أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جلال الاسدي - لا تكن واثقاً من شئ … ! ( قصة قصيرة )















المزيد.....

لا تكن واثقاً من شئ … ! ( قصة قصيرة )


جلال الاسدي

الحوار المتمدن-العدد: 6918 - 2021 / 6 / 4 - 11:52
المحور: الادب والفن
    


بمجرد ما يتذوق الظلام طعم النور ، يخف تألق النجوم .. يتثائب الفجر ، ويشقشق سريعاً . تهب عصافير الدوري الطيبة ساعيةً الى رزقها الشحيح فيما تلتقط من فُتاتٍ من هنا وهناك !
ينهض عامر من فراشه عند سماعه صوت المؤذن .. متثائباً نصف نائم .. يفتح عينيه ويفركهما بشدة هامساً بما يحفظ من آيات وأدعية ، وهو لا يزال تحت تأثير النعاس .. يوقظ زوجته هاجر التي تكبره بثلاث سنوات ، ثم يستدير ويهم بالانصراف .. تستوقفه وتسأله في صوت منخفض يغلب عليه النعاس :
هل أيقظت الاولاد ؟ يحرك رأسه بالنفي …
يقف امام أَسِّرة اولاده حمودي وعلاوي حائراً متردداً .. تلكزه غريزة الأبوة بعنف ، يمتلئ قلبه اشفاقاً وحناناً عليهم ، اجساداً طفولية متعبة أحوج ما تكون إلى اغفاءة الفجر اللذيذة ، لكنه يستسلم أخيراً في قلة حيلة لارادة الزوجة المتزمتة .. ثم يتوجه الى الحمام متكاسلاً ، ليتوضأ استعداداً لصلاة الفجر ! يتناول السجادة بحركة آلية ويفرشها ، وفمه يكاد يتمزق من كثرة التثاؤب ، وكأن ماء الوضوء قد فشل في إيقاظه !
يقف منتصباً امام القبلة ، وهو يهرش في مؤخرة رأسه ولحيته ، ويفرك انفه بقوة ، ثم يُعدّل من هيئته ، ويعتدل في وقفته ، ويدخل أخيراً في روحانية الصلاة خاشعاً في جو من الصمت والجلال .. يقف خلفه اولاده الاثنين متململين يلعب النعاس باجفانهم ، وهم شبه نيام ، تليهم زوجته هاجر .. يرفع رأسه المثقل بالنعاس الى أعلى .. مكبراً ، ثم يسترسل في الصلاة حتى نهايتها .. يلملم السجادة بهدوء ، ويتهالك جالساً على حافة السرير .. ملاعباً حبات مسبحته ببطء وتكاسل ، وشفتاه لا تكفان عن الغمغمة ، ومن يراه من بعيد يظنه شيخاً جليلاً او إماماً ورعاً لجامع عريق ، قد أفنى عمره في التديّن وخدمة الدين !
ورغم تطليقه للماضي وتمزيقه لكل صوره ، إلا ان ذكراه لا تزال راسخة ترفض التزحزح ، واليوم لم يستطع ان يمنع ذهنه من معابثة الذاكرة ، واستجلاب روائح الذكريات العطرة للأيام الخوالي التي كان عليها قبل ان يهتدي الى الايمان على يد زوجته هاجر .. تذكر كيف كانت حياته مليئة بالسهر والصخب والعربدة بصحبة اصدقاء العمر الطيبين تتخللها ضحكاتهم ونكاتهم البريئة المثقلة بالسعال ، والمليئة بالمرح والخالية من الهم ، ولشد ما كانت تبدو الحياة محبوبة لذيذة وسهلة عندما تسري عذوبة الخمر في مفاصل الروح والجسد ! وكيف كانت تدور زجاجات البيرة المثلجة بين الاصدقاء بدون حساب ، ويتذكر كيف كان يعود الى البيت ، فتمتلئ الغرفة بانفاس الخمر ، وكأنه قد استحم به ، ثم ينام مع زوجته وهو لا يكاد يراها ، حتى وهو يأخذ منها حق الزوجية !
يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ويتناول القرآن .. يقّبله ويرفعه الى جبينه باحترام شديد ، ثم يأخذ بتقليب صفحاته في هدوء عذب وسكينة .. يتوقف فجأةً امام سورة النساء الآية ثلاثة ، وكأن عقرباً لدغه : ( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ… الى آخر الآية … ) يعيد قراءة الآية مرات ومرات ، وكأنه يراها لاول مرة .. يسرح في خياله بعيداً ، مستسلماً لعذوبة الأحلام ، وعقله لا يتوقف عن التفكير ، ثم تنفرج اساريره فجأةً .. راسماً ابتسامة غامضة على وجهه .. وتنّد منه ضحكة مبتورة ، وكأنه كان يفكر في أمرٍ ما .. !
في الفترة الاخيرة بدء يرى زوجته على حقيقتها خاصة عند الاستيقاظ في الفجر لأداء فريضة الصلاة ، وعبوس ما بعد الاستيقاظ يلازمها ، فيزيد من دمامتها وكهولتها .. ألم يكن يراها من قبل ؟ وأنّا له بذلك ، وقد كان أما سكران أو نصف سكران أو منتشي ، حتى أثناء العلاقة الحميمة لم يكن في كامل وعية .. واليوم وبعد ان سخّر له الله مَن هداه الى الايمان ، وترك الخمر دون رجعة إنشاء الله ، واصبح يرى الدنيا بمنظار كُحلي جديد ، بات لا يرى من زوجته سوى النصف الفارغ من الكأس ، ويتساءل : كيف تمكن من الاستمرار في العيش ، ولا يزال مع هذه المرأة التي تشبه الغراب في سحنتها كل تلك السنين العجاف ، واين كان منها ؟!
