أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس منعثر - مسرحية.. وداعاً مؤقتاً.. عباس منعثر















المزيد.....

مسرحية.. وداعاً مؤقتاً.. عباس منعثر


عباس منعثر
شاعر وكاتب مسرحي عراقي

(Abbas Amnathar)


الحوار المتمدن-العدد: 7031 - 2021 / 9 / 27 - 23:49
المحور: الادب والفن
    


المكان: (غرفة عادية أو زنزانة. ينتصب في إحدى الزوايا جدار ضخم بعجلات، ثمة إطار صورة فارغ، جردل بول، وأشياء أخرى مبعثرة)
الشخصيات:
الرجل. صورته: (يمكن خلق التشابه بالزي ويمكن أن يقوم الرجل نفسه بدور الصورة على اعتبار الازدواجية والهلوسة التي يعاني منها)
الشبح.
الحارس.
صوت: (مرة يكون الصوتُ أنثوياً ناعماً ومرة رجولياً خشناً لتأكيد الازدواجية والهلوسة).
مجموعة الأشباح.

المشهد الأول
(يدخل الشبح- يقود مجموعة الأشباح- وكأنه يسبح في الهواء)

الشبح : الحياةُ تسير، لا إلى غاية؛ بل تسيرُ فحسب.
الرجل : (لنفسه) هل أنا في شارع، أما أنا داخلَ رأسي، رأسي الذي يكبرُ ويكبر... آه! يا للرأسِ الكبيرِ الفارغِ كطبل! أين أنا؟ أريدُ أن أعرفَ أين أنا، أريد أحداً يعرّفني من أكون...
الشبح : صدّقْ شيئاً واحداً فقط: لقد فقدتَ يا هذا كلَّ شيء إلى الأبد.
فقدت أحلامَكَ، حياتَكَ، كلَّ ما تنفردُ به كشخص وكلَّ ما تتساوى به مع الجميع... أتعرفُ من أنت؟
الرجل : قالوا...
الشبح : هراءٌ كل ما يقولون.. إن الأشياءَ تُخادع، هي غيرُ ما كانتْ عليه... أبداً لن تظلَّ كما كانتْ عليه... الأشياءُ تنمحي، تتبعُها أشياءٌ حتى لا يعودَ لشيءٍ أَثر. تَمسخُ الذاكرةُ شيئاً فشيئاً، يتحدّبُ الأملُ ويشيخ حتى يستحيلَ إلى ضباب، ضبابٍ سرعان ما ينقشعْ مخلفاً ضحكةً ساخرة!
الرجل : تمزحُ بالتأكيد.
الشبح : فتشْ في ذاكرتك......... أثثْ حياةً..... واملأها بوجودِك.
الرجل : الأسئلةُ تُطاردني كأنها كلابٌ متوحشة، تتبُعني في دروب عقلي... تنهشني، أتساءل...
الشبح : لا داعي للسؤال.
الرجل : أتساءلُ دائماً من كنت؟ من أكون؟ بلا...
الشبح : بلا ذاكرةٍ أنت، بلا مستقبل وحاضُرك وهمٌ ليسَ إلاّ... أنت يا هذا (باح)... وداعٌ مؤقت.
(ينزوي في مكان ما)
(يدخل الحارس وفي يده خيزرانة)
الحارس : ولد! ولد! كُنْ مطيعاً مثلَ امرأةٍ مرعوبة. فأنا لا أرضى بالزلل، لا أرضى بالتسيب. النظام والالتزام وإلا.. وإلا طحنْتكَ وكأني أكشُّ ذبابة.
الرجل : من أنا يا سيدي؟
الحارس : إنك تسألُ هذا السؤالَ في اليوم مائة مرة!
الرجل : من؟
الحارس : ذبابة ذبابة.
الرجل : لِمَ أنا هنا؟
الحارس : فمُكَ كبيرٌ على ما يبدو!
الرجل : أجبني أرجوك، أريد أن أعرف.
الحارس : لا تكن رعديداً هكذا كجُرذْ.. إذا كنتَ لا تعرفُ من أنت فأنت إنسانٌ مجنونٌ فقط، تُخرّف، لا ضيرَ عليك ولا منك مطلقاً... أنت شوكةٌ هناك وقرنفلةٌ هنا.. بين هذهِ الجدران تنبتُ كصفصافة.
