أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (13)















المزيد.....


-خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (13)


احمد جمعة
روائي

(A.juma)


الحوار المتمدن-العدد: 6566 - 2020 / 5 / 17 - 17:46
المحور: الادب والفن
    


"ككل صباح تطل شمس أفول الخريف ساكنةً، نسيم بارد يتحرش بموج السفينة فيهزها بتمويه دَغَل، سرعان ما يمكر الهواء فينتعش الموج، يتسارع ويتضخم، كنت آمل بنهاية كل النهار، هذا شعوري كل صباح جديد أقفز فيه إلى البحر، بالفوز بدانة زرقاء كعين الظبي البري، أَملتُ أعلقها في عنقكِ وأُعَوضكِ عن ضَنَك الدنيا، هكذا بدأت صباح ذاك اليوم المشؤوم، غصت مرات عدة، حان العصر فصلت وعاودت الغوص، طفا النهار على السطح تبلله موجات البحر الساكن حين أقبل المساء، نسمات الخريف الباردة تدغدغ جسدي كأنها أناملكِ"
ابتسمت جوري وقبلت يده وهي تنظر في عينيه كأنها تعيش المناخ ذاته، عاد واسْتطرد، لم يكن صوته من يتكلم، يخرج الصوت كأنه لشبح منكب في صدر الغرفة، انْثَنى على جانب الجدار.
"كان لون البحر كَعينيكِ، رأيته داكناً ولا أعرف لماذا انقلب هكذا، كان جسدي واهناً بعد كل ذلك الغطس النهاري، راودني صوت بعد ترجلي البحر أن أصعد وأستلقي على ظهر سطح السفينة لانْتَهي من يومي، لكنه صوت آخر وثب حينها مستنكفاً، ماذا لو فوت الدانة هذه الغطسة، هبطت القاع تلبيةً للصوت الثاني، حين اقترب مني، كان ظِلهُ كجبل شاهق مزروع في البحر، خيم الظلام حولي، اعتدنا نحن الغاصة على الصمت المطبق تحت القاع في مثل هذه الحالات، جمدت كالصنم، لكنه هذه المرة إختلف عن المرات السابقة، نظر في وجهي كله بعينين لم أرهما من قبل في قرش، كان هذا من عالم سفلي لا صلة له بالبحر، رمادي داكن اللون، لَج البشرة، بدت جلدته كأنها جدار سفينة جانحة منذ سنين، حام حولي يُذكرني بأني فريسة له وقت شاء، لم أعره اعتباراً واكتفيتُ بالصمت والجمود حتى بدأ يتقطع نفسي ولا أجرؤ على شد الحبل لمن فوق السفينة خشية أن يسحبني فتبدأ المعركة وشيكة، تأكدت من وجود السكين بجانبي، أردت المناورة، فات الوقت، بدأت أشعر بالحبل يشتد، لم أحركه، سيطرت على نفسي وتحملت كتم أنفاسي في القاع، مر وقت طويل وأنا كاتم النفس أتحدى أحداً كتم أنفاسه كل هذا الوقت، ظل يماطل في الحركة، حتى إنه تجاهل عدة أسماك أخرى مرت من حولنا نحن الإثنين وكان بإمكانه إختيار الأسهل ولكنه فضل تجاهل الكون كله ليقف عند قدمي، راح يحوم وبدأ يعكر الماء قربه كأنه ينذرني ببدء المعركة"
الْتصقت جوري به، قبضت على يديه وقفز وجهها في وجهه وشعرت بتصاعد أنفاسه كأنها معه في قاع الظلمة الداكنة، ضربات حادة تطرق القلب، تتدفق الدماء في عروقها وتنعكس على وجنتيها فتحمر، همست في وجه أنفاسه.
"مجدك السماء.
صمت دام لحظة كأنها زمن، وعيناه تلهث مرهقة وهي مسمرة في فضاء الغرفة ورائحة البخور ما زالت تقتحم من الخارج، تابع بنبرة انعدم منها التعبير.
