أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حكمت الحاج - الكتابة بريشة التاريخ















المزيد.....



الكتابة بريشة التاريخ


حكمت الحاج

الحوار المتمدن-العدد: 6443 - 2019 / 12 / 21 - 10:48
المحور: الادب والفن
    


"لا توجد سوى معجزة واحدة: الإنسان يتكلم". (زاهر الجيزاني)..

إذا انطلقنا من "جان بول سارتر" فإنّ إدخال الحقيقة المطلقة في أي عمل فني لا يمكن أن يأتي إلاّ عن طريق خطأ تقني. والشاعر وهو يتفادى أخطاءه التقنية بهذا الشكل فإنّما هو يخطو بثبات نحو "النسبوية" ليدخل في باحة التاريخ موجها الفعل الشعري إلى آماد أخرى قد لا تكون هي نفسها المعني بها الشاعر، فصوته مفرد، ولا أصوات له كثيرة ليتغنى بها رغم أنّه ما زال يستعمل ضمير المتكلم مضافا إليه زمن الفعل المضارع، لكن الشخص وحده لا يتكلم بل هو يتحدث إلى غيره بالضرورة وهذا يستدعي اثنين على الأقل، حسب ما نتعلمه من ميخائيل باختين.
وتتوصل قصيدة "شاحنة البطيخ" للشاعر العراقي زاهر الجيزاني إلى أنّ كل فكرة هي فكرة فرد ما، وهي تتحدد بالنسبة للصوت الذي يحملها، وللأفق الذي تستهدفه. وبدلا من المطلق هناك تعددية في وجهات النظر، وجهة نظر الـمَراجع، وجهة نظر الشاعر المتماهي بها، وهي لا تعرف امتيازات ولا تراتبية، لذا سيلجأ الشاعر إلى نصوص الآخر، المتحاور معه، ويتبنى فكرةً مفادها استحالة الإضطلاع بحقيقة مطلقة في عالمنا المعاصر، وإنّه ينبغي الإكتفاء بالإستشهاد عوضا عن التكلم بالإسم الشخصي.
"يوحنّا الدمشقي قال
رأس افروديت فيه حساب عدد ساعات النكاح،
وساعات الترتيل 
لذلك وضع في مكعب ليضبط المجرى كي لا تختلط الساعات".. 
هكذا يضعنا نص "شاحنة البطيخ" أمام واقعة مروعة. إنّ التخلي عن المطلق هو ميزة مؤسفة للمجتمع الحديث. لم يعد أحد يجرؤ على قول أي شيء باقتناع، ولكي يخفي المرء ريباته وشكوكه فإنّه يلجأ إلى درجات مختلفة من الاستشهاد والاقتباس. إنّ زاهر الجيزاني لم يعد يتكلم إلاّ بين قوسين. هذا شائع منذ "ت. س. اليوت" لكن القصيدة لا تشي بتأثّر من هذا القبيل، فالمرجعية هنا ليست نصوصية أدبية أو تناصية كما عند جيرار جينيت، بل هي مرجعية تاريخانية لها ثقل المخطوط ورقابة النسبوي، وهي لا تفضي إلاّ إلى مزيد من "التحاور" بالمعنى الذي سيبيح للقصيدة أن تجرّ وراءها أحمالا وتقاطعات لا تسرها من أجل كسر شوكة الغنائي فقط. هي حرب ضد الغنائية المقيتة. وما الذي سنحصل عليه في النتيجة؟ لا شك، ويا للمفاقة، فإننا سنحصل على المزيد من العواطف.
إنّ ما يبدو له الآن أكثر أهمية بكثير، هو كل الصلات التي تنسج ما بين الأدب والثقافة بوصفها وحدة متميزة من خطابات عصر معين. ومن هنا اهتمام "زاهر الجيزاني" بما يمكن لي أن أسـميه "الأنواع البدائية"، أي: أشكال المحادثة، خطاب العامة، التبادلات المنتظمة إلى هذا الحد أو ذاك في الكلام اليومي.. فالقصيدة هي قبل أي شيء دراسة وافية في علم تعدّد الأصوات، في البوليفوني (باختين مرة أخرى) أي أنّها علم مغايرة. ولم تعد بعد كل ذلك مسألة "المعمارية" مطروحة. إنّ موضوع "الجيزاني" موضوع آخر: وضع الخطابات بالنسبة للمتحاورين الحاضرين أو الغائبين وكأنّه يعمل على /مناجاة /حوار/ اقتباس/ محاكاة/ زخرفة/ مجادلة/، وترتبط هذه الميزات النصية مباشرة بتصور ما عن العالم المعاصر المعاش. إلاّ أنّها لا تستنفذ فيه لأنّ الوعي القادم للفكر البسيط يستحوذ عليها ويكتشف فيها معان جديدة. إنّ موضوع الشاعر هو فعلا "العبور النصوصي" ليس بشكل طرائق شكلانية بل كانتماء إلى تاريخ وثقافة محددتين.
