أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - غازي الصوراني - الفلسفة في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد وتكريس عصر العبودية















المزيد.....



الفلسفة في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد وتكريس عصر العبودية


غازي الصوراني

الحوار المتمدن-العدد: 6676 - 2020 / 9 / 14 - 14:54
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    



يحيط أعظم اللبس بتاريخ الفكر العقلي في ذلك العصر عموماً، وخاصة في القرنين الأولين بعد الميلاد، حيث "أفلتت وغابت – كما يقول إميل برهييه- "شمس المذاهب الوثوقية الكبرى اللاحقة على ارسطو، وبالمقابل بُعِثَتْ من جديد المثالية الأثينية التي كانت رأت النور في القرنين الخامس والرابع ق.م، وبعثت معها المذاهب الافلاطونية والارسطوطاليسية، وفي الوقت نفسه ظهر إلى حيز الوجود أدب فيثاغورث مشرب بالافلاطونية، لكن كم من تيار فكري جديد، إلى جانب المدارس الفلسفية الكبرى، حاول ان يشق طريقه إلى النور وأن يصب في المجرى العريض للحضارة!، إنه عصر التداخل والتنافذ –في أوروبا- بين حضارة الاغريق وحضارة الشرق؛ وقد احتل فيه يهود الاسكندرية، وعلى رأسهم فيلون، مكاناً مرموقاً في بادئ الأمر؛ ثم كان دور المسيحية في القرن الرابع الميلادي"([1]).

وبالتالي فإن "السمة العامة لتلك الحقبة هي إذن تثبيت العقل في صور غيبية آسرة واعتقال النهوض الفكري بأسره.وقد ترتب على ذلك، من بعض المناحي، ان الفلسفة ما عادت تعطي سوى موضوعات رئيسة قد تبلى من فرط الاستعمال والتكرار.

هذا الانعطاف للعقل نحو الخفة، وازنه بالمقابل تعاظم الاهتمام بالمسائل الاخلاقية والدينية على نسق واحد في المدارس جميعها، فقد ناب الفيلسوف في تلك الحقبة مناب المرشد والمعزي وموجه الضمائر، وآلت الفلسفة إلى مدرسة للسلام والصفو والطمأنينة، ولئن زعمت أنها باقية على ما كانت عليه: بحثاً عن الحقيقة ومعرفة بها، فذلك لما لهذه المعرفة من قيمة وأهمية في طمأنينة النفس وسعادتها"([2]).

فلسفة مجتمع الرق في روما القديمة:
"في روما، التي اعتمد اقتصادها على الزراعة، ارتبط تطور العلاقات العبودية بتعزز قوة الدولة، وباتساع سيطرة الامبراطورية الرومانية، التي شملت مناطق واسعة في الجنوب والشرق، وكان لهذا أثره في تزايد العبيد باعداد كبيرة، وتعاظم ثروة ملاك العبيد وغناهم، كما كان لانتشار سلطة روما في الجنوب والشرق، ما بين نهاية القرن الثالث، وأواخر القرن الثاني قبل الميلاد، دوره في تعرف الرومان على المنجزات الحضارية، الفنية والعلمية والفلسفية، التي أبدعها الاغريق، فقد أُخِذَ الرومان بروعة الحضارة اليونانية، واستقطبت روما العلماء والخطباء والفنانين والفلاسفة اليونانيين، وانتشرت فيها الآراء الرواقية والابيقورية، التي اكتسبت، بمرور الزمن، ملامح متميزة خاصة.

فقد رافقت تشكل الامبراطورية الرومانية العظيمة تغيرات عميقة في وعي الجماهير المسحوقة والفئات المثقفة، وكان ذلك العصر عصر انهيار الدول القديمة، التي ابتلعتها روما، وحرمتها استقلالها السياسي، وكان أيضاً عصر تزايد فاقة الجماهير وبؤسها، وظهور طبقة لا يستهان بها من العناصر الطفيلية في روما، وأدت التحولات السياسي، التي تعاقبت بسرعة كبيرة، إلى تهديد مصير الشخصية الفردية، وزعزعة استقرارها، وكان احتدام التناقضات الاجتماعية، وتزايد البؤس والكوارث، وراء توجه البائسين والمحرومين شطر الدين، يلتمسون فيه العزاء والسلوى"([3]).

