أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - مهند طلال الاخرس - الايقونة والرمز ؛ جميلة بوحيرد نموذجا















المزيد.....

الايقونة والرمز ؛ جميلة بوحيرد نموذجا


مهند طلال الاخرس

الحوار المتمدن-العدد: 5687 - 2017 / 11 / 3 - 21:49
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


الأيقونة والرمز: جميلة بو حيرد نموذجا
"إن صفحات الراحة في التاريخ بيضاء"، هكذا يقول هيغل، ويقول ماركس في معرض رده على شكوك "كوغلمان" بنجاح الثورة عام 1917، "إن صنع التاريخ سيكون أمرا ميسورا، لو كان يمكن ان يعم بعد خوضنا المعركة"، ويذهب روجيه جارودي في كتابه ماركسية القرن العشرين الى القول: "بأن التاريخ ليس إلا نتاج الإنسان لذاته".

وعليه فإن المبادرة الى إختيار مشروع أو عمل او نهج من الممكن أن تعبر به فكرة الحرية أو الثورة او التضحية عن ذاتها، وتتجلى في مضمونها كافة القيم النضالية، وتحركه الحاجة التي تأخذ شكل الضرورة التاريخية المؤدية الى الثورة التي تولد القيم من خلال ممارستها، فالانسان وقيمه يولدان من خلال الفعل وكم التجارب التي يخوضها ومن كم الصور الانسانية التي تحويه هذه التجارب، وهذا الفعل وكم التجارب هو الذي يشكل التاريخ، وهذا التاريخ الذي يحظى بكل هذه العناية؛ هو الذي يبقى، وطبعا لا يمكن أن يبقى إلا خلال كم من التجارب والافعال والاقوال والتضحيات والسيرة والمسيرة والصيرورة والتي تأخذ صورة مثالية(البطل والرمز) والتي ترقى الى حد التماهي مع الفكرة نفسها والتي تبلغ حد الاسطرة، وهذه الصورة مرتبطة دائما بعطاء منقطع النظير يصل حتى فناء الروح في سبيل أن تحيا أرواح أخرى وفي سبيل أن تنتصر الفكرة.

عبر الكفاح الانساني الطويل لمعت تجارب وسطور وأفكار وأشخاص وأمكنة وأزمنة بقيت حاضرة بقوة في التاريخ ولم تخبوا ولم يدنوا منها النسيان ولم يتجرأ حتى على الاقتراب منها. هذه التجارب الباقية مابقي التاريخ هي كالمشاعل وهي كرسالات الانبياء والصالحين الى البشرية أجمعين؛ حيث لا بد لها من عصبة طاهرة تملك كل صفات النقاء والطهارة الثورية وتحمل في ثناياها أسمى سجايا الانسانية وأنبلها لتحميها وتدافع عنها حتى الممات إيمانا عميقا لا يساوره اي شك، وتعطي جل وقتها وكل عمرها في سبيل إنتصار الفكرة التي إعتقدت ولا حياة لها خارج الفكرة حتى أنها تصبح أحد أسماء هذه الفكرة وعناوينها الجديدة.

من حجم هذه التضحية تولد الايقونة ومن حجم هذا التجارب تولد الرمزية ويتقدم على هذا وذاك المضحين في سبيل الحرية ولا سيما حرية الاوطان؛ وعليه تبقى سيرتهم وصورتهم حية، ويستوي في هذه الحالة أعمارهم سواء طالت أم قصرت ،فالفعل الثوري وبقاءه كأحد أشكال التجارب الانسانية السامية لا تحده حدود ولا تقيده حياة ولا يعيش محصورا في زمن. وسواء استعجلت الرموز الرحيل او تأخرت فليس ذلك مدعاة بقائها وخلودها ؛ وإنما مدعاة البقاء والخلود يكمن أصلا في سبب ونوع وطريقة وحجم الثمن المدفوع في سبيل الفكرة، وفي نفس حجم الفكرة وسموها، وكلما كانت الفكرة تقترب في سموها من حدود السماء (في الانسانية والسمو والصفاء والنقاء ) أخذت صفة الديمومة والبقاء والقدسية أكثر من غيرها.
وعليه فإن ما تحمله كلمة البقاء والخلود نفسها من معاني تضفي الى الرمزية نفسها معنا آخر هي ما تجعل صاحبها يغدوا أيقونة ورمزا ومنارة يستضاء بها كحامل السراج في أهله في ظلام ليل دامس. وهذا أيضا سبب أن تبقى ذكراه حية في نهج أقرانه حيث يراودهم كطيف لا يغادرهم، ثم لا يلبثوا أن يستدعوه كلما غادر ضعاف النفوس هذا النهج وابتعدوا عن الروح التي رسمت وعبدت هذا الطريق وخطت هذا النهج في سطور التاريخ، تارة بأحرف من نور ونار وتارة أخرى بالدم والروح.

