أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سعيد العليمى - تونى كليف والموقف من القضية الفلسطينية















المزيد.....


تونى كليف والموقف من القضية الفلسطينية


سعيد العليمى

الحوار المتمدن-العدد: 7163 - 2022 / 2 / 15 - 11:39
المحور: القضية الفلسطينية
    


أما توني كليف (1917 – 2000) المولود في فلسطين والذي نشأ صهيونيًا في بيئة صهيونية عريقة محاطًا في طفولته بمؤسسي الكيان العنصري – الاستيطاني أمثال بن جوريون وغيره من "الرواد"، والذي تحول فيما بعد إلى الماركسية ثم هاجر إلى بريطانيا ، وأسس حزب العمال الاشتراكي البريطاني، وهو ممن يتبنون فكرة وجود " قومية يهودية " فقد كتب في مقال استفزاز بريطاني جديد في فلسطين عام 1946: "لقد حاولت الإمبريالية البريطانية أن توجه سخط الجماهير العربية بلا انقطاع ضد سكان البلاد اليهود. ولهذا السبب فقد دعمت سياسة التوسع الصهيوني، وهي سياسة تمخضت عن طرد الحائزين العرب من الأرض ، وتسريح العمال العرب من وظائفهم، وتقوية الحصن الصهيوني المصمم على تأسيس دولة يهودية في فلسطين. والدعم الإمبريالي للصهيونية محسوب على أساس أن يحقق هدفين : الأول، هو أن يؤسس قوة تدعمه مباشرة، التي سوف تؤلف حليفًا مخلصًا ضد العرب في حال حدوث أي انتفاضة مناهضة للإمبريالية لعرب الشرق الأوسط ، والآخر لجعل الصهيونية تخدم كوسيلة لتحويل سخط الجماهير العربية إلى موضوع جانبي وهو الصدام مع اليهود (الاستعمار الاستيطاني موضوع جانبي - مسألة محلية عند د. جيرفازيو - لا ينبغي إعارته اهتمامًا بخلاف الوجود الإمبريالي البريطاني س.ع.) ... بمعنى آخر هناك بين السيد الإمبريالي وخادمه الصهيوني مصالح مشتركة ومتعادية. تريد الصهيونية تأسيس دولة رأسمالية قوية"(24). والإمبريالية البريطانية هي التي تستهدف " إثارة الصدامات بين العرب واليهود"، بما يتضمنه ذلك من "بذر الكراهية المجتمعية" و"التناحرات القومية"، حيث يكون الضحايا بالفعل هم "الجماهير العربية واليهودية" ويتضافر مع البريطانيين "القيادة العربية الإقطاعية شبه البورجوازية " و"القوى الشوفينية الكهنوتية". واعتبر انتفاضة الجماهير العربية ضد البريطانيين والصهاينة فى فلسطين "مذبحة ضد اليهود"، وانتقد المظاهرة الوطنية التي نظمت في 2 نوفمبر 1945في مصر ضد وعد بلفور ورأى فيها فاشية قادمة وبدلًا من رؤية كراهية الجماهير العربية الموجهة ضد الصهيونية بوصفها شكلًا لمقاومة الإمبريالية إعتبرها شوفينية أسئ توجيهها تلاعب بها الإمبرياليون (وهو بالمناسبة ذات موقف كورييل وحلقته المصرية وبصفة أخص تلميذه النجيب رفعت السعيد؛ كما سيأتي بيانه في موضعه) التي احتضن فيها الشعب المصري القضية الفلسطينية لأن بعض أنصار جماعة الإخوان المسلمين، وحزب مصر الفتاة قد هتفوا ضد اليهود (الصهاينة) كما انتقد بعض الشيوعيين العرب ممن تبنوا ذات الموقف حيث "تجلت عادة الستالينيين بالانجرار خلف "القوميين" في أقبح صورها خلال الأيام الماضية " وفق تعبيره. وزعم أن هناك أساسًا متينًا " للوحدة بين الكادحين الفلسطينيين دفاعًا عن مصالحهم الحيوية"(25) لذا أيد الهجرة اليهودية بوصفها عاملًا أساسيًا في تسريع التطور الرأسمالي ونمو طبقة عاملة يهودية تمثل قوة جادة مناهضة للإمبريالية. ولا يرى توني كليف مشكلة سوى في الاستفزازات الإمبريالية التي تتسبب في "معاناة كبرى للجماهير العربية واليهودية معًا" لذا لابد من "صراع من أجل الوحدة الشاملة للاتحادات النقابية في بلدان الشرق العربي بغض النظر عن الاختلافات القومية والطائفية ... يجب اقتلاع الإمبريالية، وهي مصدر الاستفزازات الطائفية ، ويخاض الصراع لتحرير الشرق ، بحيث تنال كل الأقليات - اليهودية، الكردية، الخ - استقلالًا ذاتيًا واسعًا في الأقاليم التي يقطنونها ، ضمن الإطار الشامل لجمهورية عمال وفلاحين في المشرق العربي"(26).
