أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - غازي الصوراني - مدخل إلى الفلسفة ( 3 / 3 )















المزيد.....

مدخل إلى الفلسفة ( 3 / 3 )


غازي الصوراني

الحوار المتمدن-العدد: 6644 - 2020 / 8 / 12 - 18:39
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    




ماذا يعلمنا تاريخ الفلسفة؟ :

تبين دراسة التطور التاريخي لأهم تيارات الفكر الفلسفي أن تاريخ الفلسفة ليس مجموعاً حسابياً بسيطاً لمذاهب ومدارس فلسفية، حلت إحداها محل الأخرى، وإنما هو عملية تاريخية قانونية، تترابط مراحلها بعضها ببعض.

إن تطور الفكر الفلسفي ليس عملية توالد الأفكار، التي تؤول إلى تمثل مفاهيم وآراء فلاسفة العصر السابق من قبل مفكري العصور اللاحقة، بل أيضاً إلى توليد الأفكار الفلسفية الجديدة من الأفكار القديمة، بصورة مستقلة عن الظروف الاجتماعية – التاريخية

في الحقيقة، يمثل تاريخ الفلسفة عملية شائكة ومتناقضة، عملية انعكاس الوجود الطبيعي والاجتماعي في وعي إيديولوجيي مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية، ذلك إن عملية التوارث القانونية في تطور الأفكار الفلسفية، والمحافظة على المادة الفكرية، التي أورثتها العصور السالفة، واستخدامها في العصور اللاحقة، تتوقفان، إلى درجة كبيرة، على اتجاه تطور المجتمع في الظروف التاريخية الجديدة، وعلى مصالح الطبقات المختلفة، فأيديولوجيو الطبقات الجديدة الصاعدة يتمثلون تركة الماضي الفلسفية ويعالجونها بصورة نقدية، ويناضلون ضد الأفكار الغريبة عن عقلية هذه الطبقات أو المناوئة لها.

وهكذا يكون تاريخ الفلسفة يعني تعميم تطور الانسانية الفكري، لتاريخ الحضارة البشرية، وتعبيراً فلسفياً عن صراع الطبقات وتعميماً له.

ففي الفكر "الفلسفي تنعكس الأحداث التاريخية العظيمة، والمعارك والثورات الاجتماعية، والانتقال من تشكيلة اجتماعية إلى أخرى، وفي المذاهب الفلسفية الطليعية تتجسد أيضاً تجربة الشعوب الحياتية الغنية، ومثلها الاجتماعية، وطموحاتها الخلاقة العلمية والفنية، ولذا يتعذر فهم تاريخ البشرية، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، بدون معرفة تاريخ الفلسفة، بدون دراسته"([1]).

آخذين بالاعتبار أن تاريخ الفلسفة يبين بوضوح، أن تطور الفكر الفلسفي لم يكن، أبداً سهلاً و"هادئاً"، خلواً من التناقضات والصراعات، ذلك أن الفلسفة كانت، دائماً، تعبر عن مصالح الطبقات المتصارعة، كما إن وقائع تاريخ الفلسفة تدحض مزاعم المنظرين اليمينيين البرجوازيين وقوى اليمين الديني والعلماني، في أن تقسيم المذاهب الفلسفية إلى مادية ومثالية قد "شاخ"، وأن "الموضوعية" تتطلب الارتفاع "فوق" صراع الاحزاب في الفلسفة، خاصةَ وأن تاريخ المذاهب الفلسفية، يؤكد أن الفلسفة تتطور في ارتباط وثيق بتقدم العلوم الطبيعية، ويثبت، مرة أخرى، صحة موضوعة انجلز، القائلة بأنه "مع كل اكتشاف علمي يفتح عصراً جديداً في تاريخ العلم، يتحتم على المادية أن تغير من شكلها".

كذلك "يبين تاريخ الفلسفة، ولا سيما فلسفة القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، أن كل التيارات، تقريباً، بغض النظر عن انتمائها إلى اتجاهات فلسفية متعارضة، تتوجه نحو العلوم الطبيعية، وتحاول إعطاء تعميم فلسفي لها، وأن اكتشافات العلوم الطبيعية وتعميماتها الفلسفية كانت، ولا تزال، مثار صراعات فلسفية وفكرية عنيفة، ويعلمنا تاريخ الفلسفة انه بدون اتحاد راسخ مع العلوم الطبيعية، بدون قاعدة علمية – طبيعية متينة، يتعذر بناء فلسفة علمية"([2])، كما أن العلوم الإنسانية والطبيعية، بدورها، لا تستطيع، بدون أساس فلسفي متين، إحراز النصر في نضالها ضد الاتجاهات الغيبية والرجعية، ففي ضوء تاريخ الفلسفة تتضح ضرورة الاستيعاب العميق والمستمر لمنجزات العلوم الطبيعية، وتأويلها الفلسفي من وجهة نظر الفلسفة المادية الجدليه.

كما تبين دراسة تاريخ الفكر الفلسفي أن الفلسفة لم تكن مرتبطة بالعلم، فحسب، بل وبالجوانب الأخرى لحياة الناس الروحية أيضاً، بمختلف أشكال الوعي الاجتماعي (الدين، الإيديولوجية السياسية، الحق، الأخلاق، الفن).