وعلى مشارف الميلاد تزايد النزوع إلى الدين لدى مختلف طبقات المجتمع الروماني، هنا تجدر الاشارة إلى التأثير الثقافي الذي مارسته المناطق الشرقية من الامبراطورية، "فقد اجتاحت الامبراطورية موجة من التعاليم والطقوس الدينية القادمة من الشرق، ولاقت هذه التعاليم تربة صالحة في المجتمع الروماني، فغدت الفلسفة، التي كان عليها أن تستجيب لمتطلبات العصر، فلسفة دينية، وتعمقت الصبغة الدينية لآراء الافلاطونية والفيثاغورثية الجديدة، التي لم يكن أي منها امتدادا مباشراً لافلاطونية وفيثاغورية القرن الرابع قبل الميلاد"([4]).

بعث الافلاطونية في القرن الثاني:
أسباب عديدة حكمت، بدءاً من القرن الثاني، تراجع مد الرواقية أمام الافلاطونية الجديدة (المحدثه)، ولهذا التحول، بادئ ذي بدء، مظهر اجتماعي لا مماراة فيه في تطور عصر العبودية، وانتشرت الافلاطونية المحدثة –كما يقول إميل برهييه- ودعاتها بين الطبقات الميسورة والمثقفة؛ وهي طبقات لا تحتمل أية دعوة ربانية تجعل من العبد الرقيق فيلسوفاً؛ وتجهل في الوقت نفسه أي ضرب من النجاح الشعبي، كمثل ذاك الذي عرفه معلمو الرواقية.

إن الاحكام الصريحة الواضحة التي ذهبت اليها الافلاطونية الجديدة نلتقيها أولاً لدى "فيلون الاسكندري" (40 ق.م – 40 ب.م)، الذي كان عضواً نافذاً في الجالية اليهودية الغنية والزاهرة في الاسكندرية، كما في كل وسط يهودي آخر، وكانوا يفسرون التوراة، مثلما كان الاغريق يفسرون هوميروس منذ زمن بعيد، وفق المنهج الرمزي؛ ومن ثم "كان كل ما في التوراة يتحول إلى قصة نفس تقترب من الله أو تبتعد عنه بمقدار تنائيها عن الجسم أو تدانيها منه، وبالاعتماد على هذا المنهج دمج "فيلون" في شرحه جميع الأفكار الفلسفية الغيبيه المعروفة في عصره"([5])، الامر الذي أدى إلى انتشار الأفلاطونية الجديدة (المحدثه) ([6]) في القرن الثالث الميلادي عبر فلسفة افلوطين (205 – 270 م).

لقد سعت الأفلاطونية الجديدة إلى تلبية التوق الديني الذي ظهر في الأزمنة الهيلينية، فَوَضَعَتْ العقيدة الأفلاطونية الجديدة الفرد في صورة كونية أكبر، وصورت الشر حرماناً وعدماً، ونظرت إلى الجسد (المادة) على أنه اللاموجود، والنفس على أنها الوجود، أما الهدف، فهو تحرير النفس من إطارها الفاني (الجسد) لكي تتمكن النفس الشخصية من اختبار الاتحاد الشامل بالنفس الكونية.

ففي تلك المرحلة، تخلى عصر النظم العظيمة عن مكانه إلى التشكك في قدرة العقل الإنساني على فهم العالم أو للسيطرة على غرائز الناس وإخضاعها للنظام وللحضارة، فقد "كان دعاة الأفلاطونية الجديده، يرتابون في الفلسفة كما يرتابون في العقائد التحكمية، وحطموا أسس المادية، وأشاروا بقبول الطقوس الدينية القديمة في هدوء"([7])، وفي تلك المرحلة انتشرت الأفكار التي تكرس النظام العبودي من خلال أبرز فلاسفتها: أفلوطين، والقديس أوغسطين.



أفلوطين (205 م – 270م) :
فيلسوف مصري يوناني، ولد في مصر عام 203 م، ومات عام 270 م في كامبانيا، درس الفلسفة الرواقية والهنديه واضطلع على أنواع السحر والتنجيم في عصره، كان يؤمن ان كل شيء في العالم ما هو إلا صورة ناقصة للكائن أو الخالق الاعظم (الله) حتى انه رفض ان يرسمه أحد حتى لا يكون ظلاً مشوهاً له.

كان "أفلوطين" بلا مراء –كما يقول المفكر الراحل جورج طرابيشي- " الفيلسوف الأكثر تمثيلاً للقرن الثالث، لأنه جمع في شخصه أرفع تقاليد العالم القديم، فقد كان مصرياً بدمه، إسكندرياً بتربيته الفلسفية، رومانياً بمدرسته التي "ازدهرت" حسب تعبير القديس أوغوسطينوس– الذي كان يقدمه على سائر اليونانيين – في روما من عام 244 إلى عام 269، ولكن يونانياً بصبواته إذ لم يقع تحت تاثير الثقافة الشرقية، رغم انفتاحه عليها.

