أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مجدى عبد الهادى - الإفقار المُطلق والنسبي في الرأسمالية المُعاصرة















المزيد.....


الإفقار المُطلق والنسبي في الرأسمالية المُعاصرة


مجدى عبد الهادى
باحث اقتصادي

(Magdy Abdel-hadi)


الحوار المتمدن-العدد: 4653 - 2014 / 12 / 5 - 08:24
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


لكل نظام طبيعي أو اجتماعي مجموعة من المبادئ التكوينية الحاكمة لسلوكه العام ، بحيث يمكن القول بأنها مبادئ لا يمكن تغييرها أو إيقاف عملها دون تغيير – سابق ولاحق - في طبيعة عمل النظام نفسه ، وبحيث لا يمكن لمثل هذا التغيير أو الإيقاف إلا أن يكون عائقاً لعمل النظام من حيث هو أمر متناقض مع الآليات الطبيعية لذلك النظام في صورته الأصلية أو أن يكون هذا التغيير بذاته تبشيراً بحالة انتقالية يغادر بها الواقع هذا النظام إلى نظام مُغاير بالكلية !!

وليست الرأسمالية بدعاًَ من الأنظمة ، فلها قوانينها ومبادئها الأساسية الحاكمة لمُجمل عملها أيضاً ، والتي بدونها تفقد الكثير من صفتها ومنطق عملها ، وبحيث تفقد كفاءة العمل وفقاً لمعاييرها الكمية والكيفية في قياس تلك الكفاءة !!

ويمثل قانون الإفقار النسبي أحد تلك المبادئ المُكونة للنظام الرأسمالي ، فيمثل من جهة نتيجة لآليات عمل النظام ، بحكم ما يعمل في جنبات هذا النظام من آليات إفقار ، ومن جهة أخرى وسيلة لاستمرار النظام ونجاحه ، كون الاستقطاب الرأسمالي للثروة يمثل أداة تركيز وتوجيه أكبر حجم ممكن من الاستثمارات – الناتجة عن ادخار الطبقة الرأسمالية الحائزة لأغلب الدخل والثروة - لدفع النمو بمعناه الرقمي البحت !!

ويحتوي الإفقار النسبي بداخله أشكالاً متعددة من الإفقار المُطلق ، والإفقار المُطلق هو حالة نزح للموارد في اتجاه واحد ، وهى حالة غير مُستدامة ، أي غير قابلة للاستمرار ، وهى لهذا معادية لأي نظام ولا يمكن لأي نظام الاستمرار معها ، وهى تتعاظم مع اقتراب الأنظمة الاجتماعية من نهايتها ، عندما يتزايد تأثير آليات الإفقار المُطلق مقابل التأثيرات المضادة لها بحيث يكون الصافي نزحاً في اتجاه واحد من الفقراء أو ممن أصبحوا فقراءً إلى الأغنياء أو إلى من أصبحوا أغنياءً ، كذا عندما تتناقص العوائد الصافية التي تحصّلها الطبقة المُهيمنة لتدهور كفاءة النظام من جهة ولتوسع الطبقة المهيمنة والفئات الخادمة المرتبطة بها ومن ثم تكاليف بقاء النظام ونفقاته الوظيفية [1] من جهة أخرى [2] .

فالإفقار المُطلق والإفقار النسبي ليسا متبادلين ، لكنهما تعبير عن حالتين وشكلين - متداخلين ومتشابكين ومتواجدين جنباً إلى جنب - من توزيع الفائض الاقتصادي ، يطبّعان الآليات المختلفة والمتجددة من التوزيع في النظام ، وقد يتغير طابع آلية توزيع معينة من طابع الإفقار النسبي الذي ينقل الموارد في الاتجاهين وإن بنسب مختلفة ، فيخلق دورات متعددة من التدفقات الدخلية في الاقتصاد ، إلى طابع الإفقار المُطلق ، الذي تختل فيه العلاقة بين الأطراف بحيث تتزايد التدفقات الدخلية في اتجاه معين بالمقارنة بالتدفقات في الاتجاه المضاد ، وصولاً للوضع الذي تتحرك فيه التدفقات في اتجاه واحد ؛ فيكون ذلك نذيراً بقرب انهيار موضوع التبادل الذي تتناوله آلية التوزيع المعنية ؛ لأنها تكون قد استنزفت اللبن من البقرة وبدأت في سحب دمها !!