لكن في عصور تاريخية معينة برز، في المقام الأول، شكل من أشكال الوعي الاجتماعي، كانت له الهيمنة في العصر المعني، بحيث مارس تأثيراً قوياً على حياة المجتمع الروحية كلها، ففي اليونان القديمة هيمنت رؤى فكرية، لعبت فيها الأفكار الفلسفية الدور الرئيسي، ولم تكن العلوم الملموسة، غير المتطورة آنذاك، قد انفصلت عنها بعد، وفي العصور الاقطاعية كان الدين شكل الوعي الاجتماعي المهيمن، ترك أثره على الفلسفة والأخلاق والفن وأشكال الوعي الاجتماعي الأخرى في ذلك العصر، وفي الفترة، الممتدة ما بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، فترة الانتقال من النظام الاقطاعي إلى المجتمع الرأسمالي، القائم على تطور الصناعة، تزايد دور العلم، في وعي الناس، وفي آرائهم الفلسفية في ظروف المعارك الاجتماعية الحادة والتحولات الثورية، تعاظم، بوجه خاص، دور الايدولوجية السياسية في تطور الوعي الاجتماعي، المعبرة عن المصالح الجذرية للطبقات المتصارعة"([3]).

وفي هذا السياق، أشير إلى أن استمرار تأثير الايديولوجيا جنباً إلى جنب مع العلم، ومواصلة تأثيرهما المباشر وغير المباشر على الفلسفه لكي تمارس مهمتها التاريخيه في تقدم ونهوض البشرية عموماً، وفي مساعدة الانسان في كل مكان، على أن يصنع بوعي تاريخه ومستقبله من خلال دورها الحاسم في عملية التغيير والتحويل من الموضوع إلى الذات –كما يقول د. هشام غصيب- لاعتبارات متعدده، من أهمها:

أولاً: علينا أن نقرّ أن الفلسفة تنتمي إلى الطبقة الأعمق من طبقات الوعي الاجتماعي التاريخي. فهي تتعامل مع الأسس المتنامية الأعماق في الفكر. ومن ثم، فهي تمثل عمق أعماق الوعي الاجتماعي التاريخي. وهذا يعني أن الفلسفة تكون قاعدة الذات المفكرة، وأن الذات المفكرة تجد نفسها في الفلسفة باعتبارها الإيماءة الأعمق للوعي البشري، ومن ثم للذاتية البشرية. فالتحويل الذي يتكلم عنه هيغل، أي التاريخ بوصفه سيرورة تحول الموضوع إلى ذات، يصل أوَجَهُ في الفلسفة([4]).

ثانياً: إن الفلسفة تدخل جوهريا في تشكيل الذات الفردية المفكرة والقيادات الثورية والمثقف العضوي، وفي تفكيك الوعي المفوّت وبناء الوعي المحدّث النقدي الثوري على أنقاضه، ومن دون ذلك يتعذر تحويل الكتلة التاريخية من كتلة في ذاتها إلى كتلة لذاتها.

هذا هو الدور الثوري للفلسفة في عملية التغيير بكل أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية .. إلخ، والتي نسعى إلى العمل من أجل إنجاحها والحيلولة دون تعثرها على المستوى الإنساني عموماً، وعلى أوضاعنا العربية خصوصاً.




([1]) موجز تاريخ الفلسفة - جماعة من الأساتذة السوفيات – تعريب: توفيق ابراهيم سلوم –دار الفارابي – طبعة ثالثة (1979 م)– ص 1009

([2]) المرجع نفسه - ص 1014

([3]) المرجع نفسه - ص 1012

([4]) د. هشام غصيب – الفلسفة من أجل الثورة – الجامعة الأردنية – 20/8/2013.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مدخل إلى الفلسفة ( 2 / 3 )
- مدخل إلى الفلسفة ( 1 / 3 ) ما هي الفلسفة ؟
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ...
- قبسات ثقافية وسياسية فيسبوكية 2019 - الجزء الثامن
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة العاشرة والأخيرة ...
- في ذكراه الثانية عشر ...الرفيق القائد المؤسس الحكيم جورج حبش ...
- المتغيرات الفلسطينية ما بعد أوسلو
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني ...
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني ...
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني ...
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني ...
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني ...
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني ...
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني ...
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني ...
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني ...
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في المجتمع الفلسطيني ...
- حول القيم الأخلاقية العربية ( الموروثه والسائده) والصراع بين ...
- الدكتور حيدر عبد الشافي في ذكرى رحيله الثانية عشر
- المياه والموارد المائية في قطاع غزة


المزيد.....




- شاهد.. دمية دب تسير في شوارع كاليفورنيا.. لماذا؟
- من المهم رميه.. ما خطورة استخدام المكياج منتهي الصلاحية؟
- قد يكون سر تحقيق حياة صحية أسهل مما تعتقد.. إليك 5 عادات لطو ...
- موسكو تحظر على مسؤولين أمريكيين دخول روسيا
- ضبط -القط تاجر المخدرات- وهو يهرب الممنوعات إلى السجن!
- - اندلاع أعمال عنف إثر مقتل صبي على يد الشرطة في أوريغون الأ ...
- الملكة إليزابيث تدلي بأول بيان منفرد علني منذ وفاة الأمير في ...
- ما مصير كنز -داعش- المكتشف تحت أنقاض مدينة الموصل
- تقرير: أمريكا تصدر أمرا مفاجئا لإسرائيل بشأن إيران
- إيران تنتقد تصريحات الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي


المزيد.....

- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - غازي الصوراني - مدخل إلى الفلسفة ( 3 / 3 )