أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - الطوفان الثاني رواية تحتفي بنبرتها الدينية المحاذية للأساطير المحلية















المزيد.....

الطوفان الثاني رواية تحتفي بنبرتها الدينية المحاذية للأساطير المحلية


عدنان حسين أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 6686 - 2020 / 9 / 24 - 11:25
المحور: الادب والفن
    


تتكئ رواية "الطوفان الثاني" للقاص والروائي فاتح عبد السلام على ثيمتين أساسيتين تهيمنان على النسق السردي للنص الروائي منذ جملته الاستهلالية حتى خاتمته الفنتازية التي رسمها بعناية فنّان تشكيلي متأجج المخيّلة، ومرهف الأدوات. استقى عبد السلام ثيمته الأولى من بديع الزمان الهمذاني الذي يقول:"المرء حيث يثبت لا حيث ينبت، وحيث يُوجد لا حيث يُولد"(ص216) وهذه الثيمة المُستخلصة من عسل الفكرة، وعُصارة الكلام تنبطق على سالي، وكمال، والرجل المُسن وكل الشخصيات المُهاجرة التي تركت أوطانها، واستقرت بعيدًا عن "مَنبتها" ومَسقط أحلامها، وشقّت طريقها في عالم تُحاصرة الغُربة، والوحدة، وبعض الحنين الغامض إلى أوطان مُضبّبة تغوص في أعماق الذاكرة لكنها لا تتلاشى أبدًا. أمّا الثيمة الثانية فقد وردت على لسان كمال نقلاً عن عمّته الشيخة نوال التي وصفت الملح الذي ينزل من عينيّ سالي بأنهُ "بيوض الأرواح الحاقدة وضعوها في عينيكِ حين كنتِ طفلة ناثمة وتفقّست أجنّةً صغارًا كلّما اشتدت ريح الحقد"(ص355)، وسوف نعرف لاحقًا "أنّ الملح الأسود حقيقة لكنه مصنوع من وهم" (ص362). لا شكّ في أنّ القارئ الكريم سيلتقط هذه الشطحة التي تحاول ملامسة الخُرافة، ومُداعبة الأساطير التي يخترعها السكّان المحليون من قوميات وأطياف متعددة، فالرواية تجمع بين دفّتيها العربي والكوردي والإيزيدي والمسيحي في إشارة واضحة إلى المكوّنات الفسيفسائية للشعب العراقي المتعدد الأعراق والأديان والمذاهب. وأكثر من ذلك فإن هذه الرواية تحتفي بنبرتها الدينية المحاذية للأساطير المحلية. فالعمّة نوال التي رأت النبي محمد في المنام أخذ الناس يسمّونها بـ "السيديّة" وشرعت بمعالجة المرضى الذين تَماثل بعضهم للشفاء، ووجد البعض الآخر راحته في حضرتها وهي تدعو له أو تتلو على سمعه بعضًا من آيات الذكر الحكيم. تمامًا كما فعل الشيخ زياد مع كمال حينما انهار في مضارب الفصائل الدينية وغابَ عن الوعي لبعض الوقت ثم التقط أنفاسه واستردّ عافيته تدريجيًا على يد الشيخ الذي تكشّفت له سُبُل الثقة والقناعة والإيمان.
وفيما يتعلّق بالثيمات الفرعية فهي كثيرة كالحُب، والحرب، والموت، والهجرة، والبحث عن الملذات العابرة، والحنين إلى الوطن وما إلى ذلك، وقد تفنّن الروائي المجوِّد فاتح عبد السلام في تقديم هذه الخلطة السحرية التي تجمع بين أزمنة وأمكنة وأحداث مختلفة تبدأ بالحرب العالمية الثانية، وتمرّ بغرف الغاز الهتلرية، وتنتهي بالطوفان الثاني من دون أن تنسى المرور على ملجأ العامرية الذي صنعت منه الطائرات الأمريكية فرنًا غازيًا مضغوطًا راح ضحيته أكثر من 400 مواطن عراقي غالبيتهم من الأطفال والنساء.
كُنّا قد أشرنا في مقال سابق إلى أنّ عبد السلام مُولع بتقنية الأبنية المتوازية، إذ تدور العديد من قصصه ورواياته في مكانين في آنٍ واحد وهما العراق والمملكة المتحدة، ثم يتنقّل الرواة بين هذين المكانين الأثيرين اللذين انحفرا في ذاكرتهم المُرهفة التي تسجّل مِحن الإنسان، وكوارث الحروب في الأعمّ الأغلب.
