أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعيد العليمى - مقاربة ماركسية لعلم النفس والطب النفسى – جوزيف ناهيم















المزيد.....



مقاربة ماركسية لعلم النفس والطب النفسى – جوزيف ناهيم


سعيد العليمى

الحوار المتمدن-العدد: 7167 - 2022 / 2 / 19 - 23:29
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تعتبر الماركسية علم النفس والطب النفسي علوما شابة معقدة وهى تتأثر بشدة بطبيعة المجتمع . وتسهم الماركسية فى هذين العلمين بتطبيق المادية الجدلية والمادية التاريخية على دراستهما وتطورهما . ان النقد الماركسي لعلم النفس والطب النفسى فى ظل الرأسمالية يعين الأثر الضار الشديد عليهما من أيديولوجية الطبقة الرأسمالية فى عدد من المجالات : نظريات معاداة الطبقة العاملة ، النزعة العرقية ، ،الشوفينية القومية ، التمييز الجنسى ، نظريات الطبيعة البشرية الشريرة الثابتة فضلا عن نظريات زائفة أو أحادية الجانب . يفترض أن تقدم الإشتراكية بيئة صحية للتطور النفسى للفرد ولتوظيف علم النفس والطب النفسى لغايات علمية وإنسانية .
ربما كان علم النفس أشد العلوم تعقيدا . فعلى علم النفس مثله فى ذلك مثل العلوم الأخرى ، أن يكتشف القوانين التى تحكم أصل ، وتطور ، وإشتغال المجالات النوعية لدراسته ، أى العقل الإنسانى ويظهر تعقيده من حاجته إلى تناول الملامح الكبرى الآتية .
فعلى علم النفس أن يدرس العقل الإنسانى فى كل من حالته العادية أو غير العادية . وهو من ثم يرتبط بوثوق كما يعتد جزئيا على الطب النفسى .
يرتكز العقل الإنسانى على المخ الذى ينتجه مع النظام العصبى المركزى ، الذى يعمل وفق قوانين فيزيقية ، وكيميائية ، وبيولوجية ، وفسيولوجية . وبالنسبة لعلم النفس فمن الهام على وجه الخصوص دراسة القوانين الفسيولوجية التى تتعلق بالنشاط العصبى . ومن ثم فمن الجوهرى لعلم النفس دراسة الأفعال المنعكسة الشرطية وغير الشرطية ، الإثارة ، والكبت ، التحليل والتركيب ، التعميم ، النمط الدينامى ، النظامين الإشاريين الأول والثانى ، وما إلى ذلك .
حيث أن الكائنات الإنسانية هى نتاج تنام تطورى ، كما أشار داروين ، فإن دراسة سلوك الحيوان تلقى ضوءا هاما على الفعالية السيكولوجية للإنسان . فمن ثم فإن علم نفس الحيوان متصل بعلم النفس الإنسانى .
العقل الإنسانى هو انعكاس للعالم الطبيعى والإجتماعى الخارجى . و ينتج هذا الإنعكاس داخل الأفراد فى مجرى نشاطهم فى العالم . ومادام النشاط الإنسانى إجتماعى بصفة أساسية فإن إعتماد علم النفس الإنسانى على العالم الإجتماعى وعلى النشاط الإجتماعى للفرد لذو مغزى عميق . و لايمكن لعلم النفس بالفعل أن يكون علميا حقا إلا عندما يكشف القوانين التى تحكم علاقة علم النفس البشرى بالمجتمع الإنسانى . ومن أجل إكتشاف هذه العلاقة فإن تحليل المجتمع علميا يعد أمرا حيويا . إن دور الطبقة ، والعرق ، والجنس ، والعمل ، والحياة الأسرية والزواج فى كل مجتمع يتعين أن يعرف ، ولابد من أن تفهم قوانينه ، على أن نضع فى إعتبارنا أن هذه القوانين تختلف فى المجتمع الرأسمالى عن المجتمع الإقطاعى أو الإشتراكى .
ان الإنعكاس الإنسانى ليس إنعكاسا سلبيا للبيئة والمجتمع . إنه ينتج فى مجرى النشاط الإنسانى ويرشد السلوك وعلى ذلك فحين ندرس النشاط والسلوك الإنسانى فى أشكاله المتعددة فذلك ضرورة سيكولوجية .
إن للنفسية الإنسانية قوانينها الخاصة وظواهرها النفسية الخاصة . وهى تتضمن الوعى و الأحاسيس ، الإدراك ، الوعى ، التصور ، الذاكرة ، الإنتباه ، التعلم والذكاء .
والبشر يتصرفون على مستويين واع وغير واع . والوعى الإنسانى حاسم فى فهم النفسية الإنسانية . كيفما كان الأمر فإن دور العمليات الذهنية غير الواعية لابد وأن يحدد علميا .
إن البشر ليسوا كائنات تفكر وتفعل فقط ، إن لديهم أيضا مشاعر وعواطف . وتدخل هذه المشاعر فى وتتفاعل مع الفكر والسلوك . كما أن دراسة الوجدان الإنسانى تعد أمرا لازما لعلم النفس .
إن علم نفس الفرد يحدده تاريخ الفرد النفسى وعلاقاته الإجتماعية . ومن ثم يتعين على علم النفس أن يدرس تشكل عقل الفرد وحالته الراهنة فى ضوء مجتمع هذا الفرد ، وجماعته ، خلفيته القومية والعرقية ، جنسه ، دينه ، ووضعه الإقتصادى .، تنشئته الأسرية ، تعليمه ، نشاطه فى العمل ، علاقاته بأقرانه ، الحب وعلاقته الزوجية ، وعيه الطبقى ، روابطه التنظيمية ، نظراته ومواقفه . ونظرته الفلسفية . يتطلب علم النفس مقاربة إجتماعية – تاريخية ثقافية لعقل الفرد وسلوكه .