الرجل : مجنون، يُخرّف؟
الحارس : من يأتي إلى آخر الدنيا هنا، يعني أنه ارتكبَ جُرماً شنيعاً وأنّ من صالحِ الجميع أن يُكبّل.
الرجل : أي جرم؟
الحارس : في عُرف الشذّاذ والخارجين على القانون أكونُ سفاحاً قذراً، هذا يُسعدني ما دمتُ أؤدي واجبي على أكمل وجه.
الرجل : ما الذي فعلته حتى يرموني هنا؟
الحارس : لا يهمني معرفةُ السبب، تُولد أنت وأمثالُك فقط حالما تطأ أقدامُكم هذه الجنة.
الرجل : تُسمي هذا الجحيم..
الحارس : تقصدُ الجوع؟ ذلك ما يُعاني منه الجميع، ليس مهماً. المهم: رضاك عن نفسِكَ وقناعتكَ بما بين يديك.
الرجل : لكنني مُقيد...
الحارس : لديك متسعٌ من المكان، ثمة زنازين ينامُ فيها المرءُ واقفاً، أو مُعلقاً من رجليه. اعلم يا هذا أن الناسَ جميعاً تحسدك على النعيم الذي أنت فيه، الكلّ، الكل يتهمنا بالفسادِ الإداري والمحسوبيةِ بسببك.
الرجل : ...؟
الحارس : طبعاً لا تدري. فطالما تُصاب بحالاتٍ هستيرية تعتقدُ فيها أنك ترى أشباحاً – يا ساتر- أو مسوخاً أو أُناساً يطاردونك- لا سمح الله –لكي يصبوا عليك الزيتَ الحار وينتفوا لحيتَك (ينتفها) أو يضربونك بالسياط (يضربه) أو ربما يعلقونك إن أمكنَ بحبلٍ غليظ ويُحكمون حلقتَه حولَ رقبتك نعم.. هكذا.. ويشدون الحبل (يشده على رقبته).
الرجل : إنني أختنق.
الحارس : أرأيت. أنك تتخيلُ فقط. صدقني الخيالُ يجعلُ البعيدَ قريباً، ثم تكتشفُ أنه أبعدُ من المريخ إليك. لا شيءَ يؤذي كالخيال.. ولو تُرِكت الأعنّة له، فاغسلْ يديكَ منكَ تماماً.. ألا تدري أن الكثيرين حاولوا استبدالَ أماكنهم بمكانك ودفعوا الكثير. أتمنى أن لا ينجحوا، رغم أن الاغراءات تلّينْ الحديد.
الرجل : وما يكونُ هذا المكان؟
الحارس : ألا تحسُّ بالسحر! سأتلو عليك سراً لا تُخبره لنفسك حتى، وإلا ضعنا جميعاً. النعيمُ يستلقي عارياً بجوارك.. ما عليك إلا أن تمدَّ يدك وراء هذا الجدار فتمتلئ.. في الجانبِ الآخر من الجدار ثمة أجساد إناثٍ.. بضّة (جانباً) خُدِع!
الرجل : وووووه!
الحارس : (مبالغاً بعض الشيء) كان ياما كان: كان ثمةَ نزيلٌ قويٌّ عملاق.. قضي هنا عشر سنوات، استطاعَ بجبروته والاستعانة بمطواته وعضلاته المفتولة... بالعمل ليلاً وفي السر، بعيداً عن أعينِ الرقباء أو بمساعدتهم –لا أدري- استطاع ذلك الجبار: أن يثقبَ الجدار.
الرجل : ثَقَبَ الجدار!
الحارس : حمار! في الليل، وحده، يحفرُ ويحفر، بلا كللٍ، كالمهووس، صنعَ ممراً طويلاً إلى السجن المقابلِ وبعد سنين هناك، تلقفَ الأجسادَ البضةَ لثماً وشماً، وعناقاً وضماً.. ما وراء الجدار مستعد لأي شيء وكل شيء.
الرجل : أجساد....... نساء.