تبدأ الأحداث من غرفة صغيرة في لندن حيث تجد سالي عملاً غريبًا عند رجل ثري مُسن يقتصر على "التفكير"، ومن خلال سالي نتعرّف على شقيقتها التي تصغرها بعشرة أعوام ثم ننفتح على عائلتها وبقية أسر أعمامها الأربعة الذين احتكروا مهنة غسل الموتى الرجال وتكفينهم ودفنهم بينما اختصت أمّ سالي بغسل النساء الميتات وتكفينهنّ، أمّا عمّتها الخامسة "نوال" فقد أصبحت من أهل الكرامات بعد أن أدركت الطريق المنير الذي يفضي للجهة الخامسة.
يبذل إدريس قصارى جهده للعثور على كمال، ابن أخيه رعد. فلم يبقَ من عمّات كمال الأربعة سوى نوال. وسوف نتعرف على شخصية العمّ إدريس الإشكالية، فهو عقيد طيّار من جهة، وشاعر جريء متهم بانتهاك المحرّمات من جهة أخرى، ويبدو أنه مرتبط، بشكل ما، بأحد الفصائل الدينية المقاومة للاحتلال الأمريكي للعراق، وقد صدر بحقه، في حقبة النظام السابق، قرار الإعدام لأنه وصف أحد الطيارين من أقرباء الرئيس بالحمار، ثم خُفِفت العقوبة إلى السجن المؤبد، وفي عيد ميلاد الرئيس شمله العفو فخرج مطرودًا من القوّة الجوية بعد أن أمضى في السجن أكثر من 5 سنوات.
تروي كل شخصية من الشخصيات الرئيسة قصتها وتُتوّج النهاية بلقاء فنتازي مُتخيّل في السماء يجمع بين كمال وسالي فوق مطار إستانبول.
تُطلِق سالي على شخصية المُسن اسم "الرجل الآتي" وقصته لا تخلو من الرموز والإشارات التي تدين الرأسمالية ومظاهر الثراء الفاحش. وعلى الرغم من الموقف التراجيدي الذي صادف والده الذي كان يخيّط أكفان الموتى لضحايا هتلر، وقد خاط لنفسه بدلة الإعدام وأوشك أن يموت لكن الطائرات البريطانية قصفت معسكر الاعتقال وقتلت الحرّاس الألمان فهرب السجناء وعاد إليهم بعد شهور من الاختفاء. وكانت العائلة تختبئ أحيانًا عند نبلاء نمساويين كان جدهُ شريكًا لهم في تجارة الذهب. فمثلما تعلّمت سالي الخياطة من أمها تعلّم الرجل المُسن الخياطة من أبيه ولكنه سينتقل، حينما يهاجر إلى لندن، إلى خياطة البدلات لكبار الشخصيات من رؤساء الوزراء، ومدراء البنوك، ونجوم السينما، بل أنه كتب لافتة تقول:"لا يدخل هذا المحلّ إلاّ كبير" وآخر بدلة خاطها كانت لرئيس الوزراء إدوارد هيث ثم توقف عن العمل منذ السبعينات وظل يأتي إلى هذا المكان يوميًا ويغادر عند الظهيرة. لقد عيّن سالي لكي يفيد من أفكارها الجديدة مثل خياطة سترات للنساء والرجال تحمل اسم يأجوج ومأجوج لتستدرج الزبائن، ثم أشرَكها في اجتماعات كل اللجان في شركته العتيدة إلاّ أنها سوف تترك هذا العمل الذي كانت تجني منه شهريًا خمسة آلاف جنيه إسترليني وتنتظر كمال، الشخص الذي أحبّها، ووعدها بالزواج.
ما يميّز هذه الرواية هو سلاسة متواليتها السردية، أي أن الشخصية الساردة تمهّد الكلام للشخصية التي تليها. وطالما أنّ سالي تتنظر كمال فلابد أن تمنحه الفرصة للسرد، ونتابعه وهو يعود إلى العراق بناءً على الرسالة التي تلقّاها من عمّه إدريس، فسافر إلى عمّان، ومنها قرّر ركوب المخاطر والذهاب إلى بغداد بواسطة الطريق البرّي بصحبة سائق ورجل آخر لا يعرفه، فطاردهم مسلحون مجهولون قتلوا الراكب الآخر ولاذ السائق بقرية جابر اعتمادًا على نصيحة سائق آخر يُدعى خميس أبو إذن. يأخذ السائق جثة القتيل فيما يظل كمال في قرية جابر إلى أن يؤمّنوا له طريق العودة رفقة أحد رجالهم. وهناك يلتقي بعمّه إدريس وعمته نوال ويستذكر سنوات الطفولة بسعادة واسترخاء لكن مجموعة من الجيش الأمريكي تقوم بعملية دهم وتفتيش للمنزل فيقرّر عمّه نقله للحدود التركية كي يكون بمأمن من المخاطر المحدقة به.