وإذا كان "الجيزاني" نفسه يقرّ بأنّ الشعراء لا يحاكون الطبيعة بل يقلدون بعضهم، وأنّ الشعر لا يمكن إنتاجه إلاّ انطلاقا من قصائد أخرى [فكل نصية هي تداخل نصي يعني كل نص هو متناص] فإنّ عليه أن يقرّ أيضا مقولة "نورثروب فراي" في أنّ الإختلاف الحقيقي بين الشاعر المجيد والشاعر المقلّد يكمن فقط في كون الأول هو أعمق تقليدا.
"كانت بغداد في 1919 كلها مطلة على نهر دجلة 
مفتوحة لعربات البطيخ، مفتوحة للأكلاك النهرية
يبدأ مساؤها بشمعدان مضاء في صالة لامعة
وسيدة الصالة تعزف مقطوعة لشوبان"..
لقد بات من المرجح أنّ الطبيعة كموضوع وكأساس للمقارنة وكمقياس تصحيحي، لن تكون على مدى طويل ذات دور في فن الغد، وستساعد وسائل الإتصال الضخمة المحيطة بالعالم كله عملية انفتاح الثقافات على بعضها البعض وتمازجها وقد يكون من حظ الشعراء بعد غد أن تمرّ بهم الخبرة النادرة المتمثلة في ظهور ربيع لغوي جديد. لكن هل يكون في مقدور اللغة الجديدة أن تخلص شاعر المستقبل من قوانين عصره؟ من جهة أخرى، كم سيحاول الشاعر التخلص من قوة القانون؟
ربما كان بالإمكان الإشارة إلى ما يحصل في القصيدة كطريقة على مستوى اللغة للإنفلات من السيطرة العميقة لريشة التاريخ فهناك محاولة أولا لإيضاح ومن ثمّ لتركيب عدد من المتقابلات الوظيفية، التاريخ/ المحكي، الحرية/ الحكم، الفرد/ الآخر، الجمال/ السرد. ومع ذلك فالجيزاني لا يطمح إلى كتابة ناجزة، قطعية، وحيدة، وإنّما بالأحرى إلى الإعتراف بمسافة محدودة لكل من الإتجاهات الشعرية المتمثلة على الخارطة والمرتبطة بوجهات نظر غيرية. وتبدو طريقته هذه مدعمة ببعض الخيارات الفلسفية التي لا أحد يدري مقدار الزعم في أن يكون لها دور في شعر الغد.
-----------
ملاحظة: هذه حاشية قرائية على نص زاهر الجيزاني "شاحنة البطيخ" من مجموعته الشعرية "الأب في مسائه الشخصي" تجدونها مثبتة بنصها الكامل في آخر هذا المقال. و زاهر الجيزاني المولود ببغداد عام 1949 هو أحد أبرز شعراء جيل السبعينات العراقيّ إلى جانب خزعل الماجدي ورعد عبد القادر وكمال سبتي وسلام كاظم وشاكر لعيبي وهاشم شفيق. وهو من بين الشعراء الذين أثروا تأثيراً كبيراً على المشهد الشعريّ برمته وتحديدا بعد تحوله إلى قصيدة النثر في الثمانينات من القرن الماضي. يقيم في فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية وصدر له في الشعر: تعالي نذهب إلى البرية 1978 بغداد، من أجل توضيح التباس القصد 1980 بغداد، الأب في مسائه الشخصي 1989 بغداد في طبعة أولى، وطبعة ثانية عن وزارة الثقافة المصرية  2009. كتاب الضوء، المجموعة الشعرية الكاملة 1997 عن وزارة الثقافة السورية.
-----------
القصيدة/
شاحنة البطيخ* 
* زاهر الجيزاني (شاعر من العراق يقيم في الولايات المتحدة الامريكية)

