أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نعيمة عبد الجواد - عالم دون دول في الطريق إليك















المزيد.....

عالم دون دول في الطريق إليك


نعيمة عبد الجواد
أستاذة جامعية، وكاتبة، وقاصة، وشاعرة، وروائية، وباحثة، ومكم دولي

(Naeema Abdelgawad)


الحوار المتمدن-العدد: 6886 - 2021 / 5 / 2 - 20:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


د. نعيمة عبد الجواد
الحقيقة صادمة ولا تسعد من يعرفها، بالرغم من زعم الكثيرين البحث عنها، لكنهم بالفعل لا يبحثون إلا عما يشبع أهواءهم ويرضي غرورهم كبشر يشعرون بالتفوق عن الآخرين بمعرفتهم معلومة يظنون أنها الحقيقة. وحتى وإن شاب تلك المعلومة بضع لمحات من الحقيقة، فإنها لسوف تظل على الدوام حقيقة منقوصة لمعلومة جعلت من يمتلكها عبدًا لها، ولا يستطيع الفرار من امتلاكها له. والأديب والفيلسوف الإنجليزي ألدوس هاكسلي Adlous Huxley (1894-1963) يحذر من اليوم الذي سوف يعرف فيه الإنسان الحقيقة بقوله: "لسوف تنبلج لك الحقيقة، ولسوف تجعلك الحقيقة تفقد عقلك". فالإنسان في العصر الحديث قد وقع في حبائل الجهل، بالرغم من إدعاءه المعرفة، وصار عبدًا لتيارات عدة تملكت روحه قبل جسده.
في عام 1932، قام الأديب والفيلسوف الإنجليزي ألدوس هاكسلي بنشر رواية "عالم جديد شجاع" وتنبأ فيها بعالم تمتلكه التكنولوجيا، لدرجة استعبدت البشر وتلاعبت بمشاعرهم وأفكارهم وعقولهم. وأغرب ما في الأمر أن نبوءته تحققت. فلقد تبأ بتكنولوجيا الإنجاب Reproductive Technology التي تستخدم لتساعد البشر والحيوانات على الإنجاب كما يحدث الآن من أطفال أنابيب وتخصيب صناعي. وتنبأ أيضًا بتكنولوجيا التعلم أثناء النوم Learning التي تلقِّن المعلومات أثناء النوم وتعرف هذه التكنولوجيا حاليًا باسم تكنولوجيا الصدى ECHO، ولتي شاع استخدامها مؤخرًا على نطاق واسع. وكذلك شدد هاكسلي على تكنولوجيا التلاعب النفسي Psychological Manipulation والتي يتم فيها التلاعب بالحالة النفسية للفرد واستقباله للمعلومات والسيطرة على حواسه. ولقد تحقق ذلك أيضًا ليس فقط من خلال التجارب النفسية بل العقاقير الكيماوية والتي صارت حاليًا أنواع عدة من المخدرات تسببت في إدمان الشباب لها.
وجميع هذه التكنولوجيات حفرت لنفسها مكانة مميزة في العصر الحديث، حتى صارت عمادًا لا يمكن الاستغناء عنه؛ فالحياة بدونها شبه مستحيلة. فلا يمكن لأحدهم تخيُّل حياته بدون الهاتف النقَّال، أو اللابتوب، أو الإيميل، أو التطبيقات التي سهلت تواصل البشر ونقل العلوم والفنون بضغطة زر واحدة، بدلًا من السفر أو البحث عنها لساعات وأيام طوال. لقد صار الإنسان عبدًا للتكنولوجيا وتطبيقاتها. لكن، يجب الأخذ في الاعتبار أن من أعطى كل هذه التطبيقات التكنولوجية أهمية قصوى هو الإنترنت الذي جعل منها المخدر الذي سبب للبشرية إدمان نافذ المقدرة. فبدون الإنترنت التكنولوجيات الحديثة والتطبيقات بلا قيمة؛ لاعتياد البشر على البحث والتواصل بدون بذل مجهود.