وفي اليوم التالي ينفرد بالشيخ في ركن من اركان الجامع الذي يصلي فيه الجماعة ، ويسأله عن معنى الآية الكريمة ، فيؤكد له الشيخ ان الشرع الحنيف يبيح له ان يتزوج اثنتين وثلاثة وحتى أربعة نساء ، وفي آن واحد ان كان مقتدرٌ مادياً ، وإن كان يرغب في ذلك ، فطار صوابه وتفتحت عيونه على بهجة جديدة من مباهج الدين والحياة .. منعته الخمر وحياة اللهو والعربدة من التفكير بها سابقاً !
أصبحت هذه الاية المفضلة عنده بلا منازع .. يأسره جرس كلماتها ومعانيها ، وهو يسمع الشيخ عبد الباسط يجوّدها بصوته الجميل العذب حتى اشترى كاسيت خصوصي لها .. يضعه صباح مساء ليشنف آذانه برنينها ، وهو يردد منتشياً الله الله يا شيخ ، ويمشي معه مردداً .. نعم .. وثلاث ورباع .. الله يحفظك يا شيخ ، وهاجر فرحانة بزوجها ، وفخورة بعملها على هدايته التي ستقربها الى الله ، وتضيف الى حسناتها حسنات تقربها خطوة من الجنة !
كانت هاجر تقرء شيئاً من القرآن هي الأخرى كل يوم للبركة وطرد الشياطين دون التعمق في معاني ما تقرء ، وعندما فتحت القرآن وجدت ريشة النعام مستقرة تعلِّم على الاية ثلاثة من سورة النساء ، ومع ذلك لم يرد على قلبها خاطر سوء ابداً .. كانت غافلة تسبح في العسل !
تهنئ النسوة هاجر ، على انتشال زوجها من المعصية ، وطريق الظلال ، وتخليصه من عذاب النار .. تستقبلهن ودموع الفرح والسعادة تملأ عينيها ، وتقف امامهن متفاخرة مزهوة ، وابتسامة الرضا والاطمئنان تملأ وجهها ، وهي تتلو على مسامعهن كيف اصبح زوجها متديناً واطلق لحيته ، ويؤدي الفروض في اوقاتها قائماً محتسباً .. متمسكاً بها ومعترفاً بفضلها عليه ، ويزداد تدينا يوماً بعد آخر آملاً في الآخرة ، انها معجزة .. الحمد لله ! وقد عزموا هذا العام هي وزوجها على اداء مناسك العمرة ، وعقبال الحج الاكبر إنشاء الله ، حتى اصبح لكل شئ في حياتهم هدفاً ومعنى .. ثم ترفع يديها الى السماء ، ولسانها يلهج بالشكر والامتنان على هذه النعمة ، وهي اليوم سعيدة تكاد تطير من الفرح والسرور !
يغادر عامر واولاده الى الورشة لبدء عمل يوم جديد ، وذهنه لا يكف عن الحركة والنشاط ، وهو يقلّب بين يديه مصيره مع زوجته هاجر التي لم يقربها منذ تخليه عن الخمر رغم اشتداد أزماته الجنسية ، ورغم احساسه بأن جسدها في توق عارم اليه ، ويتساءل : هل حانت اللحظة التي لم يكن يتوقعها ابداً طوال حياته ، ويبدء حياة جديدة مع دماء شابة طرية جديدة ؟!!
وتمر الايام ويتعاقب الليل والنهار في دورة الكون التي لا تهدء .. ثم وبشكل مفاجئ يبدء الاولاد بالعودة الى البيت لوحدهم دون الاب الذي أخذ يتعذر بكثرة العمل الذي يفرض عليه ان يبقى الى وقت متأخر من الليل ، وأحيانا يضطره الى السفر الى العاصمة لاسبوع او أكثر لشراء قطع غيار لورشته لتصليح السيارات ، وعند العودة تراه يظهر بوجه جديد رائق منتشي ، تكاد السعادة تفر من عينيه !
حتى كان يوماً لا يُنسى تعالت فيه اصوات مختلطة ، وتُسمع جلبة ، ثم يزداد الصخب ويعلو .. يشهق الجميع ، وهم يسمعون صرخة مدوية تمزق مخالبها ستار الليل قادمة من بيت عامر ابو علي .. يتسللون الى البيت كالزنابير ، واذا بهم امام الشيخة هاجر كما كانوا يطلقون عليها لورعها وتدينها ، باكيةً ملتاعة مجهدة مشعثة الشعر .. وجهها اصفر وفمها جاف ، وهي تصرخ وتولول وتضرب الخدود ، والشرر يتطاير من عينيها ، وكأن جنياً قد مسها او عفريتاً ركبها ، وتكاد تتهاوى على الارض ، وقد نال منها التعب والارهاق .. يردد الجيران ابصارهم بينها وبين بعضهم البعض ، وبعد الحاح الجارات بالسؤال عما جرى .. تقف منتصبة ، وهي تبتلع عبراتها ، وتبحث عن صوتها ، ثم تُطلقها مدوية بصوت محتقن حزين بأن :
عامر الكلب الخائن أبو العرق .. قد تزوج عليها !!






