أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عذري مازغ - أماحول (من حكايا المهجر)















المزيد.....

أماحول (من حكايا المهجر)


عذري مازغ

الحوار المتمدن-العدد: 6402 - 2019 / 11 / 7 - 04:39
المحور: الادب والفن
    


كان خفيف الحركة، يتنقل من هنا إلى هناك كانه مهموم ، حتى عندما يتجول في المدينة يكون قد زار كل قماماتها المنتشرة في الشارع، وعندما يعتزم احدنا الذهاب إلى التبضع من اسواق المدينة ويكون هو يريد مصاحبته، كان يجب أن ننبهه: "معي دع القمامة، ياصديقي شوهت سمعتنا" ، وكان هو دائما يجيب بالطاعة مصحوبة بابتسامة صفراء ويتمتم قولته الشهيرة: "عسا أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم"، هذا الجهاز الذي تتخاصمون حول قنواته أنا من اتى به من القمامة المجيدة التي أشوهكم بها، حتى جهاز الطبخ الكهربائي الذي تطبخون اكلكهم عليه أنا من أتيت به، بدوني، رغم انكم تكرهون مصاحبتي لن تكفلوا بأنفسكم، أنا من جعل "التشابولا التي نسكنها تنضب بالحياة". كنا غالبا نصاحبه إلى المدينة وكانت تنتهي صحبتنا بمجرد الدخول إلى اول أزقتها، تنظر إليه وتقول له : انتهى مسارنا!
نسميه "اماحول" وتعني أمازيغيا الكائن الضعيف البنية، وهي من فعل "إيوحل" وتعني العياء وغالبا تقال للخراف والدواب وليس للإنسان، اما ولوعه بقارورات الزبل فمرده حسب حكايات البعض أنه حين كان يبيت تحت قناطر برشلونة عندما كان بدون اوراق الإقامة الشرعية والتي تمنحه الحق في الشغل أيضا، كانت كل قارورات الزبل الكتلانية تفيض بالخير وكانت هذه القارورات تنعم بالخير ليس فقط على "أماحول" بل ايضا على جاليات دول بعينها ومن الدول المتقدمة ولن أبالغ إذا قلت بأن حتى الالمانيون وهم من دولة متقدمة كانوا يلجأون إليها في مقتنياتهم الخاصة وبطريقتهم المتطورة طبعا والتي تشبه إلى حد ما طريقة "أماحول": بقليل من الذكاء وقليل من البديهة يمكن إصلاح الكثير من الأشياء المرمية والتي عند أصحابها المتشبعون بثقافة الاستهلاك يرمونها لأبسط الأمور، يقول "أماحول": عندما تلتقط جهازا ما، مالذي ستخصره إذا حاولت إصلاحه، في كل الاحوال، تلك الأجهزة فيها اشياء نافعة حتى إذا لم تستطع إصلاحها، فيها مواد صالحة للبيع، فيها أسلاك نحاسية، ألومينيوم، حديد، الفرق بيني وبين الألماني هو أني أفتقر إلى أدوات العمل، أستعمل أي شيء متاح لتفكيكها بما فيها استعمال الحجر على الطريقة المثلى في العصر الحجري.. أي الضرب لتفكيكها حين تعجز عن إصلاحها.. (1)
عندما حصل على أوراق الإقامة والشغل، حصلت له معجزة في برشلونة، معجزة جعلته يسافر إلى المغرب بدون حصاد، يعني بدون ان ينتظر أشهرا للعمل وجمع المال ثم السفر لزيارة الأهل الذين يعتقدون بسذاجة ان المهاجر، بمجرد ما يقطع البحر إلى الجهة الشمالية، سبدا مباشرة في التقاط المال الذي يرميه مجتمع الرفاه. كان أماحول يتجول مع صديق له في برشلونة وحدث أن تراءت له علبة قديمةفي القمامة، حركها برجله فبدت شيئا مليئا، تفحصها مليا فوجدها مليئة بالفعل، وفيما صديقه كان ينتظره بعيدا عن "الشوهة"، عندما التحق به "أماحول" أخبره بانه سيسافر اليوم إلى المغرب وتعجب صديقه من انقلابه المفاجيء: كيف تسافر وأنت لم تجني أي مال
ــ معزة والدتي اكثر، رؤية وجهها أحسن من المال!
ــ لكن هل لديك ثمن تسعيرة السفر؟
ــ لدي بعض المال الذي لا يكفي، لكن علي أولا الذهاب إلى المغرب لأني مشتاق، أنا هنا أكثر من ثلاث سنوات دون رؤية أهلي ، بعد رؤيتهم سأعود للحصاد في العمل بمزارع ألميريا..
