أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - العدمية وأخلاق العبيد














المزيد.....

العدمية وأخلاق العبيد


سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 6800 - 2021 / 1 / 27 - 14:52
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أركيولوجيا العدم
٩ - الإرهاب ليس العدمية
ما يزال مفهوم العدمية يعاني كما في الماضي من تشوش وضبابية مما يجعل من الصعوبة رسم حدوده وخطوطه الأساسية حتى يمكن حصره وتمييزه عن ظواهر أخرى مشابهة. بالإضافة إلى ذلك فإن العدمية كمقولة تغطي عدة مجالات وحقول معرفية وتاريخية وفلسفية تعاني من ميوعة وليونة تجعلها تتأقلم مع كل وجهات النظر المتعارضة والمتناقضة. فالعدمية مفهوم مطاطي يمكن توسيعه ليحتوي التاريخ البشري بكامله. وفي كل مرة يحاول الفكر النقذي أن يرسم حدود وخريطة هذه المقولة، فإن ذلك لايزيدها إلا إتساعا ومرونة بحيث أصبح اليوم يشمل كل ما أنتجته البشرية من أنظمة وأحداث تاريخية وظواهر إجتماعية. دوستوييفسكي كتب في إحدى رسائله سنة 1878 " وراء العدميين يوجد اليهود "، وكان يقصد بذلك الحركات الثورية الإشتراكية التقدمية في روسيا في منتصف القرن التاسع عشر. ثم انتقل الإتهام بالعدمية بعد ذلك من اليهود إلى المسيحية بواسطة نيتشة، بإعتبار اليهود هم أول من قام بثورة العبيد ضد الأخلاق الأرستقراطية الرومانية وساهموا في إنتصار المسيحية وتسلط " أخلاق العبيد " التي تجعل من الضعف " فضيلة " ومن العجز الذي لا يقوى على الإنتقام لنفسه "إحسانا " ومن الوضاعة والجبن " تواضعا " ومن الخضوع " طاعة " ووقوف الضعفاء جبنا واستسلاما أمام الأبواب " صبرا وفضيلة ". ثم انتقل الإتهام من المسيحية إلى النازية بواسطة " ليو ستراوس " المفكر الألماني ـ الأمريكي الذي ساهم في تطوير وبناء فكر المحافظين الجدد المسيطر على السياسة الأمريكية منذعدة سنوات، الذي أعلن بأن النازية هي الشكل الأكثر شهرة للعدمية. ثم أصبحت العدمية تغطي النظام الشيوعي والستالينية، ثم توسع المفهوم وتمطط ليشمل الرأسمالية ثم الديموقراطية ثم العولمة والليبرالية المعاصرة، وها هي اليوم الحركات الإسلامية العنيفة تنعت بانها حركات عدمية. وتكونت فكرة أو مقولة العدمية الإسلامية. الغريب في الأمر هو عدم قدرة الذين يستعملون هذه المقولة على رؤية التناقض الفاضح بين الإشتراكية الثورية، والإشتراكية الماركسية السلطوية، والنظام الرأسمالي الليبرالي مثلا أو بين المسيحية كمصدر للعدمية لأنها ديانة الضعفاء وسبب الإنحطاط الحضاري الغربي بالنسبة لنيتشة، وبين الحركات الإسلامية العنيفة التي تدعوا لإعادة مجد الإسلام وإنجازاته العسكرية والإستعمارية وفرض ديانة " خير أمة أخرجت للناس " على العالم بقوة السلاح. الحقيقة أنه هناك عودة لدوستوييفسكي والقرن التاسع عشر، فكل من يرفض النظام القائم وينظم نفسه لإسقاطه بقوة الفكر أو السلاح ينعت أوتوماتيكيا بالعدمية. فهناك اليوم من يرى أن المجتمع الإسلامي يعاني من تضخم نرجسي للذات، ونزعة للإستعلاء وإحساس بالتفوق في الفكر الإسلامي الحديث تجاه الغرب، وهناك ظاهرة " فيض المعنى " بحيث أنه طالما أن الله يكون بجانبنا فكل شيء مباح، وهو قلب جوهري لمقولة دوستوييفسكي " في غياب الله كل شيء مباح "، وعليه فإن عملية 11 سبتمبر وتفجير برجي نيويورك وكل العمليات اللاحقة التي قامت بها المجموعات الإسلامية، هي عمليات يبررها هذا الشعور بالقوة والرغبة في الإنتقام من النظام الغربي الديموقراطي الذي بدوره قام بإحتقار المسلمين وقهرهم واعتبارهم جهلة ومتخلفين، وبالتالي فهي عمليات تندرج تحت مضمون واحد هو "العدمية الإسلامية ". إنه بالنسبة لنا من المستحيل عقليا ومنطقيا وتاريخيا أن تكون الإيديولوجية المسيحية والحركات الثورية الإشتراكية والنازية والستالينية والليبرالية الرأسمالية والإسلامية مشتركة في مصدر واحد وتنتمي إلى أصل فكري أو تاريخي أو فلسفي واحد مثل "الحركة العدمية أو ظاهرة العدم ". غير أن هذا الخلط ليس جديدا في المجال الفكري، ألبير كامو في " المتمرد " يخلط في كثير من الأحيان بين العدمي والإرهابي والثوري والعبثي، وهي نماذج سلبية في رأيه ويعتبرها غير صالحة للمجتمع ولا تقود إلا إلى العنف والسلطوية والإعداد للأنظمة الشمولية والفاشية، معتبرا أن النمودج الوحيد الصالح هو النموذج الوسطي، الإنسان المتوسط الذي يستطيع أن يوفق بين العدالة والحرية، أي المواطن الأوروبي المسالم الذي يذهب لصناديق الإقتراع ويمارس حرية الرأي بواسطة إختيار من يمثله في البرلمان.
إن هذا الفكر الذي ينعت حركات العنف المسلح المرتكزة على إيديولوجية الإسلام السلفي أوالأصولي بالعدمية، يعرّف العدمية بإعتبارها نزعة تدميرية وحركة رافضة لا تؤمن بأية قيمة من القيم، لا بالإنسانية ولا بالمجتمع ولا بالتاريخ، حركة فوضوية عمياء تهدف إلى حرق العالم وكل ما فيه، حيث الإنسان لا قيمة ولا هدف له في هذه الحياة، لذلك يمكن أن نقتل وأن ندمر هذه الأشياء التافهة بدون أية إعتبارات أخلاقية أو عاطفية. ولا شك أنه من هذه الزاوية، الحركات الإسلامية الجهادية والتكفيرية التي تلجأ للعنف المسلح هي أبعد ما تكون عن هذا التعريف. فحركات مثل القاعدة أو داعش أو أنصار الشريعة أو جبهة النصرة أو بوكو حرام، هي أولا وقبل كل شيء حركات سياسية منظمة، لها هياكل تنظيمية وكوادر، لها أنظمة وفكر وأهداف تكتيكية واستراتيجية، وتشتغل على المدى القريب والبعيد. وهي لا تختلف في ذلك عن أية منظمة من منظمات اليمين المتطرف الفاشي في أوربا سوى من حيث الإمكانيات الإقتصاية والعسكرية والبشرية. إنها منظمات سياسية ذات برنامج سياسي ورؤية للمجتمع يريدون تطبيقها بقوة السلاح. إن نعت هذه الحركات بالعدمية لا يشير سوى إلى عجز الفكر المسطح الرسمي سواء في الديموقراطيات التجارية والرأسمالية البرلمانية الغربية، سواء في الأنظمة الشمولية الملكية والإمارات والمشايخ والقبائل الشرقية المختلفة عن فهم ومواجهة هذه الحركات فكريا وإجتماعيا. إن العدمية في نظر هؤلاء هي بكل بساطة مرادف أكتشفه بعض الصحفيين ومثقفي البلاط لمقولة " الإرهاب " ولكن بمخزون وشحنة سلبية مضاعفة لخلق الإحساس بالرعب والنفور من هذه الحركات، باعتبار أن صفة الإرهاب أصبحت قديمة ومهترئة ولم تعد ذات فعالية حقيقية.



