أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نعيمة عبد الجواد - مزيج الفكاهة والحرب















المزيد.....

مزيج الفكاهة والحرب


نعيمة عبد الجواد
أستاذة جامعية، وكاتبة، وقاصة، وشاعرة، وروائية، وباحثة، ومكم دولي

(Naeema Abdelgawad)


الحوار المتمدن-العدد: 6782 - 2021 / 1 / 8 - 02:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بمجرد ذِكْر مصطلح "الحرب" يقفز إلى الذهن صور ومشاهد للمعارك والدمار وإطلاق الرصاص وقتل الأبرياء، وجميع المشاهد المحزنة التي يتحول فيها كل جميل إلى بشع. وفي خضم تلك المآسي الشنعاء، يطل القدر على البشرية بوجه ضاحك، وكأنه يخرج لسانه لكل من يؤكد أن الحرب لا يمكن أن تنطوي على فكاهة؛ فالحرب والفكاهة مصطلحان لا يمكن أن يمتزجا Don’t Mix، كالزيت والماء. ولكن القدر اللعوب الّذي يبهرنا بمفاجآته يطلق ضحكاته وهو يؤكد أن الفكاهة تخلق لنفسها مكان حتى في أحلك لحظات الحرب؛ لتبرهن أن الحرب والفكاهة من الممكن مزجهما Do Mix.
ضرب لنا العالم في الحرب العالمية الأولى والثانية مثالًا لمسرحية من فصلين يتخللهما مشاهد هزلية. وعند تناول الحرب العالمية الأولى بالبحث نجد أنها وحدت شعوب الأرض على هدف واحد، وهو "إشعال فتيل صراع مهلك؛ بسبب التناحر على المستعمرات والخيرات المجلوبة منها"، والغريب أنهم من اتفقوا على فكرة الاستعمار، ولكن بعد اكتشاف التباين في كم الغنائم التي يجنيها كل منهم، صاروا كأطفال يخطط كل منهم لسلب مكتسبات الآخر والاستحواذ عليها. وأدي هذا السلوك الصبياني إلى تصدير حرب مريرة عاني منها العالم على مدار أربع سنوات وثلاثة أشهر (يوليو 1914 – نوفمبر 1918)، واشترك فيها نحو مليون جندي من جميع أنحاء قارات العالم، وقدرت الخسائر في الأرواح إلى ما يربو على أربعين مليون جندي ما بين قتلى وجرحى ومفقودين.
وكما كان الفِكْر الصبياني ما أجج الشعور بالتناحر، فلقد نزع فتيل الحرب موقف كوميدي من الصعب تكراره تاريخيًا، لكنه كان السبب في قيام "الحرب العظمى" The Great War التي قسمت أوروبا في شكلها الحالي. والسبب المباشر لقيام الحرب شاب بوسني من أصول صربية يدعى جافريل برينسيب Gavril Princip يحزنه تداول بلده من إمرة السيطرة العثمانية لتنقل تحت سلطة الإمبراطورية النمساوية المجرية، دون اعتبار أن البوسنة سلافية الأصل. وبسبب نزعة جابريل برينسيب القومية كان مؤمنًا بفكرة أن البوسنة والصرب وكرواتيا وباقي شعوب منطقة البلقان تنتمي للعرق السلافي ومن الواجب توحيدها كشعب واحد تحت السيطرة اليوجلاسفية، وليس النمساوية التي يعتبرها برينسيب عدوًا. في عام 1914 ذهب جافريل برينسيب إلى بلجراد عاصمة الصرب، وانضم لتنظيم "اليد السوداء" The Black Hand الذي يكن الكره للنمسا التي تُجحف حقوق الصرب. وكانت عقيدة التنظيم الإيمان بأن الاغتيالات السياسية هي السبيل لإثارة الفوضى في النمسا وإسقاطها. وحدد التنظيم هدف الاغتيال ليكون الأرشيدوق النمساوي "فرانتس فيرديناند" Franz Ferdinand، ولي عهد إمبراطور النمسا والمجر والوريث الشرعي لعائلة هابسبرج Habsburg الحاكمة للإمبراطورية التي تضم تحت جناحها إمبراطورية شاسعة تضم أعراق وجنسيات مختلفة وتهيمن على معظم أجزاء أوروبا. والمفارقة أن الأرشيدوق النمساوي "فرانتس فيرديناند" كان شخصية رومانسية، لا توافق على بطش عائلتها بالأعراق الأخرى وخاصة السلافية، وكان يؤمن بالمساواة لدرجة أنه تزوج فتاة من عامة الشعب، وكذلك كان يعتقد أنه يتحتم معاملة السلافيين بشكل أفضل لاحتواء غضبهم حتى لا تتزايد رغبتهم الانفصالية. وبالرغم من محاولاته الحثيثة للإصلاح، لكنه كان مستهدفًا، وكان الحظ يعانده.
وفي يوم 28 يونيو 1914 كان لقاء الأرشيدوق النمساوي "فرانتس فيرديناند" بالشاب ذو النزعة القومية جافريل برينسيب حينما قرر الأول عمل زيارة ودية للبوسنة، فاستهدفه تنظيم "اليد السوداء" وأرسل ست أشخاص لاغتياله، فدججوا أنفسهم بالسلاح والقنابل وتصافوا على طوال مسيرة الأرشيدوق من بلجراد للبوسنة. ولعب الحظ دورًا لصالح التنظيم حينما قررالأرشيدوق أن تكون السيارة التي تقله في مسيرته مكشوفة لتسهيل التلاحم مع الشعب، وعمل دعاية راقية للنمسا كي تظهر أنها ليست غاشمة كما يتصورها الشعب البوسني. وبمجرد مرور السيارة على أحد أفراد تنظيم "اليد السوداء"، بسهولة ويسر قام بقذف قنبلة على السيارة دون أن يكشف أمره أحد. لكن ما حدث كان أمر فكاهي يشابه ما يحدث في أفلام الكارتون؛ فبدلاً من أن تنفجر القنبلة في سيارة الأرشيدوق وتودي بحياته، إرتدت القنبلة خارج السيارة بعد دخولها، وكما لو كانت كرة مطاطية، ثم انفجرت بعيدًا عن السيارة وقتلت وأصابت بعض من الحراس.
وبعد نجاة الأرشيدوق من محاولة اغتياله ذهب لدار البلدية وعبر عن استياءه عما حدث. ومن منطلق شخص الأرشيدوق فرانتس فرديناند اللطيف، في طريقه للعودة قام بزيارة جرحى ومصابين حادث القنبلة في المستشفى. وفي صدفة فريدة تثير الضحك والسخرية في آن واحد، كان يتواجد قرابة المستشفى جافريل برينسيب المحبط من جراء فشل محاولة الاغتيال. وفي مفارقة مضحكة قد لا تتكرر مرة أخرى في التاريخ مرت سيارة الأرشيدوق ليس فقط من أمام المطعم الذي كان يتناول فيه برينسيب طعامه، بل أيضاً من أمامه. وبكل سهولة ويسر ودون تردد، ترك برينسيب الطعام وأخرج مسدسه، ثم اغتال الأرشيدوق وزوجته.
وكحركة انتقامية وإمعاناً في السخرية، أعلنت النمسا أن ذلك بمثابة الدعوة للحرب من قبل الجانب الصربي المثير للاضطرابات التي كانت تتحيين النمسا الفرص لإعطاءه درس قاسي ليكون عبرة لكل دولة تحاول الانفصال. ورغبة في الانتقام، أرسلت النمسا للصرب إعلان بمطالبها التي لو قبلتها الصرب لسوف تصير فعليًا تحت السيطرة النمساوية، وإن لم تقبلها لسوف يكون ذلك بمثابة موافقة على شن النمسا حربًا عليها كما تَنْشُد. وحتى تجعل النمسا عدوانها على الصرب مشروع قامت باستشارة حليفتها ألمانيا تليفونيًا التي وافقت على الفور على إعلان النمسا الحرب على، وسميت تلك الموافقة تاريخيًا ب "شيك على بياض" Blank Check. فألمانيا حليفة النمسا وأسرة هابسبرج لم تكن تتوقع أن تتسع دائرة الحرب لتشمل أوروبا والعالم، لدرجة أن إمبراطور ألمانيا ترك النمسا تدير الحرب، بينما ذهب هو في رحلة بحرية. وكما هو متوقع، رفضت الصرب مطالب النمسا، لكن قبل إعلان الرفض تأكدت أن تجعل من روسيا لها حليفًا، والتي كانت بدورها على يقين تام أن ألمانيا تدعم النمسا في حربها، مما تسبب في ما يعرف تاريخيا بأزمة يوليو 1914، والتي أدت بدورها لاندلاع الحرب في أوروبا والعالم قائمة على ظنون وألاعيب أغلبها مغلوطة.
ووطأة الكوميديا كانت تشتد كلما طالت سنوات الحرب، فظهر خونة وطنيين، وجنود متحالفين من معسكريين متناحرين، وغيرها من القصص التي حتى امتدت لبطولات ومآسي حرب الرايخ الثالث.
كوميديا الحرب هي أكبر مصدر للضحك، لكنه ضحك أسود؛ لأنه ممزوج ببكاء وألم ناجم عن عدم القدرة على استبصار عواقب أفعال أنانية تسببت في دمار عالمي شامل.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,241,572,145
- الدمى البشرية وصناعة الخوف
- أباطرة الرقمنة يخلِّقون مافيا
- معارك وحوش الألفية الثالثة
- عادل إمام أسطورة بدرجة إنسان
- عادل إمام ونظرية المارشميللو
- الدين الإبراهيمي الجديد وتحدي الهيمنة
- هل العلم يدمر للبشرية؟
- الحرب العالمية الثالثة، من سيحصد خسائرها؟
- ركائز التضليل الإعلامي في المشرق العربي


