أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - معنى الحياة والموت














المزيد.....

معنى الحياة والموت


سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 6790 - 2021 / 1 / 17 - 12:40
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أركيولوجيا العدم
٥ - هل الحياة تستحق عناء العيش ؟

الإنتحار ليس ظاهرة جديدة اجتاحت المجتمعات المعاصرة فجأة نتيجة ظروف وشكل التركيبات الإجتماعية والإقتصادية الجديدة. فرغم عدم وجود معلومات دقيقة وغياب الإحصائيات المتعلقة بهذا الموضوع فيما يخص المجتمعات الإنسانية القديمة، فمما لا شك فيه أنه كانت توجد حالات إنتحار عديدة طوال تاريخ البشرية. الذي نعرفه اليوم هو النصوص العديدة التي تركتها هذه الحضارات فيما يتعلق بمشكلة الموت وما وراء الموت، والتي كانت أحد مصادر الأديان والأساطير التي كانت ردا على قلق الإنسان وحيرته أمام الصمت والهمود والبرودة الناتجة عن غياب الحياة عن الجسد الساكن المدد على الأرض بلا حركة. وهذا ما دفع جلجامش للقيام برحلته الطويلة لإيجاد الحل لهذه الكارثة لأنه كان يرفض أن يموت وأن يتحلل جسده حتى يخرج الدود من أنفه كما حدث لرفيقه انكيدو. فالموت مرتبط بالحياة إرتباطا عضويا وليس ظاهرة خارجية أو عرضية طارئة. الحياة والموت وجهان لظاهرة واحدة. والموت ليس نقيضا للحياة كما أن الحياة ليست نقيضا للموت. غير أنه على المستوى الفردي، الإنسان يعي وجوده ككائن حي قبل أن يعي كونه ملغم بالموت وأن جسده قنبلة موقوتة يجهل زمن انفجارها. الحياة سابقة للموت زمنيا وعلى المستوى الفردى، غير أنه لا يمكننا أن ندرك أو نحلل عقليا معنى الحياة دون إلقاء نظرة ولو جانبية على طبيعة الموت. ونحن هنا لا نتحدث عن الموت الجماعي وانما عن موت الإنسان الواحد والوحيد في قبره. وجملة ستالين القاتلة " موت إنسان واحد يعتبر مأساة وتراجيديا، موت آلاف البشر هو مجرد إحصائيات " ما تزال شديدة الصدق رغم قسوتها. والموت حاضر في كل لحظة وكل مكان، يمكن أن يلوح لك بيده من بعيد كما يمكن أن يقابلك وجها لوجه عند أول زقاق تنعطف نحوه... أو يجلس أمامك ويشاركك في إحتساء كأس الشاي أو البيرة في أي مقهى شعبي.. لا يفصلك عنه سوى مربع الطاولة الحديدية الأخضر. صدفة في غاية البساطة وفي غاية اللاضرورة. والعديد من المذاهب الفكرية التي انتشرت طوال القرون الماضية، لم تظهر الى الوجود الا وهي طافية فوق بحار الدم وأكوام الجثث. والموت كما يحلله عبدالرحمن بدوي : إشكالية ومشكلة. والإشكالية تطلق على كل ما يحتوي على تناقض في ذاته. والموت كومة من التناقضات. فعل فيه قضاء على كل فعل. وهو علم مطلق من حيث ضرورته وكونه لا بد واقع؛ وجهل مطلق من جهة زمنية وقوعه. وهو ايضا كلي مطلق وجزئي مطلق في آن واحد. فالموت حقيقة كلية يعانيها كل الأحياء بدون استثناء، غير أن كل فرد يموت وحيدا في جزيرته معزولا عن الآخرين. الموت إذا إشكالية من ناحية المعرفة بطبيعة تجربة الموت المستحيلة وموقعها في الزمان. كل ما نستطيع وصفه هو حالة الميت أو حالة انسان يموت، أما حالة الموت ذاته فلم يدركها احد قط، فكل الذين أدركوا هذه التجربة ماتوا وغابوا في الفراغ العدمي. الموت كإشكالية هو موضوع بحث نظري يتعلق بتحليل هذه الظاهرة فكريا وعقليا دون معايشتها وجوديا من الداخل، والموت يكون مشكلة حين يرتبط بالوعي، أي حين يعي الإنسان إشكالية الموت ويدرك بكل ذرة في جسده إمكانية سقوطه في العدم. فالموت لايكون مشكلة إلا في حالة الوعي بالحياة وعيا حادا وعميقا، أي ممارسة الذات لحريتها المطلقة في التفكير والفعل. دوستوييفسكي يبدو أنه أدرك بعمق معنى أن يكون الإنسان حيا يتنفس، يحب ويكره ويخاف ويتألم، ثم ينطفئ فجإة مثل عود الثقاب ووصف بإسهاب تفاصيل الحياة ومعنى أن يكون المرء واقفا ملتصقا بالأرض تلفح وجهه الرياح الباردة ثم يلف الظلام كل ما حوله وينطفئ النور وتختفئ الرؤية ويغيب إحساسه بالشمس ورائحة الأشجار والتراب، لحظة وقوفه أمام المقصلة متحسسا بعنقة الحديد البارد بينما تمتد صحراء سيبيريا الثلجية أمام البصر حتى تعانق الأفق. أما ميرسو، غريب البير كامو فإنه بقي ساهرا طوال الليل أمام جسد أمه المسجى على السرير دون أن يتمكن من الإحساس بأي نوع من العواطف البشرية التي من المفترض الإحساس بها في مثل هذه المواقف مثل الألم أو الأسى والحزن. كما أنه لم يدر لماذا أخرج مسدسه وأطلق الرصاصة التي قتلت " العربي " الذي كان في قبالته. كان كمن ينتظر من والدته الميتة أن تستيقظ في صباح اليوم التالي كعادتها، ومن " العربي " أن ينهض وينفض تراب الشاطئ عن ملابسه ويواصل طريقه. ورغم حياة ميرسو المملة والخالية من المعنى، فإنه أدرك مقدار حبه والتصاقه بحياته التافهة وروعة أن يكون الإنسان حيا يقضي أماسيه في التدخين وقراءة الصحف والسباحة في البحر مع صديقته، أدرك ذلك في نهاية الأمر، حين كان يتطلع إلى السماء من خلال فتحة ضيقة في جدار زنزانته المظلمة منتظرا خطوات الجلاد من لحظة لأخرى. الإنسان لا يعي وجوده ولا يكتشف قيمة الحياة وثرائها إلا في لحظات الوقوف مباشرة أمام الهاوية. وهذا ما يمكن تسميته بلحظات الوجود الكبرى أو الوجود المكثف والتي لا تظهر بكل قوتها وحرارتها إلا في مواجهة الموت. فالموت ليس موضوعا إضافيا للحياة ويغلفها من الخارج، بل هو كائن في اعماق الدقائق والتفاصيل اليومية المتكررة. وحين نكتشف ان الموت باطن في الحياة وملتصق بنا كجلودنا نبدأ في التساؤل : هل تستحق الحياة حقا أن تعاش؟ وهناك العديد ممن أعتبر الإجابة على هذا السؤال أو مجرد التفكير في محاولة طرحة هو البداية والمدخل لكل فلسفة حقيقية. ورغم عبثية السؤال ذاته وخلوه من الجدية فإن الإنتحار أو الموت الإرادي يمكن اعتباره ضمن المحاولات الإنسانية العديدة للإجابة على هذا التساؤل والتي تهدف الى الوصول الى قلب وصميم جوهر الحياة وعيش تجربة فريدة ومركزة ولو للحظات وجيزة ومعرفة مذاق الحياة الخالية من الملل والعبث. الموت الإرادي ليس رفضا للحياة، بل هو رغبة ملحة لحياة أكثر كثافة وأقل ضحالة. وفي نهاية الأمر الإجابة ب " نعم "، نعم الحياة تستحق أن تعاش وذلك لغياب البديل ولعدم وجود أي شئ آخر متعال على الحياة، فهي البداية وهي النهاية.