لا توجد سوى معجزة واحدة: الإنسان يتكلم. 
أفتحُ الباب متجمعا وراء ذاتي 
لحظات ثم أنهار كما ينهار سد ضخم 
شفتاها الغليظتان 
مصبوغتان بقشرة الجوز 
نشيج الفقدان في العيون
التصنع في الجلوس والوقوف
مولع بالتصنع
حتى الغبار المنتشر يتصنع هذا الانتشار
الغبار؟
غبار المدينة- الغبار المرتفع فوق البيوت يرى غسيل المرأة ودموعها 
ويتمنى أن يصل (إمعانا في التشفي) 
الغبار؟ 
الغبار صورة على الحائط 
نشارة أحزاننا التي تطفو على ماء الساقية 
الروح المقتولة الغارقة في ماء العيون 
الروح التي تنسى تفاصيل موتها 
الغضب والصمت يتاَلفان ويختفيان ولا خارطة على جدار الأحزان غير خارطة العقرب 
على الورق أرسم بنطاله 
أرسم عطسته 
أرسم وجومه 
أرسم ألغازه 
(كأني اخترعت منطاد الهواء).. 
هكذا حلمت 
هذه هي بداية اللعبة 
أنصبه ملكا وأخاطبه في المقهى: 
يا صاحب السمو- عفواً أضع تاجاً على رأسه 
وأمام الأشياء 
أمام بقال نائم 
أخاطبه ابني الحبيب 
أيها المائل على رصيف الشارع 
إلى متى تتعثر بحراشف يديك؟ 
رأينا عمود المطر في الشتاء 
رأينا ورقة دفلى تصنع نفسها في المساء 
رأينا ربطة سوداء... 
لماذا حزنها معلن وأناقتها غامضة؟ 
الهواء بيننا 
ثم نسينا الهواء بيننا 
وسألتني عن موشور الضوء 
الذي ينقل حديثنا 
اليد ترتجل الكلام أيضا... 
أيضا الماء يحزن 
وهو يسمع حنين النساء 
الصمت حزن.. 
أيضا الحزن ينتشر 
على الصمت 
كما تنتشر بقعة الحبر على ورق ناشف 
هذا استنتاج 
هذه خبرة التربية 
هذه مهارة الهذيان في الكتب نقرأ الكركدن 
نقرؤه فيشفق علينا 
لو موشور الضوء ينقل حديثنا 
أتسمعني؟ أنا ممتلئ بالإصغاء وهذه إبرتي العائلية أغرزها
في الصلابة القديمة في تكرار قصص الظهيرة في مراقبة الدخان 
المتصاعد من سواد العيون 
في باص مزدحم تنتشر روائح النساء 
تنبه العضو الخامل تنبه اليد وتنبه الشاب إلى المعجزة 
وحيداً في تجويف الصمت أجلس على مصطبة أنتظر الباص 
(لو أجد عبارة أكثر تهذيبا) في كراج الميدان شيء آخر 
العين تأخذ وظيفة الكلام 
ثم يتأمل الفروقات التي تضيق، تضيق الفروقات في المرآة الصغيرة 
في آخر الغرفة، حاولت أن أصل إلى معجزتك 
كيف أنبه ألمك القديم؟ 
هذا يوم العاطفة يوم صورتها الفوتغرافية... 
يوم 
أملاحها يوم الوسوسة 
المرآة الصغيرة في آخر الغرفة 
تعكس الفراغ العالق 
الضجر في شفتين غليظتين 
مصبوغتين بقشرة الجوز، 
المرآة الصغيرة تتنصت على النواح الخافت في المكروفونات السود 
المرآة الصغيرة تمد رأسها تحت الأسرّة ترى الزجاجات الفارغة، 
ترى الأمشاط القديمة، ترى الرضّاعات المتعفنة، ترى الأوراق الملطخة 
بالأحبار والغبار، الغبار يرتفع فوق البيوت ، يرى غسيل المرآة ودموعها 
هذه اللغة في ذروة أخطائها ،هذه اللغة في ذروتها 
وفي النهار قبل أن نصل إلى الباب إلى جانب أنابيب الماء العارية 
حفرة  يختبئ  فيها قندس مريض بأظفاره وأسنانه الحادة
تذكرت القائمة التي وضعها الربانيون  
حول تصنيف الحيوانات 
حول أكل اللحوم 
عالم شاسع بلا أيّة وحدة مندحر الى الأعماق 
لكن المعنى واحد 
كل هذا التنوع يصدر من الواحد، كل هذا الخوف والفزع 
كل تلك الرهبة والاضطراب والشك والريبة تصدر عن معنى واحد 
عالم شاسع كأنه بلا أيّ وحدة. 
في المرآة الصغيرة رأيت نصل السكين وقد أدار ظهره لنا لا يريد أن يقتل 