إن تعقد علم النفس بوصفه علما تسمه حاجته لدراسة التطور الإرتقائى ، وعلم نفس الحيوان ، الفسيولوجيا والطب النفسى . علم الإجتماع والسيكولوجيا الإجتماعية ، مع القوانين النوعية للإشتغال النفسى الإنسانى . ( ويتضمن ذلك الإدراك ، العاطفة ، والسلوك ) ولقوانين تطور سيكولوجية الفرد . ليس علم النفس علما مركبا متعدد الجوانب ، إنه أيضا علم شاب . لقد ظهر علم النفس كعلم مستقل فى فى الجزء الأخير من القرن التاسع عشر . وفى مجالات معينة ، خاصة فى تلك التى ترتبط بالعلوم الطبيعية مثل الفسيولوجيا ، حقق علم النفس تقدما مرموقا . كما أحرز تقدما هاما أيضا فى دراسة الإحساس ، والإدراك ، والذاكرة . دور الكلام واللغة جرى فهمه بشكل أكثر مرضاة مؤخرا . مه ذلك جرى تقدم بطئ نسبيا فى مجالات مثل الشخصية ، السيكولوجيا الإجتماعية ، التعلم ، العاطفة، طبيعة العمليات غير الواعية ، وطبيعة علاج المرض العقلى . وبسبب تعقده وحداثته فهناك تطور غير متساو فى جوانبه .ولكن تقدم علم النفس قد تأثر بشكل حرج وأساسا بصورة سلبية ، بسبب القوى الإجتماعية والطبقية . لقد نشأ وتطور علم النفس فى فى مجتمع رأسمالى ، فى مجتمع طبقى . فى كل المجتمعات الطبقية فإن النظرات المهيمنة إجتمعيا ، وثقافيا وسياسيا هى تلك التى تعبر عن الطبقة المهيمنة .
فى ظل الرأسمالية تطور الطبقة الرأسمالية السائدة أيديولوجية تخدم مصالها . ومادامت العلوم الإجتماعية والسلوكية تمارس تأثيرا قويا على تفكير الناس فإن هذه العلوم يجرى إختيارها لخدمة المصالح الأيدلوجية للرأسمالية . نجد فى الولايات المتحدة أ تاريخ علم النفس متشبع بنظريات غير علمية وممارسات تتعلق بالعاملين ، السود ، الأقليات القومية ، النساء ، وبصفة أعم ، طبيعة الكائنات الإنسانية . النزعة العرقية ، الشوفينية ، التمييز الجنسى ، والأفكار المعادية للطبقة العاملة قد شغلت مكانا كبيرا فى علم النفس والطب النفسى .
أضف إلى ذلك فإن دراسة المجالات السيكولوجية الحرجة ، مثل الذكاء ، والسلوك ، والداف ، واللاوعى ، النشاط الإجتماعى ، العواطف ، المرض العقلى قد شوهت وزيفت من قبل الطبقة القوية والتأثير العرقى . وبالرغم من أنه ليس هناك من إنقسام يوصف ب " علم نفس رأسمالى " و " علم نفس ماركسي " ، فإن للماركسية إسهامها المعتبر فى تطوير علمى النفس والطب النفسى . وفى فهم دورهما ومغزاهما الإجتماعى .
ويمكن أن نرصد إسهامات الماركسية فى أربع مجالات : (ا ) مقاربة المادية الجدلية الماركسية للعلوم بصفة عامة ولعلم النفس والطب النفسى بشكل نوعى ، ( ب ) المقاربة المادية التاريخية الماركسية للمجتمع ولتطور الكائنات الإنسانية .( ج ) النقد الماركسى لعلم النفس فى الولايات المتحدة و ( د ) إسهام الماركسية وعلماء النفس الماركسيون لعلم النفس .
المادية الجدلية وعلم النفس
العلماء بمن فيهم علماء النفس والأطباء النفسيين إما غير مبالين بالفلسفة أو يتبنون فلسفة دون أن ينتبهوا لعلاقتها بعملهم العلمى . أشار فريدريك إنجلز أحد مؤسيي الماركسية لهذه الظاهرة ( 1 ص ص 183 - 184 ) :
يعتقد العلماء الطبيعيون أنهم قد تحرروا من الفلسفة بتجاهلها أو بإساءة توظيفها .وهم لايستطيعون وكيفما كان الأمر أن يشقوا طريقهم بدون فكر وحتى يفكروا يلزمهم تحديدات فكرية . ولكنهم يأخذون هذه المقولات بدون تأمل من الوعى العام لمن يسمون المتعلمون ، المحكوم بآثار فلسفات عفا عليها الزمن ، أو من قليل من الفلسفة التى يجب أن ينصت لها جبرا فى الجامعات ( التى ليست بمثابة شظايا فقط وإنما أيضا تنويعة من النظرات تنتمى لأشد ها تنوعا من أسوأ المدارس ) أو من قراءة غير نقدية أو منهجية للفلسفة بكل أنواعها . ومن ثم فهم ليسوا بدون إرتباط بالفلسفة ، وإنما لسوء الحظ فى معظم الأحوال بأردأ فلسفة ، وأكثر الذين يسيؤن توظيف الفلسفة هم عبيد تحديدا لأسوأالآثار المبتذلة لأسوأ الفلاسفة .
لاتحل الفلسفة ولايمكن لها أن تحل بالطبع محل العلم . كل علم ، بما فيه علم النفس ، لابد أن يدرس مجالاته النوعية بمناهج علمية حتى يستطيع أن يكشف القوانين الأساسية للظواهر فى هذه المجالات . على أى حال تمارس الفلسفة تأثيرا قويا على طبيعة البحث الذى يقام به ، إنشاء فرضيات جديدة ، وتفسير النتائج العلمية ، وتطوير النظريات . لقد تم التوصل لنظرية داروين فى التطور فقط بعد أن تمكن داروين من أن يفسر بصواب المادة العلمية التى جمعها وأن يطور نظرية علمية نقضت النظرية التوراتية .
كما أن الفلسفة تؤثر أيضا فى المنهج المستخدم فى البحث العلمى . أغلب أبحاث السلوك فى الولايات المتحدة محكوم بمنهج تصميم البحث والإحتمالية الإحصائية . وتنبع هذه المنهجية من النزعة الإجرائية ، المتجذرة فى الفلسفة المثالية الذاتية .
العلم فوق كل شئ ، ترشده فلسفة العلم ، أى نظرة كلية لطبيعة الكون ، وللتاريخ الإنسانى . ولابد لهذه الفلسفة من أن تشمل جانبين : نظرية عن العالم ومنهج لمقاربة دراسة الواقع . وبشكل أشد خصوصية فإن العلم يشتغل بشكل ظاهر أو بشكل مضمر بنظرة مادية أو مثالية عن العالم . وبمقاربة جدلية أو ميكانيكية للواقع .