في النهاية يسقط نماذج عدة عبر سيل التجارب الانسانية وتبقى سيرتهم حية بحياة الاوطان والمجتمعات التي أنجبتهم، وهي نفس الاوطان والمجتمعات التي رهنوا حياتهم لأجلها. فتلك متلازمة تاريخية وعلاقة أزلية :
من اراد ان يبقى؛ عليه أن يبقى، وما بين البقاء والبقاء، بقاء.


فكيف إذا يغدوا الانسان أيقونتا ورمزا ؟
لا يخرج عن هذا السياق والجواب إستحضار سيرة أيقونة الثورة الجزائرية جميلة بو حيرد كمثال حي يجسيد معنى الرمز والايقونة، والتي مثلت تجربتها وصيرورتها الفعل والمعنى.

"جائت باية الصفاقصية الأصل الجزائرية الهوى الى سجن بربروس الرهيب وسط العاصمة لزيارة ابنتها الوحيدة جميلة بو حيرد، تسلم على ابنتها من خلف الشبك الحديدي، تسألها عن صحتها، تكابر باية دمعة طفرت فتوقفت بالمآقي، بلعتها قبل أن تراها جميلة، وجميلة هى الأخرى تظاهرت أنها لم تر دمعة الأم .
فقالت لأمها مازحة : أمي قد تأتي المرة القادمة وترين اسمي فقط على الباب، أكون في الدنيا الأخرى . تفاجأت جميلة من قوة شكيمة امها وهي تجيبها : ياسعدك ياحبيبتي أن تكون شهيدة، وياسعدي أن أكون أم الشهيدة . وأنت لاتموتين بسبب عار وإنما تموتين بشرف الدفاع عن استقلال الوطن ودفاعا عن الإسلام واللغة العربية . حبيباي لاتخافين من الموت ، كل الناس يموتون ، واحد يموت مريضا أو حادث والموت كأس على كل الناس ، ومحمد صلى الله عليه وسلم سيد الخلق مات ، وحتى الموت نفسه يموت . هنا قالت الحارسة انتهى الوقت ، والدة جميلة أصلحت حائكها ولوحت لابنتها مودعة وداع الموت وهي تقول ، نلتقي عند الله . وخرجت من سجن بربروس.

جواب الأم مفاجأة عقدت لسان جميلة عن أي كلام، فقط قالت : أمي إبقي على خير .

ودلفت جميلة بوحيرد باب زنزانتها تتأمل بكلام باية التي ستذهب إلى إبنيها السجينين الياس والهادي، اللذين سجنا ايضا لأجل الثورة ".

جميلة بوحيرد ليس إسم لحادثة عابرة أو لبرهة من الوقت تنقضي ولا تعود إنه إسم لنهج ولفكرة باقية ما بقي الزمن.
لا تكاد مدينة أو بلدة عربية تخلو من شارع أو مدرسة يحملان اسم هذه المناضلة.

وفي استعراض سيرتها تقول الاستاذة الكاتبة خلود خيري:" ومن الروايات التي تبين بشاعة الاستعمار الفرنسي، أن عقيداً مسؤولاً عن دفن القتلى تعرض للوم بسبب بطئه في العمل، فأجاب قائلاً "أنتم تقتلون بأسرع من طاقتنا على الدفن."!!

كانت لمذبحة سطيف وغيرها من الأحداث المماثلة أبلغ الأثر في تلقين الجزائريين درساً بالغ الأهمية: الفرنسيون لن يمنحوهم حريتهم أبداً إذا لم يقاتلوا من أجلها.

في ذلك المناخ العام ولدت جميلة بو حيرد وترعرعت في عائلة متوسطة الحال. وقد تلقت تعليمها في مدرسة فرنسية، لكنها سرعان ما انضمت لحركة المقاومة السرية عن طريق شقيقها. وكانت آنذاك فتاة باهرة الجمال وجريئة للغاية.