"بدأت تصدر ذبذبات بقربي لم أعرف مصدرها لكنها بالتأكيد منه، لم أرَ في عينيه جوعاً ورغبة في الطعام، لم يكن جائعاً حتى إنه بدا مشمئزاً من لحمي، بدا شرساً نهماً للوحشية، للانتقام، يود خوض معركة تحدٍ معي، لقد اخْتارني بالذات من بين كل البحارة وقرر أن يبارزني، وهنا أدركت، آهه، ما من مفر من المنازلة، فَككت الحبل حتى أتحرر من قيده وأنا أخوض هذه الهوة"
"راشد، تاج راسي الغالي، كل العروش الدنيوية زائلة إلا عرش الحب، يكفي ما سمعت، انْتَهيت.
لم يسمعها، حتى إنه لم يدرك ما قالت، شيئٌ واحدٌ تناهى إليه، صوت الظلمة في القاع، استطرد من دون أن يُدرك أنها تكلمت.
"غابة الهاوية المظلمة، شعرت بالبرد من حولي، انْبثَقت فجأةً أعمدة أشبه بأشجار سوداء داكنة تنزف منها جبال حادة تلمع كالبرق في سماء داكنة بالسحب السوداء، يا لها من محرقة، سعير في قلب اللُجة، رأيتُ عشرين بل خمسون سيفاً في صفين متوازنين يتجهان نحوي، رَأيتُ غابة من السيوف تتقدم، ماذا ستواجه سكيني اليتيمة؟ خُيِلَ لي أنه يمضغ شيئاً في فوهته التي برزت من خلالها الهاوية، فتح الجحيم أبوابه، شعرت بريح صرصر تهب من جهته، اسْتدار جانباً متجنباً المواجهة، التَفَ ألفَ لَفة مُحدثاً بركاناً في القاع، ثم شرع مندفعاً كطوفان مباغت، غصت في قاع الظلمة أكثر، رَأيتُ غابة السيوف تتجه نحوي، رفعت السكين بقبضة اليد اليمنى وقبل أن أُسددها أسفل فكه شعرت بالجاثوم يطبق عليّ، رغم موجة البرد التي ارْتَجت على جسدي كله، ورغم جدار الدم الذي غشى عيني، شعرت بالسكين في يدي تخرق أسفل الفك وتغوص يدي معها في كتلة لزجة ساخنة، سحبت يدي وأعدت الكرة مرة أخرى حتى لم أحس بعدها سوى أني في قاع قفر مزيج من الصقيع والسعير، ظلمة حالكة يزمجر فيها صوت رياح الإعصار، تهب من القاع إلى الأعلى كالعمود، وأصوات زوبعة وحوش البحر، لا ظل لسماء ولا ضوء من شمس ولا نسمة من هواء، ولا قرار، هُوة داكنة لظاها يسري حولي، شبح لسان طويل لحية من هول طولها لم يتسع لها البحر، يمتد نحوي ويطويني في مزيجٍ باردٍ لج، لهثت بآخر نفسٍ فِيّ، لم أر ولم أسمع إلا وجه ربي يوم الحشر، رددت عبارتي اليتمية"يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةَ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّة"
لم أَفق بعد، ما زلت في قاع الظلمة، تحيط بي غابة السيوف، ومن حولي البحر أحمر قانياً، وبرودة قاع السعير الداكن، أنا هناك منذ ذاك الحين، هذا منزلي، في قلب الظلمة الآن"
ردت جوري بعبارة باردة كأنها الصقيع.
"يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ"



****


دَأَب ومشقة باهظة أنْفقتها وهي تَسْتقْصي عن عنوان تقي المرجاني، منذ ليلة فِناء الدم، والهروب ثم الاختباء عندها، وبعدما ترك الحي والدار، لم تعلم عنه شيئاً، تلاها نكبة الزوج، توالت الخطوب عليها وعلى غيرها من سكان الحي والبلد، رأت الموت يخطف الأرواح، والجوع إقْتات البطون، والبرد شرد العرايا، بدت لها الدنيا غائرة في هوة سحيقة كل يوم يمر يكابد الناس المرارة حتى كاد البعض يقتاتون الحجارة لو استطاعوا، كانت فترة الحرب، نضبت المؤن وانعدمت الأعمال وجفت الأرض رغم طلوع الشتاء، حتى المطر احتجب، وقف البعض على قارعة الطريق ومدوا أيديهم للأعلى ولبعضهم البعض، لعل كسرة خبز تسقط عليهم من السماء أو قرش مُلقي علي الأرض، ضاق السكان ببعضهم بعضاً لكنهم ظلوا يحتملون بعضهم، بل ويمدون يدهم للآخر، وسط هذا الوابل من النكب مال البعض لتجاوز الأعراف والإنزلاق في هوة الخطيئة، حتى أضحت الرذيلة مجرد زلة، غفر الكثير منهم لمن حولهم هفوة وقعت تحت ضغط الحاجة، في خضم هذا المناخ الملبد بالخوف والجوع، بددت جورى وقتها تُفَتش عن سفيان، سألت دلال عنه، عنفتها الأخرى ومَسَحت عرضها بالأرض على حد قولها، هربت من وجهها وعادت تتقصى، كانت كالغريق يبحث عن قشة، لا مال ولا طعام وزوج سقيم خائر في عهدتها وعجوز كفيفة، وجدت نفسها في فجوة قارنتها بهوة قاع الظلمة الذي وصفه راشد لها، نضب المال منها بعد أن توقفت عن الذهاب لدار الهوى، ولم يصرف شيئ من المال لزوجها باستثناء بضع روبيات هي الأخرى تبخرت مع الغلاء واختفاء السلع لتباع في السوق السوداء، لم تفكر بالعودة لدار الهوى بعدما رأت زوجها محطماً غائباً عن الوعي، بلغ بها الأمر المرور على بعض منازل زميلاتها بائعات الهوى تطرق الأبواب وتَسْتلف منهن المال ومع ضمور الوقت وعجزها عن تسديده لم يبق أمامها سوى تقي المرجاني، عندما حاولت عبور الجسر للعاصمة، كانت هناك حالة طوارئ على ما يبدو لقوات الاحتلال على الجسر، لم تضيع الوقت تدبرت أمرها وتوجهت نحو فرضة السفن عند مدخل السوق مقابل نقطة للشرطة غربي المُحَرَق، عبرت البحر في قارب شراعي صغير للعاصمة، كان خيطها الأول السؤال عن منزل تقي المرجاني، اسْتنبطت من تقصيها ناحية منطقة تدعى حي الفاضل خيطاً، وتوصلت للمنزل الواقع عند طرف سوق المنامة من الغرب، تحاذيه سلسلة منازل تختلف عن تلك الواقعة في المحرق، وقفت عند باب المنزل الخشبي ذي النقوش والمطلي باللون الرمادي، هَرَسَت دقات قلبها كيانها، تشنج جسمها واجْتَرعَت لعابها، لم تعرف كيف وصلت هذه النقطة منذ خروجها في الصباح حتى بلغت الظهيرة، تحملت مشاكسة بعض الرجال لها، صبرت على تطاير ملاءتها في الهواء، رأت وجوهاً وخالطت أجساماً تفوح بالروائح المتباينة بين العفن والعرق رغم برودة الطقس، مرت بشوارع وطرقات ودخلت أحياء، سارت مسافات جسيمة، تجرعت الألم في الصدر والوهن في القدم واحْتباس الأنفاس في البحر حتى وجدت نفسها جامدة كصخرة أمام امرأة سوداء البشرة مسنة، تسألها بنبرة تقصٍ.
"من جَنابكِ؟
عند تلك الظهيرة السبتمبرية حين خمد الناس في قيلولتهم، وهدأت الأصوات وكفت الجلبة وقت الغداء، كادت تخلو الطرقات الضيقة الساكنة من أي حركة، وقفت جوري في مولاقاة المرأة البنية اللون وجهاً لوجه، فاغرة فاها مستدرجة عبارة تلتقطها في طريقها للكلام، لم تجد رداً سوى كلمة واحدة مُقْتضبة، "تقي" لم تسترح لوجه المرأة الذي ازداد قفراً، بدا لها كأرض مُقفرة مهجورة، اسْتعادت رباط جَأشها وزال عنها الخوف، وسرعان ما آزرتها المرأة المقفرة بحركة مباغتة منها وهي تعود أدراجها للخلف، تاركة الباب الكبير المنقوش مفتوحاً، دوى صوتها الجهوري من الفناء.
" تقي .. تقي.