الحارس : الآن بنوا حائطاً ضخماً ملاصقاً للحائط الأول، لا الجبار ولا ستون مثله يستطيع اختراقه، فقد جُعلتْ مونته من الحديد والإسمنت هذه المرة. محال، محال أن ينجحَ أحدٌ في اختراقه وإن كان قادماً من حرمان مؤبد. حتى لو استطاع ثقبَ الجدارِ الأول فسينتصب في وجهه الجدارُ الثاني، والثالث... الجدرانْ أمامك في كل مكان، الجدرانُ في كل مكان... فلا تفكرْ في الأمر، لا تفكر، وإذا فكرت مجرد تفكير فهي نهايتك، نهايتُك يا بوز الكلب!
(يخرج الحارس)
الرجل : أهذا الرجلُ حقيقة أم وهم؟
صورته : ما عدنا نُميزُ بينهما.
الرجل : هذا أنا، وهذه إصبعي، تلك أُذن وهذه أخرى: أذنان، هذا الأنفُ لي وهذا الرأسُ ملكيتي.. إذن أنا لا أحلم.
صورته : بم تُفكر؟
الرجل : بالجدار... والجبار.
صورته : لكنّه حائطٌ ضخمٌ من الحديدِ والإسمنت.
الرجل : سأجتازهُ بالإرادة.
صورته : قد تكون مجرد خدعة.
الرجل : خطوةٌ واحدة تفصلني عن الحياة.
صورته : ألم تسألْ نفسَك، ثم؟
الرجل : ما دمتْ ميتاً لا محالة فليكن موتاً من أجل شيء.
صورته : ستجن.
الرجل : وربما أصل.
صورته : وبعدها.
الرجل : أجدُ حريتي.
صورته : إنك تخدعَ نفسك بالأمل.
الرجل : بل نخنقها باليأس.
صورته : قريباً سيهطل الصباح.
الرجل : كل ليلة سأحفر، واحفر، لأخلق داخل كل ممنوع ما هو مباح.
(يدخل الشبح)
الشبح : آووه! باح! ليس لشيء معنى، ما تفكر فيه ستحطمه الخيبة قريباً.
(الرجل مستمر في الحفر)
الشبح : لقد خدعوك، وحكوا لك حكاية عجائز زائفة.
الرجل : وإن يكن، سأكون الجبار الذي يتحدثون عنه.
الشبح : ذلك الذي يدعونه (الجبار) مجردُ غبي أحمق. إنه إهزوءةُ السجون كلِّها.. حاول أن يحفر الجدارَ، لكنه وحين بلغَ السبعين، ماتَ بالجلطة، ولم يحفِرْ سوى سبعةِ سنتيمات فقط.
الرجل : سأحفر العالمَ كلَّه كي أصل
(يدق ويتصنت ويحفر).
الشبح : لن يسمعك أحد، اليأس.. اليأسُ هو الخلاص الوحيد.
الرجل : (منتفضاً على نفسه) ما أنت سوى فكرةٍ سوداء يزرعها اليأسُ في أملي، سأقضي عليك بإرادتي.. إرادةِ الجبار الذي ثقبَ الجدارَ ورأى النور.
الشبح : جرثومة معدية. يحلم أكثرَ من اللازم، ويتكلمُ أكثرَ مما ينبغي.
(ينزوي في مكان ما)
الرجل : (متعباً من الحفر) كلا. استمر في الدق، أدقُّ أدق أدق.
الشبح : عليك أن تعوّدَ نفسَك على الوحدة.. الوحدةِ الأبديةِ المظلمة.. نعم عليك أن تفكر في لا شيء حتى تضمحل قوى عقلك وتنهار، فتنام. (الرجل يغفو. يحلم بفتاة تتراقص أمامه، تتحول إلى بجعة بيضاء، ترقص في الضوء، تهرب لأن غراباً كبيراً يطاردها وتحاول صورته أن تمنع الغراب من القبض عليها).
الشبح : (في نفس لحظة الحلم) طيط! لذة ما بعدها لذة: أن يتيبس غصن، بهجة ما بعدها بهجة: أن يتحطم قلب، غبطة لا نهائية: أن ترى إنساناً يتحطم أمامك، ينهار هكذا كجدار ضخم. تش. من أمتع الأشياء تخريب الأشياء.
(يختفي الشبح)
