أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدن - رامبو العدني الماشي على نعال من ريح














المزيد.....

رامبو العدني الماشي على نعال من ريح


حسن مدن

الحوار المتمدن-العدد: 6752 - 2020 / 12 / 4 - 16:17
المحور: الادب والفن
    


"الحياة دائماً في المكان نفسه أمرٌ بائس جداً".
قائل هذه العبارة هو الشَّاعر الفرنسي الشهير آرثر رامبو، لذلك فإنَّه منذ صباه كان يريد أنْ "يذهب بعيداً، بعيداً جداً، عبر الطَّبيعة" كما قال هو نفسه في قصيدته "إحساس" التي كتبها ولمَّا يزلْ في السَّادسة عشرة منْ عمره، وتقول خاتمة قصيدة رامبو "شعراء السَّابعة من العمر": "كلَّما رقدت للنَّوم، أحسُّ أنَّ فراشي مركب تخفق الرِّيح في شراعه".
لم يكنْ رامبو قدْ شاهد البحر إلا مرَّة واحدة حين كتب قصيدته: "المركب الثَّمل"، كأنَّ تلك القصيدة كانت نبوءة لما ستكون عليه حياته اللاحقة، القصيرة على كل حال، مبحراً منْ مكان إلى آخر، وبتعبير إبراهيم العريس، فإنَّ رامبو في هذه القصيدة كان مثل السِّينمائي الذي صوّر لاحقاً السِّيناريو الذي سبق أنْ كتبه.
التِّرحال الطَّويل بين قارات وبلدان وبلدات ومدن هو ما جعل رامبو يكتب في ما بعد شعراً يقول فيه "ابتدعت أزهاراً جديدة ونجوماً جديدة ولغات جديدة" في إيماءة واضحة لما تعلَّمه منْ ترحاله الطَّويل، وهو يتنقل منْ فرنسا إلى بلجيكا وبريطانيا وألمانيا وسويسرا وهولندا. في وقت لاحق سيدرك رامبو أنَّ ضمان الحصول على حريته المشتهاة وإمكان السَّفر لنْ يتأتَّى له إلا منْ خلال العمل وكسب المال، لذا صاغ لنفسه شعاراً: "أعمل، أسافر".
لقدْ عبَّر عنْ ذلك في رسالة إلى والدته وشقيقته: "في كلِّ الحالات، لا تحسبوا أنَّ حبي للتَّرحال سينتهي. بالعكس، لوْ كان بإمكاني أنْ أتنقل من بلدٍ إلى بلد، منْ دون أنْ أجبر على الإقامة للعمل وكسب لقمة العيش، ما كان أحد ليراني شهراً في المكان نفسه، فالعالم كبير مملوء بالبقاع الجميلة، لكنْ منْ جهة أخرى لا أريد أنْ أجول في البؤس، بلْ أريد أنْ يكون بحوزتي عدَّة آلاف من الفرنكات تدرُّ عليّ دخلاً ثابتاً وأنْ أزور في كلِّ سنة بلدين أو ثلاثة بلدان أعيش فيها بتواضع".
في أكتوبر 1878 يغادر رامبو شارلفيل الفرنسية مشياً على الأقدام، وفي لوجانو يركب القطار المتَّجه جنوباً، ثم في جنوى يبحر باتجاه الإسكندريَّة، ومنها إلى قبرص قبل أنْ يعود إلى فرنسا عليلاً بعد إصابته بحمَّى شديدة. لكنَّه سرعان ما يعود مرَّة أخرى إلى الإسكندريَّة، ومنها يواصل الرَّحيل إلى جدَّة والحُدْيدة، وفي هذه الأخيرة نصحه تاجر فرنسيّ بالذِّهاب إلى عدن التي ناسب جوُّها الحارّ مزاجه، هو الذي يدرك أنّ الحرارة الشَّديدة هناك غير محتملة منْ قبل أيِّ أوروبيّ آخر.
الشَّاعر المنذور للتَّرحال - والرَّحيل أيضاً سيلازم مدينة عدن السَّنوات العشر الأخيرة منْ عمره - كان منها ينطلق إلى الحبشة وإلى مدن إفريقيَّة أخرى، لكنَّه يعود ثانية إلى عدن، إلى البوابة الغَّامضة بين آسيا وإفريقيا، حيث اختار أنْ يعيش ليس تعاطفاً مع المكان، وإنَّما هروباً إلى عالم بعيد عن العالم الذي رفض وهاجر منه باحثاً عنْ أمرٍ غامض لعلَّه لمْ يعثر عليه أبداً، لعلَّه لمْ يمسكه باليدين.
وأتت عدن في سياق هذا البحث المضني الذي أرَّقه طويلاً وهو يرحل، ثمَّ يرحل، ثمَّ يرحل. لكنَّ عدن - على خلاف بلدان ومدن أخرى - كانت أكثر من محطة عبور، أو مقرّ إقامة مؤقَّتة. لقدْ قرَّر فيها أنْ يخالف هواه الدَّائم في التَّرحال، وأنْ يقيم هناك سنوات، وهي المسألة المحيِّرة في سيرة هذا الشَّاعر الذي كتب الشِّعر باكراً، وجاب العالم باكراً، ورحل عنْ هذا العالم باكراً أيضاً.
