أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هيثم بن محمد شطورو - المأزق التونسي الحالي















المزيد.....

المأزق التونسي الحالي


هيثم بن محمد شطورو

الحوار المتمدن-العدد: 4819 - 2015 / 5 / 27 - 19:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


"ربي عطا لتونس ثروة هائلة من الملح و السمك و التمر و الزيتون و الفسفاط و البترول، و ربي عطا لفرنسا تونس". هذا من أجمل التعاليق الساخرة التي قرأتها في الفيسبوك مؤخرا. انه ذو دلالة عميقة في الوعي التونسي. في الحـقيقة فرنسا لا تخجل من نفسها. مازالت تشرع طرق نهبها للبلد مثلما تتكالب عديد القوى العالمية على تونس و غيرها من البلدان العربية التي أصبحت مجالا للصراع حول ثرواتها بعد ضعف الدولة المركزية. الدولة التي كانت أسدا مع شعوبها و نعامة مع القوى الامبريالية. كانت هذه هي ثيمة القوى اليسارية التي ركزت على معطى الصراع الاقـتصادي بين سارقي أموال الشعب و وعي الشعب بحقوقه و نضاله من اجل استردادها من القوى الدولية و مسوقيها من طبقة البـزنس من الناهبين المحليـين.
هذه حقيقة تـترسخ القناعة بها يوما بعد يوم. و التونسيون برغم هواهم الفرنسي و الأوربي العام إلا أنهم يكنون كرها دفينا لفرنسا الاستغلالية. ففرنسا حاضرة في وجدان المثـقـف و الجاهل، أي في وجدان المتـشرب لشيء من اللغة و الثـقافة الفرنسية و غيره من المتـشرب باللغة و الثـقافة العربية و للناس العاديـين ذوي الثـقافة المحدودة. لكن جميعهم تـقـريبا يتحدون حول رفض فرنسا و الإقبال عليها، و هو أمر ليس بجديد فزعماء حركة التحرر الوطني كانوا على نـفـس المسافة تجاه فرنسا مثل جيل اليوم. فالجمال و التحرر الجنسي و الحضارة و الفكر و العلم و الرقي أشياء يهواها التونسي، أما احتلاله و تـفـقيره و استغلاله فانه يمقـتها. هذا أمر طبيعي إضافة إلى الاحتـقار الأوربي و التعالي الذي يغذي محفزات الرفض للأوربي و الفرنسي خاصة بما انه قوى الاستعمار التـقـليدية لتونس.
فمسالة الثروات المنهوبة ليست بجـديدة فعمرها يبتدئ من وقت دخول الاستعمار الفرنسي، و لكن لولا الاستعمار لما تم اكتـشاف الثروات المنجمية و البترولية و لما تم تحديث أساليب العمل الزراعي ، و لما تم تـشيـيد الطرق المعبدة و لا إنشاء شبكة السكك الحـديدية. أي ان الناظر إلى المسالة يجب ان ينظر إليها من وجهيها.و بعد الاستـقلال حافـظت فرنسا على كثير من الامتيازات مقابل تـنازلات معينة استـفادت منها بعض العائلات كما استـفادت منها الدولة. ذاك ان زمن الاستـقلال كان يفتـقر إلى الخبرات التونسية فعـدد الأطباء التونسيين لم يتجاوز المائة و الخمسون سنة 1956، أما المهندسون فلم يتجاوز عددهم الخمس و سبعون، أي أن الخبرات الفرنسية استمرت في تسيـير المرافق و كان طبيعيا ان تعقد الحكومة الوطنية عقودها وفق هذا المعطى. لكن خلال الثورة الإنشائية للمصانع و الإصلاح الزراعي التي حدثت في عهد حكومة احمد بن صالح اليسارية، تم الزج بالطاقات التونسية الشابة ذات الخبرة الضئيلة بحكم عملها السابق مع الفرنسيـين في معركة البناء. الأجواء الثورية للحكومة و عملها الدءوب و ثـقـتها في الإنسان التونسي برغم ضآلة خبراته و معارفه، و الروح الوطنية العالية و اتحاد الحكومة و الشعب في معركة البناء أوقد نارا بركانية في الانجاز. رحلت هذه الحكومة منذ نهاية الستينات. منذ رحيلها و تونس تجتر انجازاتها، و ثبتت مسارات فلسفة التـنازل في العقود مع فرنسا، و ثبتت فلسفة الاقتراض من الناهبين الدوليين الحريصين على خلق اقـتصاد استهلاكي و ليس إنتاجيا. و تأسس اقتصاد البزنس الذي يبحث عن الربح السريع بأقـل الجهود، بل تأسس اقتصاد الحيلة على الدولة من خلال استغلال محاولات الدفع و التـشجيع على الاستـثمار الخاص. لكن تلك التخطيطات الارتجالية غير المتاسسة على المعرفة الشاملة للطبيعة البشرية و الطبيعة التضاريسية و المناطقية آلت إلى اقتصاد التحيل على جميع الامتيازات. و إنها نـفس عقلية الاستـثمار المستمرة إلى اليوم مع بعض الاستـثـناءات التي لا تـذكر.