ــ هل أنت متأكد من قرارك؟
ــ انا الآن حصلت على الإقامة ورخصة الشغل وهما كفيلتان لي بالعمل براحة بال ، المهم الآن هو زيارة أهلي وبعد ذلك "مولانا" كريم
بعد عودته إلى ألميرية بعد زيارة أهله، حكى من حيث لا يدري قصة سفره إلى المغرب وفي حضور صديقه الذي كان مصاحبا له في جولات برشلونة: لقد كانت العلبة التي لامس ملأها تحتوي على 3000 يورو، وحسب تفسيره هو لوجودها بقارورة الزبل يعود إلى إرث حضاري، هكذا شرح الأمر: "ربما كانت العلبة لشيخ أو امراة هرمة كانت تجمع المال ، مات او ماتت فرمى أبناؤه (ها) كل أشيائه (ها) القديمة دون ان يعرفوا أن بالعلبة 3000 يورو
ضحك صديقه فأخذه من أذنه: "أيها اللعين! كنت اعتقد انك بالفعل تريد زيارة أمك، لقد انكرت أن لديك مال، أكثر من ذلك تسولت لحالك وساعدناك بشراء تذاكر سفرك..!، انت لعين ولا تستحق ثقتي!
ــ العفو صديقي! أنا بالنسبة لكم إنسان حقير، نقار مزابل، الذي أخذني على ان لا أخبرك هو انك اختفيت عندما بدأت أنقر في القارورات، لكن، ولأنك مدخن، سأمنح لك الآن علبة مارلبورو هدية ! قالها وهو يضحك...
ــ يا ابن القحبة! لو وجدت الآن 3000 يورو وانت بصحبتي سأمنحك على الأقل ما يمنح للدولة حالة الفوز باليانصيب كقاعدة قانونية يعمل بها، سأمنحك 20% مما وجدت ..!
كانت حرفة "أماحول" الأصلية هي أنه ميكانيكي، مغربي بامتياز، بإمكانه أن يجعل سيارتك العصرية تتحرك بطرق اعتيادية كأنك تلجم بغلك، وأذكر أنه ذات يوم اتاه إسباني أخبروه أن مشكلة سيارته لن يحلها غير المغاربة ، تقدم "أماحول" يتفحص السيارة ثم أخبره بأنه يستطيع إصلاحها، سأله الإسباني كيف يكافئه فأخبره بأن ليس عليه أي تكليف، احب أن ابدا فيها وبجانبي برميل نبيذ
ــ بنيتك الجسمية لا تحتمل برميل!
ــ لا يهم، أحب وأنا اعمل أن يكون بجانبي ، احب ان يكون كل هؤلاء المحيطين بي مستمرحين، أحب أن تمنحني نبيذ وبعض النقوذ لحاجاتي الأخرى وهي أمور ليست مكلفة
ــ "إنه الراي ديل بينو" (يقصد أنه ملك النبيذ) قالها ياسين (مهاجر مغربي مراهق بلغ لتوه سن 18 سنة)
ذهب العم خوسي ليحضر البينو (النبيذ) وعندما عاد وجد ان الذين نصحوه بان مشكلة سيارته لها حل عند المغاربة هي صحيحة.
كانت ل"أماحول" قصص جميلة اخرى، ذات يوم أكل وجبة عدس كان هو من أجهزها، عبارة عن خامون مقطع، فلافل، وتوابل شرقية- وورقة سيدنا موسى (لا اعرف شخصيا كيف تسمى باللغة العربية)، عندما تذوقها ووجدها عذبة، لقد اعطاها الخامون نكهة الشحم المعتق في المغرب، تذكر فجاة أن يكتب شيئا بصدده: " الذين يحتقرون العدس لا يعرفون شيئا بصدده!"
ــ " تختلف أكلة العدس باختلاف ثقفات الشعوب.." ليخرج بقناعة رائدة: لا اعرف لماذا الناس تكره العدس، ربما لرؤيته، لكن بالنسبة لي هو من اشهى الأكلات على الإطلاق، أعرف أنه في أوكرانيا مثلا يعتبرونه اكلة البقر، لكن الأوكرانيون استلهمتهم اكلة البطاطس التي لقرون لا يعرفونها
أحيانا يتساءل: لماذا أوكرانيا تكره العدس؟
عندما كان بدون اوراق شرعية ببرشلونة، كتب رسالة لرئيس الحكومة الإسبانية يحثه فيها على أنه ليس مهاجر سلبي ويذكره بالتاريخ المنسي بين شعبين عريقين فرقت بينهما فقط الإيديولوجية التي اعتبرها هي الدين، لكن، وهو لم ينتهي من كتابة رسالته، خرج له في الحلم أثنار بشعر مكعث وموستاج حيوان خارق يخبره بان الهجرة هي ما تبقى من التجارة القديمة: هي مقايضة !