وعلى حين أن أفلاطون لا يخفي شهواته الجسدية، وإنما يلزمه فقط أن يتجاوزها، لا يساور تلميذه إلا الازدراء إزاء الجسد مستشعراً، نظير بولس الرسول، الثقل الفاني لجسمه ولجسده الذي كان يخجله كإنسان"([8]).

إن العصر الذي عاش فيه الفيلسوف أفلوطين–كما يضيف طرابيشي- عصر مظلم، مجدب، مضطرب، لم يعرف عظمة حقيقية، وقد انعكس ذلك على شخصية أفلوطين ونتاجه، فقد عاش أفلوطين على الدوام متواحداً؛ تضمنت فلسفته الصوفية عزوفاً أبعد غوراً وأكثر واقعية بكثير من غزوف الأبيقوريين، فقد كان يُبْعد جميع تلاميذه، شيوخهم وفتيانهم، عن السياسة التي كان يبغضها بقدر ما يبغض الحرب والتنجيم والتعصب والرياء"([9]).

فقد تميزت فلسفة أفلوطين، بأنها هي فلسفة غيبية إلى حد كبير، تقوم على ثالوث هو: الواحد، العقل، النفس الكلية –كما يقول يوسف حسين- "الواحد هو الوجود الحقيقي وكل شيء صدر عنه يعود اليه، لأنه مبدأ الوجود ولا يمكن ان تدركه العقول، وهو في كل مكان ولا مكان له، وكل هذه الافكار عَبَّرَ عنها افلوطين في "نظرية الفيض" فالواحد (الله) يفيض على الكون دون ان ينقص، كالشمس تفيض باشعتها دون ان تنقص شيئاً"([10]).

فالعقل –كما يقول أفلوطين- يتوجه نحو الأوحد أو الواحد، والنفس موجوده لدى الانسان ولدى الكواكب وكل ما هو موجود له نفس، ولا يتطهر العقل والنفس إلا باتحادها بالواحد والخروج من عالم المادة المزيف، إلى عوالم الأوحد، وهناك ستكون السعادة الحقيقية.

نستنتج مما سبق، أن فلسفة أفلوطين التي اطلق عليها في ذلك العصر: "الافلاطونية المحدثة"، وهي فلسفة مغرقة في رجعيتها الميتافيزيقية، وقد وصفها إميل برهييه بأنها "طريقة في وصف المناظر الميتافيزيقية التي تنتقل اليها النفس بضرب من المران الروحي"([11]).

لقد نبذ افلوطين النظرية الرواقية بتمامها، فالعقل في العلم واحد لأنه يتأمل موضوعاً واحداً؛ وما يضفي وحدة على الوجود الأدنى هو تأمل المبدأ الأعلى فقط، وهذا المبدأ عنده هو الواحد أو الله، فالقول بأن الواحد هو مبدأ الوجود يعدل القول بأن الوجود الحقيقي الوحيد هو التأمل، فليس العقل وحده تأملاً لموضوعه، بل الطبيعة أيضاً تأمل، تأمل ضمني، صامت، لاشعوري، للنموذج المعقول الذي تحاول محاكاته؛ فالحيوان أو النبات أو أي شيء من الاشياء لا تحصل على صورتها إلا بقدر ما تتأمل النموذج المثالي المنعكس فيها، ويبقى المبدأ الأعلى اذن في ذاته، في كماله وسكونه الذي لا يحول ولا يتبدل؛ فلا شيء منه، من نشاطه، ينتقل إلى الوجود الأدنى، وذلك لأن الموجودات، مثلها مثل الاشياء الجميلة، لا تكون قادرة على استقباله إلا بقدر ما يملؤها هو بنوره وانعكاسه"([12]).

على أنه لا مناص لنا، إذا شئنا أن نفهم مذهبه على الوجه الصحيح –كما يقول اميل برهييه-"من أن نستحضر في اذهاننا الصورة الثابتة لكون واحد، متناه، ازلي، ذي نظام مماثل دوما لذاته، استحوذ على عقل افلوطين كما على عقول سائر معاصريه؛ وانما بِداِّلة هذه الصورة يتخذ مذهبه الميتافيزيقي معنى، وكل البناء الميتافيزيقي الذي شاده افلوطين يخسر الكثير من معناه ان لم نُسَلِّم، إلى جانب وحدانية العالم، بوحدته، وتجاذب اجزائه، وقدمه، وبمركزية الأرض له"([13]).