وقد عملت خلال أعوام انطلاقة الثورة كمسؤولة ارتباط مع القائد سعدي ياصف. كما أن تقارير غير مؤكدة تتحدث عن أنها تولت لبعض الوقت مسؤولية العمليات المسلحة في العاصمة، الجزائر.

كانت الثورة الجزائرية 1954-1965 واحدة من أقوى حركات النضال ضد الاستعمار، والتي اجتاحت في تلك العقود آسيا وأفريقيا. وقد انطلقن العملية الأولى للثورة في الأول من نوفمبر 1954، عندما هاجم فدائيوا جبهة التحرير الوطني قوة (عميلة)في جبال الأوراس الشرقية. وكانت المعنويات الفرنسية آنذاك تعاني الكثير بعد الهزيمة المذلة التي لحقت بقواتهم في معركة ديان بيان فو الشهيرة، والتي خطت سطور نهاية الاحتلال الفرنسي للهند الصينية، وبالتالي نهاية الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية.

قدم الشعب الجزائري ضحايا بالآلاف يومياً، وبلغ عدد شهدائه أكثر من مليون، كما أن ما يزيد عن مليونين ونصف فقدوا منازلهم. وامتلأت شوارع المدن بأكثر من 300.000 طفل يتيم، فيما اضطر 300.000 جزائري للفرار إلى المغرب وتونس حيث شكلوا هناك قواعد إضافية ترفد الثورة.

كانت جميلة بو حيرد واحدة من الآلاف المؤلفة من المناضلين الذين كتب لهم سوء الحظ أن يسقطوا في قبضة العدو. فقد ألقي القبض عليها أثناء غارة شنتها القوات الفرنسية الخاصة، واتهمت بزرع الكثير من المتفجرات والعبوات الناسفة في العاصمة، مما أودى بحياة الكثير من الفرنسيين. وبعد عمليات تعذيب يصعب تصورها، قدمت للمحاكمة في يوليو 1957، فحكم عليها بالإعدام.

لكن محاميها الفرنسي، وهو مؤمن بقوة بحق الشعوب في تقرير مصيرها، لم يكن مستعداً لتقبل الهزيمة في قضيتها. وهكذا قام المحامي، وهو جاك فيرجيس، بحملة علاقات عامة واسعة غطت العالم بزواياه الأربع، واكتسب من وراء هذه القضية، وما تبعها من قضايا مماثلة، شهرة عالمية. وكان من نتائج الضغط الكبير الذي مارسه الرأي العام العالمي تأييداً للبطلة جميلة بو حيرد أثر حاسم في إجبار الفرنسيين على تأجيل تنفيذ الحكم بإعدامها. وفي عام 1958، نقلت إلى سجن ريمس.

وعلى الصعيد السياسي، وبعد خسائر بشرية باهظة للجانبين، تم في مايو 1962 توقيع اتفاقيات إيفيان وإعلان استقلال الجزائر. وكانت فرنسا قد بدأت قبل أشهر، ومع تقدم سير المفاوضات، بإطلاق سراح الأسرى الجزائريين تدريجياً. وعندما أطلق سراح جميلة، تزوجت بعد أشهر من محاميها الذي أشهر إسلامه واتخذ اسم منصور.

بعد الاستقلال، تولت جميلة رئاسة اتحاد المرأة الجزائرية، وقبل مرور عامين استقالت وتوارت عن الانظار .

قصة المناضلة الجزائرية (جميلة بو حريد)، واحدة من مليون قصة لشهداء ثورة الجزائر، وهي قصة لا تقل في بطولتها عما قدمه المليون شهيد، لكنها بما احتوته من مآس وصمود ترتفع الى مستوى الرمز، لتعبر عن كفاح الجزائر، وتصبح مثلا على التضحية من أجل الاستقلال.

وكان دور جميلة النضالي يتمثل في كونها حلقة الوصل بين قائد الجبل في جبهة التحرير الجزائرية ومندوب القيادة في المدينة (ياسيف السعدي)؟ الذي كانت المنشورات الفرنسية في المدينة تعلن عن مائة الف فرنك ثمنا لرأسه!!