#سعود_سالم (هاشتاغ)       Saoud_Salem#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرجل والملح
- الجهادية ليست حركة عدمية
- ضجيج الأشياء
- ميلانكوليا
- السلطة والمال والكينونة
- خلق الله الأنف لحمل النظارات ..
- معنى الحياة والموت
- قذارة البشر .. والآلهة
- عبثية الإنتحار
- لا تنظر للقمر
- إنتحار الآلهة
- ماذا يفعل الله طوال اليوم ؟
- أركيولوجيا العدم
- ضجيج الآلهة البلهاء
- وحدة الله
- الثورة على الله وأزلامه
- القطار الأخرس
- كوشيز .. الهندي الذي نزف حمرته
- مقبرة الحروف
- عن المحاجر والمحابر


المزيد.....




- -كأنه انفجار قنبلة-.. كاميرا رجل ترصد مياه فيضان تخلع بابًا ...
- شاهد: تراجع حدة عاصفة نورو الاستوائية
- خبراء أمريكيون: بوتين هو من أمر بالانسحاب من ليمان
- المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية: بعد تفاقم الأزمة نحن بحا ...
- موسكو: تصرفات الناتو في القطب الشمالي قد تسفر عن مواجهة عسكر ...
- لافروف: لا يوجد لغة مشتركة مع العنصريين
- تصفية 200 عسكري أوكراني بمحور كراسني ليمان
- إحباط عملية تفخيخ سكة حديدية في جمهورية روسية وتصفية منفذيها ...
- وسط قلق دولي من عدم تمديد هدنة اليمن.. الرياض تتهم الحوثيين ...
- الحرية للمجهولين| 3 رسائل لـ”درب”: افرجوا عن ولادنا المحبوسي ...


المزيد.....

- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- إشكالية الصورة والخيال / سعود سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - العدمية وأخلاق العبيد