أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - فاروق الجوهري …. مايسترو الخطوط والألوان














المزيد.....

فاروق الجوهري …. مايسترو الخطوط والألوان


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 6737 - 2020 / 11 / 19 - 19:29
المحور: الادب والفن
    


كان بين الحين والحين، يُفاجئنا بزيارة مباغتة. نُحبُّها، نترقّبُها، نخافُ منها، ونفرحُ بها. يدخل علينا "السيكشن" في كامل أناقته ورابطات العنق الفريدة ذات الألوان الصادحة، فيتنحّى المعيدون جانبًا ليسمحوا له بالتجوال في قاعة رسم طلاب السنة النهائية بقسم العمارة/ كلية الهندسة/ جامعة عين شمس. يمرُّ بعينيه على عيوننا، نحن الطلاب الشغوفين بزيارته القلقين منها، فيبتسم ابتسامته التي نعرف أن وراءها سيمفونية وشيكة من أربع حركات: أنشودةُ القلق، أنشودةُ التوقّع، الكريشندو، ثم أنشودةُ الفرح والحسد والرجاء.
في أنشودة القلق: تخفق قلوبُنا الصغيرةُ حين يمرُّ المايسترو جوار طاولاتنا خوفًا على مشاريعنا التي سهرنا الليالي في تصميمها بالقلم الرصاص ثم حبّرناها بأقلام الرابيدو السوداء في انتظار مرحلة التلوين. وفي أنشودة التوقع، كانت عيوننا تمرُّ على الطاولات حتى نخمّن أيَّ مشروع سوف يختارُ المايسترو ليعزف على ورقها معزوفتَه اللونية المُربِكة. ثم تأتي أنشودة الكريشندو حين يختارُ المايسترو مشروعًا لم يخطر ببالنا، نحن الطلاب، ثم يتوقف ويمسك باليتة الألوان وفرشاة الرسم. هنا يخفقُ قلب صاحب المشروع رعبًا. يُهرِقُ المايسترو الألوانَ على اللوحة فنكتم أنفاسنا وقد اختفت خطوطُ التصميم تحت موجات اللون السائل. يمسك المايسترو الفرشاةَ ويبدأ في توزيع الألوان في سرعة فنانٍ يعرفُ كيف يُخضِعُ اللونَ ويُطوّعه، وبعد دقائق نكون أمام قطعة فنية مبهرة. يبتسم المايسترو ويخرج من السيكشن، وقد عرفنا أن هذا المشروع سوف يحصد الدرجات الأعلى لأن رئيس القسم قد اختاره ليمنحَه ألوانَه. هنا تأتي الحركة الرابعة من السيمفونية: أنشودة الفرح بما نرى ونتعلم، والحسد لهذا الطالب المحظوظ، والرجاء في أن يقع اختيار المايسترو لمشروعنا في مقبل الأيام.
إنه المهندس المعماري الكبير، أ. د. "فاروق حافظ الجوهري"، أستاذ العمارة بهندسة عين شمس، الذي فقدته مصرُ قبل أيام. ولكنه خالدٌ عصيٌّ على الفناء، ليس فقط في مئات البنايات الأنيقة التي شيّدها في مصر والوطن العربي، وليس فقط في نجله المهندس المعماري د. عمرو الجوهري، زميل دفعتي وصديقي، وفي كريمته د. جيرمين الجوهري أستاذ التخطيط المعماري، بل هو خالدٌ في قلوب آلاف المعماريين الذين تتلمذوا على يديه، وأفخرُ أنني من بين أولئك المحظوظين.
حين كنّا في الصف الثاني بكلية الهندسة، طلب منّا د. "فاروق الجوهري" أن نتخيّل ونصمم "بوابة جهنم"! ثم جال بين طاولات الرسم ليمرّ بقلمه الأسود الغليظ ويشطب التصميمات التي خرجت متزنةً فنيًّا متناسقة معماريًّا! ثم راح يشرح لنا مفهوم "استاطيقا القبح" كأحد تيمات الخطاب "ما بعد الحداثي" في العمارة. تمامًا كما فعل "بودلير" شِعرًا حين مجّدَ الشيطان في "أزهار الشر". وما فعله "ڤيكتور هيجو"، حين أجبرنا أن نرى كوازيمودو، في "أحدب نوتردام" جميلا وسيمًا، رغم ظهره الأحدب وجسده المشوّه وعينه العوراء وأذنه الصمّاء. تعلّمنا وقتها أن "القبحَ" قد يكون أداةً عبقريةً لاستدعاء "الجمال”؛ حين يكون الفنانُ، فنانًا، وحين نتخلص من معلّباتنا الجاهزة عن فكرة الجمال والقبح. تعلّمنا من أساتذتنا هندسة عين شمس أن نفتح مخروط الرؤية لنتأمل مفردات الطبيعة ونتعلّم أن الجمالَ كامنٌ في كل شيء، ومهمّة الفنان التفتيشُ عنه واستخراجه من بين الركام.
علّمنا المعماري "فاروق الجوهري" أن "العمارة فنُّ الأثرياء". وفلسفة ذلك المصطلح الصادم المقصود بها أن حضارةَ الدول تتجلّى أولا في عمارتها، لهذا يجب أن يُصرَف عليها من أجل صناعة الجمال. وكان المهندس الكبير "فاروق الجوهري" بهذه الفلسفة في خصام فكري مع المهندس الكبير "حسن فتحي" صاحب كتاب "عمارة الفقراء" الذي يشرح فلسفة تعليم البسطاء أن يبنوا منازلهم بأيديهم بأبسط الإمكانيات. “انظر تحت قدميك وابنِ"، أي استخدم الرمال والأحجار في بناء حوائط بيتك دون خرسانات وأعمدة وكمرات. وكانت العقبة الأساسية لمثل تلك الأبنية هو "السقف"، الذي يتعرض لجهود الشد والانحناء التي لا تقوى على تحملها إلا الخرسانة المسلحة مرتفعة التكاليف. لهذا تبنّى المعماري حسن فتحي" فلسفة القُبّة والقبو" التي تتحمل وزنها دون انحناء أو تصدّع.
ولكل فلسفة من الفلسفتين: “عمارة الفقراء"، "عمارة الأثرياء" وجاهتها. ومن العسير في مقال قصير كهذا شرح وجاهة كلّ منهما. ولكن الشاهدَ أن ذلك الخلاف بين العظيمين: "حسن فتحي"، و"فاروق الجوهري" كان لصالح الجمال ولصالح الإنسان. ودائمًا ما كنتُ أنظرُ إلى تلك المعركة الفكرية بسعادة؛ لأنها دليلٌ على الثراء الفكري المصري والتنوع الجميل؛ الذي أؤمن أنه أصلُ التطور البشري. "دع ألف زهرة تتفتح"، فكلُّ زهرة فكرية وفنية لها جمالُها وحتميةُ وجودها؛ مادامت في صالح الإنسان ولأجل فرحه وسعادته وراحته. رحم الله أستاذي العظيم "فاروق الجوهري" وعوّض مصرَ عنه خيرًا. "الدينُ لله، والوطنُ لمن يُشيّد صروح الوطن”.
***




