أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فاطمة ناعوت - “فن- الحذر من الآخر














المزيد.....

“فن- الحذر من الآخر


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 5346 - 2016 / 11 / 17 - 18:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


============

حاولتْ أمي سنيّ عمري أن تعلّمني أسرارَ ذاك الفن الصعب. وكان الإخفاقُ حليفَنا. ومع الوقت وتكرار المحاولات والفشل، أدركت أمي بذكائها أن إخفاقي ليس لضعف قدراتي العقلية، بل بسبب عدم اقتناعي بضرورة هذا الفن في حياة كل إنسان. ربما علّمتها تجاربها أن "الآخر هو الجحيم"، كما يُجتزأ من مقولة سارتر، وعلينا الحذر منه، فأرعبها أن ترى طفلتها تضع في الناس كامل ثقتها دون حذر ولا استرابة، فعدلتِ الخطّة ونذرت عمرها في محاولة بث الخوف داخلي من خداع الناس وشرورهم عساي أصدق أن الناس ذئاب لا يجوز أن نكون على سجيتنا معهم كما كنت أفعل في طفولتي ثم صباي ثم شبابي ثم في مراحل نضوجي وحتى اليوم، ودون شك لآخر يوم في عمري.
انتبهت أمي لتلك “المشكلة” في شخصيتي منذ كنت في الصفوف الأولى من المدرسة. ما أن أصل إلى باب العمارة عائدة من المدرسة، حتى أُلقي بحقيبة كتبي لـ "عم عبده" البواب، وأركض لألحق بهذه العجوز أو تلك التي تمشي في الشارع تتوكأ على عصاها حاملةً كيسًا كبيرًا من الورق المقوى تبرز منه عيدان خبز الباجيت الفرنسي وألوان الخضروات والفاكهة. أحمل عنها الكيس وأسير معها حتى أوصلها إلى باب شقتها. كان عجائز اليونانيين والأرمن يسكنون بغزارة شارعنا ومنطقة السرايات بالعباسية. ولسبب ما كنت، ومازلت، أعشق الُمسنين وأضعف أمام ضعفهم. وكلما لمحتُ سيدة عجوزًا أُسارع بحمل حِملها عنها، ويعذبني عدم قدرتي على حمل السيدة نفسها فوق كتفي لأخفف عنها آلام المشي. عم عبده البواب يصعد ليسلّم الحقيبة لأمي قائلا جملته المتكررة كل يوم: “ست فافي رمت الشنطة وجريت تشيل مشتروات العجايز.” وكالعادة تُعنّفه أمي قائلةً: “وليه سبتها تروح يا عم عبده؟“ فيجيبها بالإجابة ذاتها وهو يدير ظهره متجهًا إلى المصعد: “هو فيه حد بيلحقها يا مدام سهير، مانتي عارفة.” أهبط من عمارة السيدة وأركض إلى عمارتنا، ثم أعلو ببصري نحو نوافذ شقتنا، فأجد أمي واقفةً تشير بالإشارة المصرية الشهيرة: (ثلاثة أصابع مفرودة، والإبهام والسبابة معقودان يشكلان دائرة)، يعني علقة سخنة بانتظاري.
وبالفعل. ما أن أدخل البيت حتى أجد وصلة من التوبيخ والنذير وكلمات من قبيل: “مرّة حد هايدبحك، بطّلي تشيلي حاجة لحدّ!” فأعدها تحت التهديد بألا أكرر فعلتي، وأنا أعلم أنني سأكررها. استمرّ حالي في محبّة الناس غير المشروطة، وتصديقي لكل ما يُقال، على فرضية أن "الناس لا يكذبون أبدًا.” وتطوّر خوف أمي عليّ مع تطور الأمر مع سنوات عمري، فأصبحت أُقِلّ في سيارتي الغرباءَ، من المُسنّين والحوامل والمُعوقين، لأوصلهم إلى بيوتهم، فكانت أمي تقصّ من الجرائد مقتطفات من حوادث محزنة للصوص خدّروا أشخاصًا أقلّوهم في سيارتهم بدافع الشفقة، وسرقوا متعلقاتهم أو قتلوهم. ولم أخف. ولم أتعلم "فن الحذر من الآخر". وكنتُ دائمًا أجيب من ينصحني: “هل نجعل الأشرارَ يعلّموننا كراهية الطيبين؟!”
ومن بعد أمي تسلّم زوجي المثقف مشعلَ "التحذير من الناس". سلّمته أمي مع يدي، مسؤولية علاجي من "العبط" كما كانت تسمّيه. “البشر ليسوا حملانًا طيبين. يجب أن تأخذي حذرك منهم.” وكنتُ أجيبهم بأن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته.” ولكن المشكلة أن "إدانته" هذه تثبت بعدما تكون الكارثة قد وقعت. وبالفعل وقعت كوارثُ لا حصر لها. خُدعت كثيرًا، ونُصِب عليّ كثيرًا، وصُدمت في الناس عشرات المرات، ودفعت أثمانًا باهظة مقابل ثقتي المفرطة في بشر لا يستحقون الثقة. وأعلم أن أثمانًا باهظة في انتظاري سأدفعها لأنني بعدُ لم أشأ أن أتعلم أسرار هذا الفن العسر: “فن الحذر من الآخرين". ويبقى السؤال: “هل نسمح للأشرار أن يرسموا لنا خطّة حياتنا، فنحرم الطيبين من حبّنا ومد يد الخير لهم؟!”