وإنها لذات دلالة عن تناقض النظرة المادية مع المثالية للعالم حكاية سؤال نابليون للفلكى الفرنسى لابلاس أين موضع الله فى نظامك الشمسى وإجابته " لست بحاجة لهذه الفرضية ، ياسيدى " . لقد تأسست نظرية لابلاس على القانون الطبيعى ، وليس على قصة التوراة عن الخلق .
تمثلت أطروحة أن المقاربة الجدلية تناقض الميكانيكية فى رفض بافلوف للنظرة الميكانيكية القائلة بأن كل الحيوانات بمن فيهم الكائنات الإنسانية تشبه الآلات . لقد عين بافلوف ( 2 ، 536 -537 ) الإختلاف الكيفى بين البشر والحيوانات فى إمتلاكهم نظام إشارى ثان ، الكلام ، الذى كان " آخر ماأحرزته عملية التطور " .
الماركسية متجذرة فى الفلسفة المادية االجدلية . وتستبعد نظرتها المادية النظرات الدينية، أو مافوق الطبيعة ، أو المثالية . وهكذا ففى علم النفس فإنه يستبعد الروح مافوق الطبيعية كأداة تفسيرية للسلوك الإنسانى .
لقد كانت المادية هى التى إقترنت بوضوح بالعلم فى تطورها السريع بعد العصور الوسطى . وقد أسست الماركسية نظريتها الكلية على هذا التقليد المادى .
لقد طور ماركس وإنجلز الجدل الماركسى بوصفه ينطوى على أعم قوانين الطبيعة ، والمجتمع ، والفكر الإنسانى ( 1 ، ص 26،3 ص ص . 16 – 18 ) تدعو هذه القوانين العامة التى إشتقت من العلم وقوانينه النوعية إلى بحث قوانين التغير ، الكمى والكيفى معا ، وكشف العلاقات والإعتماد المتبادل للظواهر . أضف إلى ذلك فإن الوحدة والتناقض فى الظواهر لابد أن يحرى التيقن منها . دعا إنجلز ( 4 ، ص .15 ) إلى السعى وراء الحقيقة من جانب العلوم الوضعية و" إستخلاص نتائجها بالتفكير الجدلى " .
تعتقد الماركسية أن العلوم قد تقدمت بالنضال ضد النظرات المثالية الدينية والمقاربات الميكانيكية الميتافيزيقية . يؤكد الماركسيون أن العلم سوف يستفيد إذا تبنى المادية الجدلية بشكل واع كفلسفة للعلم وكمنهج للبحث .
هناك رابطة خاصة بين الفلسفة وعلم النفس . توجد هذه الرابطة فى ذلك المجال فى الفلسفة المعروف بإسم الإبستمولوجيا ، أو نظرية المعرفة . تعالح الإبستمولوجيا ، وذلك ضمن أشياء أخرى ، أصل الوعى والعقل ، وعلاقة العقل بالجسد، طبيعة الفكر، اللغة والمنطق ، الفكر المجرد والعيانى ، وتأثير المجتمع والعمل الإجتماعى على التفكير الفردى والإجتماعى . من الواضح أن هذه المجالات الفلسفية العامة هى أيضا مجالات كبرى للدراسة السيكولوجية العلمية . بالفعل يمكن لنا أن نصرح أن علم النفس يقدم الأساس العلمى لملامح كبرى مؤكدة للإبستمولوجيا ، بينما تعمم الإبيستمولوجيا المكتشفات العلمية النوعية لعلم النفس .
وعلم النفس ، مثله مثل كل العلوم كان أرض صراع بين وجهتى النظر المادية والمثالية عبر التاريخ . قبل إنفصاله عن الفلسفة ، كان لعلم النفس تقليد مادى طويل متجذر فى نظرات الفلاسفة الماديين الإغريق القدامى ، وفى الفلسفة المادية لبيكون ، وهوبز ولوك فى إنجلترا القرن السابع عشر وديدرو ، وهلفيتيوس ، ودولباخ فى فرنسا القرن الثامن عشر ، إشتقت الماركسية وبنت نظريتها المادية للمعرفة على هذا الأساس المادى .
إن الفرضيات الأساسية التى تطرحها هذه الإبستمولوجيا المعرفية هى : أن المادة أولية والعقل والوعى ثانويان ومشتقان ، وأن العمليات الذهنية والوعى نفسه هما نتاج مادة منظمة نوعيا تتخذ شكل المخ والجهاز العصبى . وهكذا فإن المادية الماركسية ترتأى أن النظريات السيكولوجية التى تفصل العقل عن المخ ، أو التى تنكر أولية المخ والجهاز العصبى ، هى غير علمية . إن عمل بافلوف وآخرين فى علم النفس ينظر إليه كتأكيد للإبستمولوجيا المادية ، مادامت تؤكد إعتماد العمليات العقلية على العمليات الفسيولوجية .
كما كان على علم النفس أن يخوض المعركة بين المقاربتين الميكانيكية والجدلية . لقد تجاوز ماركس وإنجلز المادية الميكانيكية الساكنة بربط المادية مع الدياليكتيك . لقد إرتأيا أن العالم لابد أن يدرك كمركب من العمليات التى تمر بتغير غير منقطع من الوجود إلى الإضمحلال . أضف إلى ذلك لابد للعلم أن يدرس الظواهر فى وحدتها وتناقضها وفى علاقاتها الداخلية وإعتمادها المتبادل . لقد إحتجا بأنه يتعين أن ينظر إلى كل الظواهر فى تغيراتها الكمية التى تؤدى لتغيرات كيفية ( 4 ، ص ص 44 – 46 ) .
من وجهة النظر الجدلية ، فإن المدرسة السلوكية فى علم النفس ، مثل نظريات ج . ب . واطسون و ب. ف سكيننر لابد من إنتقادها بوصفها ميكانيكية . بإعتبارها تختزل العمليا السيكولوجية للإشتغال الإ نسانى للعمليات الفسيولوجية للسلوك وحده . لقد أدت السلوكية حين دفعت لحدها الأقصى إلى نظريات غير علمية ورجعية مثل تعديل السلوك ، الذى يستخدم وسائل غير أخلاقية بل وحتى وحشية لتغيير السلوك .
