أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - وديع العبيدي - في علم الاجتماع القبلي (الكتاب كاملا)















المزيد.....



في علم الاجتماع القبلي (الكتاب كاملا)


وديع العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 4344 - 2014 / 1 / 24 - 18:40
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


وديع العبيدي
في علم الاجتماع القبلي
لندن
2013

الفهرست..
- تقديم..
- عن النسب والقبيلة..
- الأم ليست الأصل..
- الحاضنة الاجتماعية..
- العائلة والاستقرار..
- النظم العلائقية ومبادئها..
- غرائب الاغتراب..
- الصحراء هوية ومرجعية قيمية..
- من البحرين إلى النهرين.. تغريبة الماء..
- الجماعة الزراعية والجماعة الصحراوية..
- نجد وتهامة.. حتمية الجغرافيا والتاريخ..!

..
تقديم..
حين يرد ذكر جماعة بشرية أو شعب معين، فأن ذهن المستمع ينصرف الى الأرض التي تقطنها تلك الجماعة وذلك الشعب، مكانها، طبيعتها، ظروفها المناخية. أي أن صورة المجتمع هي نتاج حصيلة العلاقة بين الانسان والأرض التي يعيش فيها. وبدون استدراك تلك العلاقة ، لا يمكن التوفر على صورة اجتماعية تاريخية تميّز مجتمعا عن سواه، وبلادا عن غيرها.
علاقة الانسان بالأرض، هي جزء من علاقة الانسان بالطبيعة. وقد بدأت تلك العلاقة بسيادة الطبيعة التامة، واقتصار دور الانسان على محاكاتها والتماثل معها وتقديسها للاستفادة منها في المأكل والمشرب والملبس والمأمن (المسكن)، مما ترتب عليه ايمان بوجود قوة مطلقة وراء (مظاهر) الطبيعة، فهو يسترضيها ويخضع لها عبر المحاكاة والخضوع والتقديس.
ومع تعدّد حاحات الانسان ونموّ مداركه، بدأ الانسان في تطويع بعض أدوات الطبيعة كالأعواد والطين والحجر، لتصنيع مستلزمات حياتية تعينه في المعيشة. وربما حفزته مراقبة اختلاف مساقط الضوء لمشاهدة صور ظلال متحركة تسفر عن ملامح كائنات بشرية أو حيوانية أو صور غريبة، فحاول محاكاة تلك الظلال والصور، عبر ترسيمها بيده على التراب أو سفوح الجبال. وجذب مسامعه اختلاف سرعة الريح وما يصدر عنها من أصوات، فحسبها صادرة من قلب الطبيعة أو القوى التي وراءها، فحاول التقرب منها بتقليدها ومحاكاتها. ولم يكن الانسان في طفولته الأولى تاريخيا، بعيدا عن طفولة كائن حي حديث الولادة، يكتسب معارفه وقدراته بالمراقبة والتقليد والمحاكاة، وكلّما اجتهد وبرع في المحاكاة حسبه أهله أكثر ذكاء ونجاحا.
كان لواقع المشاهدة والمحاكاة والتقليد أثر في تحقيق خبرات بشرية متراكمة، أسفرت بالنتيجة عن مزيد من الجرأة والشجاعة في القيام بأعمال ونشاطات يدوية واجتماعية لتأمين بعض متطلبات الجماعة الاساسية بدل انتظار ما تهبه الطبيعة بحسب ظروف المناخ والمواسم. ان استخدام الانسان ليده في العمل، حقق أكبر نقلة تاريخية في تحوّل الانسان من الخضوع للطبيعة ألى بدء المشاركة في تأمين ظروف الحياة وتسهيل أسباب المعيشة، تمهيدا لبداية تحرر الانسان من عوامل الطبيعة تدريجيا، ونجاحه النسبي في السيطرة على بعض مظاهرها والتحكم فيها وترويضها لصالح الحياة وتطوير أساليبها وأجوائها.
بداهة.. لا يبقى الانسان جامدا عند هبوب رياح قوية أو هطول أمطار شديدة أو حدوث فيضان، فقانون الفعل ورد الفعل الطبيعي يدفعه للتصرف بشكل يقيه اضرار الريح والمطر والفيضان، وحرارة الشمس العمودية.. فاجتمعت جملة اسباب لتحفيز النشاط البشري وفعاليته في بناء الأسس والقواعد المادية للحياة وتأمين مصادر المعيشة وديمومة الوجود.
استنادا لما سبق، فأن صورة الحياة في شبه جزيرة العرابيا، هي حصيلة تفاعل الانسان مع الطبيعة الممثلة بالأرض والمناخ والمياه فيها. ومقارنة الصورة المعاصرة، بالصورة التاريخية المتواردة في كتب وأسفار قديمة، وبعض أنماط التفكير والمعيشة ومنظومة القيم والعادات والمفاهيم التقليدية المتوارثة، يلحظ ضعف دور الانسان ونشاطه المادي في تطويع الظروف الطبيعية لصالحه، واستمرار أنماط الحياة البدائية في السلوك والتفكير والاجتماع، إضافة إلى استمرار عقيدة تقديس الطبيعة وقوى الغيب المستترة وراءها.
ان ما يميز المجتمعات عن بعضها، هو تمايزها في أنماط المعيشة والسلوك والتفكير، الذي يطلق عليه اصطلاحا بالحضارة. وما وصلته بعض المجتمعات الأكثر تحضرا وحضارة، يدل على تجاوزها مراحل متعددة في درجات التعامل المادي، اليدوي والفكري مع ظواهر الطبيعة وتسخيرها لصالح الانسان. ولو كان المجتمع الغربي الأوربي قد توقف في مرحلة بدائية معينة لما تطورت حياته ومعتقداته، وهو يعمل منذ نصف قرن على اختراق الفضاء واستكشاف عوالم الكواكب والنجوم المعلقة في السماء. تلك النجوم والأجرام التي كانت قبل ألفي عام رموزا مقدسة يتعبّد لها البشر.
البداوة، التي هي صفة حضارية ونمط معيشة وسلوك، ارتبطت بظروف المعيشة الصحراوية؛ والتي تعود في الزمن إلى ما يزيد عن ألفين من السنين – على أقل تقدير-؛ تؤكد عدم تجاوز سكان شبه جزيرة العرابيا للمرحلة الأولية من خوف الانسان من الطبيعة وتوجسه من التدخل أو تغيير صورها، إلا في حدود بدائية، لم يتم تجاوزها منذ قرون طويلة.
وقد حاول المؤرخ الانجليزي ارنولد توينبي عقد مقارنات بين بدو أواسط آسيا -المغول- وبدو أفريقيا –الطوارق/ البربر- وبين بدو -العرابيا-؛ فاستغرب حجم الدور الحضاري للمغول والبربر – سيما المهاجرين منهم إلى أوربا- مقارنة بحالة الجمود والتخلف الحضاري للجماعة العربية. وقد كان مأمولا.. أن تعمل مظاهر العمران والمدنية المقترنة بظهور الدول والامارات الخليجية في أواخر القرن الماضي، في تقليص آثار البداوة في مجتمعاتها. لكن أسبابا عدة حالت دون ذلك. فيما أسفر سقوط الدولة المدنية في البلدان المجاورة –مع بداية القرن الجديد-، والانقلاب على برامجها التنموية الاجتماعية إلى عودة استفحال عقليات البداوة والرجعية الثقافية، لتبدو مجرد هوامش مشوهة للمنظومة الخليجية.
قد يرى البعض، ان صورة شبه الجزيرة والمجتمعات الخليجية اليوم، تجاوزت الصورة التقليدية –للبدو الرحّل- وأن التقدم العمراني والأهمية الدولية - جعلتها- تضاهي الحواضر الغربية وأشهر المدن العالمية. وهو أمر لا يغيب -بداهة- عن كاتب هذه السطور. لكن هذا العمران الاسمنتي والأبراج العمودية المستوردة، ليست من صنع سكان البلاد ولا انتاج تفكيرهم، بقدر ما هو تصاميم وعمل شركات غربية. بينما يستمر سكان البلاد يمارسون أنماط حياتهم التقليدية، وقد جرى الفصل بينهم وبين مراكز العمران والعمارات الحديثة المخصصة غالبا للأجانب ومكاتبهم.
البداوة اليوم، ربما تقلصت - نسبيا- في مجال الخيمة والجمل (السكن والمواصلات والاتصال)، لكنها مستمرة في العقلية وانماط التفكير والانفعال والعادات والتقاليد والمفاهيم الغيبية، وهذه لا تقتصر على المجتمعات الخليجية، وانما تتجاوزها للمجتمعات المجاورة في العراق والشام ومصر، وزادت بروزا في العقود المتأخرة. ان العقال والدشداشة التي غزت بغداد وكبريات مدنها - مثلا- هما دالة لعودة عناصر البداوة ومكانزماتها الدافعة لعجلة الحياة نحو الخلف، -إلى جانب مظاهر وعناصر أخرى ليس هذا مكانها-.
فالحديث عن -احتمال- تجاوز المجتمعات الخليجية للبداوة غير دقيق. نظرا لما تحتله قيم البداوة من ثقل وأهمية في التقاليد والقيم المجتمعية، ومن أثر مركزي في القوانين والدساتير الخليجية والتي تعتبر –العقال والدشدلشة- زيا رسميا، وهما يرمزان لما تحتها من منظومة قيمية. فالتطور والتغيير الحقيقي هو ما يجري داخل العقل والعقلية وينعكس في أنماط التفكير والسلوك. وليست المظاهر الخارجية وأبراج الاسمنت غير قشور، ليست لها جذور داخل الأرض.
على أبواب الفية جديدة.. لا بد من التحلي بجدية أكبر.. والتحول من طور الكلام الانشائي والشعارات الوصفية والغزل الأجوف بالماضي، للعمل الجادّ. لا بدّ من بداية عملية حقيقية، تتسلح بفكر رصين وخطاب حضاري، لمضاهاة ركب الانسانية والمشاركة المادية في حضارة الانسان على الأرض.. من أجل حياة جديرة، آمنة، وكريمة!..
المؤلف
لندن
العشرين من ديسمبر 2013


(1)
عن النسب والقبيلة..
يمثل القتل صمام الأمان الرئيس في العقل الاجتماعي الشرقاوسطي، وذلك للحفاظ على قداسة إرثه الأبوي الذي بالكاد يعرف جذوره. فالعنف ليس مظهرا من مظاهر البدائية وانعدام التحضر، بل هو المرتكز الأساس في بناء الجماعات البشرية الاولى، ومن مضاعفاتها القبيلة والعشيرة. وعلى قدر لزومية الطاعة والخضوع لبناء الجماعة ودوامها، فلا بديل للعنف والترهيب لفرض الطاعة.