(1) في ألمانيا هناك عادة لا اعرف اسمها الآن هي، حين يبلغ الشاب 18 سنة وله تقنيات معينة، يتجول في البلاد إلى أن يجد حيث يرتاح، يتجول مجهزا بخبرته وبأدواتها التي يحملها معه، إذا كان مثلا نجارا يمكنه أن يتقدم إلى عائلة معينة يخبرها أنه يستطيع إصلاح نوافذ منزلهم (مثلا) مقابل أكل وشرب أو إذا تعذر الأمر مقابل مال يستعين به في رحلته، ومن الأمور التي فاجاتني شخصيا في صحبة الألمان هي اني أكتشف عندهم في استضافتي كل الأدوات الملازمة لفعل ذلك، لديهم ادوات البناء، ادوات تفكيك الاجهزة، لديهم حتى آليات المطبخ العالمي



#عذري_مازغ (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من جديد: تونس والأسئلة المؤرقة
- تونس والأسئلة المؤرقة
- قليل من النزاهة أيها القضاة المغاربة
- تونس، من -ثورة الياسمين- إلى ثورة -النبق-
- المرأة المنجمية في غالداميس أثناء الحرب الأهلية الإسبانية ال ...
- خلاصات فايسبوكية
- مقارنة بين دولة كافرة ودولة جارة مسلمة حول اغتصاب النساء
- عيدكم أضحية مباركة
- إزوار
- جدلية المصور وإيصال الحقيقة والإنقاذ أو الإسعاف
- -ليس فيهم من درس!!!؟؟-
- مونة الجميلة ذات الشعر الطويل
- النوم في البرلمان
- -قفة- البؤس وأجمل ملكة جمال في العالم
- من حكايا المهجر
- تساير عصية على الموت
- مشكل اللغة مرة أخرى
- حسين مروة
- حول الإسلام المثالي
- لا أومن بإله يهتم اصلا بأخطائنا


المزيد.....




- اصدارات حديثة...
- -صبرا- والترويج للموساد الإسرائيلي.. أنسنة الاحتلال الثقافي ...
- محام: “أمن الدولة” تجدد حبس الفنان التشكيلي أمير عبد الغني 1 ...
- المرشح جزء من القصة أو راوٍ لها.. أفلام قصيرة في حملات مرشحي ...
- فرنسا: اتهام نتفليكس بالإساءة إلى الجالية المغاربية بعد عرض ...
- الكرملين: الرواية بأن روسيا تقف وراء أضرار -السيل الشمالي- غ ...
- الرئاسة الفلسطينية: إسرائيل تستخف بحياة أبناء الشعب الفلسطين ...
- مصر,فعاليات أدبية الاسكندرية (قصرثقافة الأنفوشى) يحتفى شعرىا ...
- زلاتان إبراهيموفيتش يقتحم عالم السينما بفيلم كوميدي (فيديو) ...
- النمسا تعيد رفات سكان أصليين إلى نيوزيلندا


المزيد.....

- لا أفتح بابي إلّا للمطر / أندري بريتون- ترجمة: مبارك وساط
- مسرحية "سيمفونية المواقف" / السيد حافظ
- مسرحية " قمر النيل عاشق " / السيد حافظ
- مسرحية "ليلة إختفاء أخناتون" / السيد حافظ
- مسرحية " بوابة الميناء / السيد حافظ
- قميص السعادة - مسرحية للأطفال - نسخة محدثة / السيد حافظ
- الأميرة حب الرمان و خيزران - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- الفارة يويو والقطة نونو - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- قطر الندى - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- علي بابا. مسرحية أطفال / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عذري مازغ - أماحول (من حكايا المهجر)