على هذا النحو يمكن ان نفهم النظرية الافلوطينية في المبادئ أو الاقانيم؛ فالمبدأ الأول هو الواحد أو الأول، وهو ما لا يكون فيه وجود بعد لأي انقسام؛ فهو لا شيء، إذ لا وجود فيه لشيء متمايز؛ وهو كل شيء، لأنه قوة الاشياء قاطبة؛ فهو أشبه بالواحد الذي تتكلم عند محاورة بارمنيدس لأفلاطون، أي الواحد الذي يصح فيه النفي والإثبات على حد سواء، والحق أن "افلوطين اقتبس من هذه المحاورة مبدأ نظريته في الواحد من الجمهورية (افلاطون)؛ وبالفعل، ان الواحد هو أيضاً الخير، وذلك لأنه هو الذي يهب كل موجود وجوده؛ وهو نفسه "فوق الماهية"، لأن الوجود – لنذكر بذلك- هو بالضرورة عند افلاطون الوجود في موجود ما"([14]).

أما عند افلوطين، فإن الله لا يُعْرَفْ بالتفكير بل باللاتفكير، بالاعراض عن التفكير، أي انه، بعبارة أخرى، صوفي غيبي متزمت، ومن هنا أصبح لزاماً على الأفلاطونية المحدثة أن تقول بميتولوجيا (علم أساطير) ضخمة معقدة لم تكن سوى تجميعاً لخرافات حوض البحر الابيض المتوسط يجب أن يقتنع ويؤمن بها الجمهور أو رجل الشارع وإلا سيتعرض للعقاب الشديد.

وقد تحول هذا المذهب الأفلاطوني المحدث بأسره على مرور سنوات تلك المرحلة، إلى علم جنوني بالغيب، فعادت قصص الآلهة القدماء إلى الوجود كأساطير ذات مغزى روحي عميق، وأصبحت المراتب المختلفة للفيض الإلهي بمثابة أنظمة ودرجات من الموجودات الروحية، بما في ذلك عفاريت من شتى الألوان، ودرجات متزايدة من الشر، والحق أن هذه الغنوصية أدت إلى امتزاج الايمان بالسحر الذي امتازت به العصور الوسطى، كما أن الشيع والأنظمة الصوفية المغرورة – من الماسونية إلى الروزيكروشية، إلى عبادة برسيفال– ترجع كلها إلى الأفلاطونية المحدثة، وهي نزعات تظهر بقوة كلما وجدت ظروف اجتماعية سيئة تتطلب تعويضاً أسطورياً على وجه السرعة.

لقد حولت الأفلاطونية المحدثة الديانات الوثنية الشعبية إلى فلسفة بما قدمته من تفسيرات مصطنعة لأساطيرها، كما أنها حولت الفلسفة إلى دين نظراً لما أسبغته من أهمية جوهرية على هذه الأساطير"([15]).

في هذا السياق أشير إلى أنه على امتداد القرنين ونصف القرن التالية لموت افلوطين، عرفت الافلاطونية المحدثة تاريخاً بالغ التعقيد لا بمذاهبها فحسب، وهي في الغالب متباينة لدى الكثرة من المعلمين الذين كانوا يدرسونها، بل كذلك من الناحيتين الدينية والسياسية، " فمن الناحية الدينية تضامنت الافلاطونية المحدثة رويداً رويداً مع الديانات الوثنية التي طويت صفحتها وسط انتصار المسيحية المتعاظم .

وكان تعليم افلوطين –كما يقول اميل برهييه- يتضمن، مذهباً دينياً متميزاً عن مذهبه الفلسفي؛ وكان لتمايزه هذا وجهان : ألوهية الموجودات السماوية، أي السيارات؛ وجملة من الشعائر الدينية والصلوات واستحضار النفوس والرقى السحرية، وغير ذلك من الطقوس الغيبية، وبديهي أن ذلك لم يكن كله من ابتكار افلوطين، وانما هي افكار مشاعة استلحقها بفلسفته، فعلى امتداد القرنين الثاني والثالث انتشرت، في مختلف الصور والاشكال، عبادة الشمس، سواء أفي أسرار "ميترا"([16])، التي كان أتباعها كثراً أيضاً في ذلك العصر، أم في العبادة الرسمية التي أسسها "اوراليانوس" – الذي اعتلى عرش الامبراطورية سنة 270– للاله الشمس، وكان قصد الامبراطور من هذه العبادة توحيد جميع ديانات الامبراطورية، إذ أفسح في مجال المشاركة فيها للسوريين عبدة "بعل" ولليونان واللاتين بدون ان يضحوا بشيء من أفضلياتهم الشخصية"([17]).