(الرجل يحفر بهمة، يتعب ينام، يحفر بهمة يتعب ينام، يحفر بهمة... الحارس يتجول في المكان، الشبح يطير، الحارس يتصنت، الشبح يعاني ويتلوى، الرجل يحفر يتعب ينام، طائر أبيض يمر ويسمع الرجل أثناء دقه العنيف دقاً خفيفاً من الجهة المقابلة. صمت)
الرجل : (بأقوى ما يستطيع) الدقات الدقات (يفرك أذنيه) تأتي من هنا، لا من هناك. لقد سمعت دقة، بل نقرة خفيفة طرية. تباً للموت. (يدق بعنف) لا موت مع الحياة، أنا الجبار الذي ثقب الجدار ورأى النور
(يقفز في الهواء، يدق على الجدار من أعلى ومن أسفل، يستجمع قواه، ويثب وثبة هائلة، يصرخ، يغني يتشقلب، يرفس، يعوي، يتعرى، وصورته تشاركه فرحه).
صورته : لقد نجحت.
الرجل : هذه هي لحظة الولادة.
صورته : لست وحيداً في هذا العالم.
الرجل : (يدق) أجيبي. (يسمع نقرة) أنها تجيب على دقاتي.
الشبح : (بصوت نسائي) هذه الدقات لي، أنا دققتها على الجدار. نعم نحن النساء نجلب التهلكة دائماً، فما أن نبعث الأمل في قلوب الرجال حتى نقتله فيهم إلى الأبد. طيط.
(الرجل في زاوية يندلق عليه ضوء أخضر وصورته تتجاوب معه خلف الجدار)
الرجل : بمفردك تجلسين.. قلقة علي.. خائفة لئلا يقطع الاتصال. فلنتفق على معنى الدقات. لنخلق لغة خاصة بنا. دقة مفردة: صباح الخير. دقتان: مساء الخير... ثلاث دقات... أربع دقات، عشرون.
الشبح : (يغني) الحياة تسير لا إلى غاية بل تسير فحسب، لا لا لا لا لاه، لا لا لا لا لا لا لاه. (ينزوي)
الرجل : لن ينال أي كائن من فرحي.
(الرجل يدق ويضحك يدق ويبكي وكان أحداً هناك على الجانب الآخر من الجدار، تمر الليالي.. يمر الطائر الأبيض...)
(صورة الرجل تراقص الطائر تحت ضوء خافت)
الرجل : (يناغي صورته) لا بد أنها تتخيلني الآن مثلما أتخيلها، تتمناني مثلما أتمناها.. مرت أعوام طويلة، ساعات، لا أدري، لكن يا له من مشهد: أنا أضع أذني إلى الجدار وهي تضع أذنها في المكان نفسه.. وكلانا ينصت إلى الآخر بتلهف. أناديها: أتسمعينني.
الشبح : (صوت خشن) لا.
صوت : (نسائي رقيق) أسمعك! أسمعك!
الرجل : ها! أسمعك. من أنت؟
الشبح : لا أحد، لا أحد.
صوت : فردوس، من أنت؟
الشبح : خيال، وهم.
الرجل : أنا، أنا لا أذكر...
(يدخل الحارس)
الحارس : أنت، أنت الرجلُ المحظوظُ الذي أجلسته الأقدارُ على العرش في هذا المكان.
الرجل : ....
الحارس : إيه! محظوظٌ أنت، رغم أنك تبدو مثل جرذٍ مبلل، لكنك محظوظٌ وشيبتي المقدسة.
الرجل : (يتنصت إلى الجدار)
الحارس : ممممم! موعدٌ غرامي. لكن للأسف، للأسف.
الرجل : ماذا؟
الحارس : (بطريقة بادية التصنع والمبالغة) لا بدّ للسعادة من منغص، لا بد من خيطِ المرارةِ يدسه أحدهم في بلعومك. يا إلهي، لا بد من الأيدي السوداء تعبث بالقلوبِ البيضاء لتخنقَ فيها الغسقَ الأخضر.
الرجل : لماذا؟
الحارس : أوه، لم كل هذه التعاسة، ألا بدَّ من المأساة؟
الرجل : سأجن ماذا حصل؟