المحافظة على الإرث والاحتفاظ به يعني الأصالة، عرقيا وثقافيا. الكلمة التي يقوم عليها نظام تراتبي اجتماعي متسلسل عبر التاريخ. وقد استخدم المفكر هادي العلوي مصطلح (اللقاحية) رديفا للأصالة. والمقابل النقيض لها هو الهجنة، وهي دالة على اختلاط الدم والعرق والنسب. والهجين من الناس أدنى من الأصيل (صاحب الأصل). وتشكل الهجنة نقطة وسطية للنقطة المتطرفة على مسطرة التصنيف العرقي المنتهية بالعجمة. وهذه تخرج بصاحبها عن دائرة الأصالة، أو مقترباتها الممثلة بالهجنة، التي تتضمن خيطا ضعيفا من الأصالة اختلط بخيوط غير أصيلة.
نظام القبيلة والعشيرة ودوائرها، تستند إلى دستور قومي تاريخي لا يقبل المساس هو شجرة الأنساب. وتحتفظ كلّ جماعة عرقية (قوم) بشجرة أنساب تعود في أساسها إلى أصل الخليقة، ممثلا بآدم الأول- أبي البشر- أو (ابن الإله). ومن البديهي أن كلّ أمة، تحتفظ لنفسها بمستوى مميز في ذرية أصل الخليقة، تتميز به عن بقية البشر، والذراري الأدنى قيمة، أو عديمة الأصل.
يلحظ هنا – نقطة جوهرية- هي أن الاختلاف والتراتبية هو أساس النظام الاجتماعي. والنظام الاجتماعي يتشكل من التعارف والاتصال والتبادل والتعاون في مختلف المجالات والقطاعات والمستويات. وعندما يكون عدم التكافؤ وعدم المساواة أساس العلاقات أو الحياة، فلا تبقى فرصة أو احتمال لمفردات السلام والانسجام والتعاون الحقيقي.
تتجسد شجرة الأنساب في مرجعية مركزية أبوية (بطرياركية) تكون أصلا ذريا للجماعة البشرية ومنبعا لمرجعية فكرية اجتماعية. ومن رموزها العريقة [سام بن نوح]، الذي تأسست عليه فكرة (السامية) بما لها من ثقل فكري تاريخي وسياسي اليوم. ولكن يلحظ في نفس الوقت عدم ظهور أو ولادة فكرة (الحامية) أو (اليافثية) استنادا على مسميات أخوة سام الآخرين.
اعتمد الفكر العبراني مرجعية روحية تمثلت في (أبراهيم)، ومرجعية اجتماعية قبلية ممثلها (يعقوب بن اسحق ابن ابراهيم)، وجاءت الديانة العبرية الموسوية لتأكيد المرجعيات الروحية والقبلية المتوارثة. ولم يتنكر العرب لمرجعية ابراهيم (الروحية)، بينما اعتبروا (اسماعيل بن هاجر المصرية) مرجعا قبليا لهم، اعتمادا عل نفس المصدر العبراني (التوراة).
فمرجعية أي فكرة ليست مجردة في ذاتها، وانما تعود أهميتها للجماعة المؤسسة والمنتجة والمرسخة لها، ومدى قدرة الجماعة على استمرار صيانة تلك الفكرة ورفعها إلى درجة التقديس. فمن الناحية التأسيسية –حسب المرجعية التوراتية للقصة وأشجار أنساب البشر- تم جعل (سام) ابنا أكبر لأبيه، له كل دلالات وامتيازات البكورية، وثم جرى تدعيمها بقصة رؤية حام ويافث لعورة أبيهم، بينما يقوم سام بتغطية عري والده دون النظر إليه. هذا المفهوم الذي استعاره الفكر الاسلامي وصاغه في مصطلح (الستر) [وإذا بليتم فاستتروا]!.
يشكل (الستر) أحد أبرز مقومات الفكر القبلي (العرقي)، -[أو القومي البدائي] باعتبار الفكر القبلي بداية تأسيس الفكر القومي بمعناه المعاصر-. ويمكن استنتاج صلة القرابة بين الناس ودرجة قوتها من خلال درجة المحافظة على الأسرار، سيما المتعلقة بأمور داخلية أخلاقية أو سياسية أو فضائح وعيوب، يمكن أن تضعف صورة الجماعة وتسيء لسمعتها أمام الناس. فالستر لا يعني عدم وجود عيوب وانما اخفاءها والتستر عليها والتظاهر بعكسها. هنا يلحظ أيضا تسويغ الكذب كقيمة أخلاقية سلبية، تتحول في العرف القبلي أو القومي أو الديني إلى قيمة موجبة، بحسب غايتها في حماية البناء الخارجي للجماعة.
التستر واخفاء الحقيقة يعتبر جريمة في أصول المحاكمات الجنائية، ومن الأمور المشددة لدرجة العقوبة، مما يجعل القانون القبلي والديني على طرفي نقيض مع القانون المدني القضائي.
المراءاة والتظاهر بعكس الحقيقة يجسد معنى النفاق. والنفاق تعبير مشهور في الثقافة الاجتماعية والأدب القبلي والديني، ولكنها قيمة سلبية. كيف تجتمع صفة الستر والتستر كقيمة ايجابية مع المراءاة والنفاق والتظاهر كقيمة سلبية داخل إرث ثقافي واحد؟. هنا تبرز إشكالية قيمية معقدة!
الواقع أن (النفاق) صفة غيرية يجري استخدامها ضد (الآخر)، ويمنع استخدامها داخل القبيلة. فالنفاق صفة أو حكم للحطّ من قيمة شخص أو الجماعة، وكلّ ما يحطّّ ويسيء لا يجوز نسبته للجماعة الداخلية، وانما يلحق بالعدو. ينتج من ذلك، أن صورة الثقافة القبلية (العرقية القومية) تقوم على وجهين أو قدمين، ولا تنمو وتتقدم بدونهما.
تقسم كلّ الأشياء واالمفاهيم والقيم إلى قسمين، خير (موجب)، وشرّ (سلبي). وذلك حسب معيارية الأنا الذاتية المحض [EgoٍSuper- ]؛ فكلّ ما هو خير وموجب ينسب للداخل (الذات)، وكلّ ما هو شرّ وسلبي يجري نسبته للخارج (الأخر). وهذا يكشف المضمون الشوفيني العنصري للثقافة القبلية/ الدينية/ القومية، والقائمة على تزييف الحقائق والوقائع والمفاهيم كمبدأ بنيوي أساس لنشأة تلك الثقافة واستمرارها وسيادتها.
كلّ فرد داخل الجماعة الذرية القبلية ملزم بطاعة النظام الاجتماعي وتبجيل المركزية الأبوية لزعيم الجماعة الروحي وممثله الراهن. والطاعة تستعدي إلى الخضوع، لاستمرار العمل بالمراسيم والطقوس والتعليمات الروحية المتوارثة أو المستجدة مما يرتأيه الزعيم المعاصر. والطاعة والخضوع هنا لها صفة قسرية ملزمة بفعل التربية والتنشئة الأسرية والدينية أو بفعل الأمر والتهديد والتطبيع الجبري.
استمرار الالتزام وتداول المفاهيم والممارسات المتوارثة هو صورة التقليد/ التقاليد الاجتماعية التي يقف كثيرون إزاءها بلا حول ولا قوة، إذ يرددونها أو يكررونها بفعل النطبع والعقل الباطن.
هذا التأسيس والبناء وتسويغه تحت مفهوم القبيلة والعشيرة، قبل عشرات القرون، تحول بفعل عوامل الزمن إلى طابع عام وسائد لمرتكزات القومية أو الأمة، وخرج بمفاهيمه وعناصره من الحدود الداخلية الضيقة إلى الإطار الأوسع بفعل عوامل الدعم والتحفيز والسيادة والانتشار، لما يمكن وصفه بالقبيلة المفتوحة أو الممتدة، وبنوع من الدين الاجتماعي أو الثقافة التقليدية. وفي الدائرة الاجتماعية للشرق الأوسط تخضع مختلف مظاهر النشاط الاجتماعي والفكري لعناصر العروبة والأسلمة، بدء من أنماط التفكير والمنطق الاجتماعي وليس انتهاء باللغة والفكر الديني. فالعروبة والاسلام، تدخل في كلّ الثقافات الاجتماعية للأقوام والمجتمعات الشرق اوسطية ومعظمهم من غير العرب، وهو ما ينطبق على المذاهب والمعتقدات غير الاسلامية.
خروج القبيلة كمنظومة من إطار محدود خاص إلى إطار عام، يعني كذلك خروج قيمها ومظاهرها للعموم، وزيادة مساحة سلطانها الفكري والاجتماعي. كان المفترض أن يكون هذا الخروج دالة تحول تاريخي من مرحلة/ عقلية (القبيلة) إلى مرحلة/ عقلية (الأمة)، كما هو لدى الترك مثلا. مما نتج عنه أمران خارج مجال المنطق والعصر..
- فمن جهة، غلبت قيم البداوة والقبيلة على عموم المجتمع، مما زاد حدة التناقضات الاجتماعية داخل المجتمع.
- ومن جهة ثانية، لم تنجح عوامل وحدة اللغة والدين، في التقريب بين فئات الناس والطبقات الاجتماعية والأثنية والبلدان المختلفة.
هذا التناقض الذي لا يخطر على بال السياسيين والباحثين الاجتماعيين هو المسئول عن مظاهر الاحتراب الاجتماعي والنفسي والفكري بين الناس، وبين الفرد ونفسه، رغما عن الجميع. هذا الاحتراب الذي وصفه ابن خلدون بصراع البداوة والحضارة قبل ثمانية قرون، يمكن توصيفه اليوم، بصراع السلفية والحداثة (العلمانية).
يقول لورنس العرب أنه جاء لتعليم البدوي (المتمرد) طاعة النظام، وعملت الدولة المدنية في القرن الماضي على توطين البدو وتطبيعهم على احترام مؤسسات الدولة وروح المواطنة. ومع بداية الألفية الثالثة، وانتقال الغرب لعصر ما بعد الحداثة، يغرق العرب في حالة من الفوضى الفردية وغياب القانون والنظام وتزداد مظاهر السلوكيات الفردية والعنف غير المسئول. فيما تدعم السلطات الاجتماعية والدينية التقليدية سلطاتها وأساليب عملها المتوارثة، متحدية سلطات الحكومة والشرطة والقانون.
وإذا كان الدين قد اعتمد في ظهوره على نظام القبيلة والعائلة، فأن القبيلة والعشيرة اليوم تستخدم الدين لاستعادة نفوذها التقليدي، وجعل الولاء للقبيلة وزعيمها، بديلا عن المواطنة والدولة. وعلى مذبح القبيلة والدين، تعيش بلدان المنطقة طفرة رهيبة في ارتفاع معدلات الجريمة والعنف اليومي، وتسود مظاهر لا سابق لها من حالات انعدام الأمان والأمل واضطراب القيم والأخلاق.