من ناحية أخرى ، لدينا النظرية الميتافيزيقية للفرويدية ، التى تركز على عقل لاواع ، منفصل عن الواقع الإجتماعى والفردى والوعى ، الذى ينظر إليه بوصفه المصدر الرئيسى الذى يحدد الإنفعال الإنسانى والموقف ، والسلوك . يتعين على السيكولوجيا العلمية أن ترفض النظريات العامة لكل من المدرسة السلوكية والفرويدية . لابد لها أن تظهر العلاقة الجدلية بين الواقع الإجتماعى والفردى وبين عمليات الفكر ، والوعى ، واللاوعى , والعاطفة ، والموقف ، والسلوك .
مع إسهام المادية الجدلية الماركسية فى حقل الإبستمولوجيا ، قدم ماركس أيضا إسهاما ذو مغزى لعلم النفس فى تطويره لمفهوم الإغتراب الإنسانى . وجد ماركس جذر الإغتراب فى عين عملية الإنتاج الرأسمالى نفسها ( 5 ) . فقد رأى ماركس العامل بوصفه مغتربا عن نتاج عمله وعن العمل ذاته . ومادام النتاج يخص الرأسمالى ، فإن عمل العامل هو "بمثابة سخرة ... ليس ملكه ، وإنما ملك آخر " ( 5. ص ص 110 – 111 ) أضف إلى ذلك فإن العمال مغتربون عن طبيعتهم الحقة ككائنات إنسانية لأن عملهم ونتاجه غريب عليهم . وهم لايستطيعون أن يتوحدوا مع الطبيعة والمجتمع . الإغتراب ، من ثم ، محايث للرأسمالية والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج . وعلى ذلك ، فإن أساس القضاء عليه يكمن ، على المدى الطويل ، فى إحلال الإشتراكية محل الرأسمالية .
حتى فى ظل الرأسمالية ، على أى حال ، رأى ماركس أنه يمكن للعمال أن يقاتلوا الإغتراب من خلال الإرتباط معا فى النضال من أجل مصالحهم الطبقية . وقد كتب ( 5 , ص ص . 154 – 155 .
تلاحظ أكثر النتائج روعة حينما نرى العمال الإشتراكيين الفرنسيين معا ، لم تعد وسائل التواصل التى تقربهم أشياء مثل التدخين ، الشرب ، الأكل . وإنما الرفقة ، الإشتراك والمحادثة التى غايتها المجتمع فى النهاية ، باتت كافية بالنسبة لهم .، أخوة الإنسان ليست لفظة بالنسبة لهم ، وإنما حقيقة حياة ، وتشع نبالة الإنسنن علينا من عمل أجسامهم الصلبة .
الماركسية مؤسسة على العلم . وفلسفتها مشتقة من العلم وتقدم الأساس لتقويم وتفسير النظريات العلمية ومجالات البحث ، ومنهجية . والمادية الجدلية لها أهمية خاصة لعلم النفس مادامت الإبستمولوجيا وعلم النفس متشابكان . يمكن للإبستمولوجيا أن تكون مقاربة ومرشدا قيما لعلم النفس .
المادية التاريخية وعلم النفس
المادية التاريخية هى تطبيق المادية الجدلية على أصل، وتطور ، وإشتغال المجتمع الإنسانى . تبنى ماركس وإنجلز مقاربة تاريخية لتقصى أصل الحياة ، والكائنات الإنسانية ، والمجتمع الإنسانى ( على سبيل المثال 6 ، 7 ) . لقد تبنيا وجهة النظر المتجذرة فى الفلسفة المادية ، القائلة بأن الحياة نشأت من المادة غير الحية كنمط جديد مختلف كيفيا لوجود المادة . أدى التطور التعاقبى ، كما أثبته داروين ، إلى ظهور أنواع متعددة من النباتات والحيوانات . منطلقة من المراحل الدنيا للعليا من العضوية الحية .
مع ظهور الرئيسيات التى كانت لها القدرة على صنع وإستخدام الأدوات لإنتاج ضروريات الحياة . تحققت مرحلة جديدة من التطور حين أدى العمل الجماعى المشترك مع الأدوات إلى تطور الكلام الواضح كوسيلة للإتصال والفكر . وهكذا فإن العمل الإجتماعى القائم على صنع الأدوات وإستخدام الأدوات أنتج الكلام واللغة . تأسس الوعى الإنسانى والعقل على الكلام واللغة . ومن ثم ينظر إليهما بوصفهما نتجا من خلال تطور العمل الإجتماعى والإنتاج المادى . وقد صاغ ماركس وإنجلز ذلك ( 6 ، ص ص 6-7 ) :
إن الفرضيات التى ننطلق منها هى ... الأفراد الحقيقيون ، ونشاطهم والشروط المادية التى يعيشون فى ظلها ... ويمكن تمييز البشر عن الحيوانات بالوعى ، أو الدين أو أى شئ تحب . إنهم أنفسهم يبدأون فى تمييز أنفسهم عن الحيوانات عندما يبدأون فى إنتاج وسائل معيشتهم .
حللت المادية التاريخية الماركسية تطور المجتمع الإنسانى بوصفه قد إنطلق من الشيوعية البدائية للمرحلة الأولى للتطور الإنسانى عبر المجتمعات العبودية ، الإقطاعية ، والرأسمالية والإشتراكية ( 8 ) . لذا ليس المجتمع ثابتا ولا متكررا ولكنه يتغير جدليا عبر تاريخه .
وهذه التغيرات فى المجتمع الإنسانى هى نتاج التغيرات التى تجرى فى وجوده الإجتماعى . يتكون نمط الإنتاج من القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج أى كيف يرتبط الناس ببعضهم البعض فى الإنتاج – كطبقات أو فى علاقات مشاعية . تعود التغيرات فى المجتمع إلى التغيرات فى قوى الإنتاج التى تؤدى لتغيرات فى علاقات الإنتاج . وعلى ذلك فإن نمط الإنتاج الإقطاعى يتميز بقوى إنتاجية معينة وعلاقات إنتاج طبقية تتشكل من سادة ملاك الأرض الإقطاعيين . والقن المنتج المستغل . مع تطور القوى المنتجة ، خاصة تطور أدوات وألآت الإنتاج ، نهضت طبقات جديدة - الرأسماليون والعمال المستغلين –وغيروا علاقات الإنتاج الإقطاعية إلى علاقات إنتاج رأسمالية بواسطة الثورة ( على سبيل المثال الثورة الفرنسية لعام 1789) .