مع تلاشي صوت المرأة السوداء وهي تبتعد، زادت دقات قلب جوري وشعرت به يهوي في معدتها التي بدورها إنْزلَقت بداخل بطنها الذي طالما أيقظت تقي من غفوته لتشكو له عن حَمْلَها، "اين وصل الحمل؟" دار السؤال في رأسها المترع بالأفكار والقصص، همها الآن المال والطعام، ولو أدى الأمر للموت لكي يعيش المُقْعَد وأمه، ليست في وارد البحث عن دور لها سوى رعاية راشد حتى يفلت من حضيض قاع الظلمة التي غار فيها، اللون الوحيد الذي تراه منذ أمد هو اللون الداكن، منذ عاد الزوج مبتور الساق صارت الراية الداكنة على الدار حتى لو لم تُرفرف، فشبح الموت يخيم على المنزل المعزول، تتوازعه العتمة والظلام والصمت مع الجوع، كل تلك التداعيات تواردت دفعة واحدة وهي واقفة أمام الباب المفتوح بانتظار شخص ما يأتي وينقذها من هذا الشعور بالْضَيم، وهي التي كانت تذلهم وأولهم تقي ذاته وحتى جنود الاحتلال كانوا يركعون لها، إلى هذا الإذعان عند الأبواب تستجدي بنات الهوى وغيرهم.
"لن نعترف بالحب الذي في قلوبنا حتى لا نغتاله"
لم تعرف سبباً لِورود هذه العبارة في ذهنها رغم أنها لم تفكر في الحب، بل لم يطرق باب قلبها ولا نافذة عقلها، أخْفقَت في العواطف كلها، لا تُجيد سوى صقل جسدها وتلميعه وبيعه على المارة شرط النظافة فيهم، فَطِنَت فجأة للوقت مر من دون أن يأتي أحد، أَدركت أن ثمة من نسي الأمر وعاد أدراجه، تَلفتت حولها، لقد قضت يوماً كاملاً حتى تطرق هذا الباب والآن تعود، أطلت برأسها من الباب، نحو الداخل فيما ظلَّت بقية جسدها في الخارج، رأت فتاة تصغر تقي ربما تكون شقيقته مستلقية على مقعد صغير وتنفث دخاناً من فمها، فيما لا أثر للمرأة الداكنة التي قابلتها ودوى صوتها ثم تَلاشت، سحبت رأسها وفيما سرحت تفكر بنهاية لانتظارها عند الباب، إذا بصوت خطى يسبق ظل الشاب ذاته الذي تنتظره يقف بقربها قادماً من خارج المنزل، إانتَصبت في مكانها جامدة، بينما اعتدل أمامها غير متيقن مما يرى أمامه، سحبها عن الباب وسار معها خطوات دهشاً، فيما شدت عينيها تجاه وجهه المكتنز بعض الشيء، لاحظت ثوبه الكحلي الأنيق، لم تر أثراً للجروح في وجهه، زال عنها الخوف والتوتر، أحست بالأمان، أسرع الخطى حتى دَلَف طريقاً ضيقاً وهي خلفه.
"هل رآك أحدٌ من البيت؟
"امرأة سوداء مسنة.
كانت تلهث وهي تتبعه فيما راح يتلفت وراءه لتفقدها، نظرت في عينيه وهي تبتسم ما دفعها للقول بغُنْج.
"نَسيت جوري؟
طلب منها، أن تتخلف وراءه، سار بخطى سريعة مرتبكة، كان يخشى أن يراه أحد من المنطقة، لحقت به تفصلهما بضع خطوات حتى وصلا قرب منزل صغير متداع عند منعطف ساحة مهجورة بقرب مسجد صغير ملاصق لسلسلة مبانٍ صغيرة متراصة، وقف عند إحْداها وطرق الباب، خرج رجل نحيف أصفر البشرة، تتوزع التجاعيد محيط وجهه رغم سنه المتوسطة، ظهرت من سحنته سماته العجمية، همس له بضع كلمات ثم دس في يده شيئاً لم تتبينه وهي تراقب المشهد، سارع الرجل بالانطلاق بعيداً فيما أشار لها بالولوج معه إلى الدار المحشورة المتهاوية، في الداخل بدت جدرانه الداخلية متداعية، وظهر التصدع من الخارج على غرفته الوحيدة، ظهر الحمام في الفناء هو الآخر شبه متصدع، وحين دَلفَت الغرفة معه رأت سقفها متهالكاً، بدا المنزل وكأنه آيل للسقوط برمته، على زاوية من الغرفة ظهر فراش خشبي طويل يتسع لأكثر من فرد، وحوله كنبتان عتيقتان بلون البطيخ المحلي من الداخل، اسْتهل وقفته معها بنظرة ثاقبة فاح منها عنفوان فاسق أدركته من نظرتها في عينيه، فطنتها عبر العلاقة البربرية بينهما والتي رافقها الضرب والصفع والمعاشرة الفاجرة الوحشية كما سمتها دلال ذاتها حينما تصل للضرب الوحشي، وما رافق ذلك من عواطف بدائية جياشة وغيرة وتحدٍ سافر، كل تلك المشاعر تدفقت وهو يتطلع في وجهها الذي فضح تعاستها وقد بانت من لونها الباهت وانعكاسه على بشرتها إذ كانت طوال المدة الطويلة التي رافقها متأنقة بأريحية، دَشَنَت حديثها معه بابتسامة مقتضبة صاحبتها نبرة خافتة .