*

(2)
الأم ليست الأصل..
المتعارَف في الدراسات التاريخية والفلسفية، اعتبار العائلة أصلا للقبيلة (العائلة، القبيلة، الدولة) كما لدى هيجل، وكان ذلك أحد دوافع الاعتقاد بأن المجتمعات النسوية (الأموية) كانت سابقة للمرحلة الأبوية (البطرياركية) [النظام الأبوي- الجنس عند العرب/لابراهيم الحيدري]. لكن مثل هذا الاعتقاد لا يحمل أية دلالة أو إشارة لمفهوم العائلة الذي نعرفه اليوم.
فالعائلة كعلاقة اجتماعية/ اقتصادية منتظمة بين شخصين [رجل وامرأة] تتأسس على التزامات نفسية أدبية تتمثل في حياة مشتركة وانجاب وحضانة وتربية وتنشئة، وصولا لتنشئة حلقة جديدة من عوائل الأبناء والبنات وفق نفس الأسس، وهكذا دواليك..... مفهوم (العائلة) هذا.. حديث استغرق عشرات القرون من التطور الفكري والمدني، لترسيخه وانتشاره كحالة مثالية لتحقيق التعايش والتعاون والأمن والسلام الاجتماعي داخل المجتمع. ولا يمكن تصوره أو تجذيره - بسهولة- كما جرى في بعض الكتب الدينية والتاريخية.
مثل هذا المفهوم لا ينسجم مع الحالة العربية ممثلا في صورة القبيلة، كأساس للنظام الاجتماعي حتى اليوم. أعني ان القبيلة - العربية- وخلافا لطروحات هيجل ليست تطورا للعائلة ولا امتدادا لها، وذلك لسبب رئيس هو مركزية المرأة في العائلة، بينما تعدم وجود المرأة في حياة القبيلة وثقافتها. وما زالت المرأة عند العرب تفتقد المكانة اللائقة ومعيار الشراكة البشرية، كما هي في الغرب.
ويكاد الأدب العربي [ديوان العرب] يعدم قصيدة في الأم كما وصفها معروف الرصافي [- 1945] والتي قد تكون من أول النصوص في هذا المجال. وحتى شعر الغزل العربي يركز على أعضاء المرأة الجنسية أكثر من اهتمامه بانسانيتها، واعتبارا كيانا نظيرا أو ندا صديقا. ويلحظ اليوم انتشار حالات نفسية لدى الرجال تتمثل في [الحنين للأم] أو التصاق الأبناء بشخصية الأم أكثر من الأب في التنشئة الحديثة، وهو من خصائص المجتمعات المدنية الشمالية والغربية، ولا صلة له بالثقافة العربية القبلية القائمة على مركزية الأب ونسبه وإرثه.
العرب في شبه جزيرتهم الصحراوي يختلفون عن أهل الشمال [العراق والشام ومصر] كما يختلفون عن الايرانيين وراء الخليج والبربر وراء البحر الأحمر. حيث تحتل المرأة –تحديدا الأم- مكانة متميزة، كانت تصل إلى درجات القداسة في المأثور المصري القديم، وهي صاحبة الأمر ومركز النفوذ لدى البربر (كنداله) التي تقود شعبها، وهي التي كانت على رأس الجيش البربري في التصدي لغزو العرب لتونس. ولا يزال يمكن تلمّس آثار هذه المكانة في المجتمع والعائلة الايرانية.
للأسف لا يوجد وجه مقارنة بين المرأة العربية –بحسب الثقافة القبلية الصحراوية-، والمرأة في أي مكان من ثقافات الجوار، الذي منه اليمن السعيد. فالحضارات اليمنية القديمة، امتدادا لأصولها البربرية والشمالية حفظت مكانة المرأة ورفعتها فوق مكانة الرجل اجتماعيا ومعنويا، ولعل المرأة اليمنية القديمة، هي الوحيدة إلى جانب البربر، توّجت المرأة على رأس الجماعة السياسية، رغم أن من يقرأ تواريخ سبأ وقصة بلقيس لا يتوقف لدى هذه الحيثية تماما. علما أن (سبأ "شبا") هو اسم امرأة حكمت اليمن وإليها انتسب اسم البلاد التي توالى على حكمها سلسلة من نساء القبيلة بدلا من رجالها، مثل (أسمى).
وهناك مفارقة تاريخية اجتماعية بين الامتداد اليمني إلى الشام، على طول خط القوافل القديم [حضرموت- صنعاء- دمشق]، لتشهد ظهور شخصية زنوبيا الغسانية اليمنية التي حاربت جيش الروم ووسعت مملكة تدمر لتشمل بلاد الأناضول والشام جنوبا حتى سيناء. ولكن زنوبيا وأهل تدمر والغساسنة وكثيرين ليسوا من العرب، ومن الجنايات التاريخية القاتلة خلط المستشرقين وتلاميذهم المؤرخين العرب وكتاب التعريب القومي، بين حقيقة الأصول اليمنية وهويتها التاريخية والثقافية الناصعة الوضوح، وبين الأعراب البدو سكان وسط الجزيرة وهويتهم الثقافية المعروفة جيدا؛ دون وقفة علمية مقارنة عند الأصول والعادات والثقافات الاجتماعية المميزة بين أولئك.
وفيما اهتم الباحثون بالدراسات اللغوية وتوقفوا لدى قواميس كلّ جماعة وأقلية وأنظمة النطق لديها ومخارج الأحرف، وأصول بدايات الكلام ونهاياته، مما اندرج في كتب ومصنفات؛ عَدِمَ البحثُ الاجتماعي في حياة الجماعات البشرية تلك، رغم أن العادات ومظاهر السلوك أكثر وضوحا وأهمية لدى الاقتراب والتعامل مع الناس.
وأبرز تلك المظاهر أو الظواهر الاجتماعية هو مكانة المرأة في القبيلة.
النظرة العربية القبلية للمرأة لا تنطلق من قيمتها "الذاتية" ككائن انساني (نظير) الرجل، وانما يتم النظر إليها من قيمتها "الاستعمالية" باعتبارها (سلعة). فالسلعة ليس لها أهمية في ذاتها، وانما قيمتها تكمن في مدى صلاحيتها للاستعمال، والفوائد المترتبة على استخدامها (الوظائف).
هناك كتاب يؤكد الوظائفية السلعية (الجنسية) لجسد المرأة ويحدد صلاحيتها ونفاذها بمدة خمسة عشر عاما [فئة 15- 30، فئة 30- 45]. بينما يحدد عمر الرجل بمعدل يزيد عن (60 عاما). الرقم ستون بالقسمة على (خمسة عشرة) يكون الناتج الرقم (أربعة)، وهو التشريع الفقهي لعدد الزوجات المسموح به في الاسلام. ان جسد المرأة لا يحتفظ بمواصفاته التنافسية خمسة عشر عاما، ولذلك يلجأ الرجل لتجربة أخرى، كما تستطيع هي الحصول على تجربة جديدة. ويلحظ عدم وجود زيجات معمرة في تاريخ العرب [باستثناء زيجة خديجة بنت أسد من محمد]. ويتم تطليق المرأة بعد الانجاب أو بعد قضاء الحاجة منها.
وبالمقابل لا يوجد استئثار بالمرأة مهما كان جمالها ونسبها، عند العرب..ويلحظ في قصص تزاوج أعداد من الرجال من نفس المرأة، حيث يطلقها الواحد ليتزوجها الآخر. وثمة نساء أفرادا كن أزواجا لجميع الخلفاء الراشدين وبعض الصحافة على التوالي، وذلك لخصائص حسنهن أو تضخم مؤخراتهن، أو مهاراتهن الحرفية في السرير. وهو ما يبرر ظهور فكرة (امهات المؤمنين) والنص الديني على عدم جواز الدخول فيمن دخل فيهن الرسول. وكان عمر عائشة بنت ابي بكر ما بين [18- 21 عاما] حين ترملت، وعمّرت دون أن يحق لها الزواج، فالتجأت للسياسة، ولم توفق!.
هذا المبدأ الاستعمالي للمرأة (السلعة) هو المرجعية الفقهية التي تقوم عليها كلّ الثقافة العربية القبلية بشأن المرأة. ولا غرابة بعد ذلك – شخصيا كنت أستغرب حقا- من كثرة تصانيف العرب والمسلمين (يجري وصفهم بالعلماء وربما المفكرين) في موضوع [فقه المرأة، فقه النساء، فقه النكاح، المستطاب والمستقبح في أوصاف النساء، غزل النساء] وغيرها مما يدفع مكانة المرأة إلى حضيض التفكير الاجتماعي.
وعلى أساس القيمة الاستعمالية جرى تبرير وتسويغ تعددية الزوجات (في الاسلام) بمرجعية قبلية بدوية واضحة، كتقليد اجتماعي سابق تخذ صفة دينية دائمية. وهناك ثلاثة أوجه لاستعمال المرأة هي [خدمة، متعة، انجاب] تحدد أهميتها ومكانتها لدى (السيد) أو الجماعة. ويلحظ عدم ورود صيغة (زواج) في هذه العلاقة، وكذلك اختفاء فقرة/ فكرة الرضاعة والحضانة فيما يخص الانجاب. حيث يجري التعامل مع كلّ جزء كخدمة مستقلة، يمكن أن يتولاها شخص آخر، بقصدية واضحة.
فصل (الانجاب) عن (الارضاع) الغاء ضمني لمعنى (الأمومة). يترتب عليه تدمير مكانة الأم ليس الاجتماعية في القبيلة والجماعة، وانما مكانتها النفسية بالنسبة للفرد/ الطفل. ومن الخصائص النفسية.. [الحميمية والحنان والدفء والشوق والارتباط الدائم (العِشرة والاستقرار)]، مما يتنافى مع القيم البدوية الممثلة في عدم الاستقرار وعدمية المشاعر والمحافظة على القوة الجسدية العضلية واللياقة القتالية.
في أفلام جيمس بوند المشهور بتصيّد النساء، يلحظ أنه يترك المضجع بعد الجماع مباشرة، تحوّطا من اصطياده وهو نائم، أو تكون المرأة - العشيقة- مصيدة له. مثل هذا السلوك الجنسي تعلمه الانجليز من البدو/ العرب، ويصفه الأديب غالب هلسا في واحدة من قصصه، حيث (يدفر) الرجل المرأة بعد قضاء وطره منها ويبتعد عن فراشها.
