أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رولا حسينات - شتيات المصاطب















المزيد.....

شتيات المصاطب


رولا حسينات
(Rula Hessinat)


الحوار المتمدن-العدد: 6697 - 2020 / 10 / 8 - 12:08
المحور: الادب والفن
    


ريثما تلملم أشلاءك المنهزمة وتقصي عنك ما دنا من ذكريات.. يُتمُّ الزورق تموجه عابرا ملتويا حينا وناسكا حينا آخر، ويُبقي حينا آخر سيره كأفعى متعرجا فتضيق أنفاسه عند كل التواء حتى ينفرج ملتهمًا كل ما في وجهه، حتى ظن الرائي أنّه في بحر عظيم فيستفيق على كومة من البوص الباسقة رابضة وسط المياه أمامه كرجال شدوا أزر بعضهم بعضًا..وأشجار السنديان ككومة نبتت من مائه...تنتشي بدغدغاته على حفافيها ليفارقها منسلاً من بين جذورها بسلام ويمضي يحرسها قبيل الشروق وعند المغيب.. لا يشعر بهدأته أحد إلاه البوص الرقيق... وهو يتلقفه حبوًا وعدوًا على طول سيره وفي انعطافه حول الجزيرة الغائبة في السكون المجنون. نبات البوص هذا يحول دون خائنة العين على فجاج النور في خلوة المساكن الوارفة الظلال... وهدير موجه يطغى على هدير محرك هذا الملعون الذي يثير حنقك، فتفيق من بركان بربريتك على سوءة المصير الذي رمقته يوم كنت ترضع الحزن والجوع من ثدي أمك التي هرمت من فجيعة الطرد والنكران.. بغشاوة من عينيك ترسم لوحة البكاء ذاتها التي لم تتغير حتى بعد أن تعلمت أن تواري سوءتك بين الألواح الباسقة، في عينيك مخبئ قد ورثته عنوة وكأنه ولد معك كما تولد الملعقة الذهبية مع أولئك السذج..والغربة ليس غيرها من كانت غريمًا وحليفًا في الوقت ذاته.. الغربة ذاتها من تعيشها كل لحظة لم تتغير مذ ولدت...يقف المركب الصغير أمام كبريائها الملتف على سوق السنديان والبوص والأعناق التواقة للنسيان وتشذيب الأحلام الهاربة فتتلقفه لتهشم فيه كل مدنية، برية تلك الأماكن هي من تمنحك جوازًا للتوغل في عذريتها.
وأنت أيها الغريب عن أي غربة تبحث هاهنا؟؟؟ مكثت في مثوى الغرباء هذا وها أنت لا تجد ما تغرز قدميك فيه إلا الطين المتراكم على جنبيه، وبعض الحصى رصت بينه لتعين القادم الوحيد لشتيات المصاطب على المسير ليستفيق على عالم مصغر، تطل عليه من بين أشجار السنديان حينها يكون المركب قد مضى بعيدًا حيث ابتلعه النهر العظيم مفارقًا هذا الوحش البري إلى أجل غير مسمى.
وتمد عينيك لتزهق صورتك عاري الجسد وعاري الروح، لتنبش من كان صوته يسمع من بين فجاج النور المستلقي على صفحة النهر عصي الدمع..." الصغير يبكي يا سلامة، ونحن وحدنا في أرض مهجورة. لم ارتحلنا بعيدًا عن الجبيلة؟ لم حكمت علينا بالإعدام مبكرًا؟" يطيل الصمت بمجاذيفه يقلب ماء النهر المتأرجح بين العلو والهبوط... "القليل من الصبر القليل منه يا نرجس.." يهمس في أعماقه... لكنها لا تتوقف عن نفخ سحابة سوداء تمطره شقاء على شقاء والرضيع ما يفتأ يبكي.. والنهر قد تعكر صفوه وأحاديث قبيلته تتهمه بترتيب عجيب لجريمة ليس بفاعلها؛ الجلاد يقسم أن يجعل ظهره بحرًا من الدماء واسفنجة ترشق الدماء ونهره يطمر ما حوله... يصعقه بسوط من عذاب أصم أذنيه، أزاميلها تنقر مصيرهم، لم يعد يجدي الحديث ولسانها الذي لم يتوقف عن التحرك بسرعة، كنابض قلبه وقت سقط شبح الخوف على مضجعه في بيته الطيني في الجبيلة في الظلمة.