" الرفيق قبل الطريق حتى إذا فقدنا الطريق ظل الرفيق.
خلعت عنها الملاءة وألقتها على حافة السرير، تطلع لجسدها الذي اكْتَنَز بعض الشيء ولكنه ظل بسحره وتألقه، طالما كان يغويه لمجرد تقف أمامه بهذا الجسد الممشوق حتى لو كانت غير متأنقة، لاح له التعب في وقفتها المنطفئة، سحب الكنبة المتهرئة ووضع عليها غترته التي كانت على كتفة وأشار لها بالجلوس.
"تَغيَرتِ كثيراً، فاجأني حضورك اليوم.
إسْتنتَجت من نظرتها له الا يفتح سيرة ما حدث بينهما، رأت أن يقتصر لقاؤها به على طلب مبلغ من المال تتدبر به حياتها الآن، لخصت مجيئها بقولها.
"حقيقة مشاعرنا تكشفها وجوهنا العارية بالأصباغ.
جلس على الكنبة الأخرى المقابلة والتي لا تقل عن الأولى اهتراءً، بدا كل ما بالغرفة بالياً، لم يزعجهما ذلك بقدر ما وفر لهما مناخاً للانفراد، وجه الكلام لها وعيناه تحوم في الهواء من حوله.
"تَعَسْتُ وتَعَسْتِي بسبب هجرك وهروبك عني، فضلت البحار عَلَيْ، ماذا فَعلتُ لكِ؟ عشقتك رغم معاشرتك لكل من طرق الباب و..
قاطعته وأسرعت القول بنبرة من يقفل الحديث.
"لا تنبش الأمس، أنا اليوم لست جوري التي تعرفها، صعب أشرح لك، جِئْتُ لتساعدني فحسب.
لم تتمالك، خرت دموعها، تريث في الرد عليها، اكْتفى بوضع يده على كتفها فيما انخرطت في البكاء، صوت أحاديث خارجية تناهت لسمعهما، جلس على طرف الكنبة وأحاطها بكتفه، اكتنفه شغف بمطارحتها، ولدت نزوة وحشية تلك اللحظة في تعريتها واغتصابها رغم دموعها وانكسارها أمامه، كما كان يفعل حين تتمنع أو ترفض، بدت شهوته وليدة فترة غيابها ومحاولاته الضارية لاستعادتها لولا خشيته العودة للدار بعد حادثة الضابط البريطاني، ركز النظر في عينيها، لمح هُوة من حضيض واقعة فيها، خجل في داخله من نزوته الطارئة، رفعها من فوق الكنبة واحتضنها وغاص وجهها في صدره، بللت دموعها ثوبه، شعر بأنه هو من هبط لدرك حينما لم يسألها عن الدافع الذي أجبرها على عبور هذا الطريق الطويل وحدها للقائه "ليس الشوق لي، بل الهاوية التي هي فيها" دار هذا الصوت في رأسه، أرجعها إلى الكنبة وسألها وهو يحتضن يدها المتعرقة رغم هذا الطقس البارد.
" كل ما اقتربنا من الآخر كل ما ابتعد عنا، لنبقى بعيدين حتى يبقى قريباً منا.
رد عليها.
" لا تُشْهر حبك حتى تتأكد أن قلبك هو من وقع في الحب وليست عينيك، قلبي هو من سقط.