فالعلاقة الجنسية العادية بين الجنسين لا وجود لها في العرف القبلي، وهي لا تتجاوز عملية النكاح وهو (الايلاج/ الدخول) ويلحظ أن لفظ الدخول منصوص في [عقد النكاح] كشرط لتوقيع شرعية الارتباط. بينما العلاقة الجنسية (الحياة الجنسية/ الثقافة الجنسية- بتعبير أوسع) هي أكثر من مجرد الايلاج، الذي لا يتحقق تماما من غير مقدمات نفسية وحسية معتبَرة، وتعقبه كذلك جملة ممارسات نفسية وحسيّة على درجة من الأهميّة لبلوغ غاية العلاقة الجنسية للطرفين، وليس لأحدهما دون الآخر.
وصف العلاقة بين الجنسين بالجنس [sex] بالتعبير الانجلو أمريكي، (النكاح- عربيا) يتضمن درجة غير قليلة من التسليع والتجريد النفسي، بينما وصف العملية بالحبّ بالتعبير النفسي الفرنسي أو الألماني يرفع قيمة العلاقة والاتصال النفسي والجسدي بين الطرفين. وعندما ترتفع قيمة العلاقة بين أثنين، ففي ذلك تقدير ضمني متبادل في نظرة كلّ منهما للآخر.
فالاتصال الناجح (communication) بين أثنين يشترط أمرين إلى ثلاثة [التكافؤ- المساواة- الاحترام]، وهو ينطبق على العلاقة الجنسية (الحبّية) في كلّ صورها ومستوياتها، ولا بدّ أن يكون قاعدة أساس للعلاقة الزوجية.
وقد ذكرت أن الثقافة القبلية العربية لا تعرف نظام الزواج، أو أن ثقافة الزواج الحضارية غير مضمّنة في الثقافة العربية المتصلة للآن. لأن مكانة المرأة - دونية- سواء في علاقة الزواج أو خارجها. وما زلنا نحن (مدينين!!) جميعا في ثقافتنا الجنسية للغة الشتائم والسباب التي تندلق على كلّ مصاريعها في حالات الشجار والاختصام بين الصغار والكبار، وذلك قبل زمن طويل من تعلم القراءة واصطياد الكتب ذات العلاقة.
وقول على قول في هذا المجال، تحتل الشتائم والتعابير الجنسية أسبقية وأهمية لدى تعلم اللغات الجديدة، قبل أي شيء آخر، وهو أمر لا يقتصر حكمه على العرب، وانما على الأوربيين الذي يتعلمون العربية ويرافقون العرب. ولدى تولي بول بريمر الحاكم الأمريكي أمر العراق، أتقن بعض الشتائم باللهجة العراقية التي كان يستخدمها لنهر أعضاء مجلس حكمه.
وعندما تستند ثقافتنا الجنسية للغة الشجار والخصومة والتحقير، وهي حالات تفرق الناس وتزرع في لا وعيهم ذكريات مرة وخاوية، سوف تبقى تشكل عائقا في طريق الاتصال بالآخر، ومنه الأنثى. ولا يفوتني الاشارة هنا إلى مخزون اجتماعي متراكم من (النكت والحزازير) التي تظهر في حالة مخالفة وهي التسلية والفرفشة. فأعضاء الأنثى ومفاهيم الجنس هي أدوات حربية ينال بها كلّ طرف من الآخر، أو هي أدوات استفراغ نفسي واجتماعي لملء وقت الفراغ دون إرهاق الذهن أو الجسد. والواقع، أن النكتة مهما كانت بريئة، ومنذ البدء، هي سلاح حربي أبيض، قد يخلو من العنف المادي المباشر، ولكنها ليست خلوا من عنف فكري مؤدلج متراكم. وتعتمد كلّ النكات على وجود طرفين، أحدهما يمثل مركز القوة والذكاء، والآخر يوصف بعكس الأول، بالضعف والغباء. أنها اسطورة التفوق والتخلف الحضارية اليوم، وهي تجسيد لعقلية [البقاء للأقوى].
يمكن الخلوص مما سبق لتلخيص واقع المرأة/ الأم في الثقافة القبلية..
- تسليع المرأة وتصيفها حسب الوظيفة، ومنها فصل الانجاب عن الإرضاع والحضانة الذي تتولاه امرأة أخرى بالايجار.
- ومع اعدام دور الأم، ينفرد الأب بمرجعية العائلة والقبيلة، وهو أساس النسب.
وكانت أمي تؤكد في طفولتي أن الناس في يوم (الحشر) يُدعَون بأسماءِ أمهاتهم، وليس آبائهم. وحتى محمد يقال له (ابن آمنة)، و (عيسى ابن مريم). وإذا كان الناس يُنسبون إلى أمهاتهم يوم القيامة، فلماذا لا يفعلون ذلك في هذه الدنيا. هل تختلف هذه الأيام بشيء عن القيامة؟!..
*

(3)
الحاضنة الاجتماعية..
"يتامى نحن في بلد بلا أبناء"
أحد خصائص الحاضنة الاجتماعية الرئيسة هو الاحتضان الذي يرتبط بالأم ويحيل على الوطن، والقاسم المشترك بينهما هو المرأة. والحنين والحنان كحاجات نفسية حسية ليست غير تعبير عن تلك الحاجة للحضن والاحتضان والحاضنة.
هذه الثلاثة على اختلاف تمثلاتها [أم- عشيرة- وطن] تتلخص في دالة القبول والرعاية غير المشروطة. فالأم تقبل وليدها بدون شروط مسبقة، وتسبغ عليه رعايتها وحضانتها بغض النظر عن لونه وشكله وجنسه، سواء كان كاملا صحيحا أو معوقا مشوها مريضا.
فالحنين للأم في زمن الطفولة، واستعادته مع بدايات الهرم والشيخوخة، هو في جوهره تعبير عن عمق الحاجة للقبول والمحبة والرعاية غير المشروطة. وفي صميم وجود كل فرد، هو أن يكون مقبولا مرغوبا محبوبا، موضع اعجاب وعناية واهتمام من وسطه الاجتماعي، أو من شخص قريب منه. وإذا كانت المدنية قد اختزلت الكثير من تقاليد الرعاية والاحتضان النفسي للطفل والبالغ على السواء، فأن حدب الأوربيين واهتمامهم بعالم الحيوان، هو تعويض عن تلك الحاجة وافتقادها لدى الحيوان بعد تجرد المدنية منها.
ان الربت على رأس الحيوان وتلميس عنقه أو ظهره يجعل منه كائنا أليفا دافئا، عكس خصائص الوحشية العنيفة التي تتملكه عند تعرضه للاستفزاز أو التهديد أو ضغط الجوع.
أين هو مكان الحاضنة الاجتماعية النفسية في دائرة القبيلة؟..
ان عقلية القبيلة ترفض الضعف والنعومة ومظاهر الحاجة على اختلافها، فكيف بالحاجات النفسية، الغائبة عن القاموس اللغوي لها. على العكس منه تمجّد الثقافة القبلية مفاهيم الشجاعة والإباء والتحدي والمقاومة الجسدية وتحمّل الصعاب والظروف غير الاعتيادية. ويعتبر التعبير عن الألم والخوف والمرض مستنكَرا يقلل من قيم الرجولة والبطولة والفروسية.
مظاهر القوة والعنف ترفع من معنويات القبيلة وتبعد عن أذهانهم أفكار الخوف والتخاذل والألم والحاجة. وقوة المعنويات الملحوظة في أجواء الحرب والتدريب العسكري وفرق الموت شرط رئيس للتقدم والشجاعة وعدم التفكير بالتراجع أو الخوف.
من مضاعفات ثقافة القوة والشجاعة، واقع العزل داخل العشيرة بين النساء والرجال، الاناث والذكور. وفي معسكر النساء يكون مكان الأطفال الذكور حتى سنّ معينة، وعندما يشتد ساعد الصبي ويتعلم الخروج لوحده ليلا أو الدفاع عن نفسه واتقان تمارين الفروسية والمنازلة ينقل إلى معسكر الرجال.
يمكن القول، أن معسكر النساء أكثر مرونة واستيعابا للحاجات النفسية والجسدية في حالات الرعاية والمرض والخوف. لكن المرونة هنا لا يسمح بها إلى حدود التمادي، بحيث تزعزع واقع القبيلة أو الربع. وتلعب النساء المسنّات دور الحرس الثوري لضغط المشاعر وكبث الآلام وعدم السماح بالصوت المسموع مهما كان دافعه الجوع أو البرد أو الخوف أو الألم.
هذه الصورة العسكرية لنموذج البطل القبلي، يترتب عليها خصائص اجتماعية ونفسية تنتظم مظاهر السلوك والخطاب النموذجي الملزمة داخل مجتمع القبيلة. وبتعميم هذا النموذج تتحول القبيلة إلى صورة كتيبة عسكرية مجندة، لا يمكن التمييز بين أفرادها.
يتعارف مجتمع العشيرة على لون محدد للثياب وطراز محدد ثابت لكل عشيرة أو قبيلة. ولتوجس الجماعات البدائية عموما من الظواهر الطبيعية وحركات النجوم والقبائل، يجري تفضيل اللون الأبيض للرجال، واللون الأسود أو الألوان القاتمة للنساء، لخفض معدل الجاذبية والإثارة.
ومن الفضائل المتعارفة طول الصمت الذي يشير للحكمة والصبر، ونبذ المزاح والضحك، وخفض الصوت عند الكلام. ويلحظ شيوع الشعر بين العرب، على اختلاف أنواعه، ويفضل منه الفخر والحكمة والفروسية ويليه الغزل والرثاء والهجاء وآخره المجون والإضحاك. فالكلام على عواهنه والاصدار بلا سبب مبرر يحسب على السفه، وهو من قلة (خفة) العقل، الذي تستهجن لأجله المرأة.
كثرة الكلام تودي بمكانة صاحبها، فلا يؤخذ برأيه في أمر، ويستبعد من حضور جلسات الحكم ومداولة الأمور المهمة. وبنفس المعيار، تمكنت بعض النساء الصموتات الحكيمات من احتلال مكانة لائقة في مجالس الحكم. ومنهن من نبغ في الشعر أو الفروسية أو الحكمة. فالصفات والفضائل النبيلة ترتقي بأهلها بغض النظر عن عوامل الجنس واللون والأصل. والعكس بالعكس أيضا.
فالتشابه في الطباع والخصائص والعادات والثياب وغير ذلك من مظاهر الحياة والنشاط البشري، يؤكد أهمية قيمة التشابه والتكرار كقيمة قبلية، لتأكيد وحدة القبيلة وقوة الولاء لها. وخلاف ذلك، يعتبر الاختلاف وعدم المشاركة بتقاليدها ومناسباتها وأنشطتها، دالة عصيان وتمرد وخروج على الاجماع، مما يستوجب الحساب والعقاب الجماعي.
ينسب إلى عمر بن الخطاب قوله: كلّ من أدخل في هذا الأمر ما ليس منه، فليس منا، وفي قول آخر.. أضربوا عنقه!.