رأيت زجاجة العين، تكشف عن ممرٍ سريٍّ للرب 
رأيت رغيف خبز مطويا  
قبل أن نصل الباب فيه تمساح ميّت 
وفسرت العلامة 
الجنون آت... 
قبل النوم سألتني عن الوجدان 
وعن مكوناته، خليط من لعاب القمر والشمس،  
عن معدنين ساطعين في الكتب وأصوات القرّاء 
يوحنّا الدمشقي قال رأس افروديت فيه حساب عدد ساعات النكاح، وساعات الترتيل 
لذلك وضع في مكعب ليضبط المجرى كي لا تختلط الساعات 
الليل والنهار هما الكتاب وشرحه 
لهما إعجوبة ورقة البرقوق 
المرسوم عليها يوم القيامة 
التفاصيل كلها 
على ورقة البرقوق 
الكلام 
كله في فم الحجر 
الوجدان كله في القمر 
أحداث غامضة... هي قالت كلما هيأت طبيخ المساء 
بسبب الأخطاء  قلت، بعد أن نبهتها إلى الصفرة الممزوجة بالشبق 
الشبق بلون قشرة الجوز 
الشبق الذي  يغطي شفتيها والصفرة تغطي يديها ووجهها 
وحين يعود إلى البيت ،يعود صورةمعلقة على الحائط 
الصورة تنبهني إلى ذكرى محايدة أو إلى ذكرى قاهرة 
الحياة رائحة قوية ،تنبعث من فوهة رضّاعة منسية 
تحت السرير 
المرآة الصغيرة  تكشف أحداث اغامضة 
نسيج السجاد أو نسيج الجلد كلاهما بقعتهما الدموع 
وضحكات لامصدر لها 
لب صمون ملقى في الصحون، سكائر مطفأة ، روائح مكياج 
فيلم مصري في التلفزيون، شاي، 
اللغة كلها سؤال واحد  
كيف حدث ذلك ؟ 
ربما بسبب نزوحنا المبكر من القرى 
ربما التحريف الدائم للوقائع ،  
ربما المدينة (كانت بغداد في 1919 كلهامطلة على نهر دجلة 
مفتوحة لعربات البطيخ، مفتوحة للأكلاك النهرية) 
يبدأ مساؤها بشمعدان مضاء في صالة لامعة وسيدة الصالة تعزف 
مقطوعة شوبان - فالس الربيع- 
أحد الملاكين من أبناء النقيب أو السعدون يرفع كأس البراندي 
في صحّة النهرين وقرب الشارع أرمني يبيع  البُنّ، 
ومسجد في السوق يوفر للصاغة والحرفيين الماء والحمام
ثم مقهى ينتظر الجالسون فيه وظائفهم الرفيعة من خلال كلاب الصيد 
أو سلال التين أو الوشاية. 
كان يعيش في خوفه في الخوف الذي أوحى به للغير 
هذا المساء أعترفنا جميعا ثم ضحكنا من إعترافنا 
وتركتها تنتظر قرب السلَّم، هل تشعرين بالسواد 
بالظلال المهشم نصفها  
بالأبدية المُسَخَرة ضدنا  
مثل كلب الصيد 
شاهدت في مرآتي الصغيرة- كيف هوت ذاتي 
كيف إنهار سدٌّ ضخم 
أخذوا معهم مهارة الهذيان 
وتركوا لنا  الشاي والبسكويت 
الشاي والبيض صدّقيني هذه هي الأبدية  
تجلس في الصباح والمساء تحت أقدامنا وتراقبنا مثل كلب 
عاداتنا 
منذ سنين طويلة حاولت أن أنقض رأيها 
وحين نبهتها إلى بياض عنقها 
إلى الصفرة الممزوجة بالشبق 
في يديها ووجهها نبهتها إلى جمالها  إلى الأرض المغسولةبالدموع 
من غبار يرتفع فوق البيوت- يرى غسيل المرآة ودموعها 
ضحكت واعترفت بفوات الأوان  
أحالت انشغالها إلى أحداث غامضة 
الواحد الميّت الملفوف في كتان أحمر  
يظهر في صورة  فرجال مخيف 
الفروقات تضيق 
في المرآة الصغيرة رأيت حفّارا بسروال أوروبي  
قال 
الهند والصين نموذجان انثروبولوجيان 
الفكرة فيها احتقار رواقي 
أنت قلت  
هم قالوا 
لا نظام المطر ولانظام الري 
المشكلة هنا في المرآة الصغيرة التي ترينا أننا طريدة لماض لا يرحم 
لو هناك من يقول لنا ليس هناك شيئ صحيح 
وليس هناك شيء خطأ (وفق  التلاعب الماكر بزوايا النظر) مثل 