وتعيش الرأسمالية اليوم وضعاً تتعاظم فيه حالة الإفقار المُطلق بشكل يكشف عن / ويعزز من نفسه على العديد من الأصعدة :


§ البطالة الدائمة :
----------
فقد انتهي زمن "العمالة الكاملة" و "التوظف الكامل" كهدف اقتصادي تسعى له كل الحكومات ، خمسينات وستينات الكينزية ، أعظم سنوات الرأسمالية وأكثرها رخاءً في تاريخها كله ، والتي ادعى منظرو الرأسمالية أنها تطور لشكل الرأسمالية وتغير في مضمونها بشكل لا رجعة عنه ، وليس حالة خاصة وتوجه عابر نحته الرأسمالية لظروف محددة ، ثم ما لبثت أن تراجعت عنه بعد انتفاء التهديدات وتغير الظروف .

علاوةً على أن هذا التوجه ، بغض النظر حتى عن التراجعات الفكرية والتحولات السياسية المرتبطة به ، مناقض في الواقع للمصالح الأصيلة للطبقة الرأسمالية التي يلزما دائماً جيش عمل احتياطي يساعدها في ضغط الأجور ؛ ومن ثم مناقض للميول الطبيعية للنظام الرأسمالي .

ولا يمكن الاحتجاج بأن تطور التقنية في ذاته هو السبب في تعاظم البطالة ؛ ذلك أن الإطار الاجتماعي الذي تعمل وتتطور فيه التقنية هو ما يحدد آثارها ، فالتقنية التي هى تراكم لميراث طويل وشاق من الكفاح البشري ضد قسوة الطبيعة وبالاستفادة من خيراتها في ذات الوقت ، نقول هذه التقنية يُفترض أن تُوزع آثارها ومزاياها على الجميع ، وليس على الفئة الرأسمالية الضيقة التي تحتكر عوائدها وحدها بحكم احتكارها للملكية الخاصة ، في صورة أرباح تقابل يوم العمل الطويل الذي لم تعد له ضرورة في الرأسماليات المتقدمة على الأقل ، ذلك اليوم الطويل الذي يُقلص العمالة ومن ثم الأجور ، على حساب بطالة قوة عاملة تُستبعد كلياً من عملية الإنتاج ، فبدلاً من توظيف - مثلاً - ثلاثة عمال بيوم عمل ست ساعات يتم توظيف عاملين اثنين فقط بيوم عمل تسع ساعات ؛ ويذهب أجر العامل الثالث لجيوب المُساهمين العاطلين باختيارهم كأرباح ؛ وهكذا يعمل الإطار الرأسمالي على توجيه عوائد التقنية لصالح الرأسماليين وحدهم ، وبدلاً من أن تتجلى عوائد التقنية في انخفاض يوم العمل الضروري اجتماعياً ، تتجلى في أرباح أكبر للرأسماليين على حساب بطالة ومن ثم إفقار مُطلق لمئات الملايين من قوة العمل المُنتجة القادرة على العمل .

وتمثل البطالة الدائمة حالة إفقار مُطلق بكل ما تحمله الكلمة من معاني ؛ حيث تطرد وتُهمش بشكل نهائي ولا رجعة فيه قطاعات متزايدة من البشر العاملين القادرين على الإنتاج من النظام الإنتاجي بخاصة والنظام الاجتماعي بعامة !!