تسربت خيوط الشمس ضئيلة من فجوة النافذة الخشبية المتصدعة من جهة الغرب، إيذاناً بهبوط الشمس، وانسلال النهار، أحس بها تتململ مشوشة وعودة تحجر الدموع في عينيها.
"الوقت، تأخرت؟
رد مبتسماً ومستريحاً للهدوء الذي حل عليها عما كانت عليه قبل قليل.
" خلاصة الوقت أنه بلا قيد يحكمه، تأخرتِ على الزوج المحظوظ، أحسد وجوده بقربكِ.
إعتدلت في جلستها، والتفتت نحوه مما أثار إنتباهه لحركتها المباغتة، نزعت عنها سِيما الانكسار وقالت بصوت شطرته نبرة وجع بدا له من نظرتها كالجاثوم حل بها.
" تقي.
سبقها وقد أمسك بمعصمها.
"حبي ما بكِ؟ لن أضغط لتتركي ...
قاطعته.
"تقي، أَنتَ لا تعرف شيئاً عني، لم تستوعب ما قلتُ لكَ منذ قليل، لم أعد جوري التي تصفعها ثم تعاشرها ثم تصفعها، وتعود لَكَ راكعة، لا تقاطعني، من تحسده بِقُربي طول اليوم، يعيش في كهفٍ مظلم، وحدة، وعزلة، عاد من الغوص بساقٍ واحدة، تركها في قاع البحر وهو يعيش الآن في قاع الظلمة، أُشاهده طوال الوقت، من حولي، جسد مَبْتور في روح ميت، معي والدته الكفيفة، بلا مال ولا طعام ولا حتى زيت للنور، بعد هجري منزل دلال، أنا ذاتي في القاع بلا روح، لا تظن جئت هنا لأجل نزوة معك، جئتُ لأني لا أملك روبية واحدة ولم أذق وجبة منذ ثلاثة أيام، أدخر الخبز والتمر وحتى الماء، لأطعمهما، أُنظر لوجهي، هل هذا وجه جوري التي رَأِت في عينيك منذ قليل شبقك نحوها وكل همك سفك نزوتك على وجعي، لم تسألني حتى كيف وصلت هنا وأنا لا أملك حتى روبية واحدة..
قفزت من مكانها، داهمته في وجهه بحركة خاطفة، خلعت ملابسها.
"هيا، عاشرني وادفع ثمنها كما تفعل دائماً، خلفي أفواه جائعة.
قبل أن تخلع سرواها الداخلي الذي بدا مهترئاً، هجم عليها وجذبها نحوه ودفنها في صدره بقوة، أحاطها بكتفيه وأحنى رأسه فوق رأسها وراح يقبله، ظلت مستسلمة بين يديه وأنفاسها تتصاعد وحشرجة صوتها من الداخل تعكس انفعالها، داهم الصمت الغرفة العتيقة وقد طرحت الشمس الناعسة عبر النافذة خيوطها الباهتة على جهة من جسدها العاري، أفاق، وهي مازالت في قبضته كطائر خشي أن يفلت من بين يديه، للحظة، ركع على الأرض وتناول فستانها، فاجأته بنزع الفستان من يده وقذفت به وراء الكنبة.
"ضاجعني، هذا ما تريده دائماً لن أَحْرمك، أَنتَ تعشقني، تتلهف علي حتى وأنا في دورتي الشهرية، تذكر؟ أن تعيش في قاع الظلمة ومعك خليلك، خير من أن تعيش مع ضوء الشمس في غرفة مع ندك.
"جثم على الأرض وركع يقبل قدمها، تركته جاثياً وراحت تربت على شعر رأسه، وقالت بنبرة هامسة.
"شعرك أرق من شعري.
ر فع رأسه فَرأت لأول مرة منذ عرفته الدمع مُحتقن في عينيه، استطردت باسمة.
" تقي في عينيه الدموع؟ تغير الكون.
" الرياح مجانية سواء أنْعشَت ذاكرتك أو مسحتها.
نهض وعاد يحتضنها، قرأ في وجهها الوجع مازال قابعاً، راح يبحت عن سر شغفه بها منذ رآها أول مرة قبل سنتين حين ساومها على السعر، كان حينها يافعاً يخشى خلع ملابسه كاملة، تذكر أنه لم ينتصب معها للوهلة الأولى، فهددته بخسارة ماله في الحالة تلك.