ويتضمن المفهوم المادى للتاريخ إضافة لما سبق أنه ينهض بناء فوقى أيديولوجى على الأساس الإقتصادى للمجتمع . وهكذا تنتج علاقات الإنتاج الرأسمالية بنية أيديولوجية رأسمالية ، التى تخدم مصالح الأساس الإقتصادى الرأسمالى . وبالمثل ينتج الأساس الإشتراكى بنية فوقية إشتراكية . وهكذا فإن الوعى الإجتماعى لاينتج ولايفسر الوجود الإجتماعى وإنما العكس . وكما كتب إنجلز ( 9، ص 26 ) : " من وجهة النظر هذه ، يجب البحث عن الأسباب النهائية للتغيرات الإجتماعية والثورات السياسية ، ليس فى أدمغة البشر ، ولا فى استبصار الإنسان بشكل أفضل فى الحقيقة الأبدية والعدالة ، بل فى التغير فى أنماط الإنتاج والتبادل . "
فى المجتمع الطبقى فإن النظرات السائدة ، والأيديو لوجية ، والفلسفة هى تلك التى تتبناها الطبقة السائدة . مادامت العلوم الإجتماعية والسلوكية لها أثر كبير فى تكوين الأيديولوجية والمعتقدات فى المجتمع الرأسمالى ، فلا يمكن النظر إلى هذه العلوم بوصفها علوما محضة منفصلة عن المصالح الإجتماعية والطبقية . يجب أن تحلل بوصفها قد تشكلت وتأثرت ، وتشوهت من قبل الطبقة التى تسيطر على الحكم وعلى النظام التعليمى والجامعى ، والإعلام التجارى والثروة التى تدعم نظرات وأيديولوجيا معينة . وعلى ذلك لا يمكن أن ينظر للأيديولوجيا كعلم محايد لايتأثر بالمصالح الطبقية . إن نظرية عرقية مثل تلك التى يتبناها آرثر جنسن ، التى تخلص إلى أن السود هم أدنى جينيا فى الذكاء من البيض . يمكن أن تفهم بوصفها أداة الطبقة الرأسمالية للإستغلال الزائد المتواصل للكادحين السود . وكوسيلة كبرى لتفريق البيض والسود .
يتعين أن ينظر إلي علم النفس من وجهة نظر المادية التاريخية بوصفه يلعب دورا أيديولوجيا فى البنية الفوقية الرأسمالية . يستمر دوره العلمى بالتوازى مع دوره الأيديولوجى ، ولكن هذا الدور العلمى محدود ومتخلف بسبب الطبيعة الطبقية للرأسمالية .
وتنتج الإشتراكية بنيتها الفوقية أيضا . وعلى أى حال ، مادامت علاقات الإنتاج الإشتراكية غير طبقية ، فليست هناك طبقة سائدة لتحكم وتشوه علم النفس . يلعب علم النفس فى ظل الإشتراكية دورا فى تقدم المجتمع الإشتراكى من خلال تطوره العلمى الخاص . و ليست العقبات فى وجه مثل هذا التطور من ثم ذات طبيعة طبقية وإنما تعود لحداثة وتعقد علم النفس بوصفه علما .
تقدم المادية التاريخية لعلم النفس مقاربة مادية للتطور الإنسانى والإجتماعى . كما تقدم تحليلا علميا لدور الطبقة الذى يلعبه علم النفس فى ظل الرأسمالية . إنها تؤكد الطبيعة الطبقية للرأسمالية وإهمية الوضع الطبقى لعلم نفس الأفراد . إنها تحلل الأثر السيكولوجى للأيديولوجية الطبقية على الفكر الإنسانى . إنها تعطى أهمية أساسية للوعى الإنسانى بوصفه مناقضا لدور العمليات اللاواعية فى توجيه الفرد . وهى تفسر الإغتراب ، ليس على أساس وجودى للوحدة والعزلة الإجتماعية ، ولكن بوصفه متجذرا تحديدا فى عملية الإنتاج الرأسمالى . يمكن بالفعل لعلم النفس أن يستفيد من المقاربة المادية التاريخية .
النقد الماركسى لعلم النفس
لقد حقق علم النفس تقدما كبيرا فى مجالات مختلفة . على أى حال ، وكما نوقش سابقا فقد أعيق علم النفس أو شوه فى تطوره بالنظرات والنظريات الفلسفية الميتافيزيقية أو المثالية . كما هيمنت عليه نظرة غير تاريخية وغير جدلية لتطور المجتمع الإنسانى وعلاقته بالتطور الفردى . أضف إلى ذلك فقد طور البناء الفوقى الأيديولوجى للرأسمالية ملامح كبرى تغلغلت فى العلوم الإجتماعية والسلوكية . لقد إخترقت هذه الملامح وشكلت الكثير من تطور علم النفس وهى تشمل مايلى .
أيديولوجية معادية للطبقة العاملة
لقد صورت الأيديولوجية الرأسمالية العمال دوما بوصفهم غير أذكياء ، لايغتسلون ، أفظاظ ، سذج ، منحطون . لقد تجاهلت العلوم الإجتماعية والسلوكية بصفة أساسية الواقع الحقيقى للعاملين ، سماتهم الإيجابية ، نضالاتهم الإجتماعية والطبقية ، دعمهم المتبادل لبعضهم البعض . ومقاصدهم الإجتماعية . وبإستثناءات معينة ، حينما أجريت دراسات على العاملين ، إنتهوا إلى نتائج تدعم النمط الرأسمالى للفرد الجلف، الغبى ، السلبى ، والأنانى . وليس من باب المصادفة أن الملامح الأساسية للغش الجسيم الذى يرتكبه عالم النفس سيريل بيرت فى العالم السيكولوجى هو أنه قد " برهن " على أن العمال كانوا أدنى فى ذكائهم من أناس الطبقة الوسطى والعليا .