المزيد.....




- أكثر من عشرة قتلى في العاصمة الصومالية مقديشو إثر انفجار سيا ...
- خادمة -تحبس- ممثلة مصرية وتسرق سيارتها
- هل تساعد البابايا في إنقاص الوزن؟
- التحالف العربي يعلن تدمير طائرتين مسيرتين ملغومتين أطلقهما - ...
- باشينيان وبلينكن يبحثان النزاع في قره باغ
- وزارة الهجرة المصرية تعزي أسرة المواطن الذي قتل بحادث إطلاق ...
- حاكم المصرف المركزي اللبناني يتعهد بمقاضاة -بلومبيرغ- بعد تق ...
- التحالف العربي يعلن إحباط هجوم جديد على السعودية والحوثيون ي ...
- مدينة أمريكية ترفض 6 آلاف جرعة من لقاح -جونسون آند جونسن- ال ...
- موسكو تدعو لعقد اجتماع حول عودة واشنطن إلى الاتفاق النووي ال ...


المزيد.....

- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي
- صفقة ترامب وضم الاراضى الفلسطينية لاسرائيل / جمال ابو لاشين
- “الرأسمالية التقليدية تحتضر”: كوفيد-19 والركود وعودة الدولة ... / سيد صديق
- المسار- العدد 48 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- العلاقات العربية الأفريقية / ابراهيم محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نعيمة عبد الجواد - مزيج الفكاهة والحرب