§ الثنائية الاقتصادية :
-------------
وقد كانت تلك الظاهرة إحدى الظواهر اللصيقة بحالة التبعية ، بل لتكاد أن تكون إحدى خصائصها ، فهى بالتالي كانت ظاهرة لصيقة بالدول المحيطية التابعة ، دول العالم الثالث المتخلفة التي تعاني من ثنائية اقتصادية ، نتيجة لحالة التبعية التي تقوم على وجود قطاع اقتصادي متقدم وغني مرتبط بالخارج ، دون كثير من علاقات الارتباط والتكامل بغيره من بقية القطاعات في الاقتصاد القومي ؛ بحيث ينمو ويزدهر بشكل شبه مستقل عن باقي الاقتصاد الذي يموّل فيه الفقر نفسه .

لكن الجديد هو ما بدأ يظهر كبوادر لهذه الظاهرة في بعض الدول الرأسمالية المتقدمة ، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ، لكن بشكل مختلف بالطبع وبشكل لازال جنينياً لا يمكن الجزم به ، لكن علاماته شديدة الإيحاء ، وتؤكد الظاهرة التي نحن بصددها على الأقل ، فالوظائف عالية الإنتاجية والتأهيل والدائمة وكاملة الدوام وجيدة الأجور تتقلّص لصالح الوظائف منخفضة الإنتاجية والتأهيل والمؤقتة وجزئية الدوام ومنخفضة الأجور ، ورغم أن هذا يتم في سياق عالمي تقل فيه الوظائف وتنخفض فيه الأجور عموماً منذ صعد نجم الليبرالية الجديدة واستعادت الرأسمالية وجهها الحقيقي المتوحش ، إلا أنه يختلف عن الانخفاض العام في الأجور في ارتباطه بوظائف منخفضة النوعية ، وفي تزايد تلك النوعية الأخيرة من الوظائف مع تزايد نصيب القطاعات الخدمية من الاقتصاد ، تلك القطاعات منخفضة الإنتاجية من جهة ، وذات النتاج المحلي غير القابل للتداول خارجياً - غالباً - من جهة أخرى .

أما الظاهرة الثانية القريبة من تلك والمُعززة لها في نفس الوقت ، فهى تصاعد نصيب الاقتصاد الخفي أو غير الرسمي أو غير النظامي ، والذي يعمل في كثير من الأنشطة المشروعة أخلاقياً وقانونياً ، لكن بعيداً عن التسجيل النظامي وعن أعين السلطات الضريبية ، ورغم أن التمييز قانوني كما هو واضح ، إلا أن الطابع غير النظامي لذلك الاقتصاد يضع بعض القيود على نشاطه ، فهو لا يستطيع القيام بكثير من العمليات الاقتصادية خشية خروجه إلى دائرة الضوء الضريبية ، كما يصعب عليه التعامل مع الخارج في كثير من الأحيان ، وهو ما يعزز من ظاهرة المحلية ومن ثم الثنائية .

كما أن غياب الرقابة عن هذا القطاع تمكنه من فرض مزيد من الشروط والامتيازات لصالحه في تعامله مع قوة العمل ، فالأجور أقل بكثير من تلك التي يدفعها الاقتصاد الرسمي ، ولا توجد أساساً مزايا عينية ولا تأمينات ولا غيره للعمالة ؛ ما يضخم من فائض القيمة المُنتهب من القوة العاملة ويشكل من ثم رافداً آخر للإفقار المطلق .

هاتين الظاهرتين تمثلان معاً تعبيراً عما نعتقده من اتجاه متناقض في الرأسمالية المعولمة ، وهو اتجاهها للانكماش محلياً في سياق توسعها عالمياً ؛ حيث تبقى قطاعات حديثة متطورة وغنية تعمل في اقتصاد عالمي حقيقي بعيداً عن باقي الاقتصاد الذي يرتع في التخلف والمحلية والجمود ويموّل فيه الفقر نفسه ، دون روابط جدية بين القطاع المتقدم الغني وباقي الاقتصاد المتخلف الفقير ، اللهم إلا بعض الفتات المتساقط بين الفينة والأخرى ، وهو فتات لن يحرك الاقتصاد الفقير من مرقده ؛ كونه مجرد فتات كما وصفه منظرو الليبرالية الجديدة أنفسهم !!