يعتبر العمال فى منظور الطب النفسى مرضى صعبين لأنهم يفتقرون لإدراك وبصيرة الطبقات " العليا " . ويوجد نظام معقد للتتبع فى التعليم العام فى الولايات المتحدة ، غرضه وهدفه الأساسى هو منع العاملين ، والسود ، والأقليات القومية من الحصول على تعليم متقدم . يقيم التتبع التعليمى مسارات مختلفة ( فصول ) للأطفال ، الأذكياء ، المتوسطون ، البطيئون ، المضطربون ، ذوى النشاط الزائد . كانت نتيجة مثل هذا التتبع هو دفع جمع غير متعلم من العاملين ، والسود ، واللاتينيون وأقليات أخرى لأعمال قذرة ، وضيعة ، وكثيفة الإستغلال أو لجيش العاملين الإحتياطى . لقد طورت نظريات سيكولوجية زائفة لتبرير نظام التتبع التعليمى هذا ، أى فصول متجانسة ، فرص مهنية ( لغسيل الأطباق ، لعمل مكتبى ، للخدمة بتزويد النظريات العرقية عن المنزلية ) حرمان بيئى ، ثقافة مؤذية ، الأمومة السوداء .
النزعة العرقية
إن التطور الباكر للرأسمالية فى بلادنا قد وصمته وشابته العبودية وأيديولوجية ملاك العبيد . أصبحت النزعة العرقية بعد الحرب الأهلية وتحرير العبيد ، أداة أيديولوجية كبرى أساسية لأرباح رأسمالية عالية وللتفريق بين العاملين . لقد خدم علم النفس بزعم دونية السود هذه المصالح الطبقية المراوغة . وهكذا فإن نظرية جنسن عن الدونية الذهنية الجينية للسود هى وصمة فى جبين علم النفس . وبالمثل فإن نظرية دانيال موينيهان عن الإضطرابات العقلية عند الأطفال السود بسبب " الأمومة السوداء " قد مارست تأثيرها العرقى القذر فى حقل الطب النفسي . إن أدوات الإختبار النفسى مثل إختبارات معدلات الذكاء النموذجية ( ستانفورد – بينت & سلم ويشسلرلقياس ذكاء الأطفال ) تستخدم للتخصيص العرقى للأطفال السود لفصول المعاقين ، والمصابين فى المخ ، والمضطربين عاطفيا بأعداد كبرى غير متناسبة . لقد تخللت النزعة العرقية نسيج علم النفس والطب النفسي .
الشوفينية القومية
مادام العاملون فى الولايات المتحدة يضمون أقليات قومية كثيرة وخاصة أعدادا كبيرة من الشيكانو – المكسيكيون الأمريكيون - ، واللاتينيون ، والهنود الغربيون ، فإن النظريات والممارسات الشوفينية القومية تزدهر فى بلادنا . وبدلا من أن تكون بالأحرى " بوتقة إنصهار" فإن بنيتنا الفوقية الأيديولوجية قد تبنت تحيزات وتمييزات ضد العاملين المولودين فى أرض أجنبية ومعظم الأقليات القومية .
لقد لعب علم النفس دورا خلافيا فى حالات كثيرة بتقديم عقلنة لمثل هذه التحيزات ومايصاحبها من ممارسات تمييزية . وهكذا فإن سلم ويشسلرلقياس ذكاء الأطفال يستخدم عادة لإختبار الأطفال من ذوى الأصول الاسبانية بالرغم من أنه ثقافيا ولغويا غير ملائم ويعاقب بشدة الأطفال مزدوجى اللغة . إنها لحقيقة تعليمية أن الأطفال ذوى الأصول الاسبانية يوضعون بشكل غير ملائم فى صفوف خاصة ، مما يسبب لهم ضررا تربويا خطيرا . ووظفت نفس النظريات السيكولوجية ضد الأطفال السود -- المحرومين ، المعوزين ، غير الناضجين حسيا ، من بيوت بلاآباء – تطبق أيضا على الأقليات االقومية وخاصة على الفقراء والعاملين .
التحيز الجنسى وسطوة الذكور
إن تقسيم العاملين وفق الخطوط الجنسية هو ملمح أساسى للأيديولوجية الرأسمالية فى الولايات المتحدة . هذه الأيديولوجية عن دونية المرأة تتوافق مع وتبرر وضع النساء غير المتكافئ إقتصاديا وإجتماعيا وسياسيا فى بلادنا .
إن التحيز الجنسى فى النظرية النفسية والممارسة هو ظاهرة شائعة . نظرية فرويد الأساسية هى السيطرة الذكورية مدفوعة لحدودها القصوى . النساء هيستيريات ، سلبيات ، غريبات ، مليئات بحسد القضيب ، مغاليات فى عواطفهن ، أكثر عصابية ، ولهن شخصيات أضعف ، وفقا لفرويد .
والنساء السود ضحايا التحيز العرقى والجنسى فى السيكولوجيا والطب النفسى . تلام الأم على مشاكل الأطفال بإنتظام . و إعتاد العلاج الموجه فرويديا أن يؤدى بالنساء إلى قبول المصير الذى أملاه عليها تشريحها . وبالرغم من أن مد حركة التحرر النسائى قد شنت هجوما مضادا ضد التحيز الجنسى فى علم النفس والطب النفسى فما زالت النظرية النفسية يحكمها التحيز الجنسي ، وعلم النفس قد بدأ لتوه فى القيام ببداية فى الفهم العلمى للنساء فى مجتمعنا .
النظريات الزائفة عن الطبيعة الإنسانية
البنية الفوقية الأيديولوجية فى الولايات المتحدة حافلة بنظريات أن الطبيعة الإنسانية ثابتة وغير متغيرة ، وأنها جشعة ، أنانية ، عدوانية غير جديرة بالثقة ، محاربة ، متحيزة ، شهوانية ، وكسولة . يقدم علم النفس والطب النفسي نظريات طنانة لتبرير مثل هذا الحكم على الطبيعة الإنسانية . لاحظ نظرية فرويد بأن لدينا ميلا حربيا مدمرا ( ثاناتوس ) فى ميراثنا البيولوجى . إن نظرية ستانلى ميلجريم بأننا سوف نلحق الألم عارفين قاصدين على الآخرين هو رأى يدخل ضمن نفس المقولة . ينحط ب . ف . سكيننر بالكائنات الإنسانية معتبرا إياهم على نفس مستوى الحيوانات . يستجيبون فقط لمخطط إستهداف المكافأة فى كامل حياتهم . حقق كونراد لورنز ( 10 ) شهرته من خلال نظريته عن العدوانية الإنسانية المحايثة . بينما يعزو إدوارد . أو ويلسون ( 11 ، 12 ) سلوكا وغرائز حيوانية للكائنات الإنسانية فى نظريته عن البيولوجيا الإجتماعية .