الأنا التي أحبها مونتاني وكرهها باسكال * 
الحب والكراهية يتناوبان على مصدر واحد 
لو أن لي فهرسا يحددني بالضبط لتجنبت الكارثة العمياء 
وراء ذاتي- أتجمع- أفتح الباب ثم أنهار 
ذكرى قاهرة أو محايدة.. هل الذكرى محايدة؟ 
أصعد الدرجات القليلة إلى محطة كوتن بروك
أين سأذهب هذه الليلة؟ ثلج يغطي الشوارع ونوافذ البيوت مضاءة 
من هنا لا 
ربما من هناك 
على اليمين البار المعتم يتأرجح على بابه الاسود 
مصباح أخضر اللون 
ALT-LAMP * 
موسيقى تجيء من الداخل تدفعها مفرغة الهواء مع روائح النبيذ والدخان والقهقهات ورائحة مكياج مخمّرة 
عطور متعفنة 
أدخل أم أقف هنا في زقاق أسود طويل؟  
الهواء متجمد  
الأزقة عاطلة 
ولا مشاهد أصلية سوى 
الفانوس الأخضر المعلق على باب البار 
سوى الروائح المتنوعة في زقاق 
كأنه سجل يومي 
للدخان والروائح والناس والأسفلت 
كنت في العشرينات عندما وصلت مدينة فيينا مع ثلاثة أحداث مهمة حدثت في الأيام الأولى من وصولي 
1 حرب 6 اكتوبر 1973 بين مصر واسرائيل  
2 وموجة حركة الهيبز  الاف من الشابات والشبان تدفقوا من امريكا واستراليا واوربا في طريقهم إلى امستردام يحملون فراش نومهم على ظهورهم رأيت المئات منهم أثناء وصولي تجمعوا في الحدائق العامة وحول تمثال موزارت وداود ومدارج الجامعة والأوبرا  
3 ثم صدمتي الشخصية عند مشاهدتي بلدا اوربيا 
النظافة - النظام - العمران- الحياة المبتسمة في وجوه المارة) 
وجهي نقالة تتغير بأيدي المارة والزقاق الأسود ينتهي الى البحر... 
أقتنع بالهباء حاولت في جلسة مزاح ولم أصل 
ليس هناك قمر منير ولا رمل  ليست هناك خرائط للعقرب تكشف عن إبرة سامة اخرى 
ولا نعرف شيئا عن الإبريق والأباريق والحور  والولدان والاستبرق  
نعرف أن الحَوَرَ  موجود في عيون الأيل وللأيل قرنان مقوستان تشبهان تقويسة الهلال 
ولا نعرف عندما نعبث بالهلال، نحذف منه الهاء  فيعود أيل مرة اخرى أو نقطعه نصفين فيصبح (إله-لال) نحن في جلسة مزاح، نحاول أن نصل ولانستطيع 
وشيئا فشيئا اكتشفت لعبة الرجل الذي نسيَ شيئا منه في الباص 
الرجل المدمن على استخراج الصمغ خفية
رجل الصمغ الجالس في كل الباصات الحمر 
عالم شاسع كأنه بلا أية وحدة 
أنا وأنت نلعب بالأقوال المأثورة بالتلميحات بالقصص الداكنة 
داكنة مثل ربطة سوداء  مثل ثوب أسود مثل لافتة سوداء مثل قدور الطبخ السود  مثل أصوات النساء المبحوحة. 
هل أدخل؟  لقد تعبتُ 
(هل في الكأس شيئٌ أناله 
فإني أغني منذ حين وتشربُ) 
اجتزتُ واقتربتُ وارتميتُ على الباب الأسود 
تحت المصباح الأخضر 
أنا...أنا التي أحبها أبي... التي كرهها خالي 
الأنا... التي لم نعرف إبرتها السامة الأخرى 
أناي  تنتظرني على الباب... شئ مضحك أمريكا أيضا كانت تنتظر مكتشفيها وسط الضباب 
كرة من الهواء البارد تجيء من زقاق آخرثم تصطدم بعمود كهرباء 
بأقواس اسمنتية وتسقط مثل حبات الثلج قرب حذائي 
أنا الآن أكثر اخفاقا  
أين سأذهب هذه الليلة؟ 
المصباح الأخضر .. ظلاله تتحرك على الجدار الأسود 
ذكرى بعيدة هل الذكرى محايدة؟ 
وصلتُ – انتهيت الآن لنصعد الدرجات القليلة إلى غرفة الكتب غرفة المرق  غرفة الأطفال، غرفة النوم، ممكن للغربال، أن لا يعكس الشمس كاملة  
يحولها الى شرر متناثر 
