أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - خالد سالم - الموت المجاني في بر مصر















المزيد.....

الموت المجاني في بر مصر


خالد سالم

الحوار المتمدن-العدد: 4630 - 2014 / 11 / 11 - 23:55
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


"لكنها تدور"

الموت المجاني في بر مصر
د. خالد سالم
هناك حكاية يلف سردها روياتان مختلفتان في مضمونهما، ففي روايتها الأولى أن نوعًا من الفئران يسكن جزيرة وعندما تدرك الجماعة اقتراب انتهاء ما في الجزيرة من طعام لها يؤثِر فريق منها الموت حفاظًا على حياة باقي أعضائها فتتوجه مجموعة منها إلى البحر وتنتحر بشكل جماعي، وتفيد روايتها الثانية أن فريق الانتحاريين يأتي على الأخضر واليابس وهو في طريقه إلى البحر.
ما يحدث لهذا الفصيل من القوارض ينسحب على ما يحدث في أرض الكنانة، وهذا ليس وليد اللحظة، بل يمتد بجذوره ليصل إلى الانفلات الذي أنتجته براثن سياسة الانفتاح منذ منتصف السبعينات وما تلاها من سياسات "الخطف والجري" التي رسخها نظام طويل العمر مبارك.
فالمتابع لحوادث السير في الطرق والموت في المستشفيات العامة والخاصة يدرك أن ما يحدث انتحار ونحر جماعي، إذ أصبحت الطرق تعج بالحوادث المميتة جراء الرعونة وعدم احترام قواعد المرور من قِبل شريحة معينة من السائقين، إضافة إلى سوء حال الطرق والشوارع، ما جعل مصر تتصدر دول العالم في حوادث السير وما تسفر عنه من قتلى ومصابين. وقد خرج هذا إلى الضوء جراء تسليط وسائل الاعلام الضوء على الحوادث المميتة التي وقعت في الأيام الأخيرة، دون أن تشير إلى الاهانات والسباب والاحتكاكات اللفظية التي تشهدها الطرق على مدار الساعة، وكأن الشعب قرر، تحت الضغوط اليومية، اللجوء إلى شكل من أشكال الانتحار والنحر.
ولعل المتابع يدرك أن التكاثر الذي لا مثل له في بلد محدود الموارد والأرض الصالحة للسكن ويعج بالسكان مثل مصر هو السبب الرئيس في التآكل والتردي الذي تعانيه البلاد على المستويات كافة. وتمثل ظاهرة وفرة الانجاب جانبًا آخر من جوانب الانتحار الجماعي . كلُّ له حججه وأسبابه الوجيهة في كثرة الانجاب: فهي تارة عزوة، أو بحثًا عن الذكر عندما تتصدر الصبايا قائمة انجاب الأسرة، أو رفض موانع الحمل لأسباب دينية.... وكان حريًا بالشعب أمام تردي سبل الحياة وتغيب مؤسسات الدولة والخدمات العامة أن يكف اراديًا عن الانجاب بهذه الطريقة المزرية والمهينة للإنسان مع غياب الخدمات وتهالك الموجود منها.
قطاع الصحة، بشقيه العام والخاص، يمثل احدى نقاط الانتحار والنحر في بر مصر، فقد انتشرت الأحداث المتعلقة بهذا الأمر وكثرة ضحايا الاهمال في العيادات والمستشفيات، وأصبحت المستشفيات العسكرية المخرج الوحيد إذا أراد أحدهم تلقي علاجًا آدميًا وينفذ بجلده من موت محقق في العيادات والمستشفيات الخاصة والعامة. الاهمال وانعدام الانسانية أصبحا سمة من سمات قطاع الصحة، فقد تخلى المصريون عن شهامتهم وإنسانيتهم بعد سيطرة المادة على كل شيء منذ السبعينات، انطلاقًا من مبدأ "اخطف واجرِ" ، وسادت المحسوبية تحت خيمة اللامبالاة.
الأمثلة وفيرة، ومن أبرز حالات الاهمال في المستشفيات الخاصة والعامة التي أدت إلى الوفاة الأسبوع الماضي كانت محورها مهندسة شابة، في مطلع الثلاثينات، وفاء النجار، كانت تعمل في الدوحة وقرر زوجها أن تضع وليدتها بين الأهل في مصر. اختاروا مستشفى خاصًا لاجراء الولادة القيصرية، إلا أنها دخلت غرفة الولادة على ساقيها وخرجت منها في غيبوبة عميقة بعد ثلاث ساعات من محاولة الافاقة الفاشلة، جراء جلطة غطت الجانب الأيمن من المخ. ويؤكد حضور الكارثة أن طبيب التخدير خرج من غرفة العمليات وجلس في غرفة أخرى يتناول الفطور، رغم أن أبسط قواعد الرعاية تنص على ألا يخرج من غرفة العمليات قبل افاقة المريض، فهذا النوع من العمليات لا يتأخر أكثر من نصف ساعة. توقف القلب ولم تدرك الطبيبة المولدة الأمر إلا بعد فوات خمسة عشر دقيقة. جرت محاولات الافاقة لأكثر من ساعتين، ودخلت الفتاة في غيبوبة عميقة جراء اصابة الجزء الأيمن من مخها بجلطة غطته كله تقريبًا حسب الأشعة التي أجريت لاحقًا.
وما كان من طبيبة التوليد ومعها طبيب التخدير إلا أنهما استغلا نفوذهما في مدينة المحلة الكبرى، حيث وقعت الحادثة، ووفرا لها مكانًا في مستشفى تابع لوزارة الصحة، رغم أن الحالة كانت حرجة للغاية. وفي هذا المستشفى الأخير لاقت المهندسة الشابة أصناف اهمال التمريض والعناية الصحية بحيث أنه في اليوم الثالث أخذت تظهر تقرحات الفراش التي صالت وجالت في جسدها وبعد عشرة أيام وصل أحدها، في ظهرها، إلى العمود الفقري فبانت فقراته، وآخر في مؤخرتها كان يسع كف يد وجزءًا من المعصم، حسب شهادة شقيقتها وزوجها.