إطلاق البث التجريبي لقناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
أفلام من أرشيف الحوار المتمدن
أفلام من أرشيف الحوار المتمدن
قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب ترحب بكم
قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب ترحب بكم


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,245,929,187
- قذارة البشر .. والآلهة
- عبثية الإنتحار
- لا تنظر للقمر
- إنتحار الآلهة
- ماذا يفعل الله طوال اليوم ؟
- أركيولوجيا العدم
- ضجيج الآلهة البلهاء
- وحدة الله
- الثورة على الله وأزلامه
- القطار الأخرس
- كوشيز .. الهندي الذي نزف حمرته
- مقبرة الحروف
- عن المحاجر والمحابر
- لا تستنشق عبير الورود
- ضرورة البراكسيس
- الإنتحار العقلي
- الإنسان إله أم حيوان؟
- فلتحترق هذه الأرض
- تناقض الفن والفلسفة
- العبث وخرافة اللاوعي


المزيد.....




- بريطانيا: مقابلة تلفزيونية منتظرة للأمير هاري وزوجته ميغان ب ...
- العثورعلى أنياب ماموث عمرها 40 ألف عام في سيبيريا
- زلزال بقوة 5.5 درجة يضرب قرب سواحل نيوزيلندا
- شاهد.. مبنى سكني يتحول إلى كهف جليدي في مدينة روسية
- خفر السواحل الإسباني ينقذ أكثر من 100 مهاجر قبالة جزر الكنار ...
- خفر السواحل الإسباني ينقذ أكثر من 100 مهاجر قبالة جزر الكنار ...
- كولون يفلت من فخ الهزيمة وينتزع تعادلا ثمينا أمام بريمن
- بعكس التوقعات... مجلة: إيران طورت -صاعقة- من المقاتلات في ال ...
- وزير الطاقة الإسرائيلي يزور مصر وقبرص لبحث مشاريع طاقة بالمن ...
- تم تحميله أكثر من 100 مليون مرة... تطبيق خطير على الهاتف يسر ...


المزيد.....

- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي
- صيرورة الإنسان العاقل (منعرجات تطور الجنس البشري) / مصعب قاسم عزاوي
- أسرار الدماغ البشري / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعود سالم - معنى الحياة والموت