شرر يتساقط مثل قشور القمح نصعد درجات البيت وننزل الدرجات ذاتها 
الوقت مقص ضخم - نحن والأطفال نركض حوله 
لم أنتبه لنزول الماء في المغسلة لم أنتبه للغطاء المعدني المكسور 
القضاء والقدر يمران من اللحظة المنسيّة من الكسر الصغيرة في الغطاء المعدني ، عصي كثيرة للمبارزة  عصي يابسة تنام قرب يقظة العيون 
وفجأة يظهر شخير الوسادة  تظهر الأزهار الكاذبة والقدر والقضاء يمران من ثقوب اللحظة المنسيّة الظلام يتحرك- تحت أرجل المارة وبين أنوفهم  رائحته في كتب المدرسة 
مثل رائحة الغبار   
الغبار؟ 
يرتفع عاليا ليرى غسيل المرأة ودموعها... 
يرى غريزة الثوب والملعقة ويرى اللهب الأزرق ، لهب أبي، ولهب أمي، ولهبي 
تضع على الوسادة غلاف شبابها وتبكي  
متروك شبابها هنا أو هناك لا رائحة فيه ولا حدس 
والخفاش ذو الأسنان الذهبية  واقف على النافذة يداه صخرتان محززتان بالوشم   
يداه تقبضان على مساند الكرسي بقوة هائلة 
ومنخراه يتلذذان ببخار الدم الحار بنطلونه يتجول في الأفنية الضيقة 
الخفاش يلتصق على المرآة الصغيرة يمنع عينها الشيطانية
من الرؤية  يشمّها حتى يزيل نكهتها 
اتركْ عادة الكلام  المرأة أيضا ستترك عادة البكاء 
أمه أو أخته زوجته أو بنته واحدة فقط تمسك مرآتها الصغيرة وتضبط خطوات عالم أعمى 
الخفاش الطويل- أذكريه اذكري رب الهواء يجفف موتانا 
يطفئ الشموع المثبتة في الطين الذكرى الوحيدة التي تنشطنا 
اذكري اختراع الآلهة  في جداول سرية  اذكري ورقة البرقوق 
المطبوع عليها يوم القيامة  اذكري وردة القرنفل السوداء  ذات الأكتاف الرخوة  تحمل أفقا ينزف 
اذكري يومنا السيئ المخنوق لن يتحسن شهيقه مهما عملت البروج 
على تحسين حظه 
الطريق يتذكر لكن الغابة والكهف والصحراء يعرفون كل شيء 
صورة العذراء في السقف أو على الركن الأيمن وصورة الأسد فوق العذراء-* يحميها  ويخطفها الأسد أحد مخلوقات الخوف العذراء إحدى مخلوقات الرغبة 
(بدءا المخلوقات مصنفة مخلوقات تؤكل وأخرى تأكل وأخرى للرغبة وهكذا 
قائمة من التصنيفات) 
لحظة ثم يمتلئ البيت برائحة المرق،كذلك رئتاها امتلأتا بالمذاق والرائحة 
دموعها تتكاثر وهي تمسح دموعها وترينا يوما سيئاً في المرآة الصغيرة
الخفاش يفتح منخريه يتشمم الغرائز ولايتشمم الروائح 
المرأة حلت شرائطها وانفتح صنبور الماء بقوة منذ البارحة
لكن هناك من يبكي في الغرفة المجاورة 
الشاطئ يجلس على الرمل ويرمي صنارته  الشاطئ أمعاؤه يابسة وفمه جاف 
الشاطئ ينتظر علامة الخوف - الخوف يقود السمكة الى الشاطئ 
يقودها الى الأمعاء اليابسة والفم الجاف 
ابكي كثيرا حتى يتحسن شهيقك وانزلي السلّم  
أدخلي المطبخ أو قفي أمام المرآة الصغيرة 
من يضبط خطوات عالم أعمى؟ 
المساء هناك ينتظر اختراع الآلهة معاً رفعنا غطاء آنية الأكل أكلنا سوية ونهضنا سوية الى المغسلة   
أنا وحدي وقفت بين غرفة الميّت وذكراه 
كثيرون أصدقاء- أقارب- قالوا لي 
جسدها ينضج- الفاكهة تنضج لكي تقترب من الموت 
نبحث في الطوابير عن أجسادنا  
ضجة تقترب من الموت 
الأزهار تجهل خريفها والأزقة تنتهي إلى البحر 
الناس في المقاهي أو البيوت لا يعرفون لهم مأوى 
الصورة خالية من الرائحة – الرائحة خالية من الصورة 
لكنهما موجودتان في ذات  اللحظة 
الخيال الجبار الذي اشتق حواء من العظم الرخو يجعل عينيك منحرفتين، يجعل لباقة المرتشي شبيهة بكلمة السر 