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جوهرة مدفونة في العفن … ! ( قصة قصيرة )
- بداية السقوط … ! ( قصة قصيرة )
- نزاع مسلح … ! ( قصة قصيرة )
- معالي الباشا في حيّنا … ! ( قصة قصيرة )
- الكفيف … ! ( قصة قصيرة )
- زوجة … لا حدود لغيرتها … ! ( قصة قصيرة )
- إيه يا زمن … ! ( قصة قصيرة )
- عندما تغضب أُمنا الطبيعة … ! ( قصة قصيرة )
- لسعة السياط … ! ( قصة قصيرة )
- مخالب الشيطان … ! ( قصة قصيرة )
- قلوب لينة … ! ( قصة قصيرة )
- من أيام الحصار … ! ( قصة قصيرة )
- الفرصة لمن يقتنصها … ! ( قصة قصيرة )
- بائع الجرائد الاعرج … ! ( قصة قصيرة )
- أحلام مستحيلة … ! ( قصة قصيرة )
- لحظة شجاعة نادرة … ! ( قصة قصيرة )
- أرملة في بازار … ! ( قصة قصيرة )
- مشروع زواج فاشل … ! ( قصة قصيرة )
- هاشم الغبي … ! ( قصة قصيرة )
- موعد مع اليأس … ! ( قصة قصيرة )


المزيد.....




- ماذا قال جورج وسوف للسعوديين بعد صعوده على المسرح خلال حفله ...
- النقابات الفنية المصرية تهاجم إيمان البحر درويش بسبب فيديو - ...
- ميدل إيست آي: كتب لجيل نوبي جديد يكتشف لغته
- الشاشة العملاقة تنهار قبيل انطلاق مهرجان الموسيقى في الولايا ...
- عن السينما- سينما العصابات
- النقابة الوطنية للصحافة تحذر من التوظيف السياسي والمشبوه لمز ...
- معرض -ماكس-2021- يعرض فيلم -الطيار- عن أبطال الحرب الوطنية ا ...
- هل هذا ما رآه باز ألدرين على القمر؟.. فنان -يفكك- صورة من مه ...
- إيمان البحر درويش يعلن هجرته من مصر... والنقابات الفنية عن ت ...
- فنانة لبنانية تدخل القفص الذهبي بعد قصة حب مميزة


المزيد.....

- معك على هامش رواياتي With You On The sidelines Of My Novels / Colette Koury
- ترانيم وطن / طارق زياد المزين
- قصة الخلق . رواية فلسفية. / محمود شاهين
- فن الرواية والسينما والخيال: مقابلة مع سلمان رشدي / حكمت الحاج
- أحمر كاردينالي / بشرى رسوان
- بندقية وكمنجة / علي طه النوباني
- أدونيس - و - أنا - بين - تناص - المنصف الوهايبي و - انتحال - ... / عادل عبدالله
- التوازي في الدلالات السردية - دراسة ذرائعية باستراتيجية الاس ... / عبير خالد يحيي
- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جلال الاسدي - لا تكن واثقاً من شئ … ! ( قصة قصيرة )