وفي مقالة عنوانها الصراع في الشرق الأوسط (1967 – 1990) يكتب "إن التراجيديا الإنسانية هي التي أتت باليهود إلى فلسطين" ويستعرض اضطهادهم في أوروبا ، ويشير إلى أنه في فلسطين لم يكن بمستطاع العامل اليهودي أن ينافس العامل أو الفلاح العربي لأنه كان يبيع قوة عمله أو منتجه بسعر زهيد، لذا ينوه إلى أنه لم تكن هناك طريقة غير حجب العمل عنه ، أو منعه من بيع منتجاته في السوق، وإلى أنه ما من حزب صهيوني، حتى الأكثر تطرفًا ناحية "اليسار" في هاشومير هاتزائير، المابام وقتها ، قد عارض مقاطعة العمال والفلاحين العرب. والمقاطعة مباطنة للصهيونية وكامنة فيها، بدونها لم يكن من الممكن أن يبقى عامل أو فلاح أوروبي على قيد الحياة اقتصاديًا.
ويتساءل: "هل شعب إسرائيل يمثل أمة استعمارية؟" ويجيب: الاقتصاد الإسرائيلي ليس اقتصادًا متخلفًا يعاني من استغلال الإمبريالية الغربية ، ويرصد مصادر تمويله في التعويضات الألمانية، والمساعدات الاقتصادية من الولايات المتحدة الأمريكية ، ومن دعم يهود أمريكا وبلدان غيرها. ويذكر أن إسرائيل تعادي أي إصلاح زراعي جذري وخاصة بعد أن تخلصت من الفلاح العربي أصلًا. ويطرح سؤالًا مهمًا في موضوعنا : هل يهم إسرائيل أن تتوحد البلدان العربية في دولة واحدة ؟ ويجيب: بالطبع لا. إسرائيل ليست دولة مقهورة من الإمبريالية ، وإنما مستعمرة، حصن استيطان، منصة إطلاق للإمبريالية. ثم يتحدث مرة أخرى عن "تراجيديا" ذات الشعب الذي تعرض للاضطهاد والمذابح بطريقة وحشية كيف يتم دفعه بحماسة شوفينية وعسكرية إلى أن يكون الأداة العمياء للإمبريالية لإخضاع الجماهير العربية.
وإذ يرى توني كليف الوضع من منظور أقدار "تراجيديات المسرح الإغريقي" مثله مثل الفيلسوف الفرنسى جان بول سارتر( 21 يونيو 1905 – 15 أبريل 1980 ) فى تأملاته فى المسألة اليهودية عام 1944 يفصل بين البشر ونظامهم الاجتماعي بوصفه قوة قدرية عاتية، بين عقيدتهم الصهيونية المسيطرة وأفعالهم ومواقفهم، ولا يخطر بباله مجرد خاطر ما ورد في التراث الماركسي عن "الشعوب الرجعية" أو حتى الطبقة العاملة الرجعية حين تتبنى الصهيونية وتصبح مرتشية بواقع الإحتلال ، والموقف منها. فيقول: "بنفس الطريقة التي يلام بها النظام الاجتماعي القائم على مصائب اليهود، فهو يلام أيضًا على استغلال كوارثهم لأهداف قمعية ورجعية. فالصهيونية لم تنقذ اليهود من معاناتهم . على النقيض فهي تعرضهم لخطر جديد وهو أن يكونوا حاجزًا بين الإمبريالية والنضال التحرري القومي والاجتماعي للجماهير العربية ". ورغم أن السكان اليهود منقسمون طبقيًا إلا أن العمال اليهود لن ينضموا للعرب في نضالهم ضد الإمبريالية، ربما باستثناء حفنة ضئيلة، ويلوم العمال العرب على عدم قدرتهم على إقناع العمال اليهود بضرورة التضامن البروليتاري !! وهو ذات موقف هنري كورييل، ويؤكد بالنسبة للعرب على ضرورة الضفر بين الثورة القومية والثورة الاجتماعية، وينتقد محقًا الأحزاب الشيوعية العربية التقليدية التي اتبعت خط "الوحدة الوطنية" مع البورجوازية فاصلة النضال ضد الإمبريالية عن النضال من أجل التحرر الاجتماعي.