وفي أوساط التشدد السلفي المتجددة يلحظ تأكيد ومبالغة في استخدام العبارات والصيغ والنماذج التقليدية الغابرة في كلّ شيء، والزام الناس بتداولها، ومنه عبارات التحية، التي يختزلها هؤلاء في عبارة واحدة، لا تقتصر في نصها على (السلام عليكم/ عليكم السلام) وانما بالنص التكميلي المكرر [السلام عليكم ورحمة الله وبركاته] وعلى المتلقي الردّ بالمثل دون قطع العبارة، حتى لا يعتبرها السلفي إهانة أو اختزالا للرحمة والبركات.
هذا الخطاب الاعلامي يختزل المعاني الحقيقية للنص ويكتفي بالمسموع والتمثيل الأدائي حتى لو لم يصدر من القلب أو يقترن بمشاعر الودّ.
في ظلّ هكذا أجواء مسرحية أو تمثيلية، أين يكون مكان الذي لا يشارك في المسرحية أو الفيلم، لا بدور رئيسي ولا كومبارس، ولا حتى حارس ستارة؟..
بضعة أنفار في المدينة تعرضوا لآثار عقوبة مقاطعة جماعية لأنهم لم يرافقوا الرسول في أحدى غزواته ولم يستأذنوه للبقاء؛ وكان منهم كبار السنّ ممن تلزمهم الرعاية، وكانت المقاطعة تشمل امتناع الكلام والمعاملة والتحية، حتى من أهل بيتهم. وكان بعض الأشاوس قد تبرعوا أمام الحاكم بقطع أعناقهم.
مثل هذا السلوك يبرر فرض ضريبة الذميين في الدولة الاسلامية جراء عدم خروجهم للقتال، رغم أن الدولة وراء منعهم من الخروج مع المسلمين.
ففي نظام القبيلة لا مكان للاختلاف، ولا مكان للمختلف. فالقبيلة لا تقبل التنوع والاختلاف والتعدّد. حتى لو كان الاختلاف والتعدد والتنوع يصبّ في صالح غنى المجتمع والجماعة الانسانية.
تختلف القبيلة العربية في هذه النقطة عن القبيلة العائلية العبرية. ان رابطة الدم العائلية لدى اليهود تشكل حاضنة اجتماعية (أموية) لكلّ العبرانيين، ورغم انتشارهم في البلدان، يجتمع أبناء الجالية محتملين بعضهم بعضا في ضعفاتهم وفقرهم وظروف احتياجهم. هذه الرابطة الاجتماعية الضامنة، لا وجود لها في نظام متشابه تكراري.
هذه المنظومة القبلية بكل خصائصها السلبية انعكست في الفكر الديني المنعكس عنها، والضامن لديمومتها وخلودها. وبفعل اجتماع القبلي والديني في الإرث التربوي المتخلف، ورث النظام السياسي العربي المعاصر تقاليد القبيلة التكرارية وعقيد رفض المختلف، فانعدمت مظاهر الحرية والمساواة من داخل المجتمع، وامتنعت أسباب حرية التعبير والرأي الآخر في الشارع والصحافة والزعامة.
يتساءل البعض، بارتياب واضح، فيما إذا كان الاسلام كدين وراء الوضع الكارثي والتخلف المهين الذي تتهاوى في أطرافه بلدان الشرق الأوسط. الواقع ان طبيعة النظام القبلي البدوي القائمة على التكرار السطحي والقيم المظهرية الساذجة هي سبب تخلف الاسلام، وامتداداته في المجتمع المعاصر.
وفي ظل عجز البيئة القبلية عن احتضان أبنائها والانفتاح الحضاري والانساني أمام اختلافاتهم وألوانهم الفكرية والدينية والسياسية، يتزايد معدل الهجرة والاقامة العربية والاسلامية في المهجر، حيث تتوفر أجواء التسامح والتكافؤ والمساواة على أساس الانسانية، والانسانية فحسب!.
*

(4)
العائلة والاستقرار..
اعتبر اكتشاف الزراعة بداية تحول البشر من مرحلة الصيد والتنقل إلى مرحلة الاستقرار وبناء المساكن الآمنة. وهنا بدأت النواة الأولى لنشأة العائلة كتطور اجتماعي مادي مرتبط بنمط الانتاج وتغير طراز المعيشة.
ان العائلة كنظام اجتماعي متحضر، هي قيمة أكثر مما هي مجرد صورة أو إطار خارجي. قيمة اجتماعية ونفسية وفكرية واقتصادية في آن واحد، تربط بين أعضائها روابط تتجاوز مستويات الحاجة الاقتصادية أو الأمنية، إلى الترابط الاجتماعي والنفسي وأجواء الألفة والدفء التي تترتب عليها قيم العناية والاهتمام والمحبة والمسؤولية المشتركة. فالاهتمام بالشخص المريض أو العجوز الضعيف من الجنسين ينبع من القيم العائلية النبيلة، التي لم تكن لها تلك الأهمية من قبل.
العائلة كقيمة اجتماعية هي المأوى والمسكن، وما زال كثيرون اليوم يعرفون الوطن أو المدينة بأهلها ونظامها الاجتماعي، وليس مجرد مكان أو أبنية صماء.
والعرب كنمط حياة ينزع للتنقل (البداوة) المستمر ويعتاش على ما يصادفه من كلأ وماء أو يعتمد الصيد، وتجارة الحيوانات ومقايضتها للحصول على مستلزمات معيشية (في مرحلة متقدمة نوعيا)، لم يألفوا الزراعة، وعملت قيمهم على احتقارها وتحقير العمل اليدوي والحرفي، مفضلين عليها قيم الحرب والقتال والمبارزة والفروسية، فكانت الجمال دالة الحياة والمعيشة والتنقل لديهم.
وفي حياة التنقل، لا بدّ من التخفف من الأحمال والتأكيد على الضرورات القصوى، بحيث تضمن سرعة التنقل وخفة الحركة، وهذا يستدعي أن يكون أعضاء الجماعة البدوية مقتدرين للقيام بشئونهم بالقوة والسرعة التي لا تعطل حركة المجموع، ولا يعرقلهم في الغزو والقتال.
فإذا كان هذا المجتمع لا يحتمل العجزة والمرضى، فلا مكان فيه للأطفال والنساء ومقضيات الحضانة والرعاية. لذلك كانت المرأة (الفتاة) الشابة النشيطة هي الأوفر حظا لدى الجماعة القبلية. ولحفظ حيوية هذا النظام كان الاتجاه العام لتبديل الزوجات باستمرار، وعدم اعتماد الزيجات الطويلة الأمد، أو الاعتياد على زوجة واحدة لمدة طويلة، باعتبار الركون للنساء مما يورث الوهن، ويقلل العزيمة. وأذكر في هذا المجال، أن النساء قديما، يحتفظن بنشاطهن وخفة حركتهن مع تقدمهن في السنّ، ولا يتمارضن أو يشكين، فلا يكونن عبئا على ذويهن، أو يتثاقل منهن أحد. بل كن يستمررن في القيام بأنواع الخدمة رغم تقدمهن في السن. طواعية المرأة الدائمة للخدمة، وحذقها في اكتساب الفنون والمهارة والحكمة، عناصر تلجأ إليها المرأة منذ بدء نشأتها لدعم أهميتها ومكانتها داخل الجماعة القبلية أو العائلة.
ان منظومة القيم الاجتماعية والثقافية وما يتعلق بها من عادات وتقاليد، ناتجة من نمط الحياة والمعيشة وصراع البقاء، تتجاوز في أخميتها وخطورتها حدود المكان والزمان، عبر تدخلها في صياغة مستويات الوعي والشعور الفردي والجماعي المتعددة.
بيئة البداوة ونمطها القبلي المعروف في أواسط وشمال العرابيا، لم يكن منقطعا منغلقا داخل بيئته، مثل سكان الغابات القدماء في أستراليا وأفريقيا وأميركا الجنوبية، وانما كانت محاطة بسلسلة من المناطق الحضرية المتوطنة ممن يحترف الانتاج الزراعي أو الحرفي أو التجارة، إضافة إلى امتداد خطوط التجارة على ساحل البحر الأحمر.
وكان أفراد من البدو يمرون ببعض الحواضر القريبة لقضاء بعض حاجاتهم ومقايضة بعض اجتمع لهم. والمنطق يفترض ان يترتب على الاتصال التجاري آثار اجتماعية وثقافية، تنتج بالتراكم تحولا اجتماعيا أو اقتصاديا، يفترض عبر عشرات القرون أن يأتي على نهاية نمط البداوة وقيمها..
ربما كان احتمل ذلك واردا ولو نسبيا جدا، ولكن الطريف والغريب في الأمر، أن العكس هو ما تحقق. فالقيم الثقافية والاجتماعية للبداوة والحياة القبلية لسكان البوادي هي التي طغت على حياة وتفكير سكان الحضر، لسبب أو آخر، وهذا يقتضي وقفة مستقلة.
ان مشكلتنا الحقيقية في أصلها، ليست البداوة كطراز معيشة، وانما البداوة كقيم ونمط تفكير. والدول التي حاولت وعملت على توطين البدو وجذبهم للاستقرار، نجحت في ذلك إلى حد كبير، ولكنها فشلت في تطوير ثقافات وعقليات ووعي البادية. وبشكل، قاد تفاقمه الزمني والدمغرافي إلى تغلب الفكر البدوي على الفكر الحضري والمدني.
وكان ظهور الاسلام مدنيا في جذوره، وهو سرّ مرموزية قريش (مكة) المركزية حتى اليوم، باعتبارها حاضرة اقتصادية ثقافية متقدمة، وكان حريا بالاسلام تعميم مدنية قريش (لاحظ مغزى تسمية يثرب بالمدينة، مقارنة بمكة التي جاء تصنيفها كقرية في القرآن)، ليشمل كلّ سكان البادية. فدخلت الحركة الجديدة في صراع ثقافي مضنٍ، برزت ملامحه في القسم الثاني من تاريخ الاسلام بعد انتقاله للمدينة، واتضحت معالمه بعد موت الرسول، معلنا غلبة البداوة على الاسلام الحضري. وهو نقطة الانشقاق الرئيسة في التاريخ والفكر الاسلامي والعربي، التي دخلت في تشظيات ومسميات كثيرة، تبعا لتعدد المرجعيات، واختلافها.
ما زالت الأرثوذكسية الاسلامية ترفض فكرة تأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية (الزمنية) على النص الديني، وبالتالي، فهي لا تعتبر طبيعة الخلاف والانشقاق الذي بدأ عقب موت الرسول – والبعض يعتبره اغتيل مسموما- واستمرار حالة الاحتراب والتشظيات دون العودة للوعي أو العقل والمنطق.