"جوري.
نطق اسمها بنبرة متهالكة.
"ضاجعني، هذه فرصتك، لن تجدني بعد الآن.
جلس يتأملها وهي عارية، كانت ترتجف من البرد، دبت العتمة، ساورها القلق بشأن العودة أدراجها للمحرق، لن تكون هناك قوارب نقل ولن تجد باصات في هذا الوقت، التقط لمحة من امتعاض على ملامح وجهها، أدرك بفطرته ارتباكها من العودة وحدها بهذا الوقت، حررها من استيائها قائلا وهو يمد لها الفستان لترتديه راسماً ابتسامة انشراح ليساعدها على استرجاع توازنها.
" لا تبتئس عند انهيار السوق، لأن هناك من فتح سوقاً أخرى، هذا ما يردده دائماً جدي المرجاني الكبير، حينما يغتم بركود تجارة اللؤلؤ بسبب الحرب، لا تيأسي جوري، جئت للشخص الصواب، لا أمدح نفسي فقد أذقتك المُر، لكني الآن سأعوضك..
اقترب منها والتف عليها بذراعيه، وقبلها على خدها.
" سأتكفل بعودتكِ الآن، وسأتكفل براشد ورقية وأَنتِ بالطبع، لن تحتاجي بعد الآن لكفيل.
قالها مازحاً، نظرت في عينيه، أمسكت بيده وقادته للسرير الخشبي، أزاحت من فوقه خرقة بالية وسحبته من يده.
"لن اعاني البرد هنا.
أمسكت بياقة ثوبه، جرته نحوها.
"أين جسارتك الشهيرة معي؟ لطالما فضحتني هناك؟
قفز عليها بعد أن خلع ثوبه، أزاح كنبة كانت تعيق توجهه نحوها من الزاوية المقابلة، طرحها، أزاح سروالها ثم نظر في عينيها وهمس لها.
"عند الغوص في أعماق ذاتك، ستكتشف سراً أهملته وأنت تلهو في العلن.
ردت هامسة بنبرة رهيفة ونظرة ناعسة، وقد ارتجف جسدها ولكن ليس من البرد.
"حررني أرجوك.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (12)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (11)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (9)
- -خريف الكرز- رواية مُنعت في بعض الدول. ج (9)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (8)
- هل يكون الكاظمي بوابة الساعدي القادم أم يصبح أتاتورك العراق؟ ...
- ثورة كورونا في طور التشكل...
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج(7)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج 6)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج 5)
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (4)
- المحظور الخلاق في الرواية...
- -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (3)
- -خريف الكرز- الرواية التي مُنعت في بعض الدول. ج (2)
- -خريف الكرز- الرواية التي مُنعتْ في بعض الدول. ج (1)
- ماذا يحصل عندما تقود الحملان الأسود؟؟!
- الحرب القادمة بين عالمين...
- حب محرم - من رواية الخراف الضالة...
- رسالة من العتمة (........) يسرا البريطانية
- بحر الشهوات مقطع من رواية -قمر باريسي-


المزيد.....




- تراث وتاريخ صيد اللؤلؤ كما ترويه مدينة الزبارة الأثرية شمال ...
- بعد الرواية التي قدمها بشأن اعتصام رابعة.. -الاختيار 2- يثير ...
- المغرب ينضم إلى -مجموعة محدودة من البلدان- يتمتع مواطنوها بخ ...
- مصر.. المجلس الأعلى للإعلام يفتح تحقيقا عاجلا مع المسؤولين ع ...
- افتتاح قبة ضريح الإمام الشافعي في القاهرة (بالصور والفيديو) ...
- بصورة -فريدة-.. أحلام تهنئ ولي العهد السعودي بمولوده الجديد ...
- قصة الزير سالم الكبير  تأليف أبو ليلى المهلهل الكبير
- سوريا: تحديد موعد انتخابات رئاسية تصفها المعارضة بـ-المسرحية ...
- -أرقام صادمة-... الشركة المتحدة ترد لأول مرة على تقارير عن أ ...
- أول تحرك من عائلة سعاد حسني بعد أنباء تحضير عمل سينمائي عن - ...


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد جمعة - -خريف الكرز- الرواية التي منعت في بعض الدول. ج (13)