وينتهي في مقاله بطرح يراه الحل الوحيد الممكن لاحتياجات الشرق الأوسط وهو إنجاز ثورة عمالية – فلاحية تهدف لإقامة جمهورية اشتراكية، تمنح اليهود والأكراد والأقليات القومية عامة حقوقًا متساوية (27).
وفي مقال آخر كان قد كتبه عقب الغزو الإسرائيلي لبيروت عام 1982 تحت عنوان جذور العنف الإسرائيلي حاول تقديم تفسير للمجازر التي ارتكبت ضد اللبنانيين والفلسطينيين ، ووجد جذور هذا العنف في البدايات الأولى الصغيرة، حين كان موجودًا في فلسطين، فالسبب هو أن "الصهيونية، والنزعة الانفصالية اليهودية ، والإيمان بوطن قومي لليهود، قد تطورت إلى أن أصبحت عنف دولة". لكن "الصهيونية لم يكن لها ذات الوجه القبيح الذي باتت عليه اليوم" وكأن تاريخها لم يكن سوى تاريخ مجازر متصلة منذ البدايات الأولى ضد الشعب الفلسطيني خاصة، ثم يعيد علينا رواية "تراجيديا" الاضطهاد في روسيا القيصرية ، والأوضاع الانفصالية التي وسمت واقعهم وحبذوها. ثم يضيف "إن منطق الصهيونية هو، الانفصال عن السكان غير اليهود (الأغيار) سواء في روسيا أو بولندا أو فلسطين، وقد أدى ذلك إلى اعتمادها على الإمبريالية ". وفي ألمانيا النازية حين هزمت الطبقة العاملة "وإذ لم يكن بمستطاع اليهود أن يثقوا في الألمان فقد كان من الطبيعي بالنسبة لهم أن يروا الدولة اليهودية بوصفها الإجابة الوحيدة" (لا أن يناضلوا بشكل مشترك مع الألمان المعادين للنازية ضد صعود هتلر ، وبعد صعوده إلى السلطة مثلا– س.ع.).
ورغم الراديكالية اللفظية أحيانًا إلا أن نمط القول يتخذ لدى توني كليف شكل اللغة الوصفية، المحايدة، "الموضوعية" - مثل حكام المباريات - التي تبرر ما هو قائم وتفسره دون بيان موقف إزاءه ، وعدم التطرق لمواقفه القديمة ونقدها كما عبر عنها في مقال استفزاز بريطاني المشار إليه أعلاه. وينتهي إلى أن الطبقة العاملة العربية في الشرق الأوسط هي القوة الوحيدة التي تستطيع إيقاف الصهيونية وتحطيم الإمبريالية لأن الدول القائمة حاليًا لن تفعل ذلك وضمنيًا كما يفهم من السياق ، فالطبقة العاملة اليهودية عنده ليست مدعوة لشيء! (28). رغم أنها لن تتحرر إلا إذا وقفت ضد دولتها بالذات فى كل مايخص الشأن الفلسطينى .
ج - يوسي شوارتز ونقده الصريح للأممية الرابعة والضمني لغيرهم
وقد وجه يوسي شوارتز عضو التيار الشيوعي الأممي، والإسرائيلي –اليهودي – الماركسي –الترتسكوي ، نقدًا شديدًا لـلأممية الرابعة ولعدد من المفكرين التروتسكيين منهم هال درابر، وتوني كليف في مقال له بعنوان حرب إسرائيل عام 1948 وانحلال الأممية الرابعة (وهو نقد ينطبق أيضًا على هنري كورييل وحلقته وتلامذته المصريين والأجانب ومنهم بالطبع جويل بينين ويوسي أميتاي وتابعيهم ومن سار على نهجهم، ويتكامل مع النقد الذي وجهه المفكر الماركسي إبراهيم فتحي في كتابه المعروف عن هنرى كورييل). ويعتبر سيرًا على نهج المفهوم المادي للمسألة اليهودية لإبراهام ليون، وكذلك لكراس الطبيعة الطبقية للمجتمع الإسرائيلي لحاييم حانجبي وموشى ماشوفر وآكيفا أور.