وفي أحد الايام كانت جميلة متوجهة (لياسيف السعدي) برسالة جديدة، لكنها احست ان ثمة من يراقبها؟ فحاولت الهروب، غير ان جنود الاحتلال طاردوها وأطلقوا عليها الرصاصات التي استقرت احداها في كتفها الايسر وحاولت المناضلة الاستمرار في الانفلات غير ان ابنة الثانية والعشرين سقطت بجسدها النحيل الجريح، وافاقت في المستشفى العسكري حيث كانت محاولة الاستجواب الاولىلإجبارها على الإفصاح عن مكان (ياسيف السعدي)، غير انها تمسكت بموقفها، فادخلها جنود الاحتلال في نوبة تعذيب استمرت سبعة عشر يوما متواصلة، وصلت الى حد ان اوصل جنود الاحتلال التيار الكهربائي بجميع انحاء جسدها حيث لم يحتمل الجسد النحيل المزيد واصيب بنزيف استمر خمسة عشر يوما، لكن لسان جميلة بوحريد وجسدها كان اقوى من كل محاولات معذبيها بعدها انتقلت (جميلة) لسجن (بار بدوس) اشهر مؤسسات التعذيب في العصر الحديث، حيث بدأت نوبات اخرى من التعذيب استمرت احدى جلساتها الى ثماني عشرة متواصلة حتى اغشي عليها واصيبت بالهزيان، ثم بعدها السماح لها بوجود تحقيق رسمي، حيث حضر هذاالتحقيق المحامي الفرنسي (ميسو قرجيه) الذي قال لجميلة بمجرد توليه الدفاع عنها (لست وحدك، فكل شرفاء العالم معك) ورغم ان القاضي المشرف على التحقيق رفض منحه ساعة واحدة للجلوس معها للاطلاع على ملابسات القضية؟ ولم يستجب الا بعد ان هدد بالانسحاب من القضية وايدت (جميلة) التهديد بأنها لن تجيب عن اية اسئلة في غير وجود محاميها، واستمر التحقيق معها قرابة الشهر وقع خلالها حادث القاء مفرقعات بأحد المحال الجزائرية.

المحاكمة المتواطئة

وكانت جلسة المحاكمة الاولى مجرد سجال عقيم بين المحكمة و(جميلة بوعزة) زميلة (جميلة بوحريد) في الاتهام واعترفت فيها (بوعزة) بان (بوحريد) هي التي حرضتها على إلقاء المتفجرات وكانت تتحدث بصوت عال وبشكل غير طبيعي الامر الذي دعا (مسيو فرجية) لتقديم طلب للمحكمة لعرض (بو عزة) على طبيب أمراض عقلية فرفضت المحكمة طلبه، ورغم ذلك استمر في الدفاع عن (جميلة بو حريد) وزملائها.

غير ان تشدد المحكمة وانحيازها الواضح دفعه لابلاغ المحكمة بأنه احترامه للعدالة واحترامه لنفسه يضطرانه الى الانسحاب والى ابلاغ نقيبهم في باريس.

وفي اليوم الثالث تم استجواب المتهمين الاربعة (جميلة بو حريد) و(جميلة بوعزة) و(طالب) و(حافيد) ، وكذا الاستماع الى الشهود والى ثلاثة من الاطباء العقليين بشأن الحالة العقلية ل(بوعزة) الذين رفضوا الافصاح عن حالتها بحجة سر المهنة.

وكانت اعترافات (جميلة بو عزة) 19 سنة تقول: انه بناء على اشارة من جميلة بو حريد وضعت بو عزة قنبلة في سلة المهملات يوم 9 نوفمبر 1956 وفي يوم 26 يناير 1957 وضعت قنبلة ثانية انفجرت في مقهى آخر نتج عنه قتل شخصين.

وايضا تم تضمين ملف القضية صورة من تحقيق ادعت المحكمة ان (جميلة بو حريد) قد أدلت به غير انها انكرت ذلك وانتهت المحكمة الى توجيه التهم التالية لجميلة بو حريد (احراز مفرقعات والشروع في قتل والاشتراك في حوادث قتل وفي حوادث شروع في قتل وتدمير مبان بالمفرقعات والاشتراك في حوادث مماثلة، الانضمام الى جماعة من القتلة) وخمس من هذه التهم عقوبتها الاعدام.

 وعندما قرأت المحكمة المتواطئة الحكم بالاعدام على (جميلة بو حريد) انطلقت فجأة (جميلة) في الضحك في قوة وعصبية جعلت القاضي يصرخ بها (لا تضحكي في موقف الجد) .