§ رأسمالية المحاسيب :
-------------
رغم أنه دائماً ما تم وصم رأسماليات العالمين الثاني والثالث المتخلفة بها ، إلا أنها لم تعد اليوم قصراً عليها ، بل إنها في الواقع طالت – بنسب أقل بلاشك ولكن بنسب مؤثرة جداً – رأسماليات العالم الأول المتقدمة ، تلك الرأسماليات التي دائماً ما أُتخذت نماذجاً تُحتذى ، وهى رأسماليات تعمل بالتواطؤ بين الرأسماليين الكبار وبعضهم وبينهم وبين المسئولين السياسيين الكبار في الدولة ؛ بشكل يضمن لهم مزايا خارج المنافسة ، وبحيث يحققون سيطرة سوقية واقتصادية لاعتبارات غير سوقية ، ويتم ضمانها إما بشكل قانوني من خلال لوائح وتراخيص وامتيازات حكومية أو بشكل غير قانوني من خلال ممارسات فاسدة تتم بشكل خفي أو شبه خفي ، ويتزايد نصيب تلك الرأسمالية في الدول الاستبدادية التي يغلب عليها الفساد بكافة أشكاله ، فعلى المستوى الاقتصادي تعمل رأسمالية المحاسيب على تدمير المنافسة والشفافية والعدالة ، وعلى المستوى السياسي تتعارض مصالحها تعارضاً أصيلاً مع الديموقراطية والحريات وحقوق الإنسان .

وهى لا تعدم السبل في فرض سطوتها حتى في الدول التي لازالت لديها بقايا من تلك الديموقراطية ، فهى تسيطر على الإعلام والمؤسسات السياسية بوسائلها المختلفة ، والنموذج الكلاسيكي الأبرز لها هو المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة الأمريكية ، والذي حذر منه الرئيس الأميركي الأسبق الجنرال (!!) دوايت أيزنهاور [3] منذ الخمسينات !!

هذه الرأسمالية التي تدمر المنافسة والعدالة ، تمثل إحدى روافد تعزيز حالة الإفقار المُطلق في الرأسمالية المعاصرة ، فهي تخلق احتكارات تعمل على نقل الموارد الاقتصادية للشركات على حساب المستهلكين ، وتقلّص فرص العمل وتحدد ما تراه من أجور للعمالة ، كما ترسخ أوضاعاً مافيوية في الاقتصاد وجهاز الدولة بمُجمله تقوم على الفساد وتدمّر أي معيارية اقتصادية ، فيسود التوزيع الشخصي على حساب التوزيع الاقتصادي ، ويتزايد المكون الريعي في الاقتصاد على حساب المكون الإنتاجي ؛ ما يضعف من معدلات النمو من جهة ، ويعمق من تفاوت الأوضاع التنافسية وانعدام تكافؤ الفرص من جهة أخرى .


§ الأزمة المالية للدولة الرأسمالية :
--------------------
حيث تمثل تلك الأزمة تجلياً لظاهرة الإفقار المُطلق من جهة الثمن الذي تدفعه الدولة الرأسمالية لمواجهة نتائج وآثار تلك الظاهرة ، وهذا العنوان هو نفسه عنوان كتاب لجيمس أوكنور يطرح فيه نظرية عامة ترى أن العجز في موازنة الدولة الرأسمالية ظاهرة نابعة من طبيعتها ذاتها ، وما يعنينا من تلك النظرية هو أطروحتها المتعلقة بتعاظم نفقات المشروعية التي تتحملها الدولة الرأسمالية لبقاء النظام ، وهى أولاً النفقات المُوجهة بشكل مباشر لمعالجة آثار ظاهرة الإفقار المُطلق والتي تفرض سياسات مالية لإعادة توزيع الدخل لصالح الطبقات العاملة ، وثانياً النفقات الوظيفية المرتبطة بظاهرة الإفقار المُطلق بشكل غير مباشر ، من جهة تزايد نفقات حماية النظام ، كنفقات الأمن والإيديولوجيا وما شابهها ؛ ولا ريب أن تلك الأزمة هى التي تسقط الآن التسوية المُسماة بالاشتراكية الديموقراطية وكافة ما يماثلها من أساطير وأوهام ترى إمكانية إصلاح الرأسمالية من الداخل [4] !!