والغريب في هذا المر، انما بينما تجمع كل الجماعات والطوائف الاسلامية على اعتبار الاسلامدين التوحيد، ودين وحدة البشر وأخوة المؤمنين، ينقلب الجميع على ذلك بقصر تعريف الاسلام في حدود طائفتهم ويمعنون في اعلان حالة حرب بلا هوادة ضدّ الطوائف والجماعات الاسلامية والدينية الأخرى.
ولا يعترف أحدهم بدوره في عملية التدمير الذاتي الشامل.
ان أحد وجوه نقد الفكر الديني الاسلامي هو خدمته عناصر البداوة والقبلية وقيمها البدائية. وبدل الاعتراف بدور البداوة في تحقيق هزيمة العرب أمام الفرس البويهيين والسلاجقة والمغول (بدو أواسط آسيا) وصولا للترك والباكستان، يتم تعريق واقع الهزيمة وتعميق جذورها بشكل أقرب للانتحار الذاتي والجماعي.
فالاسلام المعاصر، في نسخته السلفبة، يدين لفكر ابن تيمية الذي كان شاهدا على عصر الهزيمة التاريخية ومعاصرا لتيمورلنك، بغض النظر عن لقائه به والتوسط لديه. فسلفية اليوم لا يعودون إلى زمن قوة الاسلام، وانما يقتدون بزمن الهزيمة التي لم تقم للاسلام قائمة عقبها.
الهزيمة أمام المغول، تم استحضارها في زمن الهزيمة أمام الغرب الاستعماري، في صورة الوهابية المحدثة، عندما تخذ محمد عبد الوهاب من ابن تيمية مرجعية فكرية، تؤكد الطابع البدوي والقيم البدوية في الاسلام، الذي كان في أصله ثورة على البداوة والجهل. وقد تم توظيف المتغيرات السياسية الأخيرة، وفق لوائح تعاون دولي اقليمي لردّ المنطقة العربية لزمن البداوة، تارة باستخدام شعارات سلفية بدوية متخلفة، وتارة باستخدام شعارات الدمقراطية وحقوق الانسان.
وإذا كانت البداوة قد امتهنت الانسان والمرأة والعقل وحرية الفكر في أصولها القيمية، تستمر العقلية الوهابية في امتهان الانسان والمرأة والعقل والحرية الفكرية والفردية، باسم الدمقراطية الأمريكية طبعا، ودعم النظام العالمي الذي لم يعد جديدا..
*

(5)
النظم العلائقية ومبادئها..
أمام افتقاد المكان والعائلة، وتراجع العلاقة بالأم والحاضنة الاجتماعية، ما هو منظور العلاقات الاجتماعية وفي مقدمتها علاقة الصداقة؟..
تنبع العلاقة من واقع الحاجة، والأخيرة تتحدد بوجود طرفين: سلبي وموجب، طرف محتاج مستلم وطرف مانح. وعلى مدى التاريخ القديم جدا، شكلت الطبيعة الطرف الواهب المانح لكلّ طفيليات الوجود. ولكن مع تنامي وعي الانسان واستخدام عقله ويديه [كانت بداية ذلك في الحيوانات العلبا ومنها القردة] بدأت مرحلة جديدة من التاريخ تشهد دأب الانسان السيطرة على الطبيعة وظواهرها والتحكم بها وتسخيرها لإرادته، والتي ما نزال في فضائها، مع كلّ التهديد الناتج عن تمادي الانسان في التجاوز على الطبيعة بشكل يصعب معه التنبؤ بالمخاطر الناتجة عن ذلك ومدى امكانية السيطرة عليها.
تدجين الحيوانات واستزراع الحبوب واستخدام النار للطبخ والتدفئة وحرق الفضلات مثل الخطوات الأولى لامبراطورية الانسان والعتبة الأولى للتحضر والعلاقة بالمكان. ولادة المكان الحضري قدم بديلا للطبيعة كحاضنة رئيسية أولية للكائنات الحية على الأرض ومنها البشر. ترتب على المكان الجديد وجود مجموعة/ مجموعات من البشر في مكان واحد، يشتركون في عدد من الأنشطة للمحافظة على المكان واستمرارهم فيه.
العلاقات المادية تبدو هنا هي القاعدة والمبتدأ في علاقة الانسان بأخيه الانسان. فقيام الأفراد بأعمال مشتركة أو متداخلة، يترتب عليها نوع آخر من علاقات انسانية تلعب فيها الأفكار والمشاعر دورا يتجاوز مجرد علاقات العمل والانتاج الاساسية.
اذا كانت علاقات العمل محكومة بظرفها وطبيعتها القابلة للتغير والحركة، فأن العلاقات الانسانية المستندة على التماثلات والتكاملات النفسية والفكرية والتقاريات الشعورية أوفر حظا في الدوام والاستمرار.
وكما شكلت علاقات العمل قاعدة طيبة لعلاقات انسانية حميمة، فأن الأخيرة يمكن أن تقدم قاعدة مناسبة لمشاريع اقتصادية أو اجتماعية مشتركة، ولكن ليس بالضرورة والشرطية.
يمكن اعتبار عنصر الجيرة (السكن المتقارب في المكان الواحد) عاملا آخر تقوم عليه علاقات (جوار) قد تتطور إلى علاقات شخصية أكثر قوة وتوافقا.
إذن، العمل المشترك أو المكان المشترك وما يترتب عليهما، هو المنشأ الأساس لمعظم العلاقات الاجتماعية، أفرادا أو جماعات. – يوفر الانترنت فرصة أخرى لتعارف البشر عبر [facebook, twitter, chatting] للتسلية وتزجية الفراغ، هو أقرب لفكرة المقهى أو الكافيه الأثيري-. وفي الاقتصاديات الحديثة ثمة اتجاه متنامٍ لاختزال المكان وتوفير المصروفات الرأسمالية (الثابتة) دون أن يؤثر على سيرورة العمل أو عوائده. هذه الثيمة الاقتصادية انعكست في الجانب الاجتماعي وتزجية الفراغ، دون مغادرة جدران الحجرة.
لدى المطابقة بين الواقع التكنولوجي المادي وواقع حياة البداوة، نفتقد أبرز عنصرين: المكان، العمل.
فالبداوة هي نقيض الاستقرار في المكان، والبدوي يحتقر العمل. وبالتالي، لا يمكن تصور قاعدة حقيقة سليمة لعلاقات اجتماعية داخل جماعة البدو.
قد يسأل البعض عن طبيعة الرابطة القوية التي تجعل الجماعة البدوية تغزو وتقتل وتسلب دون تخلف أحد عناصرها أو تخاذله أو انقلابه على جماعته. وهل يعكس ذلك نوعا من علاقة يمكن أن تترتب عليها علاقة انسانية أو شخصية متكافئة؟..
العنف هو محور مركزي للجماعة البدوية، وكلّ متعلقات الحياة البدوية وقيمها تنطلق وتتمحور حول العنف. كيف يكون العنف أساس العلاقة؟
العنف حاضنة رئيسة للخوف، والخوف أساس ارتباط تبعي قهري، هو صورة تلك العلاقة.
وماذا وراء الخوف والعنف؟..
وراء الخوف والعنف.. العبودية!..
فالفرد داخل جماعة البدو مقهور على الطاعة والخضوع والانقياد وتنفيذ الأوامر والتعليمات وعدم المجادلة أو الاعتراض أو الاعتذار أو التخاذل، أو التحريض بالضدّ. انه مقهور على كبت مشاعره وخلجاته وأفكاره وقلقه وألمه وخوفه وحبه وكرهه إن خالفا هوى الجماعة. فلا وجود للخصوصية، ولا خروج على الاجماع. (فكرة اجماع اهل السنة والجماعة أو اجماع المشايخ والمراجع، هي جزء من صور البداوة إلى جانب جملة القواعد والأحكام الاجتماعية المطبوعة بالدين).
لا توجد عند البدو محاكم ولا قضاة ولا مجالس نقض. زعيم الجماعة هو الحاكم الأوحد في اتخاذ القرار وحسب لحظته، وفي لحظة يمكن للضحية فقدان حياته أو جزء من جسده، أو الحصول على عفو مشروط.
لذلك يفضل بعضهم الموت في الغزو على قتله غيلة أو بتهمة الخيانة أو التخاذل. وكما سبق القول، لا قبل للقبيلة باحتمال المرضى والضعفاء.
احد خصائص العلاقة الشخصية هو السريّة وصيانة الأسرار..
ولا وجود للسريّة والخصوصية والفردية في الحياة القبلية.. هناك حيث لا توجد بيوت، كذلك لا توجد أبواب.. ولا حراس.. فالحياة والبيوت والقلوب كلّها مفتوحة.. ولا يسمح لأحد صيانة سرّ، والا اعتبر خائنا أو متربّصا بالجماعة.
ومن آثار البداوة وانعكاساتها في حياتنا، عدم اغلاق أبواب البيوت حتى الليل ما قبل السبعينيات، وطابع العلاقات الجماعية المفتوحة، والطابع المشاعي في تداول الأدوات وتبادل الخدمات الاجتماعية. الناس يتبادلون الزيارة في أي وقت، وتدخل جماعة على جماعة دون استئذان أو مراعاة للخصوصيات.
الجماعية والمشاعية تتعدى الأشياء والأشخاص والعلاقات إلى واقع القيم والأخلاق التي لا تخرج عن المنظور الستراتيجي الجمعي للقبيلة. فالاخلاص والوفاء والصدق والشجاعة والايثار والحبّ والولاء تبقى رهينة بإطارها الجمعي للقبيلة، ولا مكان للفرد والشخصية الفردية في بحر ذلك.
هنا يظهر مفهوم الوشاية، عندما يقع أحدما ضحية علاقة شخصية مع أحدهم، ويكتشف أن صديقه المزعوم وشى به لدى جماعته، ليس باعتباره خائنا، وانما بحكم كون ولائه لجماعته أقوى من علاقته بشخص. تراتبية الولاءات وأثرها السلبي على العلاقات الاجتماعية والشخصية، قليلا ما تخطر على البال، ولكنها مسئولة عن كثير من الخراب الاجتماعي الذي يبلط المجتمعات الشرق أوسطية.
ومن انعكاساتها كذلك استمرار ولاية الفتاة لعائلتها أو قبيلتها بعد الزواج، مما يبرر لها التفريط بحياة زوجها وخصوصياته مع عائلته خدمة لأحد أخوتها وأقاربها. الأمر الذي جعل صورة الزواج مجرد صفقة تجارية أو ثأرا قبليا، بحيث تستمر أجواء الكراهة والمنافسة والغدر بين العائلتين. ولا يكاد الانسجام والمحبة تجد لها مكانا بين أطراف الزواج، بشكل أشاع أمنية مستحيلة أن يتزوج المرء فتاة (مقطوعة) مات عنها أهلها حتى ينجو الزواج من التجسس والتدخل في حياته.
