أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - خالد سالم - مهانة العروبة والإسلام















المزيد.....

مهانة العروبة والإسلام


خالد سالم

الحوار المتمدن-العدد: 4508 - 2014 / 7 / 10 - 12:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


"لكنها تدور"

يقول عظيم العراق الراحل عبد الوهاب البياتي في احدى قصائده: من قلة الخيل/شدوا على الكلاب/ سروجهم وانتخبوا السماء. وكما يعلم أهل مكة وسكان شعابها أنه تفصيح لمثل عربي أصيل من شبه الجزيرة العربية والعراق، صاغه شعرًا ضمن إحدى معاركه الوفيرة من أجل مبادئه وقيمه وعروبته، يعلمها كثيرون ممن عاصروه. وهذا المقطع كناية عن اندحار المُثل وتقليد أنصاف البشر و"أشباه الرجال" مهام لم يكن ليحلموا بتقلدها أو تقليدها، إذ كانت لآخرين استحقوها عن آصالة، ولم يكتفوا بذلك بل أخذوا يطلبون الخير، ممثلاً في أن تمطر السماء عليهم. وبمعنى آخر ينبه إلى اعتلاء من لا يستحقون الهرم السياسي والاجتماعي، ليس عن وجه حق بل لتهاون أصحاب الشأن عنه، وقبولهم بتغالب الغربان عليهم من كل حدب وصوب عبر وسائل الاتصال الحديثة التي أصبحت في متناول الجميع.
واستلهامًا لروح أشعار البياتي أحيل إلى كتاب "زمن الفرجة" للكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا يعالج في جزء كبير منه الحضارة القائمة على فرجة وفضائح وسائل الإعلام الرخيصة، أي حضارة الإعلام القادر على لوي عنق الحقيقة، والقائل: "كن فيكون"، عند تسويق أي فكرة أو شخص ليصعد به إلى السماء السابعة أو يلقي به إلى أسفل السافلين لتستقر الفكرة في ذهن الآخرين.
في السنوات الأخيرة، منذ ثورة 25 يناير 2011 وأخواتها العربية، اضطررت إلى السباحة بين وسائل الاتصال والاعلام بأنواعها كافة، ودخلت عوالم افتراضية لم تكن لي، إذ لدي تحفاظات عليها جراء تعهيرها، ابتذالها، على يد مستخدميها ومنشئيها. عندما كانت هذه الثورات تبدو وكأنها تسير في الطريق الصحيحة، طريق التحرر من نير حكام فسدة ولوجًا إلى فضاء الحرية والديمقراطية والعيش الكريم، تراجع الجرذان وأعداء الأمة وانحنوا أمام ما يحدث وبعضهم دخل الجحور أمام قوة التيار والأمل البازغ.
بيد أن الأخطاء في توطين الثورات العربية كانت كبيرة ما سهل الانقضاض عليها بأيدٍ داخلية وخارجية. ولعمري ما شهدت انقضاضًا على العروبة والإسلام بحجم ما يتعرضان له الآن عبر وسائل إعلام واتصال محلية وأجنبية. وربما لو بُعث جمال عبد الناصر من قبره اليوم ليقارن ما تعرض له بسبب فكرة الوحدة والقومية لأصيب بالذهول وأدرك أنه ما حدث في عهده كان بول ملائكة وليس من تدبير شياطين كما يحدث الآن.
حري أن نذكّر أولئك الذين ينفثون سمومهم في المنطقة معبدين الطريق أمام تنفيذ مؤامرات الآخر واستراتيجياته الهادفة إلى تفتيت الوطني العربي، بأنه لم يكن لسكان هذه البقعة من الأرض ثمنًا قبل مجئ نبي الإسلام برسالته وما آلت إليه من توحيد تحت راية العروبة والإسلام، إذ كان الرومان في الغرب يعيثون فسادًا في شمال إفريقيا ويثقلون بوساء هذه الأرض بجباية ضرائب، وكان الفرس يتقاسمونهم الغنيمة من الشرق. توحدت المنطقة تحت راية الإسلام بلسان عربي وأصبح لها وجود امتد من جنوب فرنسا إلى أعماق آسيا، مرورًا بصقلية وتركيا. وانهارت الحضارة العربية الإسلامية مع سقوط بغداد في يد التتار وغرناطة في يد الملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيسابيل. ولم تقم للمنطقة قائمة سوى على يد جمال عبد الناصر في تجربته التي تكالب عليها الشرق والغرب وأحرقوها في نكسة يونيو، بعد سنوات قليلة من بدايتها. لم تسترد المنطقة شيئًا من كرامتها، منذ ظهور الإسلام، سوى في سنوات التجربة الناصرية، ثم انهالت سهام النعرات القومية والتشرذم باسم الدين وظهور الإسلام السياسي الذي أفسح الطريق أمام الجرذان مرة أخرى لينهشوا لحم الأمة.