اسغرقت الرحلة بين الولادة والموت ثلاثة أشهر، انتهت في نهاية أكتوبر الماضي، ذاقت الأسرة أصنافًا عدة من التهديدات بحجب الرعاية وزيارة الأهل وتخفيف العلاج الذي كانت والدتها الأرملة تشتريه على نفقتها. لم تبخل الأسرة عليها بجراجين واخصائيي مخ وأعصاب على نفقتها لمتابعة الحالة في المستشفى الحكومي، على أمل أن تنهض من غيبوبتها العميقة، إلا أن مساعي الأسرة المكلومة التي يخيم عليها الموت وحادثة سير لابنة أخرى تركتها شبه عاجزة عن السير والحياة.
لم تفد بركات الصحابي عبد الله الصفطي، إذ يوجد ضريحه في القرية نفسها، صفط تراب، مسقط رأس الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي. و تجسدت النتيجة المتوقعة في موت وفاء النجار بعد ثلاثة أشهر ذاقت فيها الأسرة كافة أنواع التهديد والعذاب لتجاسرها على طلب رعاية صحية آدمية لابنتها، فكيف تجاسرت وقبلت تحقيق النيابة في الواقعة والاعراب على موافقتها على أن يأخذ القضاء مجراه في قضية ابنتها. أذكر من بين التُرهات التي حُكيت أن بعض الأهالي زاروا مدير المستشفى طلبًا لرعاية صحية أفضل، خاصة تسهيل مهمة تقليب المريضة حتى لا تزيد التقرحات، فما كان منه إلا أن ذكرهم بأن هذا أمر الله وقرأ عليهم آية من سورة "أهل الكهف" " ونقلبهم ذات اليمين وذات اليسار"، ما يفضح ضعف موقفه.
الأسئلة المطروحة حول هذه الحكاية كثيرة، فكيف يُسمح لطبيب ارتكب مثل هذا الخطأ بممارسة الطب، التخدير، طوال عمره المهني الذي يزيد على أربعة عقود، وكيف يمكن أن تحدث هذه التقرحات، وكيف يُسمح لما يطلق عليه مسمى مستشفى خاص بمواصلة عمله. فهذه ليست أول حادثة من هذا النوع يشهده هذا المستشفى الخاص وعلى يد الطبيب نفسه حسب شهود عيان.
هذا الاهمال دمر أمًا ومعها بناتها، وقصتها معهن قصة كفاح أم ترملت وهي في مطلع ثلاثينات عمرها، لتخوض معركة تربية بنات قدمتهن لخدمة بلد أضاع احداهن وأصاب اهمال السير في الطرق أخرى بعطب كبير في الساق والعمود الفقري. لقد ترك الاهمال أطفالاً، منهم رضيعة، موزعين وممزقين بين قطر ومصر، بعد أن كانوا يعيشون في كنف أسرة مستقرة سعيدة تسعى لبناء مستقبل لها ولأبنائها.
هذا الحكاية أسوقها لأنها نموذج لحكايات وأساطير حول العلاج في مستشفيات القطاعين الخاص والعام، فالتكاسل مخزٍ بدءًا بالتمريض ومرورًا بالأطباء المعالجين. الغريب أن هؤلاء الأطباء والممرضات عندما يهاجرون للعمل في دول الخليج يلتزمون بالقواعد ويمارسون عملهم على خير وجه.
الملاحظ أن أزمة وجود تخيم على تصرفات المصريين اليومية وكأنهم يعيشون محاصرين، في مصيدة ضاقت بهم بعد أن تآكلت الأرض الزراعية في الدلتا والوادي جراء البناء عليها لسد العجز في المسكن لمواجهة الانجاب الجنوني. وحوادث السير وضحايا الاهمال في المستشفيات الخاصة والعامة خير مثال على هذه الأزمة. هذا ناهيك عن العراكات الممتدة على طوال الشوارع والطرق السريعة لكثافة السيارات والافتقار إلى اشارات وقواعد المرور في هذا البلد الذي علم البشرية الكثير منذ فجر التاريخ. لقد رخصت الحياة لدى شعب بنى صروحًا عظيمًا، الأهرام، حبًا في الحياة، من أجل الخلود.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذكريات أندلسية مع الشاعر حسن توفيق
- فلسطين بين مظفر النواب وأميركا اللاتينية
- استنهاض عبد الناصر من ثراه
- مهانة العروبة والإسلام
- خالد سالم - كاتب وباحث أكاديمي - في حوار مفتوح مع القراء وال ...
- الوضع الراهن في العراق من وجهة نظر أوروبية
- شباب إسبانيا يتفوقون على ثوار مصر في تقليد ميدان التحرير
- حمدين صباحي يأبى أن يصير ذَكر نَحل السياسة المصرية
- محطات إسبانية في حياة إميل حبيبي
- ثورة العسكر أم ثورة القرنفل؟!!
- الإعلام المصري وزوج الأم في زمن الفرجة
- رحيل الكاتب الكولمبي غارثيا ماركيث أحد مبدعي الواقعية السحري ...
- بدرو مارتينيث مونابيث شيخ الإستعراب الإسباني المعاصر في عقده ...
- الموت يغيب أدولفو سواريث جسر إسبانيا نحو الوفاق الوطني والدي ...
- المرأة فكريًا وفنيًا في مسرح توفيق الحكيم وغارثيا لوركا
- الحجاب الإسلامي من منظور كاتب أميركي لاتيني
- البربر والبرابرة والعائلة
- جدلية العلاقة بين الشمال والجنوب من خلال مسرحيات كاتب إسباني
- طارق بن زياد غزا الأندلس من أجل الخيل والنساء حسب المستعرب ا ...
- فتح أم غزو الأندلس؟!