لم ير وجوههم وهم يقتحمون بيته، فقط رائحة البارود ملأت رئتيه ونرجس لفها بثوبه والرضيع وابتلعهم الصمت والخوف... ونام طويلاً من غير أن يشتم رائحة الخوف... ودون أن يرى لمعة الرصاص، لم يفكر كما فكروا بربطه إلى جدع النخلة وإحراقه بالنار، لم يفهم حينها شيئًا غير أن عويل النساء جعل سليم يستشيط غضبًا ويلفحه بنار تلظى في أعماقه.."لقد تبرؤا منه جميعًا..هم لا يؤون السارقين لا يؤون من مد يده على مالهم..." لم يمد عينيه أبدًا لما له عندهم فكيف له أن يمد يده؟؟ لقد أخرج ذليلاً يتيمًا فقيرًا مجردًا من كلمة شريف... رائحة الشواء لم تفارق جسده وهو ينزع البوص من مربع صغير لبيت السنديان، أكثر آمانًا من بيته الطيني، ليس فيه غير السنديان وفوانيس القمر...الصغير ما زال يبكي والضرع لم ينبت شرابًا يطفئ جوعه...يهمس" اعجني من الطحين وأرضعيه خبزًا يا نرجس.." البنت الرابعة للحاج عبد الغفار من زوجته مريومة التي قضت قبل سنوات وبعد أن تزوج بأخرى لم تستطع احتمال جمالها فزوجتها صغيرة لأول من يطرق بابها... كان سلامة يعمل في أرضه حين أصاخ السمع لنحيب فتاة.
لم تكن القرية تحمل صورًا كثيرة لغير الأحزان فقدان صغير في البئر...
عجل لم تستطع قدماه أن تخرجاه من النهر فمات...
وقد قضت أمه بحمى النفاس قبله...
سلمان احترق محصوله وبات على قارعة الطريق يندب حظه...
اجتاحت فصول السنة التي لم يعرف منها سوى القيظ والزمهرير يتمه وبقاءه وحيدًا في غرفته الطينية...لم يضمن له مكانة عند أبناء عمومته، ولم يتبق له من القصعة إلا المرق، كل من في القرية منهمك بعزائه، وهو يلملم صدى النحيب عند شجرة الكمثرى...راعه جمالها...وجهها، ضياؤها.
تمتم.."جمال من السما ونازل على التراب..؟؟!!" لم يكن ليحلم أن يحط القمر بين يديه...
أيُّ صيب هذا الذي أصابه ليسقط في غيط يعمل به، ويمسك بجدع الكمثرى مواريًا أحزانه ؟؟
سهم ما سقط في قلبه وتوفيق ما سلبه ما تبقى من ضياعه... لم تتردد زوجة الأب من تزويجها له وينتهي أمرها كـ ذليلة.
"الظلم يعيشه كل منا بمنظوره الخاص من تلك الزاوية السوداء التي لا تنبض بالحياة، إنها مشيئة الحياة يا نرجس... مشيئة الله فينا أن يجمعنا مصير واحد لم نختره بل اختارنا... أيُّ قدر هذا الذي فيه تصميم على اختيارنا دون أن يخطئ فينا... وحدتي كانت وإياك يا نرجس والطفل الرضيع يصرخ."
الفجور والقهر والحرمان وتواريخ الغربة لا تنتهي بروزنامة حياتنا البائسة... وأنت يا سلامة ما زلت ترثي لحالك وبؤسك ويتمك وتآمر أبناء عمومتك ...
وحدك من يعلم أنه محض افتراء لكن الفقير كاذب.. ظن يا عزيزي أهل الباطل أنهم على حق لمّا غاب منك الجواب..
أتلوذ أم تستعيذ والطفل مازال يصرخ؟؟
الشمس الأرجوانية التي تبحر بقوارب ورقية تفيض حبًا وحنانًا أكثر من قلوب البشر لتنثر الحزن من مساماتنا... وتنسينا ما قد كيل لنا... "بأنك لص وفاجر..."
الظلم يا سلامة لا يؤاخذ عليه البشر لأنه من طينتهم... ولا يؤاخذ المرء على طبعه.
أزاميل العمر قد انغرست في سمرة وجهك أيها الغريب وقد قبضت على جمجمة عاثت بها الديدان وهيكلان قد تدليا في بئر الحسرة... أنت ورضيع المهد سواء؛ كلاكما قد ألقي في الجحيم... النظرية التي تمنع تحول الماء إلى نار لم تخترع بعد...وأنت تُجلد مرارًا...
على أي حافة قد مشيت أيها الغريب وعلى أي حرف رسمت مستقبلك؟؟ ووشم العار يجلسك أمام مقصلة الأعين...
وحدك تعلم أنك بريء كما كان أبوك وقد ثويت ما تبقى من هزيمة في مقابر النسيان التي أورثتها غصبًا في شتيات المصاطب، ما تبقى في جعبتك من حكايا لم تروها بعد لأولادك الذين سيتناقلوها من جيل إلى جيل... وهكذا توارون أجسادكم البالية تحت التراب مبكرًا... قبل أن تستيقظ الحواس وأبرياء البشر لم يجدوا سبيلاً للنجاة بعد...!!