"من المعالم الاخرى لديانة افلوطين القوة الخارقة الَمْعُزَّوة إلى الطقوس، وهي قوة تحيل كل فعل من أفعال العبادة إلى فعل سحري، وهذه أيضاً سمة مشتركة من سمات ذلك العصر، فلم تكثر في أي زمن آخر كما في ذلك الزمن الرقى السحرية المكتوبة على لويحات، سواء أكانت تعاويذ للَّعنة أم للحب: ولم تكثر في أي عهد آخر كما في ذلك العهد وسائل التنبؤ بالمستقبل؛ ومن هنا عَمَّتْ ضروب الشعوذة والتدجيل في ذلك العصر، وقد صور افلوطين نفسه العالم المحسوس على انه شبكة واسعة من التأثيرات السحرية، واقترح الفلسفة وسيلة وحيدة للافلات من ربقة هذه التأثيرات"([18]).

بموت أفلوطين انتهت مرحلة الفلسفة اليونانية بعد ان وضعت الفلسفة الأفلاطونية المحدثة ركائز الفكر الغيبي الظلامي التي سينبني عليها الفكر في العصور الوسطى الظلامية بعد انتشار المسيحية في القرن الرابع الميلادي في أرجاء أوروبا حتى بداية عصر النهضة، حيث تم اسدال الستار عليها.



القديس أوغسطين (354 – 430م):
ولد القديس أوغسطين في 23 نوفمبر سنة 354 في مدينة تاغستا (الجزائر)، كان سكانها الأصليون وثنيين، بينما كان معظم المسيحيين فيها من العائلات ذات الثقافة اللاتينية، ثم أصبح أسقف مدينة عنابة الجزائرية.

يعتبر أوغسطين من أشهر "آباء الكنيسة"، ومن أعظم الفلاسفة اللاهوتين المسيحيين في الألفية المسيحية الأولى، وهو شخصية مسيحية مؤثرة جداً في الفكر المسيحي، يُنظر له كقديس لدى الكاثوليك البروتستنتانت وبعض الكنائس الارثوذكسية مثل الكنيسة القبطية، وكان لأفكاره الأثر الأكبر على تطور فلسفة المجتمع الاقطاعي حتى القرن الثالث عشر.

في شبابه آمن أوغسطين بالديانة المانوية، لكنه عاد إلى المسيحية بعد قراءات عميقة ومتعدده، والتحق في روما بسلك اللاهوت، ثم أصبح فيلسوفاً متصوفاً، واعتنق أراء قريبة من الأفلاطونية الجديدة, كما كان لنظرته العامة للعالم، طابع ايماني واضح المعالم يقوم على أساس مبدأ يقول: "حيث لا يوجد ايمان لا توجد معرفة ولا توجد حقيقة"، وكانت آراؤه تشكل مصدراً من مصادر النزعة المدرسية (السكولائية)([19]) وقد طور أوغسطين في كتابه "مدينه الله" المفهوم المسيحي لتاريخ العلم, الذي كان يفهمه فهما قدرياً باعتباره مُقْدَّراً تقديراً مسبقاً من قبل الله.

وضع أوغسطين "مدينة الله" الخاصة به – باعتبارها القاعدة المطلقة للكنيسة – مقابل مدينة الأرض أي الدولة الدنيوية "الخاطئة"، وقد لعبت هذه العقيدة دوراً هاماً في سيطرة الكنيسة البابوية، وقد أثر اوغسطين إلى حد كبير في التطور اللاحق للاهوت المسيحي، ولا تزال الاوغسطينية تستخدم اليوم على نطاق كبير لدى رجال الدين الكاثوليك والبروتستنت على السواء"([20]).