المزيد.....




- بحيرة بايكال.. معركة مريرة على السياحة في -البحر المقدس- لرو ...
- مصدر أمني لـCNN: قتيل ومصاب إثر إطلاق نار أمام مستشفى في بار ...
- نشر فيديو لتحليق مقاتلات -سو -30- فوق حاملة طائرات أمريكية
- موسكو تحذر أنقرة من تشجيع -النزعة العسكرية- في أوكرانيا
- وزير الطاقة الإسرائيلي: سنرد على الخطوات اللبنانية الأحادية ...
- شاهد: سكان جزيرة فرنسية يتحدون كورونا ويخرجون لمشاهدة انفجار ...
- أحلام -تغافل الشيف بوراك- بطريقة ساخرة أثناء تحضيره الطعام ف ...
- الحرب الأمريكية -من أجل السلام- في سوريا
- مجلة شهيرة تكشف عن نقطة ضعف -قاتلة- لدى الغواصات الأمريكية
- الحكومة الجزائرية تدعم الاستثمارات الفلاحية وتقدم 90% من تكل ...


المزيد.....

- أصول التغذية الصحية / مصعب قاسم عزاوي
- الصحة النفسية للطفل (مجموعة مقالات) / هاشم عبدالله الزبن
- قراءة في كتاب إطلاق طاقات الحياة قراءات في علم النفس الايجاب ... / د مصطفى حجازي
- الافكار الموجهه / محمد ابراهيم
- نحو تطوير القطاع الصحي في العراق : تحديات ورؤى / يوسف الاشيقر
- الطب التقليدي، خيار أم واقع للتكريس؟ / محمد باليزيد
- حفظ الأمن العام ، و الإخلال بالأمن العام أية علاقة ... ؟ / محمد الحنفي
- الوعي بالإضطرابات العقلية (المعروفة بالأمراض النفسية) في ظل ... / ياسمين عزيز عزت
- دراسات في علم النفس - سيغموند فرويد / حسين الموزاني
- صدمة اختبار -الإيقاظ العلمي-...........ما هي الدروس؟ / بلقاسم عمامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - خالد سالم - الموت المجاني في بر مصر