إذا كانت الطبيعة الإنسانية شريرة وثابتة فإن النزعة العرقية ، والعدوان ، والفقر ، والحرب هى حتمية بصفة أساسية ولايمكن أن نعزوها للنظام الإجتماعى . وهكذا فإن هذه النظرية عن الطبيعة الإنسانية الثابتة والشريرة لها أساس طبقى هيمن على علم النفس بشكل سلبى .
الفردية والذاتية
تحفل الأيديولوجية الرأسمالية بالنزعتين الفردية والذاتية . وقد غمرت هذه الأيديولوجية العلوم الإجتماعية ، بما فيها علم النفس . والفرويدية هى مثل أولى لمقاربة ذاتية وغير إجتماعية للعقل والسلوك الإنسانيين . تشتغل الغرائز البيولوجية من خلال الدوافع ، والعقد ، والدفاعات ، والتحفيز اللاواعى وهى تعزل الفرد عن وجوده /ها الإجتماعى وتفسر السلوك الطبيعى والشاذ بطريقة ذاتية .
وقد دفعت الحركة الإنسانية الكامنة النزعتين الفردية والذاتية لحدودهما القصوى . وجرى الإرتداد بالفرد إلى الشعور والمواقف منفصلة عن سياقها الإجتماعى . " الهو " هو نظرية مثالية ذاتية بشكل واضح تنتهى بأن كل فرد يختبر هذا العلم الذاتى فى اللحظة الحاضرة . إن هذا الإغتيال الأخير للعقل الإنسانى ، والعمل الجماعى والوعى والمعرفة ماهو إلا إنعكاس للرأسمالية حال إنحطاطها . إن " الهو " هو أشد الطبعات مبالغة للحفز الرأسمالى لإجبار الناس على قبول العالم كما هو ، وإعتباره كاملا ، وأن تسعد بكونك تفعل مايفعلون .
وتستخدم الرأسمالية أيضا النزعة الفردية ل " لوم الضحية " وهكذا نجد نظريات فى علم النفس تقول بأن الففقراء هم سبب بيئتهم الفقيرة الخاصة ، لذا هم من ينبغى أن يلاموا .
النظريات الزائفة وأحادية الجانب
تاريخ العلم ملئ بالنظريات الزائفة ، مثل نظرية أن الشمس تتحرك حول الأرض ، أو أن الحجامة لمريض بدنيا سوف تكون مفيدة . يمكن أن تعتبر بعض النظريات الزائفة ملمحا طبيعيا لعلوم شابة فى مسيرة التطور . إن البرهنة على صحة نظرية علمية يتطلب ملاحظة دقيقة ، وإختبار صحيح ، وتفسير ، وإستنتاجات صائبة . التأمل ووضع الفرضيات ضرورى لإنشاء ولإثبات ( أو إبطال نظرية ) . فى هذه العملية المعقدة للوصول لنظريات مثبتة فيما يتعلق بالواقع المعقد ، تظهر نظريات زائفة أو أحادية الجانب .
على أى حال تروج فى المجتمع الطبقى نظريات عدة ، ليس من أجل إثبات نظرية علمية ، وإنما لخدمة مصالح الطبقة السائدة . وهكذا فإن النظريات الزائفة حول العاملين ، والسود ، والنساء ، والأقليات القومية ، والطبيعة الإنسانية هى بمثابة دعاية زائفة ، وغير علمية . إن المثل المشهور عن جاليليو وإضطراره أمام محكمة التفتيش لأن يتبرأ من نظريته العلمية الصائبة حول حركة الأرض حول الشمس دالة على سوء الإستخدام العمدى للعلم .
والنظريات أحادية الجانب فى علم النفس والطب النفسي هى القاعدة وليس الإستثناء فى المجتمع الرأسمالى . حتى التعريف العام لعلم النفس بوصفه علم السلوك هو أحادى الجانب ، مادام يسقط الفكر ، والعاطفة ، والعلاقات والنشاط ، والتاريخ الفردى . المصطلح الشائع للإضطراب العقلى هو المرض العاطفى ، بينما يؤثر المرض العقلى بالطبع ايضا على الإ دراك ، والسلوك ، والموقف ، والقدرة على العمل والعلاقات . تتمحور سلوكية سكيننر على ملمح واحد للإشتغال : السلوك . ويركز تدريب الحساسية على هنا – والآن . يجسد سكيننر تعزيزأ وضعيا حينما يتجاهل الفكر ، والحكم ، والمشاعر .
إن النظريات الأحادية والنظريات الزائفة ترجع لكل من النفوذ الطبقى وإلى المقاربا الضيقة غير الجدلية فى الولايات المتحدة .
إسهام الماركسية
إن إسهام ماركسية المادية الجدلية والتاريخية لعلم النفس والطب النفسى والنقد الماركسى لهذه العلوم فى مجتمع طبقى قد قمنا بعرضه سلفا . للماركسية عدد من الملامح والتأكيدات التى تعتقد أنها سوف تساهم فى تقدم علم النفس .
1 – ترفض الماركسية كل النظريات التى ترتكز الدونية العقلية ، أو العاطفية ، أو السلوكية المؤسسة على العرق ، والطبقة ، والجنس ، أو الأقلية القومية بوصفها غير صالحة وغير علمية . إنها تؤكد على الأهمية الحدية لدراسة التطور الإنسانى فى الواقع العيانى لوجوده ، الإجتماعى والفردى .