لا غرابة مع كل ما سبق من روافد وتجليات لظاهرة الإفقار المطلق أن برز إلى السطح مصطلح "مجتمع الخُمس" ، مُعبراً عن ظاهرة مرتبطة بشكل خاص وناتجة بالأساس عن ظاهرتي البطالة الدائمة وثنائية الاقتصاد ، فالمجتمع الرأسمالي الذي كان يمكن وصفه حتى أوائل السبعينات بمجتمع الثلث والثلثين ، أي الثلث الغني (الطبقة الغنية والوسطى) والثلثين (الطبقة الفقيرة والبرجوازية الصغيرة) ، لم يعد ممكناً بقائه طويلاً ، وما يبشر به منظرو واستراتيجيو الليبرالية الجديدة اليوم هو مُجتمع الخمس الثري والأربعة أخماس الفقراء ، ومن الواضح أن الخُمس الثري هو الذي يملك ويعمل في القطاع المتقدم الغني العالمي ، والأربعة أخماس الفقراء هم مُهمشي النظام الذي يقتاتون على فتات القطاع المتخلف الفقير المحلي ، ولن تكون هناك طبقة وسطى يُعتد بها ؛ بما يكشف عن عمق حالة الإفقار المُطلق التي تسود رأسمالية اليوم والمستقبل .



مشكلات الإفقار الرأسمالي :
----------------
وليست المشكلة هى ذلك الإفقار في ذاته ، رغم تكلفته الإنسانية ، فحتى إذا تحدثنا بشكل وضعي تماماً بعيداً عما يتعلق بالتعاطف مع ضحايا ذلك الإفقار ؛ فإن المشكلة الحقيقية تتعلق بمعياريات أخرى تتصل بالكفاءة والعقلانية التي يعمل بها النظام ، ومن ثم استدامته كنظام اجتماعي يحفظ الوجود الإنساني ، من حيث هو محدد ومبرر أساسي لفكرة النظام الاجتماعي بعامة ، وهذه معياريات عملية تماماً وذات أرضية مادية ، وما نقصده هو معياران ، يتصل أحدهما بآليات إنتاج الإفقار ذاتها ، ويتصل الآخر بنتائج الإفقار .

أما المعيار الأول المتصل بآليات إنتاج الإفقار ذاتها ، فيتعلق بكفاءة التوزيع ، وهى شئ آخر غير عدالة التوزيع لكنها تتضمنها ، فكفاءة توزيع الفائض الاقتصادي تعني توزيعه توزيعاً يتماشى مع مساهمات عوامل الإنتاج في عمليات الإنتاج ، أي على أساس من تساوي ما يتقاضونه من عوائد أو أثمان مع قيمة ما قدموه أو ساهموا به في تلك العمليات ، ومشكلة النظام الرأسمالي في هذا الصدد تنتج من مشكلتين ، الأولى مباشرة تتصل بما تخلقه الملكية الخاصة من احتكار طبقة معينة لقوى الإنتاج ، بما يخوّلها التحكم بالقوة المجردة والمستترة في توزيع الفائض الاقتصادي ، والثانية غير مباشرة تنتج عن تمركز تلك الملكية الخاصة ضمن كافة عمليات توزيع وتبادل القيم الاقتصادية بشكل يخلق تحيزاً لمالكيها ؛ ما يعني في المحصلة الأخيرة إفساد الملكية الخاصة لكافة آليات التوزيع الاقتصادي بشكل يضعف كفاءة التوزيع الاقتصادي للنظام الرأسمالي ؛ وهو ما يؤدي لآثار سلبية على منظومة الحوافز الاقتصادية والاجتماعية ، وهى ذات أهمية بالغة بالنسبة للصور الأخرى من كفاءة النظام كذا لتجديده وإعادة إنتاجه ، كما أن ذلك التوزيع محدود الكفاءة يخلق احتقانات اجتماعية شبه دائمة ؛ وهما أمران لهما آثار شديدة السلبية على استدامة النظام الاجتماعي واستمراره .