الحارس : حصلت الكارثة. النفوسُ الدنيئة تطاردك، تغبطك على النعمة الهائلة والهناءِ المقيم الذي أنت فيه. تصور، يا جرذ، أن النزيل المجاور بلغت به الدناءة والوقاحة حد أن حاول وظل يحاول وما زال يحاول- وهو للعلم قادرٌ ومستعد- أن يدفع كل ما يملك وما لا يملك، لكي أنقله إلى.. فردوسك هذه.
الرجل : لا! يريدون سلبي آخر ما أملك
الحارس : قساة، ماذا نفعل.
الرجل : ورفضتَ بالتأكيد.
الحارس : الرفضُ والقبولُ شيءٌ فيه نظر، من يدري ما تخبئ الأيام.
الرجل : وكرامتك الشخصية.
الشبح : (يبصق جانباً) الحاجة. الحاجة أمُّ الانحراف، تلتهم ولا ترحم... ساعدني كي لا أنحرف.
الرجل : أنت رجلٌ مستقيم.
الحارس : الحاجة تحوّل المستقيم إلى دائرة.
الرجل : ........
الحارس : التلوي جوعاً وحرماناً يذيب الحجر، ماذا أفعل؟ أتريد تشريد عائلتي المتكونة من ألف وخمسمائة طفل، طفل ينطح طفلاً! أم يسعدك أن تعمل زوجاتي التسعون في الدعارةِ لكسب العيش؟ لدي أولاد- أفواه مفتوحة على الدوام وعائلتي كبيرةً وستُشرد إن لم أفعل ذلك.
الرجل : لن تفعل.
الحارس : إن لم أفعل يفعل غيري، فالعالمُ ينزلق.
الرجل : لكنني أرفض.
الشبح : طيط.
الرجل : أرفض أن أترك المكان ولو على جثتي.
الحارس : من أنت حتى ترفض أو تقبل، ومن استأذنك يوماً.. ومن سيستأذنك.. أنت مُقادٌ من أنفك مثلك مثل أي شيء آخر.
الرجل : لن يسلبني أحدٌ وجودي.
الحارس : وكم يستحق وجودك هنا؟
الرجل : كان لا يستحق شيئاً.
الشبح : (جانباً) ضاعت الصفقة. والآن أكيد إنه يستحق..
الحارس : حياتي.
الرجل : عظيم.. إذن ستحتفظ بوجودك سالماً من أي شائبة، لأنك تستحقه.
لكن عليك أن تدفع..
الرجل : أدفع؟
الحارس : كل شيء يسيرُ الآن بالدهون، تدهن الماكِنة تعمل، لا تدهنها تنقلب في وسط الطريق. الدهن هو أصل العالم. ولكي تبقى إِدهن بلعومهم.
الرجل : سأعطيك كل ما تريد (يعطيه جردل البول) وما تستحق (حذاءه) خذ هذا (قميصه) خذ خذ، لك ما تريد، (يحتضن الجدار) إلا هذا.
الحارس : لديّ بضعة أوراق صغيرة. شخبط هذا فقط وهنا، نعم، اتفقنا.
الرجل : (يحتضن الجدار).
الحارس : (جانباً) يظنني أقايضه على المكان.. ما هو المكان؟ أربعة جدران مغلقة ونافذة صغيرة كخرم الإبرة. ثم ما الجدار؟ أساسٌ أرضيّ، طابوق.. وإسمنت ليس إلاَّ. المهم، شكراً للأقدار، فلو كان الناس أذكياء جميعاً ولا وجود لغبي بينهم لمات الناسُ جوعاً أو غيظاً.. يا ليت الأقدار تبعث كل يوم بألفِ مَعتوه مثله، حتى نكسب عيشنا بشرف.
(يغادر)
الرجل : (يدق) سيدتي، سيدتي. (يتحد الرجل بصورته).
(تدخل الأشباح تتراقص في المكان).
الرجل : أريد أن أقول لك.
(يحولون بينه وبين الجدار).
الرجل : أريدُ أن أُصارحك..
(بصخب تعيقه الأشباح عن البوح).
الرجل : إنني، إنني..
(صخب عنيف)
الرجل : أحبك!
الأشباح : ههههههههه! هههههههههو! هههههيييييي!
الرجل : أحبك.
صوت : وأنا كذلك.. أحبك.
الرجل : أحبك.
(إظلام)