كانت ردة فعل مشروعة على ما حدث عام 1967، إذ استغل الظرف تجار الدين ليشككوا في كل ما هو قومي وكأن العروبة نقيض الإسلام ولا تنتمي إليه، وصلى بعض رموزهم ركعتين شكرًا لله. وأخطأ كثير من الحكام بالزج بالدين في حلبة السياسة لأغراض عارضة، منها "دولة العلم والإيمان" و"الحملة الإيمانية"....
واليوم ندفع ثمن هذه الأخطاء، الزج بالدين في السياسة من أوسع بواباتها، بوابة الحاكم، فكان الدين سببًا رئيسًا في اطفاء شعلة الثورة في مصر وعودة البوم للنعيق فحُمل الإسلام أسباب الفشل، وبالتالي محاولة دكه.
تشابكت الأسباب والعلل في عودة الهجمات على الوطن العربي بثقافته ودينه وأصبحنا في الفترة الأخيرة المسؤولين عن مصائب البشرية منذ فجر التاريخ إلى اليوم! أصبحنا مثار سخرية واتهام أينما حللنا. أصبح العربي والمسلم موضع ريبة واتهام أينما أطل بوجهه. الهجمة أكبر منّا، فلا نزال نحبوا على طريق الحضارة وحكامنا، بلا استثناء، لا يعنيهم سوى أرقام حساباتهم الفلكية ومصالحهم الشخصية الضيقة.
من يبدِ امتعاضه من هذا عليه أن يذكر حاكمًا عربيًا أو مسلمًا واحدًا اتعظ مما حدث من ذل وامتهان للآخرين الذين خلعتهم ثورات الربيع العربي. كلهم يواصلون السير على درب الفساد والتشبث بالسلطة وكأنهم خلفاء الله على الأرض. لا يريدون أن يدركوا أن الخروج من الهوة يكمن في كلمة سحرية: الديقمراطية. لا يؤمنون بفكرة تناوب السلطة، الأخذ بيد غالبية الشعب من جُب البؤس والتخلف.
عشت سنوات طويلة في الغرب وطيلة تلك السنوات وأسفاري عبر أوروبا كان يجول في ذهني سؤال يثقل كاهلي: لماذا نحن في الدرك الأسفل بينما ينعم الآخرون بالرفاهية والحرية. وخلال تلك السنوات تعرفت إلى أشقاء – أعني من سكان الوطن العربي من ملله ونحله وأديانه كافة- وكنا دائمًا نبدأ النقاش والمناظرات حول قضايا بعينها ولا تزال هذه القضايا قائمة وهي بعينها بعد مرور ثلاثة عقود.
في هذا الصدد تحضرني مقولة للمستعرب الإسباني الجليل بدرو مارتينيث مونتابيث مفادها أن الغرب خدع العرب وضيع عليهم قرنا كاملاً، القرن العشرين. إلا أنه نسي أن يقول إن القرن العشرين دخل هذا الفضاء الزمني.
ومن منطلق إيماني بفكرة الحرية فإنني أؤمن بأن الإنسان، بعد هذه القرون على مولد الأديان السماوية، حر في أن يختار دينه، لكن أن يأتي آخر ويحاول إجباره على ذلك فهذا أمر مرفوض، فالدين أمر شخصي يصل الإنسان بخالقه، لا يُفرض ولا يُغيّر بالقوة. أعي أن واقعنا لا يحتمل جراء تسييس الدين وتحويله إلى مطيه في أيدي تجار الدين لخدمة أنفسهم والسلاطين بحيث أصبح مبدأ التجحيش الفقهي أداة يستخدمها الأوائل لتمهيد الطريق أمام رجال السلطة.
المدهش أن العروبة أصبحت تُحمل بما لاطاقة لها من أسباب فشل أصحاب النعرات العرقية. أصبحت العروبة في نظر البعض شيفونية وينسون أنهم من منظور عرقي يطالبون بإعلاء قوميتهم. وفي الوقت نفسه يحاول البعض الآخر إهالة التراب على الإسلام واتهامه بأنه سبب تخلف العرب.
لي صديق بربري، مغربي، كان كلما ضاقت به الدنيا في إحدى الدول الأوروبية كان يمازحني قائلاً "عُربت خُربّت". وعلى ما يبدو فإنها مقولة بينهم. المزحة لها معناها فهم يرون أن تعريب شمال إفريقيا كان سبب ويلاتهم منذ القرن الثامن حتى القرن الحادي والعشرين. تناقشنا في الأمر كثيرًا، فلو كان شمال إفريقيا بحال جيد عند وصول العرب لما غزوه ، والشيء نفسه ينسحب على مصر والأندلس، إلخ.
