أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - زمن موناليزا الحزينة: الفصل الثامن/ 3














المزيد.....

زمن موناليزا الحزينة: الفصل الثامن/ 3


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6687 - 2020 / 9 / 25 - 17:50
المحور: الادب والفن
    


السمعة الحسنة للأمير في الحي، جعلت منزله محجّ ذوي الحاجيات كي يتواسط لهم بعمل أو وظيفة أو خدمة ما. لكن ذلك لم يكن مبرراً كافياً له كي ينتقل إلى حي المهاجرين، وإنما على خلفية موضوع آخر. عمر بك شمدين، كان يظن أن شمس زعامته ستأفل ما لو بقيَ في حي الأكراد رجلٌ بمقام الأمير. عزف عندئذٍ على وتر الوطنية، مُشنّعاً على هذا الأخير بوصفه صديقاً لرجال السلطة الفرنسية. مع أن مريدي الأمير هبوا كالعاصفة يذودون عن سمعته ومقامه، فإنه آثرَ ترك الحي لحاسده ورقيبه. إلى ذلك، شاء الرجل شراء منزل بماله الخاص، هوَ مَن كان يقيم في منزل تملكه زوجته. " روشن خانم " هذه، سبقَ أن اقترنت برسام دمشقيّ وأنجبت له ابنة. بعد طلاقها، تزوجت من ابن عمها، الأمير. الزوج، شغل عدة وظائف إدارية، كان أبرزها رئاسة مؤسسة الريجي.
المرة الأولى، التي أحتاج فيها جمّو لوساطة الأمير، لما كلّمه بشأن إحدى قريباته، التي ترغب بالعمل في المؤسسة. إنه ابن عمته، " صبيح "، مَن تمنى عليه تدبير وساطة لشقيقته الوحيدة، وكانت قد تجاوزت سنّ الزواج وشبه متخلفة عقلياً. كان هذا القريبُ متطوعاً في سلك الدرك، ومكان خدمته في حوران؛ شأن كثيرين من أبناء الحي. لكنه كاد أن يفقد وظيفته، لما تأخر شهراً تقريباً عن إجازة نالها من رئيسه: لقد سمع ذات مرة من رجل دين، أن الحج إلى البيت المقدس يعادل حج الكعبة، وذلك لأنه أولى القبلتين. برغم أنه لم يكن متديناً، ونادراً ما أقام الصلاة في موعدها، راقت له فكرة الحج البديل فسافر إلى فلسطين. عوضاً عن نيل لقب " الحاج " ذي الجرس الرنان، ناله ما ناله من سخرية سواءً في خدمته أو حارته.

***
في المرة الثانية، المتحتم فيها على جمّو الاستفادة من مركز الأمير، أدهشَ الأخيرَ حال معرفة هذا بجليّة الأمر. ذلك كان للسعي في إطلاق سراح فيّو، ابن موسي، المتهم بالسرقة. لقد اعتقله الفرنسيون في قلعة المزة، كونه عمل على سرقة مواد تخص معسكرهم المهجور في جبل قاسيون. إذ سمعَ فيّو أحدَهُم في مقهى قوّاص، يتكلم عن معسكر هجره الفرنسيون خشية من تعرضه لغارات الطائرات الألمانية وكان ذلك في مبتدأ السنة الثالثة للحرب. هكذا بادر الشابُ الطائش إلى تسلق صخور الجبل، وصولاً إلى المكان المعلوم. لحُسن حظه، أن الحارس المناوب لم يطلق عليه النار عندما كرر إنذاره له بالوقوف. فيّو، شبه الأصم، لم يسمع النداء بالطبع، وتابع حمل بعض المتاع من المعسكر لحين أن أعتقل بالجرم المشهود.
قال الأميرُ لطالب الوساطة، مضيّقاً عينيه السوداوين والنافذتين: " قلتَ لي، أنه ابن شقيقك الكبير؟ ولكن سمبيل صور لم يكلمني بالموضوع، لما التقينا بالأمس في المقهى؟ ". هذا اللقب، " سمبيل صور: الشارب الأحمر "، كان الأميرُ قد أطلقه على موسي بصيغة تحبب منذ لحظة تعرفه عليه عندما كان الأخير يخدم كوكيل أعمال علي آغا زلفو. أجابَ جمّو مبتسماً في حَرَج: " شقيقي، شاء أن يتأدب ابنه كيلا يعود للسرقة ". صمت الأمير لوهلة، ثم ما عتمَ أن سأل مريده عن الساعة: " إذاً أضبط ساعتك على ساعتي، لأن أكثر شيء يزعجني هو التأخر عن الموعد "، قالها ثم حدد له مكان ووقت اللقاء.