في تقاليد البداوة لا توجد صداقة أو علاقة شخصية تربط بين اثنين، لا داخل العائلة ولا داخل القبيلة. ولذلك لا توجد قيمة للانسان الفرد في ذاته وانما مدى خدمته للقبيلة وولائه لها. فالمرأة تطلق في لحظة، والرجل يقتل أو يطرد خارج القبيلة لمجرد سوء ظن أو وشاية، أو رفض تنفيذه الأوامر.
ولا تزال آثار وانعكاسات كثير من تلك القيم تحرث في حياتنا المعاصرة، وتتحكم بها. ومن هذا المنظور ينبغي النظر للاسلام السياسي والسلفية والجماعات الجهادية في خطابها وسلوكها، كاستعادة لقيم وطرز بدائية بدوية بائدة.
ان الصداقة والعلاقات الاجتماعية قيم فردية، ارتبطت بالتطور المدني والثقافي العام، مما لا مكان له في ظاهرة البداوة. رغم أن أقدم نص شعري مدون، يشيد بالصداقة الانسانية كقيمة عليا.. غير بعيد عن موطن البداوة، صداقة جلجامش وأنكيدو في أور السومرية.
*

(6)
غرائب الاغتراب..
الجزر وأشباه الجزر مناطق بيئية طبيعية، هي نتيجة للتغيرات والتموجات الجيولوجية في باطن الأرض والمناطق القريبة من سطح التربة، وبسبب وجود المياه في محيطها، تحتضن الجزر وأشباهها ثروات طبيعية حيوية (أويكومين) من غابات نباتية وحيوانات مختلفة، كما هو الحال في الجزر الاسترالية والهندية والأمريكية الجنوبية. بينما تختلف بيئة العرابيا عن سواها بكونها امتدادات رملية شبه جافة ومقفرة، رغم انتشار المستوطنات الحيوية والحضرية على شواطئ المياه المحبطة بها، بدء من شواطئ الخليج والبحر الجنوبي والبحر الأحمر غربا.
وباستثناء (اليمن وحضرموت) فأن المناطق الأخرى لم تقدم مساهمة تذكر في اقتصاديات الانتاج المادي. وكان دورها التجاري الدولي يقتصر في جوهره على الجمع والالتقاط من ثمار الطبيعة كالصمغ والمرّ وغيره من الأحجار الأرضية التي تنقلها القوافل نحو الحبشة ومصر والشام في طريقها نحو روما وفارس.
بحسب المؤرخ اللبناني [Philip M. Hittitti] في مصنفه الكبير (تاريخ العرب) فأن تاريخ تلك التجارة يعود إلى الألف الرابعة قبل الميلاد، وكانت مصر الفرعونية وروما أوسع أسواقها، ويذكر أهميتها في الصناعية المصرية النسائية كالعطور ومواد الزينة التي تميزت بها المرأة المصرية منذ القدم. وكان لامتداد خطوط التجارة من الجنوب إلى الشام، أثر في نشأة عديد مراكز الاستراحة على طول الخط، والتي استحال قسم منها إلى مراكز وعواصم تجارية لاحقا بفعل الحاجة والنمو والتطور. وكانت الطائف ومكة وحائل والأنباط والبتراء ومعان وصولا إلى تدمر ودمشق بعضا من تلك المراكز.
وكانت المراكز التجارية تمتع بنوع من الحصانة السياسية والعسكرية من الغزوات العسكرية والاعتداءات الأمنية، ويجد فيها ضيوفها وقتا للراحة واللهو والتعارف والمثاقفة قبل عودتهم لاستكمال رحلتهم شمالا أو جنوبا. يمكن تشبيه أنظمة المراكز التجارية تلك بنوع من الأنظمة المتعارفة المعمول بها في الموانئ والمراكز البحرية التي تتوقف فيها البواخر التجارية للراحة والتبادل وأغراض الصيانة.
وإذا كان هذا حال الشواطئ الجنوبية والغربية، فقد كانت شواطئ الخليج امتدادا سياسيا أو تجاريا للممالك السومرية والبابلية التي تصل البحر الجنوبي، فيما كانت (دلمّون) بمثابة عاصمة جنوبية أو مركزا دينيا جنوبيا حيث يرد ذكرها في ملحمة جلجامش.
تأمل خريطة وتوزيع الاستيطان في العرابيا، يدفع لسؤال حقيقي ملغز، في ظلّ هذه الخريطة السكانية والتجارية، ما الذي يجعل جماعات من الناس تنأى بنفسها عن المراكز الحضرية والمائية، وتعتكف في مغاور الصحراء والمناطق الجافة القاحلة، معتزلة العالم، وهي على أشد القرب منه ومن كلّ الاتجاهات.
البداوة (العربة/ عربن) نمط من الحياة هو نتيجة لجملة من اجتماع عوامل البيئة والطبيعة الصعبة، والتي تدفع أفرادها تقاوم بكلّ امكانياتها للبقاء على قيد الحياة ومضارعة الزمن. والبداوة مشخصة تاريخيا وعالميا في حالة البربر سكان الصحراء الأفريقية الكبرى شمالي أفريقيا، وحالة المغول في أواسط آسبا وغرب شمال الصين. وقد كان للبربر أثر فاعل في الحضارات الأغريقية والرومانية والمسيحية في مختلف قطاعات الفلسفة والسياسة والعسكرية، انعكس في موقفهم المنفتح من الجماعات الثقافية والسياسية المحيطة بهم. ويعيش البربر اليوم حالة نهوض ثقافي واجتماعي وسياسي في تأكيد هويتهم القومية والحضارية الانسانية في امتدادها من ضفاف الأطلسي حتى مناطق النوبة شمالي السودان وجنوبي مصر.
وعلى الصعيد الآسيوي انطلقت هجرات سكانية متعددة من غربي الصين متجهة نحو الغرب الأوربي والشمال والشرق الأوسط، يحددها أرنولد توينبي بين القرنين السابع والثاني عشر الميلادي. وقد التحم المغول في أوربا بالموجات الكيلتية السابقة لهم والبربر من الجنوب في تجذير قيم العمل المادي في الزراعة والحرف والتصنيع التي سادت بها أوربا على كلّ العالم. ورغم استمرار بقايا متفرقة من قبائل المغول والتتر في مناطق السهوب، فقد انمازوا منذ البدء بحسن التنظيم والقدرة على الادارة والقيادة ولهم مملكة واسعة شمال الصين وأكثر من خمس دول في وسط آسيا. ومن امتداداتهم الدولة العثمانية التي حملت إرث الامبراطورية الاسلامية وتوسعت بها منذ العصور الوسطي حتى فاتحة القرن العشرين، وولادة دولة تركيا الحديثة من رحمها.
فالبداوة لم تكن غير مرحلة سبات بدائي، ما تنفك الجماعة أن تنهض وتخلفه وراءها. لكن الغريب ومصدر التساؤل، كما يطرحه توينبي نفسه، هو استمرار البداوة في الشرق الأوسط والعرابيا، وعجزها أو رفضها الخروج منها نحو التطور الاقتصادي الاجتماعي، والالتقاء بالمجموعة الانسانية!.
بدلا من ذلك، ينقل لنا التاريخ صورة (الاعرابي المتربص) كما ترد في النص الفرعونية والأشورية والتوراتية والسبأية، هو أكثر ما يتعارف ويتوارد عن البدو/ (عربن).
يقدم فيليب حتيته رسما لشكل الرأس وقوام البدوي مستقاة من مصادر فرعونية تعود حتى الألف الرابعة قبل الميلاد. لكن تلك الصورة تتناول جماعة سينوية أو مقابلة لسيناء التي كانت عبر التاريخ ساحة لأحداث وأقوام كثيرة ومتقلبة، ولا يمكن الوثوق أو الركون إلى تشخيص جامد وثابت لوجود (البدو) على أبواب سيناء في القرن الرابع عشر. أن كثيرا من أسماء المواقع والمواطن بين فلسطين ومصر متغيرة ومتعددة بحسب الأقوام واللغات والمراحل التاريخية المتعاقبة فيها. وبالتالي، ليس من المنطق العلمي إلصاق صفة أو لغة أو جماعة عرقية ثابتة بالمنطقة. والواضح في تواريخ الفراعنة ظهور الهكسوس على السواحل المصرية بشكل أعجز القوات المصرية عن الاستمرار في طردهم، بعد أن نزلوا في سيناء، وكانوا أقرب إلى البدائية والوحشية قبل أن يتوغلوا في حكم مصر وتتكون منهم أسر فرعونية عاصرت أحداث قصة يوسف التوراتية المعروفة في مصر.
استخدم المصريون الفراعنة بعض جماعات البدو في حماية طرق التجارة عبر سيناء، كما نجح الرومان في الاتصال بهم لنفس الغرض، وكذلك للحصول على أدلاء في حمالاتهم العسكرية، تطورت إلى انشاء جيش من المرتزقة (العرب) كان لهم شأو في الحرب والقتال، مما وطنوا أنفسهم عليه، وقد اشتهر منهم المعروف باسم (فيليب العربي). ويذكر بالمناسبة، أن هيرودس الكبير مؤسس العائلة الهيرودية الحاكمة في فلسطين هو من أهل أدوم (الحجاز)، وقد عينه الرومان ملكا على فلسطين [37ق م- 4 م] وفي أيامه كانت ولادة يوحنا المعمدان ويسوع المسيح، والذي أصدر قرارا بقتل مواليد الأطفال دون الثانية من العمر، للقضاء على يسوع الطفل. وقد تولى بعده ابنه هيرودس أنتيباس [4 م- 38م] وهذا الأخير هو المسئول عن مقتل يوحنا المعمدان لارضاء هيروديا وسالومه الراقصة ابنتها.
ولا يكاد يذكر التاريخ السوري الآرامي شيئا في هذا المجال، مما يمكن تأويله بأحد اتجاهين؛ عدم ظهور ممالك كبيرة في سوريا، وشيوع ممالك عديدة ذات طابع قبلي أو مديني، محاطة بمملكة فرعونية قوية في مصر، وممالك آشورية امبراطورية في العراق. والاحتمال الآخر، تداخل الوجود الآرامي السوري مع القبائل البدوية، عبر (بادية الشام)، وهو مصدر التأثير أو التشويش على حدود أشور كما تردد في سجلاتهم.
وفي كلّ ذلك، تبقى البداوة (عربن) دالة نمط حياة [lifestyle] أكثر منه دالة على عرق أو قوم بعينهم. فكلّ من اتخذ نمط البداوة فقد تعرّب، أو استعرب، بحسب أصلها اللغوي.
البداوة (العرابة) كنمط حياة، لها ثلاثة مواصفات رئيسة: الانعزال وعدم الاختلاط بالبشر، الجمود وعدم قبول أي تغيير أو خروج عن نمط حياتها، العدوانية في موقفها من الآخر، ومعاملاته الخارجية واسلوب تأمين حاجاته.