أما المعيار الثاني المُتصل بنتائج الإفقار ، فيتعلق أولاً بكفاءة التخصيص ، فالتوزيع المختل يخلق هيكل طلب مختل ، وهيكل الطلب المختل يوجه الموارد لمصالح الفئات المُهيمنة على الثروة ، لا لمصالح المجتمع ككل ، ما يعني انحيازاً في التوزيع على مستواه الأعمق لتلك الفئات بشكل يخلق مزيداً من الإفقار للفئات الأخرى ، وبحيث لا يتحقق أكفأ تخصيص ممكن للموارد ، ومن ثم تنطوي عمليات الإنتاج الاجتماعي في ظل هذا النمط المختل من التخصيص على شكلين من الإفقار ، الأول هو إهدار الموارد ، بما أنها لا تستخدم في أفضل استخدام ممكن أو حتى تستخدم بشكل تعسفي في أشياء لا فائدة منها إطلاقاً ، والثاني هو خلق حلقة أخرى من الإفقار نتيجة لتوزيع الموارد الاقتصادية بشكل منحاز لمصالح حائزي معظم الثروة والدخل ؛ والمحصلة النهائية أن حالة الإفقار بذاتها تعمّق ذاتها !!

كما يتعلق المعيار الثاني المتصل بنتائج الإفقار بتعاظم اللامساواة في المراكز السياسية في المجتمع ؛ فتركز الثروة يخلق قوة سياسية هائلة لفئات محدودة تكون قادرة على توجيه النظام السياسي والقرار الاقتصادي ؛ فتتعاظم الحالة الاحتكارية على جميع المستويات وفي جميع المواقع ، بشكل يعمّق الفساد في النظام السياسي والاقتصادي ؛ وبالنهاية يدفع إلى الاستبداد السياسي والاستعباد الاجتماعي ، ويهدم إمكانات الديموقراطية وتعبير الدولة عن المجتمع ككل ؛ وهو ما يضعف من كفاءة النظام الاقتصادي والاجتماعي من جهة ، ويهدم الشروط والظروف التي تقوم عليها رأسمالية المنافسة المفترضة من جهة ثانية ، ويقضي على الحرية والمساواة من جهة ثالثة .

ومُحصلة ما سبق ، أنه نتيجة لتلك الميول الطبيعية الموضوعية في النظام الرأسمالي للإفقار بشكليه ؛ فإنه لا يحقق العقلانية الاجتماعية كأساس للتقدم الاجتماعي ، سواء على صعيد الإنتاج أو الاستهلاك أو التوزيع أو القرار السياسي ، كما لا يحقق الحرية والمساواة كشروط لحياة أكثر إنسانية وكمعايير للتقدم الاجتماعي .


--------------------------------------------

[1] وهى النفقات المتعلقة بالوظائف العامة للأنظمة والتي توفر البيئة الملائمة لاستقرار واستمرار العمليات الإنتاجية ، كالأمن والعدالة والدفاع الخارجي والإيديولوجيا .. إلخ ، وهى تتعاظم كمياً وتقل كفاءتها النسبية كيفياً مع تطور النظام وتفسخه .

[2] راجع تاريخ النظام الإقطاعي ، وتغوّل الإقطاعيين على الأقنان ، وزيادتهم مطالبهم من الفائض الاقتصادي لتغطية نفقاتهم المتزايدة .

[3] ومن مقولات أيزنهاور الشهيرة ذات الصلة بموضوعنا : " أن كل بندقية تصنع وكل سفينة حربية تدشن، وكل صاروخ يطلق هو في الحسابات الأخيرة عملية سرقة للقمة العيش من فم الجياع ومن أجساد الذين يرتجفون من شدة البرد ويحتاجون إلى الكساء" .

[4] والأزمات المالية لدول أوربا "الغنية" مجرد نماذج !!