 غير انها قالت في قوة وثبات (ايها السادة، انني أعلم انكم ستحكمون على بالاعدام، لأن أولئك الذين تخدمونهم يتشوقون لرؤية الدماء، ومع ذلك فأنا بريئة، ولقد استندتم في محاولتكم إدانتي الى اقوال فتاة مريضة رفضتم عرضها على طبيب الامراض العقلية بسبب مفهوم، والى محضر تحقيق وضعه البوليس ورجال المظلات وأخفيتم اصله الحقيقي الى اليوم,, والحقيقة انني احب بلدي واريد له الحرية، ولهذا أؤيد كفاح جبهة التحرير الوطني، انكم ستحكمون علي بالاعدام لهذا السبب وحده بعد ان عذبتموني ولهذا السبب قتلتم اخوتي (بن مهيري) و(بو منجل) و(زضور) ولكنكم اذا تقتلونا لا تنسوا أنكم بهذا تقتلون تقاليد الحرية الفرنسية ولا تنسوا انكم بهذا تلطخون شرف بلادكم وتعرضون مستقبلها للخطر، ولا تنسوا انكم لن تنجحوا ابدا في منع الجزائر من الحصول على استقلالها.

وقد خرجت صرخة جميلة من قاعة المحكمة الى ارجاء العالم، فقد ثار العالم من اجمل جميلة، ولم تكن الدول العربية وحدها هي التي شاركت في ابعاد هذا المصير المؤلم عن جميلة فقد انهالت على (داج همرشولد) السكرتير العام للامم المتحدة وقتها البطاقات من كل مكان في العالم، تقول: (انقذ جميلة) ، (انقذ جميلة). وكانت (جميلة) رغم ذلك على بضع خطوات من حتفها، لكن لم يتم اعدام جميلة بو حريد كما حكمت المحكمة" .

كل العالم عرف جميلة بوحيرد، وانتشر اسم جميلة بو حيرد كمناضلة وايقونة للثورة الجزائرية، وكتب إيتماتوف روايته " جميلة " ونزار قباني قصيدته الشهيرة " جميلة بوحيرد " وبدر شاكر السياب ذو المدرسة الحديثة بالشعر الحر أهدى قصيدة عنوانها " إلى جميلة" ، وغنت لها فيروز أعنية " إلى صديقتي جميلة ، وغنت وردة بنت الجزائر " كلنا جميلة ". وكتب فيها بالاضافة الى ما ذكر الكثير الكثير من القصص والروايات وقيل فيها اجمل القصائد، ولكن تبقى رائعة نزار قباني أجمل ما قيل فيها والتي جاء فيها:

"الإسم: جميلةُ بوحَيرَدْ
رقمُ الزنزانةِ: تِسعُونا
في السجن الحربيَّ بوَهران
والعمرُ اثنانِ وعشرُونا
عينانِ كقنديلي معبَدْ
والشعرُ العربيُّ الأسوَدْ
كالصيفِ ..
كشلاَّلِ الأحزان
إبريقٌ للماءِ .. وسجَّان
ويدٌ تنضمُّ على القُرآن
وامرأةٌ في ضوء الصبحِ
تسترجع في مثل البوحِ
آياتٍ مُحزنة الإرنان
من سُورةِ (مَريمَ) و(الفتَحِ)

الإسمُ: جميلةُ بوحيَردْ
إسمٌ مكتوبٌ باللهَبِ ..
مغموسٌ في جُرح السُحُبِ
في أدَب بلادي. في أدَبي ..
العُمرُ اثنانِ وعشروُنا
في الصدر استوطن زوجُ حَمام
والثغرُ الراقدُ غصنُ سَلام
إمراةٌ من قُسطنطينه
لم تعرف شفتاها الزينه
لم تدخُل حجرتَها الأحلام
لم تلعبْ أبداً كالأطفالْ
لم تُغرم في عقدٍ أو شال
لم تعرف كنساءِ فرنسا
أقبيةَ اللذَّةِ في (بيغال)

مقصلةٌ تنصبُ .. والشرار
يلهونَ بأنثى دون إزار
وجميلةُ بين بنادقِهم
عصفورٌ في وسط الأمطار
الجسدُ الخمريَّ الأسمر
تنفضُهُ لمساتُ التيَّار
وحروقٌ في الثدي الأيسَر
في الحلمةِ ..
في .. في .. ياللعار ..