أأنتِ تبكين؟  
آسف هذا ما تعلمناه نبكي كثيرا ونقول لو يوقفون ألعابهم النارية 
امرأة في اطار من الخشب - تبتسم- اطار أحمر 
ابكي كثيرا  
اصعدي الى الغرفة المجاورة  
النهار هناك ينتظر اسمه 
قرب صورتي تختلط الألغاز بالألغاز 
وفي المرآة الصغيرة 
كنت تصعدين 
اصعدي في ردائك الأسود 
في بلوزتك السوداء في شعرك الأسود في كحل عينيك في دموعك الجهنمية 
اصعدي 
عيناه منحرفتان نحوي نحو خريطتي نحو خريطة العقرب والعين مبللة بالدمع 
الضوء  هو الوحيد الذي ينقل رسائل الرب لنا 
أعرف بريدا أخر غير الضوء 
أيضا نحن غيرنا في الأحلام 
(أحد الربانيين قال أن قابيل بعد نومة طويلة عرف أنه أرتكب فعلا أكبر 
منه يتعلق بفنائه هو...) 
الخفاش ذو الأسنان الذهبية  واقف على النافذة- 
ليست لدينا ذكريات 
سوى ما علق بقمصاننا من الخمور- ما علق بالمنشفة السوداء 
من شتائم متواصلة  الخفاش يشرح للزائرين رائحة المكان
يلصق أظفاره  على المرآة الصغيرة وينظر الينا بتشفٍ 
كل مساء نمسح الغبار الذي يرتفع فوق البيوت ليرى غسيل المرأة ودموعها 
يرى المستقيم الكاذب يرى أمراض الهندسة يرى التصاميم المتنوعة للموت 
يرى المنحنيات المخيفة ذات الأجراف الحادة رؤوس الكوارث دائما هناك 
خطوط أخيرة تربكنا خطوط غير مهذبة تقتحم اللعبة. 
المساء يسلمنا كل مساء الى رأس فرجال فيعبث بصورنا ونقول أهذه صورتنا؟ 
اصعدي الى الغرفة وابكي الهواء يتجانس لدرجة أن الخفاش  ذو الاسنان الذهبية لا يميز ضحاياه يقتلهم قطعةً واحدة  لا ترتبكي  ولاتحني رأسك 
آخر المستشفيات سألناه  آخر انسان بقي...كل شيئ أكتمل
وبقيتْ على منشفة الميت آثار الخفاش وعلى الرصيف عظامنا مكسَّرة  
لا تقولي هذا تأريخ تحركه البروج، 
وهو يدور مثلها وخطوطه دائرية دائما  
ولا منفذ له ليندفع باستقامة 
هذا إدمان على أكل الآخر  
هناك رجل يستخرج صمغه في الباصات العامة  في النظر إلى مخلوقات الرغبة  
حين يشتم النساء 
هناك قندس مريض لا يفارق عتبة بيوتنا 
هناك غبار يمطر دما على سقوف البيوت  هناك تسليات تعيننا كالحبة السوداء المطحونة مع الأكل كحبة القرنفل مع الشاي كالفضائح التي تغطي الصدور. 
لا تقتربي من  الذكرى التي تنشط الحب 
عندما نتذكر يصبح الحاضر أقل  ننقطع  
وجداننا ممتليئ بتعاليم القمر 
تعاليم  القمر تقيم في  الوجدان لا نبتهج به 
نبتهج بتعاليمه 
اذكري كل شيئ  تذكري أقصى ما تستطيعين حاولي أن تجمعي ذكرياتك كلها لن تبقى الاّ الذكرى صدقيني، لن يبقى الا الغبار على شاهدة القبر ويرتفع فوق البيوت ليرى غسيل المرأة ودموعها وفوق الكتب 
وفوق الملاعق وفوق الصحون 
نسقط كقطعة برق باردة لذلك التفتي كوني غامضة اجعلينا لا نميز بين السعادة والريبة ولكن الريبة منذ الأزل تسكن العيون  
ومجرى روحينا كي يصل الى السعادة 
يحاول أن يرتبط بمجرى الطبيعة 
اقتربي من دفئي هذه لحظة اكتمالك معي 
لن أقترب من الألغاز بعد الان 
فالخفاش ذو الأسنان الذهبية وحده  يعرف دوافع الضجة.
-------------------
هامش * 
مونتاني شكك بماهو خارج الذات كتب جملته المعروفة  
The greatest thing in the world is to know how to belong to oneself.” ... 
الشيء الأهم في العالم  هو أن تعرف كيف تنتمي إلى نفسك 
 