يحاول يوسي شوارتز في مقاله الهام (وهو فصل من كتاب) أن يحدد الموقف الماركسي من دولة الاستعمار الاستيطاني إسرائيل ، ظهورها وحروبها الرجعية ، وينتقد الأممية الرابعة في موقفها من الصهيونية ومن النضال التحرري القومي الفلسطيني، ويعتبر أن القوى التروتسكية الصغيرة بقيادة تونى كليف لم تفهم أبدًا المسألة القومية في فلسطين، وكان يتعين عليها أن تتخذ موقفًا انهزاميًا ثوريًا ضد إسرائيل عام 1948، وموقفًا دفاعيًا ثوريًا مع البلدان العربية. كما ينتقد من أسماهم الستالينين الذين توهموا أن إسرائيل ستشكل مجتمعًا تقدميًا ديموقراطيًا داخل المحيط العربي الرجعي، وأنها حاربت حربًا ثورية ضد الإمبريالية بينما الحاصل النهائي الذي تمخض عنها هو تعزيز الأخيرة وركائزها في كامل المنطقة.
ويعتبر أن إسرائيل باتت دولة إمبريالية في سيرورتها وإن لم تكن كذلك في بدايتها، وهي لم تمر بثورة ديموقراطية، ولا يمكن لها أن تمنح الفلسطينيين حقوقًا متساوية لأنها بذلك لن تصبح دولة ذات أغلبية يهودية فتفقد شرعية الوجود ويتعرض جهاز دولتها للخطر، وينوه إلى أنه يكفي أن تقرأ المقالات، واليوميات، وأحاديث القادة الصهاينة، لتدرك أن الهدف الصهيوني من حرب 1948 كان تحطيم وإجبار الفلسطينيين على ترك وطنهم . ويظهر أيضًا أن الصهاينة قد صيغوا على شاكلة أفريكان جنوب أفريقيا .
وشوارتز يدين مواقف الأممية الرابعة كما يدين من أسماهم الستالينيين لأنهم لم يتناولوا حرب 1948 من منظور الطبقة العاملة العالمية وأيدوا "حق تقرير المصير لليهود" في واقع جديد زعموا أنه تطورت فيه " أمة يهودية ".
"من المستحيل في العالم الحقيقي أن تؤيد حق تقرير المصير للإسرائيليين والفلسطينيين معًا. وعلينا أن نختار جانبًا إما المستوطِنون المستعمِرون أو الفلسطينيون المستعمَرون والمضطهَدون. أن تؤيد حق تقرير المصير يعني أن تؤيد الحق في إقامة دولة. والدولة الصهيونية إن أقيمت حتى على أقسام من فلسطين لن تتحقق إلا بسرقة أراضي الفلسطينيين. ليس هذا فحسب بل وعنت أي دولة صهيونية ذات أغلبية يهودية طرد الفلسطينيين. وهو لا يري أن لليهود الحق في أن ينالوا دولة على حساب الحقوق القومية للشعب الفلسطيني "هذا ليس حق تقرير المصير، وإنما غزو لإقليم شعب آخر"؛ حسب تعبيره (29).