مشكلة العرب والمسلمين الكبرى أن جار الشمال قوي، قام بنهضته وثورته الصناعية منذ قرون، وإحدى عوامل قوته تكمن في الحفاظ على ضعفهم وتخلفهم. أتصور أننا لو كنا نعيش في جنوب إفريقيا، بدلاً من حوض البحر المتوسط، لكان أفضل.
على أية حال إذا جاء الأذى من الخارج فهذا يسهل فهمه أما المؤسف في الأمر أن يأتي من الداخل. يشكل عالمناالعربي فسيفساء هو الأكثر تناغمًا مقارنة بالحالات المشابهة في العالم كله. ومع هذا فهناك من يمسك بمعاول الهدم من الداخل في السنوات الأخيرة باسم الأعراق والأقليات والأديان. لسنا غرباء في عالمنا، فمعظم الدول يشكل نسيجها الوطني فسيفساء عرقي ومذهبي ومع ذلك تشكل المواطنة الدرجة الأولى لوشائج العلاقات بين سكان البلد الواحد. هل نحن أقل نشوذًا وتنوعًا من أووربا؟! بالطبع لا، لكنهم كان أكثر ذكاء في لجوئهم إلى الديمقراطية والحرية، فكلاهما يحلان أي نزاع من هذا النوع.
لا شك أن المنطقة مرشحة لثورة حقيقية شاملة، محصنة ضد السرقة، ثورة تفصل بين الدين والدولة، ثورة تساوي بين الأعراق، ثورة تحافظ على فسيفسائنا من المحيط إلى الخليج. فما يحدث اليوم في غزة من استرخاص لأوراح سكانها وتفكيك لأوصال العراق وسورية يستحق وقفة لمن هذه الشعوب، فمن الواضح أن السلاطين دخلوا جحورهم خوفًا ممن أقعدوهم على سدة السلطة.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خالد سالم - كاتب وباحث أكاديمي - في حوار مفتوح مع القراء وال ...
- الوضع الراهن في العراق من وجهة نظر أوروبية
- شباب إسبانيا يتفوقون على ثوار مصر في تقليد ميدان التحرير
- حمدين صباحي يأبى أن يصير ذَكر نَحل السياسة المصرية
- محطات إسبانية في حياة إميل حبيبي
- ثورة العسكر أم ثورة القرنفل؟!!
- الإعلام المصري وزوج الأم في زمن الفرجة
- رحيل الكاتب الكولمبي غارثيا ماركيث أحد مبدعي الواقعية السحري ...
- بدرو مارتينيث مونابيث شيخ الإستعراب الإسباني المعاصر في عقده ...
- الموت يغيب أدولفو سواريث جسر إسبانيا نحو الوفاق الوطني والدي ...
- المرأة فكريًا وفنيًا في مسرح توفيق الحكيم وغارثيا لوركا
- الحجاب الإسلامي من منظور كاتب أميركي لاتيني
- البربر والبرابرة والعائلة
- جدلية العلاقة بين الشمال والجنوب من خلال مسرحيات كاتب إسباني
- طارق بن زياد غزا الأندلس من أجل الخيل والنساء حسب المستعرب ا ...
- فتح أم غزو الأندلس؟!
- ملحمة إلسِيد: تكوينها وتأليفها العربي
- إداورد سعيد رمزًا للتسامح الأندلسي - في ذكرى رحيله
- من أدب الصعاليك الإسباني (حياة لاثاريّو دي تورمس، حظوظه السع ...
- لن تتحرر المرأة إلا إذا كانت قوة ضاغطة تغير القوانين والفكر ...


المزيد.....




- صحيفة: الصندوق القومي اليهودي يوافق على قرار يسمح له بشراء أ ...
- تركيا تضحي بالإخوان ثمنا للتقارب مع مصر (وقف قنوات وترحيل وت ...
- شوقي علام يستقبل السفير الأردني بالقاهرة لبحث تعزيز التعاون ...
- مغنية إسرائيلية من أصول مغربية في مهمة لإحياء التراث اليهودي ...
- -أبناء داوود-.. كيف اخترق الحاخامات حصون العلمانية بالجيش ال ...
- الأردن: لا تجمعات أو إفطارات رمضانية في المساجد
- 87 مستوطنا يقتحمون المسجد الأقصى المبارك
- ابن عم الزعيم الليبي الراحل: سيف الإسلام سيفوز بأغلبية ساحقة ...
- شيخ الأزهر يهنئ المسلمين بحلول شهر رمضان المبارك
- مئات المسلمين يحضرون مراسم تنظيف وتجهيز المسجد الأقصى


المزيد.....

- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور
- خَلْق الكون في مقاربته القرآنية! / جواد البشيتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - خالد سالم - مهانة العروبة والإسلام