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,067,096,965
- شمعةٌ مصرية ضد البغضاء
- في الهالوين … يكبر الأطفال ويحبّون العالم
- معجزةُ الأسمرات …. مدينةُ الأميرات
- جانا نهار وقدر يدفع مهرها … ثلاثةُ متاحفَ مصرية
- عيد ميلاد -دولة الأوبرا- المصرية
- مهرجانُ الجونة … رسالةُ مصرَ للعالم
- دموع جمال الغيطاني … في باريس
- بانوراما السِّحر في سيرة حبّ بليغ
- هل أنت فقيرٌ حقًّا؟
- العتبة الجميلة … مازالت مخطوفة!
- اليوم العالمي للإبصار… هذا الرجل أحبّه!
- عظماءُ حرب أكتوبر المجيدة
- قبل أصالة … حاكموا سعاد محمد!
- أعداءُ مصرَ الخبثاء
- القيم واحترام الآخر… شكرًا يا ريّس!
- لمن نسيَ ما يفعله الرئيس السيسي!
- إن شالله ينجّيك يا ولدي… تقولُ مصرُ للرئيس
- (سيد درويش)… المسرحُ في تمامِه
- خيري شلبي …. شيخُ الحكّائين!
- ماذا قال تحوت عن -الشرّ- …. رأس السنة المصرية 6262


المزيد.....




- ماالذي جاء بوفد البوليساريو إلى انواكشوط؟
- التدخل المغربي بالكركرات يحظى بالترحيب في مجلس النواب البلجي ...
- 50 فناناً عربياً يشاركون في حملة وزارة الثقافة لمناسبة اليوم ...
- حدث في الذاكرة.. الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن وقصص ...
- التقدم والاشتراكية يراسل الاحزاب اليسارية في العالم حول الوح ...
- وفاة الأديب السوري فاضل السباعي
- هل يتحقق فيلم ماتريكس؟.. أكبر شريحة حاسوب في العالم يمكنها م ...
- صوفيا لورين غزو سينمائي حميم بعد انقطاع طويل
- المخرج الروسي أليكساندر سوكوروف رئيس لتحكيم القاهرة السينمائ ...
- التحولات السياسية والثقافية التي حققتها ثورة تشرين


المزيد.....

- لستُ أنا... / محمد جبار فهد
- مثل غيمة بيضاء / نامق سلطان
- ستولَد شمس / ج. د. بن شيخ- ترجمة مبارك وساط
- ستولَد شمس من أهدابك / ج. د. بن شيخ- ترجمة مبارك وساط
- لستُ أنا... / محمد جبار فهد
- جورج لوكاتش - مشكلات نظرية الرواية / صلاح السروى
- أثنتا عشرة قصيدة لويس غلوك / إبراهيم الماس
- أنطولوجيا مبارك وساط / مبارك وساط
- على دَرَج المياه / مبارك وساط
- فكر الأدب وادب الفكر / نبيل عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - فاروق الجوهري …. مايسترو الخطوط والألوان