و رغم ذلك لازال نفس المنوال في التـنمية هو المتبع. منوال تـتحكم فيه طبقة من الفساد الإداري و المالي. منوال يعتمد على تهرؤ الإدارة و التهريب و الصفـقات التي هي ابعد ما يكون عن الكفاءة و القروض التي يتم ابتلاع جزء هام منها قبل ان يتحقق لها النفاذ إلى مقاصدها غير الإنتاجية. قطاع بنكي لا يمول المشاريع الصغرى و المتوسطة إلا بالقدر الضئيل الذي لا يكفيها و إنما الذي يخنـقها و يفلسها. و غير ذلك من مظاهر الخور الجسيمة و منها مثـلجات الخضروات و الغلال و التي تـزيل نفعها الغذائي و تـقوم بالاحتكار و الرفع الخيالي لأسعارها. اللحوم الفاسدة و الأموال الضخمة الهاربة و غيرها كثير من الأشياء المدهشة التي تكون نـتيجتها هذا الظلم الاقتصادي الكبير..
لكن رغم ذلك، فان احتجاجات اليوم في جلها سياسوية و ليست مطلبية حقيقية. فمحتجو اليوم و محركيهم كانوا يكفرون الإضرابات و الاحتجاجات زمن الترويكا الاسلاموية. محتجو اليوم من حيث أشكال الاحتجاج الهمجية و من خلال رعاة الاحتجاجات لا يمكن أبدا وصفهم إلا بالتحول إلى التجارة بالقضايا العادلة بعـدما أفلست تجارة الدين. فمن بين أخطاء الحكومة الحالية أنها أعلنت ببادرة من الشفافية لم يحن وقتها بعد، عن اكتـشاف حقل بترول جديد في الجنوب التونسي. لكنها في نفس الفترة أعلنت عن بعث لجان تدقيق في تصريف الأموال للوزارات في زمن الترويكا. فجأة قامت منطقة الفوار ذات الأقـلية السكانية مطالبة بحـقها في البترول. هدأت الفوار و تواصل الحديث المريب من أصحابه عن الثروات. فالسيد منصف المرزوقي الرئيس المؤقت السابق في حكومة الترويكا و المنهزم في الانتخابات الأخيرة التي دخلها بشعار "ننتصر أو ننتصر"، نصب نفسه اليوم كمدافع عن إثارة ملف الثروات المنهوبة. و جيشه طبعا من الوجوه الإسلامية المعروفة، و انه لمن المدهـش حقا ان استـفاقوا بعد الخروج من الحكم لملف الثروات المنهوبة.
الم تطلب منهم القوى اليسارية بوجـوب إتباع منوال تـنمية جديد، يقوم على كـشف الفساد و محاسبته و التعرف عليه و من ثمة بناء منوال جديد يقوم على التدقيق في الديون و تأجيل سدادها و التوجه إلى اقتصاد إنتاجي تـقوم به الدولة باستـقلالية و عـلمية مع تـشريك القطاع الخاص في إطار خطة شاملة للإنقاذ الاقـتصادي. الم تطلب القوى اليسارية منذ سنة 2011 بإصلاح التعليم و عصرنته، و إصلاح الإدارة و إصلاح مجموع المنظومة القانونية المعرقـلة لاقـتصاد الكفاءة و الإنتاجية و القضاء على اقتصاد البزنس و الربح السريع؟..
كان اليسار الذي تـشكل في الجبهة الشعبية و الذي لا يـزال إلى اليوم يضع برامجه التي ينجزها خبراء نزيهين من الإدارة التونسية، قد طالب الحكومة الحالية بتطبيق برنامجها.. لكن البرنامج وحده لا يكفي. البرنامج تلزمه إرادة سياسية تؤمن به، إرادة سياسية تؤمن بالشعب و تؤمن بالثورة و تؤمن بالقـدرات الخارقة الكامنة في الأنفس التي يجهلها أصحابها. الإرادة السياسية القوية و المقـتـدرة التي تصنع المستـقبل و التي تمتلك تصورات عـلمية واضحة و واقعية بعيدة عن الإيديولوجية و عن الزيف و التزيـيف.
و اليوم وسط موجة الاحتجاجات التي لا ترمي أساسا إلا الى تعطيل الحكومة بل و ابعد من ذلك إلى انهيار الدولة. هذه الاحتجاجات غير البريئة في معـظمها تجعل المتابع المنـشغل بالهم الوطني يتوارى إلى خلفية المشهد. فمن لم ينـتصر بالانتخابات يعمل على الانتصار بالفوضى. و من نهب في زمن الترويكا يعمل على إشغال الحكومة عن أي تدقيق و محاسبة. و الجوعى يتضورون جوعا و يخرجونهم إلى الشوارع تحت مسميات الثروات المنهوبة، و لكن يقودونهم إلى حتـفهم مرة أخرى. فالجنوبيون هل تمتعوا بأي انجاز في زمن الترويكا؟ هل اخذوا مليما واحدا من الثروات؟.. ثم في الحديث عن الثروات فجزء غير بسيط منها تـنـتـفع به الدولة أي الشعب برمته.
و بحيث ان الحكومة الحالية نزيهة و كفؤة إلا أنها غير ثورية، تجد نفـسها في مواجهة من عملت على احتوائهم عبثا و هم الآن يسرقون خطابا أصبح على ألسنـتهم ثورويا و قـذرا لانه زائف و اصحابه مريـبون. و هو مشهد حرب باردة باتم معنى الكلمة ستضيع فيه العـدالة الاجتماعية و الاشتراكية التونسية التي تؤسس لثورة زراعية و إنتاجية و المتوافـقـة مع الرأسمال المنتج وطنيا. و في كل الحالات لن يربح الشعب شيئا غير الألم و التـشوق و الانـفعالات و المشاعر الهائجة و المواقـف المتناقضة و ربما إلى نجاح قوى الشر في هـدم الدولة و انهيارها، و ساعتها سيتهدم المعبد على الجميع..