2 – تقارب الماركسية العقل الإنسانى والوعى بوصفهما نتاجا للمخ والنظام العصبى المركزى . وهى تلقى الضوء على الدور ذى المغزى الكبير للغة كوسيلة للإتصال ، والفكر ، وتنظيم السلوك . إن عمل علماء النفس السوفييت ومثالهما ليف فيجوتسكى ( 13 ) وألكسندر لوريا ( 14 ) حول دور اللغة قد ساعد على تقدم المعرفة السيكولوجية فى هذه المجالات .
3 – تؤكد الماركسية على أهمية العلاقة بين الفرد والمجتمع . لابد أن تفحص سيكولوجية الأفراد فى المجتمع فى سياق مجتمع طبقى ذى بنية فوقية نوعية – أى بنية رأسمالية . إن تأثيرات البنية الفوقية على سيكولوجية الفرد لها أهمية حيوية فى الدراسة السيكولوجية . وبالمثل فإن التغيرات فى سيكولوجية الأفراد فى مجتمع إشتراكى لابد أن ترى ضمن سياق تغيرات كثيرة تجرى أثناء التحول من مجتمع رأسمالى إلى مجتمع إشتراكى .
4 – إن الماركسية تنظر لعلم النفس بوصفه يلعب دورا فى تقدم المجتمع الإنسانى . كما أن كشف قوانين التطور النفسى الإنسانى يمكن أن تكون لها قيمة كبرى فى التعليم ، والشخصية الإنسانية ، وتكوين الشخصية ، وتوسع القدرات الإنسانية .
5 – تؤكد الماركسية أن علم النفس والطب النفسى هما علمان يحتاجان للتطوير من خلال عمل علمى شديد التدقيق وشامل . العمل العلمى الذى تم القيام به فى ظل الإشتراكية تجسد فى المجلدات الأربعة التى صدرت تحت عنوان دليل علم النفس السوفييتى المعاصر ( 15 ) الذى يحتوى على عرض للتقدم الذى أحرز فى مجالات علم النفس التطورى ، الشاذ ، والإجتماعى . وعلم النفس التجريبى العام ، والنشاط العصبى الأعلى .
6 – إن العلم عالمى فى إطاره ويتطلب أفضل جهود العلماء فى كل البلدان من أجل تقدمه التام . إن التعاون الدولى فى حقل علم النفس والطب النفسى لذو أهمية حيوية لهذين العلمين . وهذا التعاون مهم بصفة خاصة للعلماء فى البلدان الإشتراكية والرأسمالية ، مادام لدى كل منهم الكثير ليتعلم من الآخر .
7 – تعتقد الماركسية أن العلم يتقدم من خلال الصراع ، العلمى والإجتماعى معا . إن السجال والجدال داخل المجال ضرورى ومرحب به ويمكن أن يسهم فى رفض النظريات الزائفة وتصويب النظريات أحادية الجانب . كما أن الصراع الإجتماعى ضد النظريات العرقية والأيديولوجية الرجعية التى تتقنع بمظهر النظريات السيكولوجية يمكن أن يؤدى لتعريتها .
8 – تعتقد الماركسية أن المجتممع الإشتراكى يمكن أن يؤدى لتغيرات عظمى فى سيكولوجية البشر ورفاهيتهم . إن تقديم عناية صحية عقلية تمامة وشاملة ومتاحة ومجانية هو أمر مضمون فى ظل الإشتراكية . وبالمثل ، التوظيف ، والضمان الإجتماعى ، والتعليم ، تكافؤ الفرص ، تسهيلات للأمهات العاملات ، الأجر المتساوى ، ونظام إقتصادى وإجتماعى دائم التوسع يقدم ضمانا سيكولوجيا للشعب الذى يعيش فى الإشتراكية .
المصدر : المجلة الدولية للخدمات الصحية ، المجلد 12 ، 1 نوفمبر 1982.



#سعيد_العليمى (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ردا على إستبيان عن بيير بورديو من أكاديمى فرنسى
- بير بوروخوف وصهينة الإشتراكية
- يوسي أميتاي و- اليسار الإسرائيلي -
- جويل بينين يتابع تونى كليف وهنرى كورييل
- تونى كليف والموقف من القضية الفلسطينية
- هنري كورييل تاجر الثورة ومرابيها
- من روزنامة الثورة
- الماركسية وعلم النفس – بقلم سوزان روزنتال *
- التاكتيك الثورى فى أزمنة العواصف
- كلمة موجزة حول العمل الثورى فى أوقات الركود
- الإمساك بالقمر – وحلم الثورة - محمود الوردانى
- من ذكريات الثورة
- الأنماط الخمسة من الثوريين - دراسة سيكولوجية ا. شتينبرج
- إعادة بناء المادية التاريخية - جورج لارين ( الكتاب كاملا )
- هل أفاق أصحاب الوهم الدستورى ؟
- حزب العمال الشيوعى المصرى وقواعد العمل السرى فى ظل الدولة ال ...
- فى معنى المقاطعة الايجابية النشطة فى العام الثانى للثورة
- فى ذكرى رحيل مناضل : الشاعر حسن عقل وحلمه
- ثلاث صور
- حزب العمال الشيوعى المصرى وقواعد العمل السرى فى ظل الدولة ال ...


المزيد.....




- المشتري في أقرب مسافة من الأرض منذ 59 عاما
- موسكو: استفتاءات أوكرانيا تجرى بالتقيد التام بالتشريعات الان ...
- مشاكل صحية مسؤولة عن الإحساس الدائم بالبرد!
- أوكرانيا تحصل على منظومة دفاع جوي متطورة من الولايات المتحدة ...
- توقعات: فوز ائتلاف اليمين الإيطالي في الانتخابات البرلمانية ...
- المستشار الألماني يلتقي رئيس الإمارات
- دونيتسك.. استمرار التصويت على الانضمام إلى روسيا رغم القصف ا ...
- لندن.. أعمال شغب عند السفارة الإيرانية وإصابة عدد من الشرطة ...
- القوات الروسية في أوكرانيا.. الإغراء بالمال ووعود بالعفو
- عاجل | استطلاعات آراء الناخبين الإيطاليين بعد اقتراعهم: حزب ...


المزيد.....

- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- إشكالية الصورة والخيال / سعود سالم
- الإنسان المتعثر في مثاليته . / سامى لبيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعيد العليمى - مقاربة ماركسية لعلم النفس والطب النفسى – جوزيف ناهيم