الإسمُ: جميلةُ بوحَيردَ
تاريخٌ: ترويه بلادي
يحفظُهُ بعدي أولادي
تاريخ امراة من وطني
جلدت مقصلةَ الجلاَّدِ ..
إمرأةٌ دوَّختِ الشمسا
جرحت أبعادَ الأبعادِ ..
ثاثرةٌ من جبل الأطلَس
يذكرها الليلكُ والنرجس
يذكرُها .. زهرُ الكبَّاد ..
ما أصغرَ( جان داركَ ) فرنسا
في جانب( جان داركَ ) بلادي.."

تناقلت الأجيال سيرة حياة هذه البطلة كما تناقلوا من قبل قصص خولة بنت الأزور ولالا نسومر ودلال المغربي ونادية برادلي وتيريز هلسة ولينا النابلسي وأيات الاخرس، أروع الصفحات سطرتها نساء عربيات دخلن التاريخ ، وجميلة بوحيرد دخلت التاريخ من بابه الواسع فغدت أيقونة ورمزا .

قمت بالواجب لا أكثر، هكذا كانت ترد دائما إن تم مدحها أو تبجيلها او حتى محاولة تكريمها. وكانت تردد دائما، عندما أقرأ ماكتب عني أتصور أنه كتب عن امرأة غيري ولست المعنية ، واستحي من الشهداء أمام هذا الفيض من المشاعر النبيلة نحوي من أخوتي العرب، وأثمن وفاءهم للثورة الجزائرية .
هكذا يتواضع العظماء، وهكذا يقدم العظماء اوراق إعتمادهم للذاكرة، وهكذا يغادر نسر الشعب دنياه.

كل هذه السيرة أسهمت في صوغ أيقونة الثورة الجزائرية جميلة بوحيرد وساهم في هذه الصياغة صمتها الجليل وإنكفائها وابتعادها عن الاضواء وعدم رغبتها بالتبجيل والتهليل . غادرت الحياة بصمت، لم تطلب ثمنا لبطولتها ولم تتاجر بها، بل في أحيان كثيرة حرمت من حقوقها . توارت بصمت الى أن توارى صمتها أيضا الثرى، لكن ذهب الجسد وبقيت السيرة والصيرورة ودامت الفكرة فالافكار تبقى ولا تموت، وهذا كله فيض من غيض جعل من جميلة بو حيرد الايقونة التي غدت رمزا.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شرق غرب -ما بحرث الارض إلا عجولها-
- -الحياة جميلة يا صاحبي-
- لكل خائن حبيب
- الهوية المكان الوطن : فلسطين نموذجا
- النهج الثوري والبحث عن الذات
- اوجعني الرصاص، لكنه لم يهزمني بعد!
- الافتخار والخجل : الشاعر عزالدين المناصرة نموذجا
- حكاية أغنية وإثبات نظرية


المزيد.....




- شاهد: بعد أيام من الهدوء.. تجدد المواجهات بين المتظاهرين ورج ...
- وفاة المعارض السوري ميشال كيلو
- بيرني ساندرز و إليزابيث وارن يدعوان إلى تقييد المساعدات الأم ...
- ميغيل دياز-كانيل: المهندس الذي خلف الأخوين كاسترو في قيادة ك ...
- العدد الجديد 406 من جريدة النهج الديمقراطي بالأكشاك
- البوليساريو تعلن سقوط قتلى لكسب التعاطف قبل اجتماع مجلس الأم ...
- شرطة الاحتلال تجدد اعتداءها على المتظاهرين في يافا
- ليس من عائلة كاسترو.. تعرف على ميغيل دياز-كانيل رئيس كوبا ال ...
- محافظ ذي قار يكشف عن اجراءات حسـم ملف قتلة المتظاهريـن
- بوتين يهنئ دياز كانيل على انتخابه لمنصب السكرتير الأول للحزب ...


المزيد.....

- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان
- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف / سعيد العليمى
- منطق الشهادة و الاستشهاد أو منطق التميز عن الإرهاب و الاستره ... / محمد الحنفي
- تشي غيفارا: الشرارة التي لا تنطفأ / ميكائيل لووي
- وداعاً...ايتها الشيوعية العزيزة ... في وداع فاطمة أحمد إبراه ... / صديق عبد الهادي
- الوفاء للشهداء مصل مضاد للانتهازية..... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - مهند طلال الاخرس - الايقونة والرمز ؛ جميلة بوحيرد نموذجا