**
المشهد الثاني

الشبح : ألا ترونَ معي أن النهاية السعيدة فاترةٌ بعض الشيء، تؤدي إلى الاطمئنان وعدمِ الالتفاتِ إلى.. الخَطَر، نعم ما دام كلُ شيء على ما يرام، فلا داعي للحركة. النهاية السعيدة غبيةٌ، وغير مقنعة بتاتاً. لذَّةُ الألم تعادل ألف طن من السعادة الفاترة، السعادةُ وهم والتعاسةُ الأصيلةُ هي الحقيقةُ الوحيدة، أكاد أموت غيظاً وأخاف من ابتسامة النهاية. حان وقتُ العمل.
(ينزوي)
(مرور وقت)
(هو وصورته في قلق كبير)
الرجل : (جيئة وذهاباً) ما الذي حصل يا ترى؟ فردوس أين أنت؟ لم تقل صباح الخير، لم تقل مساء الخير، كم مرَّ على ذلك؟ شهر، سنة؟ سنين؟ هل انتقلت إلى مكان آخر، أهيَ مريضة؟. لا لن تنتقل، ستفعلُ المستحيل من أجلي.
الشبح : إنك تبحث عن الماء في السراب. (بألم) الحياة لم تعطِ.. حتى تأخذ. من أنت، كائن لا يعرفُ.. غير هذا القبو.. كان بإمكانك أن تعيش، أن تذوق السعادة بطعمها الحقيقي، لكنك معزول هنا، لا صديق ولا حبيبة، لا أمل سوى وهم الأحلام بينما العالمُ يصخبُ بعيداً عنك، والعمرُ يزحفُ عليك. ستهرم قريباً وتنظر إلى الخلف بحرقةِ ألف عام من الوحشة، ستندم بعمق، وتبكي بحرقة، لأنك لم تعش الحياة ولم ترها.
الرجل : أُغربْ عن وجهي.
الشبح : ستنقشع الظلمة لتجد نفسك عارياً إلا من الخيبة.
الرجل : ستعود.
الشبح : كيف تصل إليها إذن؟ ملايينُ الجدرانِ دونك، أتحفر الصخر بأظافرك وقد غزتك الشيخوخة؟ إنك تعبثْ بنفسك. اليأسُ مفتاحُ الفرج.
(يختفي).
(يدخل الحارس).
الحارس : ماذا تفعل يا مجنون؟ الحفرُ ممنوعٌ هنا.
الرجل : أين هي يا سيدي؟
الحارس : من؟
الرجل : فردوس؟
الحارس : أي فردوسِ هذه! اسألني عن الموت عن العذاب.
الرجل : أين هي؟
الحارس : نحن نقدّم الجحيم فقط.
الرجل : سأعطيكَ ما تريد.
الحارس : لم يبقَ ما أريده، لقد خُتِم عليك بالنهاية.
الرجل : كم تريد؟
الحارس : قالوا عنك الكثيرَ من الإشاعات، لكنني لم أتخيّل أنك بهذه الدرجة من السوء. ابتعد عن الجدار قلت لك.
الرجل : أين هي؟
الحارس : سننقلك من هنا لأنك متمرد.
(يهم بالذهاب).
الرجل : لا تذهبْ، قل لي.
الحارس : ابتعد يا مجنون.
الرجل : لن أتركك حتى تقرّ بالحقيقة، قل لي وإلاَّ حززتُ رأسك وأكلت كبدك.
الحارس : سفّاح.
الرجل : لن تهرب منّي. سأريكَ الألمَ الذي تُسببه للآخرين وأنت تبتسم.
الحارس : إنني أختنق.
الرجل : بل إنك تتخيّل فقط. تتخيّل أحداً يلفُّ الحبل حول رقبتك هكذا، وتتخيله يعقده هكذا ويسحبُ بقوة.
الحارس : آآآآآآآ!
(تدخل الأشباح وتمارس طقوسها الراقصة).
الرجل : أتريدُ دهناً لبلعومك؟ خذ.. خذ.
الحارس : أنقذوني.
الرجل : قل لي، النزيلة، أما زالت هناك، ماذا حلَّ بها؟
الحارس : أية نزيلة يا بني.. إنني أموت.
الرجل : قل.
الحارس : (مختنقاً إلى درجة أنه يصدّق نفسه) لقد رحّلوا النزيلات منذ زمن بعيد. والغرفة المجاورة يسكنها رجلٌ مثلك.
الرجل : تكذب.
الحارس : أخ! صدقني، لا أحدَ هناك. ليس وراء الجدار سوى رجل مجنون آخر.
(يتملص الحارس ويهرب).
الرجل : ليس هناك فردوسٌ بالمرّة!!
يتشمع في مكانه).
الشبح : يا لـه من مسكين بائس. إيه، قلناها ونُعيدها ثانية: الحياةُ تسير، لا إلى غاية، بل تسيرُ فحسب.
(يغادر).
(دقات خفيفة).
صوت (خفيض): أنا فردوس..
(الرجل يلتفت.. تقترب صورته من الجدار).
صوت : من أنت؟
(صمت مطبق)
صوت : من أنت؟
صورته : أنا...
(ختام)
..............................
نشر هذا النص ضمن كتاب (مأساة روما) الصادر عن اتحاد الكتاب العرب/ دمشق/ 2003.