ولقد علم أباطرة التكنولوجيا أقصر الطرق لاستعباد البشر، فأثرى رجلين في العالم وهما "إيلون ماسك" Elon Musk مالك شركتي ستارلينك Starlink و سبيس إكس Space X لأبحاث الفضاء، و"جيف بيزوس" Jeff Bezos مالك شركة أمازون Amazon يتنافسان لبث الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، وليس عبر محطات أسلاك الفايبر التي تتحكم فيها الدول. وصرح إيلون ماسك أن الغرض من مشروعه هو إتاحة الإنترنت مجانًا لكل البشر في أي مكان في الكون، حتى ولو كان صحراء قاحلة. أضف إلى التخطيط لجعل سرعات نقل البيانات والتحميل للإنترنت الفضائي فائقة. وأن السبيل للحصول عليه هو امتلاك طبق استقبال وجهاز إزالة التشفير؛ من أجل استقبال شبكة الإنترنت من أيٍ من آلاف الأقمار الصناعية التي ينثرها لتغطي تقريبًا سطح الكرة الأرضية. فلقد استطاع ماسك Musk من خلال شركة ستارلينك لأبحاث ورحلات الفضاء أن يصنع أقمار صناعية خفيفة وصغيرة الحجم غير معقدة وأن يطلق كل شهرين نحو 60 قمر صناعي بأقل تكلفة، وأعرب أن الهدف منها هو نقل ونشر شبكة الإنترنت، علمًا بأن إيلون ماسك هو الوحيد في الكون الذي طوَّر وامتلك صاروخ فالكون لاين Falcon Line العملاق الذي يمكن تحميله بأعداد هائلة من الأقمار الصناعية لإطلاقها في الفضاء، ثم يرجع ليعيد الكرة لمرات لا نهائية. وذلك على عكس الصواريخ المعتادة التي تستخدم لمرة واحدة. ولقد نجح في أن يجعل مدار هذه الأقمار قريبًا من الأرض حتى يسهل التقاط إشارة الإنترنت التي يجعل أن يجعله متاحًا مع نهاية عام 2021 للست دول التي يغطيها المشروع، مع التخطيط لمد شبكة الإنترنت الفضائي لباقي أنحاء العالم بأرخص الأسعار، مع أفضلية عدم انقطاع الشبكة وسرعة نقل البيانات. ومن المريع أن العقود المبدئية لشركة ستارلينك تحتوي على فقرة تؤكد كوكب المريخ كوكب حر وغير خاضع لسلطة أو سيطرة أي دولة، مما يؤكد التخطيط لجعل كوكب المريخ - الذي تجرى بالفعل تجارب لإعماره - لسوف يكون مركز السلطة في المستقبل.
أما جيف بيزوس، فلقد طور نظام كويبر Kuiper System لبث الإنترنت وعلى مدارات أكثر إنخفاضًا من مدارات أقمار ستارلينك، ومن ثم كانت النتائج المبدئية للمشروع مذهلة، ويخطط أن يكون الجهاز المستخدم لاستقبال الإنترنت صغير لدرجة أنه يمكن وضعه في الجيب مثل جهاز الموبايل. وهناك صراع مرير قائم بين أغنى رجلين في العالم حول استحواذ كل منهما على شبكة بث الإنترنت الفضائي. و الغرض من الصراع الاستحواذ على الكون؛ لأن الإنترنت صار عصب الحياة، ومن يمتلك ويسيطر على معاملات الإنترنت بدءًا من ألعاب الفيديو جيم وصولًا لترسانة إطلاق الصواريخ النووية. لقد سيطر الإنترنت على معلومات ليس فقط الأفراد بل الدول جمعاء، ويستطيع التحكم فيها حسب الأهواء. وبسبب قدرته تلك صار مطمعًا عارمًا؛ لأنه يُفقد الحكومات الهيمنة على شبكات الإنترنت، ويجعل لمالك الإنترنت الفضائي القدرة على بث ما يرغبه من معلومات وحجب مالا يرغب فيه. أي أن السطوة كلها ستكون في أيدي أصحاب شركات الإنترنت وليس الحكومات، وهي شركات خاصة قد تنصاع لرغبات من يدفع لها أكثر لتحقيق مصالحه، ولا يهمها مصالح الدول.
ويعد ذلك مؤشر خطير قد ينبِّه العالم أن المستقبل لسوف يكون في أيدي كيانات خاصة تحكمها المنفعة والمصالح، وليس في أيدي الحكومات والدول. فمثلًا جائحة الكورونا قد بينت أن شركات الأدوية ذات استقلالية عالمية، مما يهدد مستقبلًا بإنشاء كيان مستقل للدواء، كما هو الحال عند الخطر الوشيك بإنشاء كيان للإنترنت يملكه الأقوى، ولربما يصير هناك كيان للأعمال وآخر للمال، وهكذا.
فتقسيم العالم تبعًا لتلك الكيانات المستقلة التي يمتلكها أفراد وتفكر جديًا في جعل كوكب المريخ مقرًا ومستقرًا لها سوف تجعل تقسيم الأرض إلى دول بلا قيمة، ولسوف يهدد الثقافات واللغات المحلية بنشره لثقافة ولغة واحدة مسيطرة تستعبد جميع البشر. لسوف يصير المستقبل كرواية ألدوس هاكسلي عالم جديد، لكن ليس "شجاع" بل "مريع".