ألَّف أوغسطين عدداً من الكتب اللاهوتية، "حاول فيها البرهان على أن الله مُوْجَدْ أسمى، فيه تحضر المُثُلْ الخالدة الثابتة، التي تَهِبْ العالم نظامه واتساقه، فالله خلق العالم من عدم، بارادته الخيرة، لا بالضرورة، فالعالم عنده ليس متجانساً، تتوضع فيه الكائنات على شكل سُلَّم مراتبي مستمر، يؤدي في النهاية إلى الخالق، وعلى هذا السُلَّم يَشغَل الانسان، العالم الصغير Microcosm، مكاناً خاصاً، حيث أن الإنسان يحتوى على شيء من الطبيعة أو من الأجسام المادية – النبات والحيوان – ويملك، بالاضافة إلى ذلك، نفساً عاقلة، وإرادة حرة، أما النفس فهي لا مادية، خالدة لا تفنى، حرة في قراراتها"([21]).

الإنسان عند أوغسطين، هو على المستوى الذاتي، يتصرف بحرية، لكن كل ما يفعله هو بمشيئة الله، الذي يُنَفِّذ من خلال الإنسان ما يريد، ولقد شاء الله، منذ الازل، أن يختار بعض الناس لحياة هانئة في الحياة الأُخرَوية، والبعض الآخر – لعذاب سرمدي في الجحيم، هذه هي فكرة القَدر الإلهي، المشهورة في تاريخ المسيحية.

فلسفة أوغسطين: تندرج هذه الفلسفة تحت نظرية الاشراق الإلهي ، والمعرفة عنده نوعين: مدركات مادية موجودة في العالم الواقعي، ومدركات معنوية مثل الله والنفس والايمان.. إلخ يدركها الانسان من خلال الاشراق الإلهي.. لكن شروط المعرفة تكمن في اليقين الداخلي لدى الانسان المؤمن، الذي لا يطرح أسئلة الخلق، فالله خارج الزمن، وبالتالي لا معنى للسؤال عن ومن خلق العالم.

الفيلسوف القديس أوغسطين: "لم يكد يترك مشكلة دينية أو سياسية إلا جَهَرَ فيها برأيه وبحثها في رسائله البالغ عددها 230 رسالة، فقد بحث في حياد ودهاء طبيعة الزمن، وسبق ديكارت إلى قوله: "إنى أفكر ولهذا فأنا موجود" ففند آراء رجال المجمع العلمي الذين يقولون إن الإنسان لا يستطيع أن يكون واثقاً من أي شيء، وقال: من ذا الذي يشك في أنه حي وأنه يفكر؟ .. ذلك بأنه إن شك فهو حي. وكذلك سبق برجسون، في شكواه من أن العقل لطول بحثه في الأشياء الجسمية قد أصبح مادى النزعة؛ وأعلن كما أعلن كانط أن الروح هي أكثر الحقائق كلها علماً بنفسها، وعبر تعبيراً واضحاً عن النزعة المثالية القائلة إنه "لما كانت المادة لا تُعَرف إلا عن طريق العقل فليس في مقدرونا من الناحية المنطقية أن نهبط بالعقل فنجعله مادة وأشار قبل شوبنهور في أن الإرادة، لا العقل، هي العنصر الأساسي في الإنسان، واتفق مع شوبنهور في ان العالم يصلح إذا وقف كل ما فيه من تناسل"([22]).

لقد عكست آراء أوغسطين التناقضات العميقة للمجتمع العبودي السائر في طريق الزوال، والصعوبات التي تعترض طريق المجتمع الاقطاعي الجديد، الذي سيحل مكانه.

وفي كل الأحوال كان "القديس أوغسطين–كما يقول جورج طرابيشي- "هو واحد من آباء الكنيسة ممن دار حولهم أعظم الجدل في العالم المسيحي: فالكاثوليكيون والبروتستانتيون، الجانسينيون واليسوعيون، احتموا وراء سلطته ليعقدوا إزار النصر لمذاهبهم، والحق أن فكر أوغسطين مطبوع هو نفسه، بحكم كثرة المعارك التي خاض غمارها، وتعدد الخصوم الذين واجههم، بطابع التناقض (وقد تراجع غير مرة عن بعض من أفكاره في أثناء مساجلاته)، وقابِل للتفسير في اتجاهات متباينة؛ لدرجة أن ديوان التفتيش نسب نفسه إليه، لأنه وجد عنده تعريفاً مفصلاً لعقيدة التعذيب في موضوع الدين، لكن النقطة التي ثار حولها على مدى الأزمان جدال حاد متعلق بالجبر والنعمة"([23]).