#عباس_منعثر (هاشتاغ)       Abbas_Amnathar#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسرحية.. أسنان الحصان: كم هي؟.. عباس منعثر
- مسرحية.. براميسيوم.. عباس منعثر
- مسرحية.. أحلامُ السيّد حُفرة!.. عباس منعثر
- مسرحية.. عَوْ.. عباس منعثر
- مسرحية.. سريرُ مورفيوس.. عباس منعثر
- مسرحية.. 400 متر موانع.. عباس منعثر
- أف تي أم
- مونودراما.. أعظم قصيدة في العالم.. عباس منعثر
- مونودراما.. فارماكوس.. عباس منعثر
- مونودراما.. 1890..
- مونودراما.. لو كان للقطط سبعة أرواح.. عباس منعثر
- مونودراما.. حديقة اوفيليا.. عباس منعثر
- مونودراما.. الخنازير.. عباس منعثر
- مونودراما.. الإسراء والمعراج.. عباس منعثر
- مونودراما.. صولو.. عباس منعثر
- مونودراما.. الشّقشقةُ الألمعيّة في العُصبةِ النعاليّة.. عباس ...
- مونودراما.. كريستوفر مارلو.. عباس منعثر
- مونودراما.. مأدبة فرويد.. عباس منعثر
- مونودراما.. ترفكلايت.. عباس منعثر
- مونودراما.. على حافة الثقب الأسود


المزيد.....




- فيلم -شِقو-.. سيناريو تائه في ملحمة -أكشن-
- الأدب الروسي يحضر بمعرض الكتاب في تونس
- الفنانة يسرا: فرحانة إني عملت -شقو- ودوري مليان شر (فيديو)
- حوار قديم مع الراحل صلاح السعدني يكشف عن حبه لرئيس مصري ساب ...
- تجربة الروائي الراحل إلياس فركوح.. السرد والسيرة والانعتاق م ...
- قصة علم النَّحو.. نشأته وأعلامه ومدارسه وتطوّره
- قريبه يكشف.. كيف دخل صلاح السعدني عالم التمثيل؟
- بالأرقام.. 4 أفلام مصرية تنافس من حيث الإيرادات في موسم عيد ...
- الموسيقى الحزينة قد تفيد صحتك.. ألبوم تايلور سويفت الجديد مث ...
- أحمد عز ومحمد إمام.. قائمة أفلام عيد الأضحى 2024 وأفضل الأعم ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس منعثر - مسرحية.. وداعاً مؤقتاً.. عباس منعثر