ويجادل هال درابر : "من أين تستمد المبدأ المطلق الرفيع لحق تقرير المصير لكل الأمم؟ هل يمكن أن تجده عند ماركس؟ بالقطع لا. لقد سجل ماركس موقفه بمعارضة مطلب حق تقرير المصير لملاك العبيد في الجنوب خلال الحرب الأهلية الأمريكية. ورفض ماركس وإنجلز في عام 1848 أن يؤيدا حق تقرير المصير للسلاف الجنوبيين لأنه كان سيخدم مصالح القيصر الروسي ، وقد كان مع الإمبريالية البريطانية يمثل عماد الرجعية . هل أخذته من لينين؟ بالقطع لا. كان لينين مع سحق استقلال بولندا في ظل هيمنة القوميين من الجناح اليميني الذين شاركوا فى الهجوم الإمبريالي على الثورة الروسية عام 1920. لا يدافع الماركسيون عن حق تقرير المصير للإمبرياليين الذين يضطهدون الأمم وإنما عن الأمم المضطهدة فقط .."إذا ما أزلنا الهراء عن المبدأ النبيل ونظرنا لكل مسألة من منظور أي سياسة هي التي تدفع قدمًا مصالح الطبقة العاملة فلابد أن نستخلص أن الموقف الصائب في حرب 1948 كان هو الانهزامية الثورية لإسرائيل والدفاع الثوري للدول العربية. "تأييدهم في المواجهة العسكرية بدون تأييد سياسي لأننا لا نستطيع أن نثق فيهم بشأن قيادة الصراع ضد الإمبريالية وضد الصهاينة" كان هذا سيكون الشعار الصائب "الطبقة العاملة فقط هي التي يمكن أن تكون موضع ثقة في تنفيذ تلك المهمة" (30).
ويرد جابرييل باير من العصبة الشيوعية الثورية والأممية الرابعة على هال درابر أيضًا:"... من الوهم الظن (1) أن الإمبريالية قد هزمت بخلق دولة مستقلة جديدة في صراع مناهض للإمبريالية أو (2) أن وجود دولة يهودية له تأثير تقدمي على الطبقة العاملة والحركة العمالية في البلدان العربية في الشرق الأوسط، و(3) أنه من المهم أن نوضح لكل اشتراكي في العالم أنه لم يكن من الممكن تأسيس دولة إسرائيل بدون دعم الإمبريالية الأنجلو-أمريكية. ويكتب لولا أن وفد الولايات المتحدة للأمم المتحدة أثر في / ورشا عددًا معينًا من وفود الدول الصغيرة، هاييتي، الفلبين وبلدانًا أخرى، ولو لم تسمح الولايات المتحدة لإسرائيل بالمال والعتاد وهو مامكنها من أن تدفع مقابل الأسلحة التشيكية بالدولار، ولو لم تعترف بالدولة الجديدة خلال بضع ساعات من إنشاءها، ولو لم يتسامح الجيش البريطاني وفتح الطريق إلى القدس بالغزو وإخلاء القرى العربية على طول هذا الطريق (في 2 مارس 1948 التحقت القوات البريطانية بقوات الهاجاناه لاقتحام حاجز عربي عند باب الوادي ، وفشلت في بواكير شهر أبريل في أن تتدخل حينما بدأت الأعمال العسكرية على طول الطريق ، وبعد ذلك في 6 أبريل أتى البريطانيون ببعض قطارات للتموين داخل المدينة، الخ) لو لم يأتِ الجيش البريطاني لإنقاذ المستوطنات اليهودية : دان وكفار زولد في الجليل الأعلى في التاسع من يناير وأخيرًا وليس آخرًا ، لو لم تنقذ الهدنة الأولى التي فرضتها الأمم المتحدة في يونيو 1948 القدس اليهودية من المجاعة والانهيار العسكري ؛ لو لم يحدث كل هذا ماقامت لدولة إسرائيل قائمة "(31).
وبعد، بدلًا من أن ينوه توني كليف بالدور العسكري للصهيونية التي سعت لإرهاب الجماهير العربية لإجبارها على الخضوع للإمبريالية ، ورؤية كراهية الجماهير العربية الموجهة ضد الصهيونية بوصفها شكلًا لمقاومة الإمبريالية حتى وإن كانت إرهابًا مضادًا، فقد رآها بوصفها شوفينية أسيء توجيهها تلاعب بها الإمبرياليون؛ "كان هدف الإمبريالية الأنجلو-أمريكية خلق قوة تلعب نفس الدور في إطار الشرق الأوسط ككل وهو الدور الذي لعبته الصهيونية لمدة 30 عامًا في فلسطين. بوصفها بؤرة للكراهية الشوفينية حيث تخدم في تحويل النضالات الثورية للجماهير العربية في الشرق الأوسط من كونها مناهضة للإمبريالية إلى مسارات دينية أو عرقية" (32).