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بهجة الحياة
- فاجعة العري و لذته
- بين الأصنمة و الحرية
- مأزق اليسار
- المشهد السياسي الغائم في تونس
- المتسربل بالموضوعية
- المثقف البائس
- إخوان الكذب في حضرة السخرية الجليلة
- حلبة التنافس السياسي في تونس اليوم
- من مآثر المفكر - يوسف صديق-
- إبداعات الدم
- الداعشية ديدان جثثنا
- صنم -بورقيبة- أم تمثاله ؟
- لوثة العبادة أم نقاؤها ؟
- الإنخطاف بالأنثى و الخطف
- جدار الدكتاتورية و مستنقع الأخوان
- مطرقة التعري على الرأس العربي المنافق
- الإرهاب و أزمة الانتماء
- دائرة الوهم في العالم العربي
- من انت؟


المزيد.....




- شاهد: إطلاق نيران المدفعية الإسرائيلية المتمركزة في سديروت ب ...
- كيف تحولت فلسطين على الخرائط لإسرائيل في ظرف 7 عقود فقط؟
- الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: عمدة لندن صادق خان يحث المواطني ...
- كيف تحولت فلسطين على الخرائط لإسرائيل في ظرف 7 عقود فقط؟
- قائد بعثة الناتو: لا توجد قوة قتالية داخل العراق
- ارتفاع بعدد إصابات كورونا في العراق
- متظاهرو كربلاء يعلنون مقاطعة الانتخابات مهددين بـ-الزحف إلى ...
- كربلاء.. اجتماع أمني لمراجعة نتائج التحقيق باغتيال ثلاثة نشط ...
- وسط انتقادات.. برلين تستبعد في الوقت الراهن تشديد قوانين معا ...
- ميركل تؤكد في اتصال مع نتنياهو تضامن بلادها مع إسرائيل


المزيد.....

- في تطورات المشهد السياسي الإسرائيلي / محمد السهلي
- التحليل الماركسي للعرق وتقاطعه مع الطبقة / زهير الصباغ
- البحث عن موسى في ظل فرويد / عيسى بن ضيف الله حداد
- »الحرية هي دوما حرية أصحاب الفكر المختلف« عن الثورة والحزب و ... / روزا لوكسمبورغ
- مخاطر الإستراتيجية الأمريكية بآسيا - الجزء الثاني من ثلاثة أ ... / الطاهر المعز
- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هيثم بن محمد شطورو - المأزق التونسي الحالي