تعتمد هذه الرواية على تقنية الفلاش باك كثيرًا، فكمال هو الوحيد الذي نجا من أسرته عندما غرقت السفينة في عرض البحر الذي ابتلع والديه وشقيقته الصغرى فقد انتشله البحّار كريستو وزوجته ماريا، وتبنياه، وحصل منهما على اسم إدغار، وبفضل كريسو أتقن لغة الضاد حيث أدخله هذا الرجل بعيد النظر إلى كورس تعلّم اللغة العربية تحسبًا للقاء عائلته في المستقبل، كما ألحقه بمدرسة فنية تعلّم فيها النجارة وصناعة السفن الصغيرة التي كان يبيعها إلى محل تجاري في أكسبرج. وقد ظلّ وفيًا في قصة حُبّه لسالي فلاغرابة أن يهمل تحرشات جارته كاثرين التي فشلت في حياتها الزوجية وصارت تلهث وراء كمال لإطفاء رغباتها الجنسية المشتعلة.
تُعدّ رواية "الطوفان الثاني" الصادرة عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" في بيروت أنموذجًا للنص المهجّن الذي يجمع بي الواقعية والفنتازية، وقد وظّف فيها العديد من الأساطير الاجتماعية والدينية في الأنساق السردية التي تدور في العراق، بينما رصّع النسق السردي البريطاني بشذرات ولُمع ثقافية أوروبية مثل الإشارة إلى المغنية البريطانية فيرا لين، وموسيقى بتهوفن، وفيلم "البندقية القديمة" للمخرج الفرنسي روبير إنريكو، والرحلة العجائبية التي قام بها "الرجل الآتي" بالسيارة صُحبة سالي إلى سبائك الذهب المكدّسة تحت نهر التيمز وما إلى ذلك من ومضات تمزج بين اللغة الأدبية المتوهجة، واللمسة الفلسفية التي تُذكِّرنا بأسلوب نيتشه ولا تُحيل إليه لأنها من اجتراحات المبدع فاتح عبد السلام وشطحات قاموسه الأدبي الذي بدأه منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي ومازال مُستمرًا برفده وتعزيزه بالإشراقات اللغوية الجميلة حتى يوم الناس هذا.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,230,571,980
- في أضواء غربية لقتيبة الجنابي: المصوِّر الشاعر الذي يلهث ورا ...
- كتاب الحياة وقصص أخرى يتلاقحُ فيها الواقع بالنَفَس الغرائبي
- نساء سعد علي يسرقنَ من الأفاعي حركتها المتمعجة
- مجلة السينمائي في خُطوتها الرابعة نحو التخصص والاحتراف
- زيزفون البحر. . . رواية مهجرية ترصد ثنائية الشرق والغرب من ج ...
- بنات السياسة يساريات تونسيات يُداوينَ الكتمان بالحكي
- الفن في حوار الأديان الأزلي. . بحث نقدي رصين تعوزه المصادر
- انتظار. . فيلم تجريبي مشذّب مثل ومضة شعرية
- رفعة الجادرجي يغادر متاهته الإبداعية
- الديوان الإسبرطي يستذكر الاحتلالين العثماني والفرنسي
- شاعر المليون: قصائد نبطيّة تحتفي بالحُب وتمجِّد الأوطان
- سفر برلك. . رحلة التيه في الفلوات المُوحشة
- سلالم ترولار. . رواية الواقع الموازي الذي يتجاوز الخيال
- فردقان رواية وثائقية لا تتسع لشطحات الخيال
- ترجمة سلسة ورشيقة لحكايات أسطورية من شبه جزيرة القرم
- تلّ الورد . . . رواية تستنطق الألم السوري المعاصر
- نساء الهلباوي: سيرة روائية لجلاّد دنشواي بعيون نسائية
- تقرير عن السرقة. . شخصية منشطرة وأنداد لا مرئيون
- أب سينمائي. . . ثنائية البوح والكتمان
- أم البلابل. . نص سيري يُمجد المكان المُستلَب


المزيد.....




- مصر.. رانيا يوسف أمام القضاء بتهمة -ارتكاب الفعل الفاضح-
- كاريكاتير -القدس- لليوم الأحد
- -الثقافة- الجزائرية تكشف حقيقة استعانتها بمحمد رمضان وهيفاء ...
- إصابة وزير الثقافة عاطف أبو سيف بفيروس كورونا
- باحث طنجاوي يحاضر حول الأدب المغربي النسائي المكتوب بالإسبان ...
- يوروفيجن: بعد اختيارها لأغنية -الشيطان- قبرص تتعرض لضغوط للا ...
- مصر.. -نفذت مشاهد فيلم أجنبي-.. اعترافات مثيرة للمتهم بقتل س ...
- عبد الله زريقة شاعر الهوامش الموجعة.. الذي ترجمه أديب فرنسا ...
- إيراني يصمم دراجة بإطار واحد مستوحاة من أفلام الخيال العلمي ...
- فيلم ايراني يحصد 3 جوائز في مهرجان Garoa البرازيلي


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - الطوفان الثاني رواية تحتفي بنبرتها الدينية المحاذية للأساطير المحلية