في مقالة لقائد العصبة الشيوعية الثورية توني كليف في نوفمبر 1938، في فصل معنون النزاع العربي الإسرائيلي، كتب :
"ماهي أسباب هذا النزاع ؟ هناك إجابتان تطرحان في فلسطين. تقول المجموعات الصهيونية أن النزاع هو ببساطة تصادم الإقطاع والرجعية مع القوى التقدمية للرأسمالية. ويزعم القوميون العرب ومؤيديهم الستالينيين بأن هذا التصادم بين حركة التحرر العربي والصهيونية ولكن التفسير الأول خاطئ لأن حقيقة النزاع بين الإقطاع والرأسمالية لايفسر الحركة القومية التحررية في فلسطين. وهناك مظاهر مماثلة للقومية في البلدان المتاخمة (سوريا ومصر). أضف إلى ذلك فهو لايفسر كيف أن عصبة من الأفنديات نجحت في السيطرة على حركة قومية قوامها مئات الآلاف . من الواضح أن سبب التناحر بين الجماهير العربية والسكان اليهود لاينشأ من حقيقة أن الأخيرين ينعمون بمستوى أعلى من المعيشة وقد خلقوا حركة عمالية متصلة. إن معارضتهم الرئيسية تنبع من حقيقة أنهم يرون في السكان اليهود حملة الصهيونية ، وهي كنظام سياسي قائمة على الإقصاء القومي ، والعداوة لمطامح الجماهير العربية في الاستقلال ومقرطة النظام السياسي .
وجهة النظر الثانية، أى دعوى القوميين العرب، هي بالمثل خاطئة. فهي لاتأخذ في الاعتبار أن هناك نزاعًا فعلًا بين الإقطاع والتطور الرأسمالي، ثانيًا، أنه داخل الحركة القومية هناك بورجوازية عربية تتناقض مع الاقتصاد اليهودي المغلق مما يطور اتجاهات عربية إقصائية، وثالثًا ، أن السكان اليهود ليسوا جزءً من المعسكر الإمبريالي . يترتب على ذلك أن التصادم في النزاع العربي اليهودي هوبين حركتين إقصائيتين (بين الصهيونية وبين القيادة العربية البورجوازية شبه الإقطاعية من ناحية، ومن ناحية أخرى نضال الجماهير العربية ضد الصهيونية). إن الصراع الدائم من أجل تلطيف هذا النزاع ممكن فقط على أساس النضال ضد الصهيونية، ضد النزعة القومية العربية الإقصائية والأعمال المعادية لليهود، ضد الإمبريالية ومن أجل مقرطة البلاد واستقلالها السياسي ".
وهكذا نرى قائد العصبة الشيوعية الثورية يتبنى منهجًا مثاليًا، غير مادي ولادياليكتيكي، وهو يساوي بين القوميتين الصهيونية والعربية أو "الإقصائية القومية" بدون إدراك الاختلاف بين أمة مضطهَدة وأمة مستعمِرة مستوطِنة مضطهِدة (33).
على أية حال كان لابد لنا أن نتوقع من كليف أن يعرف مدى أهمية الكفاح داخل الطبقة العاملة الإسرائيلية اليهودية للانفصال عن الصهيونية والالتحام بالمقاومة الفلسطينية. وليست هناك فرصة أخرى لتحرير الطبقة العاملة في إسرائيل سوى طريق القطيعة مع روابط الصهيونية والدولة الإسرائيلية نفسها. كان يمكن لنا أن نتوقع من كليف، بوصفه اشتراكيًا يُعتقد أنه تروتسكوي أن رؤاه السياسية في فلسطين كان لابد أن تكون مختلفة. إلا أنه قد ساوى بين المستوطِنين المستعمِرين الذين تساندهم الإمبريالية البريطانية والمقاومة العربية للإمبريالية والصهيونية. ويبدو أنه لم يكن خلال نشاطه السياسي في فلسطين، قادرًا أبدًا ولا مستعدًا لينفصل بشكل متسق عن التأثير الصهيوني. وذلك واحد من الأدلة الأشد أهمية على افتقاد الطرائق الثورية اللاحقة.
