أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري رسول - أصبحْتُ نمْلةً














المزيد.....

أصبحْتُ نمْلةً


صبري رسول
(Sabri Rasoul)


الحوار المتمدن-العدد: 6215 - 2019 / 4 / 29 - 01:07
المحور: الادب والفن
    


تحسستُ وجهي، بأناملي، كان مكوراً وصغيراً، شعرتُ به كوجه نملة. عينانِ غارقتان في الحجم المجهري، رأس مرتبطٌ بالصَّدر بنهاية دقيقةٍ، الشّكل طولاني مؤلّف من قسمين. هل أصبحت نملةً ؟
يا إلهي! لقد أصبحت نملةً. كيف أتفادى نظراتِ النّاس وتعليقاتهم؟ ماذا لو رأتني زوجتي التي تفتخر بوجهي النَّاعم البيضوي؟ لو رآني الجمهور الذي صفّق لي كثيراً في نهاية أمسية أدبية؟ ماذا لو دخلتُ الفصل الدراسي بهذا الرأس الصغير؟ كيف سيستقبلني الطّلابُ النزقون في الحصة الأولى؟ وكيف سأشرح لهم تاريخ الأدب المملوكي بكلّ انحطاطه المدهش؟ تاريخ تلك الحقبة يشبهني، ويشبهُ النّمل شكلاً فقط، الشّبه بين الأدب في تلك الفترة وبين النّمل كبير للغاية، فهما يشتركان في التّدني الحجمي.
هل سيصطادني مدرّسُ العلوم – حسن البكري، المعروف بفقهه الكلامي السَّاخر - لتشريحي أمام الطلاب؟ ما العمل لو مرّت بجانبي دجاجة؟ هل ستلتقطني بمنقارها وتقدمني لصغارها؟ يا إلهي ما أصعب أن تكون وجبةَ أكلٍ لغيرك؟ أن يستغلّ ضعفَكَ ليستمرّ بقاؤه في الحياة. غريزة البقاء صفةٌ كامنة وخامدة تحت رماد الأمان، ما أن يحسّ الكائن بأنّ الأمان تعرض للافتقاد والزوال حتى تتقد تلك الصفة لتدمّر كل ما حوله حفاظاً على بقاء صاحبه.
دخلتُ الغرفة الثانية خوفاً من استيقاظ زوجتي التي تقرأ تصرفاتي حتى في نومها، وخشية أنْ ترى ابنتي شكلي الجديد، أعرف أنّها معجبة بي، فهي ترى في أبيها الشخصية القوية، القدوة لها، تفتخر بأنّ أباها كاتب نبيهٌ، وتفادياً من رؤيتها لي بعد هذا التَّحول الكارثي المرن. والتَّحول الخارج عن منطق الشكل لأحجام الموجودات والكائنات المتخذة لنفسها هيئة بمعرفتها لكن من غير إرادتها، أثار في نفسي – ككائن يبحث عن فرصة الارتباط بالحياة، حزناً وحنقاً على هذا الشّكل.
أسرعت إلى إغلاق الباب، تقودني مساحاتٌ من الألم في تحول الذَّاتِ إلى شكل مغاير في تكوين الفقه الجسدي، ربما أعود إلى حالتي المفترضة في فترة قصيرة، قد أستعيد لحظات الاندلاق الكبرى بعد الانسلاخ من الهيكل الإنساني إلى الغرابة المدهشة والمشاركة في الحجم الأزلي للنّمل.
تسلقتُ الكرسي ووقفتُ أمام مرآة الحائط أتأمَّل حجمي وشكلي، يا إلهي ما أقذر هذا الحجم! كيف سأعيش؟ هل سأمارس طقوسي في تجلياتها البشرية داخل هذا الشّكل الجنوني؟ فالارتيادُ إلى الأسواق والأماكن السَّابقة كالمدرسة والنَّادي ومراكز السَّفريات لم يعد ممكناً، لأنِّي قد أتعرَّض لدَهسٍ مفاجئ، فالنَّاس ينظرون إلى الأعالي المنفلتة منهم، متناسين أنَّهم وآدم ((من وإلى التراب)). قد لا أكون جديراً بالدّخول إلى أماكنَ مخصصة هندسياً، لأشكالٍ أخرى تهمّش كلّ من لم يخلقُه الله على رائحة شكله. بتّ أعيش في مساحة صغيرة فاصلة بين حياة هاربة وموتٍ يندلق قريباً من الرّأس. انتابني القلق، نزلتُ من الكرسي بهدوء، وصعدتُ طاولة الكتابة، لأكتب رسالتي القصيرة: الإنسان غير جديرٍ بالعيش طالما لا يمارس إنسانيته الممنوحة له من الطبيعة، عليه ألا يكون أي شيءٍ إلا أنْ يكون إنساناً، غادرْتُكم لأنِّي لستُ كذلك. وضعتُ الرِّسالة في مكانٍ بارزٍ، ثمَّ لم أعدْ أعرف ماذا حصلي لي بعد ذلك.
-------------------------------------------------------
جدة في 20/9/2005م
من مجموعة غبار البراري (دار بعل) 2011م



#صبري_رسول (هاشتاغ)       Sabri_Rasoul#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هدية إيفا
- «وطأة اليقين» لهوشنك أوسي والتّشكيك بالتّاريخ
- لماذا يكتب الكرديّ باللُّغة العربيَّة؟
- وتغفو امرأة ج2
- وتغفو امرأة (ج1)
- الصّورة النمطية تؤطّرها محاذير مقدّسة
- الومضة الشعرية مع الرّيح والمطر والخراف في نارنج(1)
- الضّوء والصّمت (E)
- الضّوء والصّمت (D)
- الضّوء والصَّمت (C)
- الضّوء والصَّمت (B)
- الضّوء والصَّمت
- أبجدية الجبل لزهرة أحمد سرد طافح بالألم
- من دفاتر امرأة
- مغامرة توظيف السّيرة في السّرد الرّوائي- قراءة في رواية-شارع ...


المزيد.....




- بختم اليونسكو.. منمنمات -بهزاد- تعيد رسم ملامح الأمل في أفغا ...
- هوس المرآة.. عندما يتحول الإعجاب بالمشاهير إلى كارثة
- الفساد في العالم العربي: صراع المنظومة وثقافة المجتمع
- اغتيال الثقافة في الرّقة؟
- التطور لغةً ونقداً: سيمياء الحركة
- حين تُدار الثقافة على مقاعد الصداقة
- افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب وسوريون للجزيرة مباشر: لا رقا ...
- تأجيل موعد الانتهاء من وضع اختبارات اللغة للحصول على الجنسية ...
- خريف الكتاب بمعرض القاهرة.. أي طريق لإنقاذ القراءة في مصر؟
- مؤثرو منصات التواصل يشعلون صداما جديدا بين نقابة الممثلين وص ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري رسول - أصبحْتُ نمْلةً