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,236,387,082
- جحا والبصاصين ومعلم الصبيان ج3
- جحا والبصاصين ومعلم الصبيان ج2
- جحا والبصّاصين ومعلم الصبيان
- المعلم..وعن أيِّ معلم ترانا اليوم سنبحث؟!
- التهرب الضريبي ...أحدث صرعة لتصفية الخلافات على الساحة الأرد ...
- عصرنة الإدارة
- مخبول في قارة الفضوليين
- مكائد قدرية
- هل ستكلف أزمة سد النهضة أبي احمد جائزة نوبل للسلام أم ستكون ...
- الكثير من الحكايا في زمن الكورونا
- لا عودة عن قانون الدفاع والحل بسيط لأزمة الثلاثاء
- كورونا وقانون الدفاع إلى هنا ستنتهي اللعبة
- الصناعة التحولية لواقع المرأة
- المارقون
- ترقيع بترقيع
- طاق طاق طاقية
- زيزف
- اضراب المعلمين ...بين هيبة الدولة والاعتذار
- الأنا والأنت والمشهد الأردني
- النظرة للمرأة الحقوق والواجبات


المزيد.....




- الإعلامية المصرية إنجي كيوان تحسم الجدل حول حقيقة علاقتها با ...
- شخصيات كندية تدعو جو بايدن إلى دعم القرار الأمريكي بالاعتراف ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم الاربعاء
- مأساة تدفع المخرج خالد يوسف إلى العودة سريعا إلى مصر
- صلاح فائق يكتب: قصيدة الى صديقي الشاعر محمد بنطلحة
- الفنانة روبي تتصدر بحث غوغل في السعودية ومصر بعد صورها بحفل ...
- الممثل الجديد للأمم المتحدة في الشئون الإنسانية يصل اليمن
- الشاعر اليمني أحمد السلامي:الشعر العربي يجدد نفسه عبر مدارسه ...
- فريدة النقاش تكتب:بين الثقافة والسياسة
- بيان حزب التحالف الشعبي بالدقهلية ضد هدم قصر ثقافة المنصورة ...


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رولا حسينات - شتيات المصاطب