============================================

نُشر لأول مرة ضمن كراس "منظومة الإفقار الرأسمالي" - سلسلة كراسات الاشتراكية العلمية - العدد الثالث - إصدارات حملة يسار مُوحد - دار روافد للنشر والتوزيع - القاهرة - 2014 م



#مجدى_عبد_الهادى (هاشتاغ)       Magdy_Abdel-hadi#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا المساواة ضرورية ؟
- الثورة المأزومة..الحلقة المفقودة من الإحتجاج الإجتماعي إلى ا ...
- الخلافة والإمامة والولاية..لمحة أصولية تاريخية
- فلسفة ألفريد مارشال الإجتماعية - سكريبانتي & زاماجني
- الاشتراكية النيوكلاسيكية لأوسكار لانجه وأبا ليرنر - سكريبانت ...
- الفكر الاقتصادي للماركسية التحليلية - سكريبانتي & زاماجني
- الماركسية التحليلية - فيليب فان بارجيس
- إقتصاد أميركا العالمثالثي - بول كريج روبرتس
- أزمة السياسة..نظرة هيكلية في أزمة الاقتصاد المصري
- النضال على الهامش
- التحرش الجنسي..تحليل مادي
- الأصول الإجتماعية للسلطة..شكلاً ومضموناً
- الجوانب الثورية في فكر الخُميني
- أكتوبر 73..الحرب كمسألة طبقية
- الغزو الوهابي لمصر
- رأسمالية المحاسيب .. في الإقتصاد الإجتماعي لمصر المعاصرة
- تحرير الدين
- نيتشه بلسان زرادشت
- إقتصاديين كبار..لقد عاد الكساد الإقتصادي العظيم - تيرنس أيم
- لماذا التقدم ؟


المزيد.....




- روسيا.. انخفاض حاد في ضغط الغاز بأحد أنبوبي -السيل الشمالي-2 ...
- الحكومة المصرية ترد على أنباء بيع موانئ البلاد لجهة أجنبية
- بلومبيرغ تكشف عن طريقة ستتبعها مصر لتأمين مليارات الدولارات ...
- ناسا ترسل المسبار -دارت- للاصطدام بكويكب في الفضاء
- انخفاض الجنيه الإسترليني إلى مستوى قياسي والحكومة البريطانية ...
- “إيه بي نيوز”: اقتصاد مصر ضعيف وخيارات التعامل مع ثغرات موار ...
- بلومبيرج: مصر تسعى لجذب استثمار أجنبي مباشر بعد أن تلقت “ضرب ...
- دول عديدة تخلفت عن السداد.. كيف يمكن إعادة هيكلة الديون السي ...
- بورصة موسكو تتراجع.. وخبراء يعلقون
- ميقاتي: صندوق النقد تعهد بأن يسدد العجز وإلا سنذهب إلى التضخ ...


المزيد.....

- تجربة مملكة النرويج في الاصلاح النقدي وتغيير سعر الصرف ومدى ... / سناء عبد القادر مصطفى
- اقتصادات الدول العربية والعمل الاقتصادي العربي المشترك / الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
- كتاب - محاسبة التكاليف دراسات / صباح قدوري
- الاقتصاد المصري.. المشاريع التجميلية بديلاً عن التنمية الهيك ... / مجدى عبد الهادى
- الأزمة المالية والاقتصادية العالمية أزمة ثقة نخرت نظام الائت ... / مصطفى العبد الله الكفري
- مقدمة الترجمة العربية لكتاب -الاقتصاد المصري في نصف قرن- لخا ... / مجدى عبد الهادى
- العجز الثلاثي.. فجوات التجارة والمالية والنقد في اقتصاد ريعي ... / مجدى عبد الهادى
- السياسة الضريبية واستراتيجية التنمية / عبد السلام أديب
- الاقتصاد السياسي للتدهور الخدماتي في مصر / مجدى عبد الهادى
- العلاقة الجدلية بين البنية الاقتصادية والبنية الاجتماعية في ... / كاظم حبيب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مجدى عبد الهادى - الإفقار المُطلق والنسبي في الرأسمالية المُعاصرة