يسأل عصام محفوظ في كتابه عنْ رامبو: "أتكون عدن هي جحيم رامبو الذي كان يهرب منه إليه؟! أليس في وصفه لها ما ينبئ بذلك؟" ويقول رامبو في رسالة الى أمِّه واصفاً عدن: "لا تستطيعين أنْ تتخيَّلي المكان: فلا شجرة حتى ولا زاوية.. ولا تربة. إنَّ عدن فوَّهة بركان خامد مليئة بماء البحر. إنَّك لا ترين إلّا الحمم والرَّمل في كلِّ مكان، حيث لا ينبت أضأل نبات".. ولكنَّه مع ذلك يوضِّح السِّر: "إنَّه المكان الأكثر ضجراً في العالم، بعد المكان الذي تقيمون أنتم فيه طبعاً"! والسِّر في الشَّطر الأخير من العبارة لا في شطرها الأول. إنَّ فرنسا، وطنه باتت أكثر الأمكنة ضجراً في العالم، لذلك رحل باحثاً عما هو أقلُّ ضجراً منها.
ترحال رامبو الذي تحوَّل في عدن الى وقفة طويلة جعلت منه قريباً في مزاجه النَّفسي والرُّوحي من المزاج الشَّرقي. ووجد في فكرة القضاء والقدر ملاذاً روحيَّاً له هو الرَّجل الحائر. وأجاب عنْ رسالة لأمِّه تضعه فيها في آخر أحداث العالم وما يدور في فرنسا من جدالات: "كلُّ هذا الجدل لا يعنيني. أنا مثل باقي المسلمين هنا لا أعرف إلا الشَّيء الذي يحدث حين يحدث". وفي رسالة أخرى يقول: "أشعر أنَّي لنْ أعيش في هدوء. ولنْ أموت في هدوء. هذا مكتوب كما يقول المسلمون. إنَّها الحياة وليست سهلة". ويذكر الدكتور مسعود عمشوش في كتابه "عدن في كتابات الرَّحالة الفرنسيين" أنَّ القِسّ الذي زار رامبو وهو يحتضر على فراش الموت في مرسيليا رفض أنْ يعطيه القربان المقدَّس، وذلك لأنَّه اعتقد أنَّ رامبو الذي كان يردِّد في أثناء هذيانه: "الله كريم، الله كريم" قدْ أسلم.
منْ سخريَّة القدر، أنَّ الرَّجل الذي عشق الترحال، وقطع المسافات مشياً على الأقدام انتهى به الأمر بدون ساق وعلى عكاز. كان المشي هو خياره: "أنا الماشي بنعال من ريح" هكذا يقول، ويقول أيضاً: "وزَّعت حذائي على حصى الدِّروب"، للدَّرجة التي جعلت ناقداً يؤلِّف عنه كتاباً بعنوان: “تجربة المشي والحركة في أدب رامبو”. لكنَّ سيِّد المشي، الذي طاف آسيا وإفريقيا وأوروبا، رحل باكراً، ربَّما لأنَّه توقف عن المشي، فلمْ يعدْ قادراً على البقاء.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الضمير الشقي
- في ذكرى هيئة الاتحاد الوطني، كيف صنع البحرينيون وحدتهم؟
- من الوطنية إلى المحلية
- (أوروبة) أوروبا
- الرهان الوطني
- غربتان في الزمان والمكان
- البرجوازي غير النبيل
- سلامة موسى علّمني
- أي أوجاع يُوَرث المنفى؟
- بين السياسي والمثقف
- ما بعد الجائحة: مقدّمات عالم قَيدْ التشكّلْ
- لكل صنوبرةٍ غابتها
- المدينة والثقافة.. من يصنع الآخر؟
- يوم الفلسفة أتى من المغرب
- في اليوم الواحد نعيش حياتين
- هشاشة الثقافة المدنية
- تهشيم صورة المثقف
- (أوراق) عبدالله العروي
- تأنيث العالم
- بين عبدالخالق محجوب وسيد قطب


المزيد.....




- رواية -الرجل الذى صلب المسيح- للكاتب الفرنسي إيريك إيمانويل ...
- المجموعة القصصية -خيط العنكبوت وقصص أخرى-
- ذكرى ميلاد الشاعر المصري الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودي
- وتستمر المسيرة بمناسبة ذكرى مرور 100 عام على تأسيس الدولة ال ...
- الفنان السوري ياسر العظمة يعتذر من متابعيه: -السنونو- خارج ر ...
- -سنونو- ياسر العظمة لن يغرد في رمضان
- رغم إقرار دستوريته .. العدالة والتنمية يواصل انتقاد القاسم ا ...
- الكنفدرالية تطالب حياد وزارة العدل للإشراف على انتخابات اللج ...
- فيديو.. ولي عهد بريطانيا يتستهل تهنئته للأردنيين باللغة العر ...
- التخلي عن -قطع تاريخية غير مربحة-.. آلات بيع الفواكه والخضرا ...


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن مدن - رامبو العدني الماشي على نعال من ريح