([1]) اميل برهييه – تاريخ الفلسفة – الجزء الثاني: الفلسفة الهلنستية والرومانية- ترجمة: جورج طرابيشي– دار الطليعة – بيروت- الطبعة الأولى، 1982 – الطبعة الثانية 1988.– ص 197

([2]) المرجع نفسه – ص 199

([3]) جماعة من الأساتذة السوفيات – موجز تاريخ الفلسفة - تعريب: توفيق ابراهيم سلوم - دار الفارابي – طبعة ثالثة (1979 م) – ص120

([4]) المرجع نفسه – ص123

([5]) اميل برهييه – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفلسفة – الجزء الثاني – ص 224 / 227

([6]) الأفلاطونية المحدثة: تضم الأفلاطونية المحدثة عدداً من النظريات الفلسفية التي ظهرت في القرون الأولى للميلاد وكان معظم أعلامها ينتمون إلى مدرسة الاسكندرية ولذلك عرفت أيضاً بالفلسفة الاسكندرانية، ولو أن بعض رجالاتها سوريون أو أثينيون. إن الجوامع المشتركة لأصحاب المذاهب الافلاطونية المحدثة، هي أخذهم بالأصول الافلاطونية مطعمة بمفاهيم من فلسفة أرسطو (المادة، الصورة، الوجود بالقوة، الوجود بالفعل..) بالرغم من أن هذه المفاهيم تتخذ عند بعضهم معاني جديدة، ثم مزجهم هذه الأصول والمفاهيم، بأفكار رواقية ومعتقدات دينية يونانية وشرقية بما فيها السحر والتنجيم والعرافة، ثم لجؤوهم إلى التأويلات وإلى التعبير الرمزي، وأما المعرفة فهي عندهم جيمعاً، حدس وعرفان وحضور واتحاد، ولذلك كانت معرفة العالم المحسوس شبه مستحيلة، وهي دائماً ظنية، ومعرفة العالم المعقول ممكنة بنوع من الكشف والإشراف ، وفي مطلق الاحوال، فإن غرض المعرفة ليس في تفسير الوجود بل في طهارة النفس وارتقائها في درجات الوجود لأننا هنا أيضاً نقول مع أفلاطون: إن المعرفة والفضيلة شيء واحد.

ونقول مع الغنوصيين: "لا خلاص إلا بالمعرفة". وأفلوطين هو أفضل من يمثل الفلسفة الافلاطونية المحدثة. وقد كان لمذهبه أعمق الأثر في الفلسفة العربية عامة وفي التيارات الاشراقية والاسلامية بنوع خاص. أما أبرز ما يتميز به أفلوطين هو احتقاره الشديد لكل ما هو جسمي أو متعلق بالحواس، ذكر تلميذه فرفوريوس 233 – 304 – وهو الذي دون آراءه في التساعيات- أنه لا يعرف شيئاً عن أسرة معلمه ، لأن أفلوطين "كان يخجل من وجوده في جسد، ويأبى أن يذكر شيئاً عن أهله ووطنه". تغذى أفلوطين بالفلسفة اليونانية بما دخل عليها من تيارات متنوعة، وتعرف إلى الديانة اليهودية فالمسيحية، ثم الديانات الفارسية وربما الهندية أيضاً وأخرج من ذلك كله فلسفة غرضها نجاة النفس من سجنها المادي وذلك عن طريق المعرفة. (عبدو الحلو – الاشراقية - الموسوعة الفلسفية العربية - المجلد الثاني - معهد الانماء العربي – الطبعة الأولى 1988 –ص117)

([7]) ول ديورانت –قصة الحضارة "حياة اليونان" – المجلد الرابع (7/8) – الكتاب الخامس - ص 188

([8]) جورج طرابيشي – معجم الفلاسفة – دار الطليعة – بيروت – ط1 – أيار (مايو) 1987– ص 76

([9]) المرجع نفسه – ص 76

([10]) يوسف حسين – محاضرة يوتيوب – الانترنت.

([11]) اميل برهييه – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفلسفة – الجزء الثاني – ص242

([12]) المرجع نفسه – ص 246

([13]) المرجع نفسه - ص 246

([14]) المرجع نفسه - ص 247

([15]) جون لويس – ترجمة: انور عبد الملك - مدخل إلى الفلسفة – دار الحقيقة – بيروت - الطبعة الثانية – 1973– ص 73

([16]) ميترا، من أكبر آلهة الفرس، رب العناصر وقاضي الموتى، قامت حوله عبادة ذات أسرار انتشرت في اليونان الهلنستية والامبراطورية الرومانية.