***
في صباح اليوم التالي، بقيَ جمّو يسير بالقرب من مقهى " الكمال "، مقلّباً عينيه في البساتين الغنّاء، الكائنة في محيطه إلى أن حان الموعد. ثمة عند مدخل المقهى، وجد الأمير في انتظاره. كان متأنقاً كالعادة؛ عليه معطف جلديّ رماديّ بقبة عالية، وقد اعتمرَ قبعة مستديرة مما يُلبس في الغرب. رحّب به الرجل، قائلاً وهوَ يقوده من يده المُصافِحة: " سنذهب إلى السراي الحكومي، فتنتظرني هناك عند المدخل حتى أتم الأمر ". سرّ جمّو من بساطة الأمير، وأكثر بسَيره معه تلك المسافة القصيرة نوعاً. مبنى السراي الحكومي، كان مطلاً على الساحة الرئيسة في مركز المدينة، وقد تناثر عند رصيفه كتبة يرتزقون من إعانة طالبي العرائض. ظل جمّو واقفاً هنالك، لحين أن خرج الأمير من المبنى بعد نحو نصف ساعة. خاطبَ طالبَ الوساطة بالقول وعلى فمه ابتسامة: " وعدوني بإطلاق سراحه بعد الظهر، فإن خالفوا وعدهم كانوا هم الكاذبين وليسَ أنا! "
" حاشاك، أميرنا الكبير. لك كل الامتنان والشكر، سواءً أطلقوا سراحه أو أبقوه لديهم "، رد جمّو وهوَ ياخذ يدَ الوسيط لمصافحتها. ثم شيّعه بنظراته وهوَ يبتعد بخطوه العجول، عائداً أدراجه إلى ناحية المقهى. استمر جمّو بالتجول على أرصفة الساحة، فيما عيناه لا تغفلان عن مراقبة مدخل السراي؛ أينَ من المفترض أن يتم جلب المتهم إليه ومن ثم إطلاق سراحه عقبَ بعض الاجراءات الروتينية. إلى أن ظهرَ ابنُ أخيه اخيراً، وكان قد مضى نحو ساعتين على ذهاب الأمير. كان فيّو ينقل بصره هنا وهناك، ما يعني أنهم أعلموه في الداخل بان ثمة من ينتظره خارجاً. لما أبصرَ أحدهم يلوّح له بيده، وهوَ يقترب من مكانه، عرفَ فيه عمّه الصغير. فمضى إليه بمشيته العشوائية، يهز منكبيه ورأسه معاً.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الثامن/ 2
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الثامن/ 1
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل السابع/ 5
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل السابع/ 4
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل السابع/ 3
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل السابع/ 2
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل السابع/ 1
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل السادس/ 5
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل السادس/ 4
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل السادس/ 3
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل السادس/ 2
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل السادس/ 1
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الخامس/ 5
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الخامس/ 4
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الخامس/ 3
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الخامس/ 2
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الخامس/ 1
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الرابع/ 5
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الرابع/ 4
- زمن موناليزا الحزينة: الفصل الرابع/ 3


المزيد.....




- المومياوات: تجاور طويل في إحدى مدن تشيلي بين الأحياء وأقدم م ...
- العثور على كعكة بندق ولوز عمرها 79 عامًا في قبو
- تسيتسي دانجاريمبجا تحصل على جائزة السلام في فرنكفورت
- فوز الشاعر السعودي غسان الخنيزي بجائزة سركون بولص
- معرض خاص لكتب الأديبة الدكتورة نوال السعداوي 
- محمد سعد يروج لعرض مسرحيته -اللمبي في الجاهلية- في السعودية ...
- سمية الخشاب تواصل تعليقاتها المثيرة للجدل عن الدوري الإنجليز ...
- عرض مؤلفات نوال السعداوى للاطلاع والاستعارة فى مكتبة مصر الج ...
- رئيس الحكومة يمثل جلالة الملك في أشغال قمة -مبادرة الشـرق ا ...
- مالئ الدنيا وشاغل الناس.. ما الذي يجعل المتنبي حاضرًا في كل ...


المزيد.....

- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي
- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - زمن موناليزا الحزينة: الفصل الثامن/ 3