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل سنصبح من سكان المريخ قريبًا؟
- الكعكة الجديدة هي أفريقيا
- أفريقيا: الفناء الخلفي للصين
- الوجوه الجديدة للقوى الاستعمارية
- كوميديا السينما والكوميديا السياسية
- مزيج الفكاهة والحرب
- الدمى البشرية وصناعة الخوف
- أباطرة الرقمنة يخلِّقون مافيا
- معارك وحوش الألفية الثالثة
- عادل إمام أسطورة بدرجة إنسان
- عادل إمام ونظرية المارشميللو
- الدين الإبراهيمي الجديد وتحدي الهيمنة
- هل العلم يدمر للبشرية؟
- الحرب العالمية الثالثة، من سيحصد خسائرها؟
- ركائز التضليل الإعلامي في المشرق العربي


المزيد.....




- وزير السياحة والآثار المصري خالد العناني: المنتجعات السياحية ...
- قيادي بحماس يكشف لـCNN أسباب تعثر جهود مصر وقطر للتوسط في هد ...
- كفيف يمكنه التعرف على 1500 نوع من الطيور من خلال تغريداتها
- قيادي بحماس يكشف لـCNN أسباب تعثر جهود مصر وقطر للتوسط في هد ...
- لحظة سقوط صاروخ إسرائيلي من مسافة قريبة على أحد البيوت في خا ...
- شاهد: السعوديون يتدفقون إلى البحرين مع رفع الحظر على السفر
- زوجة سفير تصفع موظفة في كوريا وتحتمي بالحصانة الدبلوماسية
- مقتل ستة وإجلاء عشرات الآلاف غربي الهند جراء -أقوى عاصفة- من ...
- شاهد: السعوديون يتدفقون إلى البحرين مع رفع الحظر على السفر
- وفد عسكري كبير يصل بيروت لتسليم الهبة العراقية التي أقرها مج ...


المزيد.....

- في تطورات المشهد السياسي الإسرائيلي / محمد السهلي
- التحليل الماركسي للعرق وتقاطعه مع الطبقة / زهير الصباغ
- البحث عن موسى في ظل فرويد / عيسى بن ضيف الله حداد
- »الحرية هي دوما حرية أصحاب الفكر المختلف« عن الثورة والحزب و ... / روزا لوكسمبورغ
- مخاطر الإستراتيجية الأمريكية بآسيا - الجزء الثاني من ثلاثة أ ... / الطاهر المعز
- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نعيمة عبد الجواد - عالم دون دول في الطريق إليك