لو كان مطهرا فهو معصوم من ما يطعن بالطهارة لأن المطهر ما طهر غيره لأنه محال عليه أن يكون بحال غير الطهر المطلق ولأنه مصاحب دائم للقرآن عكس الماء الذي هو مطهر وقتي لأن لا أستصحاب دائم معه لما لا يقبل إل الطهارة.
إذا لا معنى هنا أن نجعل الطهارة للملائكة وحدهم وبالتالي فكل من يمس القرآن وجائز له أن يكون مطهر وهذا أطلاق غير واقع أصلا لأن من يمس القرآن عادة هم المسلمون بكل تصنيفهم وتدرج عبادتهم فلا مجال لأن يكون نص المس ونص المطهرون يراد منه الشكل خاصة إذا علمنا أن كل آيات المس تدل على التعمق في الإدراك أو البحث فيه عن شي أو التأثير في شيء، الحقيقة التي يراد منها أن تضيع أن المعصومية معنوية تدخل في ذات النص كمراد وكقصد وغائية وليس شكلا فهو كلام من حيث ما يوصف ويتحسس كما غيره من كلام العرب ذات الحروف وذات البناء وحتى لا يمكن ان نجد كلمة لا تتشابه مع كلام الناس ،إذن محورية قداسة النص ليس في ما يظهر خارجا للناس ، خاصة إذا علمنا أن المطهرون وهم المستثنى من النص يراد بهم طائفة تمتلك معصومية عقلية تتناسب مع المعصومية المعرفية للنص.
الدليل الذي يرجح هذا القول أن سياق العصمة في الآية وبناء على نظام المبنى اللغوي يشير للقرآن الكريم الذي هو في كتاب مكنون ،فالعصمة من المس لا تتصل جوهريا بالكتاب بل بالقرآن ،أراد النص هنا التفريق بين حقيقتين إحداهما شكلية مادية مجسدة في الكتاب الذي أعطاه الصفة المكنونية والمكنون يعني المخفي أو المخزون وبين القرآن الكريم ،المس حتما سيقع على القرآن واللمس سوف يقع على الكتاب ومن هذا التفريق علينا أن نستدل أن العصمة الأصلية تعود للنص والعصمة الأعتبارية تعود لشكل النص التي سطرت في الكتاب ، هذه الحقيقة تقودنا إلى فهم معصومية النص على أنها التعرض بالعبث في مرادات النص خارج أختصاص المطهر وبالتالي كلما حضر معنى منقول عنه لا مساس به ولا عبث بمقتضياته ،أما من غير ما جاء به المطهر علينا أن نتبع ذات منهجه الخاص بالمس دون أن نتجاوزه أو نتساوى فيه بدرجة اليقين في التعامل.
هذه المعصومية للمطهر أيضا لا تعني ترك الاجتهاد ومحاولة إيجاد فهم جديد، الله تعالى يقول (ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) الأخذ بما أتى به الرسول واجب عيني وترك ما نهى عنه أيضا واجب عيني وكل ما ورد وأتى به يحض على طلب العلم والتدبر والتفكر في العلم والمقصود هنا العلم المطلق (أطلب العلم من المهد إلى اللحد) هذه الوصية تتعارض تماما مع أسس الفهم السلفي للنصوص وتتعارض مع منهجهم بالتعرف على رؤية حقيقية للعالم جديدة ومتجددة ،لكنها تفتح بابا عريضا وواسعا للبحث عن كمنهج المطهر في كيفية تدبره للنص وهذا واحد من مقاصد ومصاديق الوصية.



#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)       Abbas_Ali_Al_Ali#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدين في لعبة الإنسان الأنانية
- وهم غودو الديني
- هل الدين قابل للديمقراطية كمقهوم تواصلي؟
- مقارنات في شكلية الأساطير ومصدرها
- أسطورة الخلق الأولى في الثقافات القديمة
- التدين والاخلاق الاجتماعية اولوية أم تزاحم؟
- الدين خيار بشري فطري ح3
- الدين خيار بشري فطري ح1
- الدين خيار بشري فطري ح2
- رغبة الله ورغبة البشر ح1
- رغبة الله ورغبة البشر ح2
- هل من بديل روحي للدين؟
- المسافة بين الدين والتدين والاعتقاد التسليمي ح13
- وجدانيات
- المسافة بين الدين والتدين والاعتقاد التسليمي ح1
- المسافة بين الدين والتدين والاعتقاد التسليمي ح2
- الدين بين الحد الإنساني والمسلم الأخلاقي
- في أصل الصراع الوجودي من وجهة نظر الدين ح1
- في أصل الصراع الوجودي من وجهة نظر الدين ح2
- نظرية المزاحمة والإزاحة في الفكر المعرفي الإسلامي


المزيد.....




- الآلاف يشيعون الشيخ القرضاوي إلى مثواه الأخير
- الفاتيكان: النزاع في أوكرانيا يقترب بالعالم من حرب نووية
- ماذا بقي من الدين في بريطانيا العلمانية؟ انتقال العرش يثير أ ...
- عون يسلم فرقة «مياس» وسام الاستحقاق اللبناني المذهب
- السيد الحوثي: الهجمة الغربية المعادية للإسلام تسعى للإساءة ل ...
- هذا ما تفعله قوات الاحتلال داخل المسجد الاقصى المبارك
- المساعد السياسي لوزارة خارجية حكومة طالبان في افغانستان يشيد ...
- قائد حركة أنصار الله في اليمن السيد عبد الملك الحوثي: الهجمة ...
- فصائل المقاومة على أهبة الاستعداد للقيام بواجبها لتلبية نداء ...
- الموت في قتال أوكرانيا يغسل كل الذنوب.. -فتوى- لزعيم الكنيسة ...


المزيد.....

- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار
- جدل التنوير / هيثم مناع
- كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم / كامل علي
- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني
- Afin de démanteler le récit et l’héritage islamiques / جدو جبريل
- مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام حكم؟ / سيد القمني
- هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة / سيد القمني
- انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح / سيد القمني
- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - القداسة بين النص والناص