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فن الحذر من الآخر
- خيانة الأفكار
- ماذا يعني مهرجان الموسيقى العربية؟
- متى المسافرُ يعود؟
- هل نحب؟
- لن تدخلوا الجنة حتى تحابّوا
- شريهان.... العصافير أنبأتنا عن مخبئك!
- حوار مع أبي .... وألحقني بعبادك الصالحين
- سوف يكبرون ويحبّون العالم
- بيان من فاطمة ناعوت بخصوص مؤتمر واشنطن | لماذا يهاجمني بعض أ ...
- الحرفُ يقتل!
- المعادلة المستحيلة ... لا تطفئوا مِشعلها!
- كيف تصير مشهورًا دون تعب؟
- حُرّاس لغتنا الجميلة، وقاتِلوها
- يا ماعت: اخلعي حذاءك في المطار
- صاحبة السعادة تهدينا مذاقاتِ طفولتنا
- سبعُ قبّعات فوق رأسك
- مشروع قومي: ضدّ الطائفية
- حرية التعبير يا حمادااااا
- اخرج م الطابور يا خروف!


المزيد.....




- حمالة صدر وإطلالة نحاسية..هكذا أطلّت ريانا بأسبوع الموضة في ...
- نجمات عربيّات وعالميات يحضرن عرض -ديور- في أسبوع الموضة ببار ...
- رحلة -فلاي دبي- إلى تل أبيب تهبط في السعودية.. إليكم ما نعرف ...
- مقتدى الصدر يصدر قرارات ويوجه رسائل لدول الجوار إثر إعلان ان ...
- العلاقات الإيرانية السورية بين تحفظ دمشق ورجاء طهران
- هل تملك الحكومة المقبلة الجرأة لقيادة الإصلاحات الهيكلية؟
- سبعة شروط إيرانية لإنهاء الحرب.. ماذا عن الرد الأميركي؟
- -حزب الله- يصدر بيانا بشأن خلية أعلنت دمشق عن توقيفها في حوض ...
- 23 عاما من التدخل الأمريكي في العراق.. من الغزو إلى الانسحاب ...
- دمشق تنفي ترحيل 700 ألف لاجئ سوري من ألمانيا وتوضح مسار المب ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فاطمة ناعوت - “فن- الحذر من الآخر