رأي باسكال أن مركز العالم يقع خارج  الذات  
نحن نرى الأشياء ليس فقط من زوايا مختلفة لكن وبعيون مختلفة أيضاً لذلك لا نرغب أن نجدها متشابهة  
We view things not only from different sides, but with different eyes we have no wish to find them alike.  

محطة كوتن بروك في فيّنا يتذكرها الشاعر الذي مر بها عام 1973 

* Alt lamp  بار صغير في أحد أزقة فيينا يضع على بابه مصباحا قديما أخضر إشارة أنه مفتوح. دخلته مرة واحدة.
— 




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,156,027,986
- سلطة الممثل هي جوهر العمل المسرحي: نحو مسرح فقير..
- ثلاثون عاما على بغدادات..
- الشعر والموقف في مهرجان الشعر العربي الرابع بالقيروان
- في الشعر الحر وشعر النثر
- الحراك السلمي وكفاح اللاعنف: الشعب يريد إسقاط النظام..
- بانتْ سعادُ
- السينما والفيلسوف: الفكرة واللقطة
- يسارية متطرفة برواية عن الإسلام، ويميني متطرف يؤيد التطهير ا ...
- نقرأ من أجل غد أفضل.. حوار مع مسيري هذه التظاهرة الثقافية
- في التحليل البنيوي للأدب
- نعي الكتاب: انتهى الكلام، بدأ فكر البصر
- الملتقى العربي الثاني -وطن للأدب- يهتم بالأدبين العربي والغر ...
- حارة عظم
- علامات، فصلية ثقافية مستقلة تصدر في الموصل وتود أن تخاطب الع ...
- الحبل
- أربعة مباهج من جوهرة الساحل
- شعر الأشياء: قراءة فلسفية عابرة لأرض المطلق*
- خمس قصائد
- البنيوية الفوقية
- الكتابة الجريحة


المزيد.....




- النائب رياض عبد الستار يتقدم باعتذار مكتوب عن إهانته للفناني ...
- -الرجل ليس معيارا للشجاعة-... تغريدة من الفنان عبد المجيد عب ...
- اللبناني ألكسندر نجار يفوز بجائزة الفرنكوفونية الكبرى
- كتاب -الشطار- تأليف محمد شكري وصبري حافظ
- العبدي يطالب بلجنة تقصي حقائق برلمانية في فيضانات الدار البي ...
- طرح نسخة معتمدة من كتاب -كفاحي- لهتلر في بولندا لأول مرة
- بعد المطالبة برفع الحصانة عنه... نائب في البرلمان المصري يتر ...
- الفنان المغربي سعد لمجرد يخرج عن صمته بعد إلغاء حفله الغنائي ...
- ناصر بوريطة يتباحث مع نظيره اليمني
- ليدي غاغا تغني لبايدن في حفل تنصيبه


المزيد.....

- سيرة الهائم / محمود محمد عبد السلام
- حكايات قريتنا / عيسى بن ضيف الله حداد
- دمي الذي برشو اليأس / محمد خير الدّين- ترجمة: مبارك وساط
- كتاب الأعمال الشعرية الكاملة حتى عام 2018 / علي طه النوباني
- الأعمال القصصية الكاملة حتى عام 2020 / علي طه النوباني
- إشارة ضوئية / علي طه النوباني
- دموع فينيس / علي طه النوباني
- ميزوبوتاميا / ميديا شيخة
- رواية ( حفيان الراس والفيلة) / الحسان عشاق
- حكايات الماركيز دو ساد / رويدة سالم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حكمت الحاج - الكتابة بريشة التاريخ