وحتى في سيرته التي كتبها بعد ذلك بسنوات بعد أن غادر فلسطين لام العمال العرب. وكم يبلغ بك السخف حين تلوم الجماهير المضطهَدة وتتهمها بأن ذنبها أنها لم تؤثر في العمال الإسرائيليين وتدفعهم لموقف إيجابي ! (34)
وينتهي شوارتز في مقاله إلى أن المهمة الأساسية لكل الشيوعيين في إسرائيل والعالم العربي بالطبع هي بناء حزب ثوري متعدد الجنسيات منقوش على رايته : فلتسقط إسرائيل دولة التمييز العنصري ! ومن أجل جمهورية عمالية فلاحية من النهر إلى البحر! من أجل فلسطين حرة حمراء! بدون حزب كهذا، بدون النضال من أجل توجه ثوري لحركة العمال ، فإن قوى رجعية مثل القوميين والإسلاميين سوف تظهر بوصفها الإمكان الوحيد لقتال المعتدين الإسرائيليين! ومن ثم فإن مطلب إقامة جمهورية ديموقراطية واحدة من النهر إلى البحر لا يمكن أن يتحقق دون ثورة اشتراكية.

مقتطف من مقال ماركسيون لايساريون قوميون - ردا على جينارو جيرفازيو



#سعيد_العليمى (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هنري كورييل تاجر الثورة ومرابيها
- من روزنامة الثورة
- الماركسية وعلم النفس – بقلم سوزان روزنتال *
- التاكتيك الثورى فى أزمنة العواصف
- كلمة موجزة حول العمل الثورى فى أوقات الركود
- الإمساك بالقمر – وحلم الثورة - محمود الوردانى
- من ذكريات الثورة
- الأنماط الخمسة من الثوريين - دراسة سيكولوجية ا. شتينبرج
- إعادة بناء المادية التاريخية - جورج لارين ( الكتاب كاملا )
- هل أفاق أصحاب الوهم الدستورى ؟
- حزب العمال الشيوعى المصرى وقواعد العمل السرى فى ظل الدولة ال ...
- فى معنى المقاطعة الايجابية النشطة فى العام الثانى للثورة
- فى ذكرى رحيل مناضل : الشاعر حسن عقل وحلمه
- ثلاث صور
- حزب العمال الشيوعى المصرى وقواعد العمل السرى فى ظل الدولة ال ...
- حزب العمال الشيوعى المصرى ومسألة الحب الحر *
- البورجوازية البيروقراطية بين الفهم الماركسى وشعوذة المتمركسي ...
- حول قرار إلغاء حالة الطوارئ فى مصر هل يغير شيئا ؟ ملاحظات مو ...
- هل تجاوزنا أزمة غياب القيادة الثورية ؟
- حول تاريخية التوراة والبحوث الآثارية


المزيد.....




- مهسا أميني: كيف يواصل الشباب الإيراني النضال من أجل الحرية؟ ...
- الولايات المتحدة تحوّل كازاخستان إلى حقل للاختبارات البيولوج ...
- أسرار ألعاب أردوغان السياسية
- إيران تطلق سراح مواطن أميركي
- فاوسي كافح كورونا وضاعف ثروته
- وزيرا خارجية قطر وإيران يبحثان هاتفيا إحياء الاتفاق النووي
- موسكو تقرّ بالانسحاب من ليمان.. زيلينسكي للروس: ستُقتلون واح ...
- شخصا غير مرغوب فيه.. سفيرة الاتحاد الأوروبي تغادر نيكاراغوا ...
- مؤتمر المناخ 2022: الملك تشارلز لن يحضر قمة -كوب 27- في مصر ...
- ملك بريطانيا تشارلز الثالث لن يحضر مؤتمر المناخ في مصر


المزيد.....

- نحو رؤية وسياسات حول الأمن الغذائي والاقتصاد الفلسطيني .. خر ... / غازي الصوراني
- الاقتصاد السياسي للتحالف الاميركي الإسرائيلي - جول بينين / دلير زنكنة
- زيارة بايدن للمنطقة: الخلفيات والنتائج / فؤاد بكر
- التدخلات الدولية والإقليمية ودورها في محاولة تصديع الهوية ال ... / غازي الصوراني
- ندوة جامعة الاقصى حول أزمة التعليم في الجامعات الفلسطينية / غازي الصوراني
- إسرائيل تمارس نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) ضد الفلسطينيي ... / عيسى أيار
- كتاب بين المشهدين / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تونى كليف والموقف من القضية الفلسطينية / سعيد العليمى
- ” لست سوى واحدة منهم” حنّة آرنت بين اليهودية والصهيونية : قر ... / محمود الصباغ
- بمناسبة 54 عاماً على انطلاقة الجبهة الشعبية التطورات الفكرية ... / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سعيد العليمى - تونى كليف والموقف من القضية الفلسطينية