([17]) اميل برهييه – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفلسفة – الجزء الثاني – ص 261

([18]) المرجع نفسه – ص 264

([19]) فلسفة رجعية، تطلق عادةً على فلسفة المدارس الكاتدرائية في العصر الوسيط، والتى حاولت المزج بين العقائد المسيحية وعناصر الفلسفة الاغريقية عند سقراط وارسطو باستخدام القياس المنطقي والجدل. وبلغت الفلسفة المدرسية أعلى مراحل تطورها في فلسفة توما الاكويني. كما يمكن التعريف على أنها فلسفة يحاول أتباعها تقديم برهان نظري للنظرة العامة الدينية للعالم بالاعتماد على الأفكار الفلسفية لأرسطو وأفلاطون. تنقسم الفلسفة المدرسية تاريخياً إلى ثلاث فترات هي: (1) الفلسفة المدرسية المبكرة (2) الفلسفة المدرسية الكلاسيكية (3) الفلسفة المدرسية الجديدة، وكل هذه المدارس تنطلق من الرؤى الغيبية الرجعيه في خدمة الإقطاع والكنيسه، وكانت هذه الفلسفه بمثابة التيار الرئيسي في المجتمع الاقطاعي.

([20]) م. روزنتال و ب. يودين - الموسوعة الفلسفية – دار الطليعة – بيروت – ط1 اكتوبر 1974 – ص 67

([21]) جماعة من الأساتذة السوفيات– مرجع سبق ذكره – موجز تاريخ الفلسفة – ص 163

([22]) ول ديورانت – ترجمة: محمد بدران – قصة الحضارة "قيصر والمسيح" – المجلد السادس (11/12) - الكتاب الأول – ص 143+144

([23]) جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره – معجم الفلاسفة – ص 117 - 121




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,974,759,204
- من دولة المدينة اليونانية إلى الإمبراطورية الهيلينية
- الفلسفة وقضايا التخلف والنهوض في الوطن العربي
- أرسطو .. والموقف من الديمقراطية والأرستقراطية (3/3)
- عقلانية أرسطو ومثالية أفلاطون (2/3)
- ارسطو طاليس (384 – 322 ق.م) (1/3)
- أفلاطون بين النظرة المثالية والنقد (2/2)
- أفلاطون (427 ق.م – 347 ق.م) (1/2)
- سقراط (470 ق.م – 399 ق.م): رائد الفلسفة اليونانيه النخبويه ا ...
- السفسطائيون
- الفلسفة اليونانية
- بدايات الفكر الفلسفي في بابل ومصر القديمة
- الفلسفة الطاويه في الصين
- الكونفوشيه
- فلسفة الصين القديمة
- الفلسفة البوذية
- الفلسفة الهندية
- مدخل إلى الفلسفة ( 3 / 3 )
- مدخل إلى الفلسفة ( 2 / 3 )
- مدخل إلى الفلسفة ( 1 / 3 ) ما هي الفلسفة ؟
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ...


المزيد.....




- وزير الصحة اللبناني: الوضع خطير وقد يخرج عن السيطرة
- -المصل واللقاح المصرية-: كورونا ليس له -كتالوج- وننصح باستخد ...
- حمدوك: سيتم توقيع اتفاق السلام في جوبا يوم 6 أكتوبر المقبل
- روحاني: الوجود الأمريكي يضر بأمن المنطقة
- وزير الصحة الأردني: نحن أمام مفترق طرق
- بالذخيرة الحية.. راجمات -تورنادو- تحرق دروع العدو وتحصيناته ...
- الصادق المهدي: التطبيع خيانة ولا علاقة له بالحريات
- واشنطن: 100 ضابط استخبارات صيني ينشطون في نيويورك
- بايدن يشبّه ترامب بوزير الدعاية النازية في حكومة هتلر
- دراسة تكشف عن مصدر -محتمل- لآثار الحياة المكتشفة على الزهرة! ...


المزيد.....

- الله ذلك المجهول / جواد بشارة
- الفلسفة الإسلامية والعلم / غازي الصوراني
- علم الكلام / غازي الصوراني
- الفلسفة في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد وتكريس عصر العب ... / غازي الصوراني
- من دولة المدينة اليونانية إلى الإمبراطورية الهيلينية / غازي الصوراني
- الفلسفة وقضايا التخلف والنهوض الوطن العربي / غازي الصوراني
- ارسطو طاليس (384 – 322 ق.م) (1/3) / غازي الصوراني
- أفلاطون (427 ق.م – 347 ق.م) (1/2) / غازي الصوراني
- الفلسفة اليونانية / غازي الصوراني
- الفلسفة الطاويه في الصين / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - غازي الصوراني - الفلسفة في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد وتكريس عصر العبودية