وفي اللغة السريانية كانت تسمية يوم الراحة والعبادة – اليوم الأخير في الاسبوع (عربايا) بما يقابل [Shabath] عند العبرانيين، وهو يوم يخصص للعبادة ويمتنع فيه الاختلاط بالغير والاعتكاف في المنازل ومداومة الصلوات والطقوس الدينية.
ومن طقوس الصحراء العزلة واعتزال الخلق والحياة والانقطاع للتأمل في الوجود واستكناه الغيب، وفي أيام الاضطهادات المسيحية نمت ظاهرة الرهبنة ملتجئة في أعماق الصحارى ومغاورها، كحال الأديرة المصرية القديمة في غرب النيل وصحراء سيناء وجنوبي فلسطين. ومنها المعروف باسم وادي عربة، ليس بالمعنى المعاصر، وانما بالمعنى الديني ومكان الانقطاع للتأمل الوجودي!.
*

(7)
الصحراء.. هوية ومرجعية قيمية
الجغرافيا البشرية لجنوبي الشرق الأوسط محبطة. حالة غريبة ومقرفة من الجمود والعجز والتسليم. لكن النظام التعليمي على العموم حافل بالتزوير والتدليس والتدجين، أي الأدلجة المسبقة [عروبيا، قوميا، دينيا]. في بداية المتوسطة تعلمنا التاريخ القديم: السومري.. البابلي.. الآشوري. الذاكرة الوطنية بحاجة لصور القوة والفخامة والسيطرة. لكننا.. لا في عمر المتوسطة – ولا بعدها- نتساءل أين هم هؤلاء الأجداد القدماء العظماء، وما يربطنا بهم؟.. مسلة حمورابي، ملحمة جلجامش، مكتبة آشور بانيبال. كانت تلك خطوة في بناء داخلنا الوطني الروحي وهويتنا الثقافية الصلبة.
عند دراستي اللاحقة للاقتصاد وتقسيمات التاريخ الاقتصادي، استغربت استمرار نمط البداوة والبداة حتى العصر الراهن، وتمجيد قيم البداوة الطفيلية غير المنتجة والخالية من ابداع أو تطور. كيف يمكن لهوية ثقافية وطنية أو قومية، أن ترتكز على تنميط حالة الجمود والعجز والتقليد والتكرار الغيبي (الغبي)؟ وهل يمكن الأمة وهي تقدس منظومة بدائية جامدة، أن تتطور وتحلم بمضاهاة ركب الحضارة والتقدم والازدهار؟..
هذه الأسئلة وهذا النوع من التفكير جزء من تجربة ذاتية للبحث عن المعنى والقيمة الوجودية. الانسان ليس حشرة تطير من غصن إلى غصن، ولا مجرد كائن حيواني كلّ ما يشغله هو الحاجة والامتلاء والتفريغ، وكمية من الضجيج والتهريج والضحك الذي لا يجدي ولا ينتج.
ان العلاقة بالأجداد والماضي، إذا كان لا بدّ منها، فيجب أن تكون عاملا ايجابيا محفزا للابداع والانتاج والإضافة. وبغيره تفقد تلك العلاقة مبررها المنطقي والموضوعي. أدركت يومذاك، أن ما يدعى تراثنا الثقافي غير المقدس هو جثة هامدة، ولا يجوز تقديس الجثث وعبادة الأصنام. والسلفية نموذج لنقض الذات/ ذاتها. فهي إذ تحارب الخرافات الاجتماعية، تقدس الخرافات والسفاسف باسم الدين، وإذ تدعو لهدم القبور والأوثان والمجسمات المادية، تقدس الماضي والمأثور عن الأسلاف والأجداد، بزعم الابتعاث الديني.
عقول الأبناء أكثر تطورا من عقول آبائهم، وعقول الآباء أنمى وأنفع من عقول الأجداد. والسلفية تلغي القيمة المضافة للعقل عبر الزمن من خلال تحجر المجتمع والحجر عليه وعلى كل محاولة للتقدم. ومن أجل تقديس الماضي ممثلا في بعض رموزه الصورية والفكرية يجري الغاء تاريخ المستقبل. ومن أجل ذلك تظهر أهمية الاغتيال والقتل في المأثور البدوي السطحي والأجوف والمغرور.
سطحي لأنه لا يخاطب العقل ويخالف المنطق.
وأجوف لأنه عاجز عن المواجهة والمناقشة ومبادلة الرأي بالرأي والانفتاح على الآخر، خشية خسران موضع قدمه.
ومغرور لأنه يخاف النقد والاعتراض ولكي يلغيهما، يقطع النقاد والمعارضين بالسيف والرصاص كما يحدث حتى اليوم، في ظل الدمقراطية السلفية والأمريكية.
موقف البداوة من العقل والحداثة، شبيه بموقف البدو من المرأة التي يجري اختزالها إلى جسد سطحي أولا، ثم يجري اختزال الجسد في بضعة مناطق من الجسد، وخوفا من المواجهة يقوم بتغطية كيان المرأة والتعامل معها عبر ثقوب لا غير.
هذا التراث البدوي أنتج على مدى الزمن شخصيات ضعيفة هشة من الناحية النفسية والفكرية، ليس لها بعدُ.. من شيء تفخر به غير الجسد القوي والجسد السليم. وفي مجال التربية يذكر البعض تكرار مقولة (العقل السليم في الجسم السليم)، في دعاية سمجة لتنمية الجسم (ترتبط بدروس الرياضة)، وليس الدعاية للثقافة وتنمية العقل الذي يقتضي بقاؤه فارغا ليبقى سليما – من العبث-.
العجز عن المواجهة أو التغيير يدفع للتكيف مع الحالة. وبدل استجماع خبرات تقنية تدعم عنصر المواجهة والتغيير، يقود التمادي في الضعف إلى تأصيل الظاهرة فكريا واجتماعيا لتبرير الخضوع لها والمبالغة في تمجيدها لحدّ القداسة والتأليه.
تلخص هذه الفقرة الأساس الذي أنتج فكرة الدين والإله، وفي المجال الاجتماعي تنطبق على حالة المرأة التقليدية في العائلة والمجتمع، كما تعكس صورة المجتمع في خضوعه الطويل لحاكم جائر مستبد.
انها في الأساس صورة البدوي العاجز أمام نفسه وبيئته، فاضطر إلى اعتبار البداوة نموذجا يتفاخر به، ثم عمل على تقديسها بالمخلل الديني وربطه بميثولوجيا الغيب وخرافاته.
ما هي الأصالة؟..
الأصالة من الأصل، عكس الاختلاط.
لكن الاختلاط الاجتماعي والفكري يعني الحضارة، وهو العمران بلغة ابن خلدون.
العنصر الكيمياوي [فلز/ لا فلز] في الحالة الذرية لا يمكن الافادة منه إلا بتفجيره. لكن دخوله في مركبات ينتج مواد نافعة كالماء (H2O) مثلا. وباختلاط البشر تتكون الخبرات وتتراكم المعارف وتتشكل قاعدة لنمو الحضارة. وباختلاط رجل وامرأة تتكون العائلة وتتولد أجيال جديدة من البشر، ويحدث تغيير في صورة الحياة. اختلاط الانسان بالعمل يضيف ألوان جديدة للبيئة ويغير وجه الطبيعة. الزراعة والحرف والتصنيع تعني التطور والتجديد والابتكار. فالأصالة بالمعنى الحضاري هي قيمة سلبية جامدة، تؤخر ولا تنفع في شيء.
لكن العرب لا يجادلون في الأصالة، رغم عدم وجودها في وسطهم على الاطلاق. يرى ابن خلدون في البداوة والتوحش مثالا على نقاء اللغة والعادات والقيم!!..
ابن خلدون التونسي [1332- 1406م] مثقف كبير وعالم ومفكر قياسا لعصره، وجانب كبير من عصرنا الراهن، ولكن علي الوردي [1913- 1995] وصمه بالانتهازية، بل اعتبره أكثر ميكافيللية من نيكولو دي برناردو دي ميكافيللي [1469- 1527] صاحب امتياز اللقب.
ففي السنوت الأخيرة من حياته عكف على وضع مصنف يجمع فيه تاريخ البشرية منذ أول بدئها حتى أيامه، يجمع فيه بحسب تعريفه [التاريخ هو سفر أيام الملوك والدول] ما أمكن له جمعه ومعرفته من قصص الأقوام والدول والحكومات. لكن الرؤية الرئيسة لبحثه اعتمدت مركزية الحدث العربي (الدولة العربية الاسلامية).
اتخذ ابن خلدون من فكرة (العصبية) محرّكا رئيسا لتاريخه، والعصبية ثيمة بدوية قبلية أكثر من أي شيء آخر. ويعترف أو يعتبر (النسب) دعامة العصبية، مع ترجيح كفة البداوة والتوحش ضامنا لنقاء النسب وصفاء العصبية. فالمثال المقصود هنا هو بناء الدولة الاسلامية على عصبية (قريش) وسلسلة النسب المحمدي المطلبي العدناني الاسماعيلي.
وفي ظلّ تورطه العصبي راح يحاول ربط دول اليونان والرومان والفرس وسواهم بحسب جداول نسب يشتقها من الاسرائيليات تارة ومن المأثور الشفاهي العراقي القديم تارة أخرى، وهو في ذلك لا يأتي على غير الحروب والصدامات العسكرية وأرقام الخسائر الحربية الكارثية، منتهيا منها – على البارولة الاسلامية- بعبارة (والله أعلم).
ابن خلدون يؤكد هنا عنصر (الأصالة) اليعربية محيلا إياها على نقاء حياة البداوة والتوحش. الأصالة هي مرادف لغوي (ثقافي) للعصبية الخلدونية. وكما ساهمت الأخيرة في تأسيس قوة الدولة، فأن الثانية تحولت إلى مركزية قومية تنبع منها اللغة والعادات والقيم والثقافات، على أساس فردانية الصحراء كبيئة حاضنة للبداوة والقبلية.
فكرة الأصالة والعصبية ومظاهرها الثقافية والاجتماعية ليست اكتشافا خلدونيا في أصلها، ويمكن الرجوع بها إلى عصر التأسيس الفكري والتأليف العربي مع أواخر القرن الثامن الميلادي جنوبي العراق، حيث ظهور المركزية الثنائية في الفكر والثقافة العباسية بين مدرستي (البصرة) العقلية و(الكوفة) النقلية. وشيوع مقولة: كلّ ما اختلفتم فيه فردوه إلى أصله مما تناقله الرواة؛ أو استفتوا فيه أهل البادية، فهم أصفى لسانا وأقل عرضة للهجنة.
*

(8)
من البحرين إلى النهرين.. تغريبة الماء
"ان اختلاف الأجيال في أحوالهم انما هو باختلاف نحلتهم في المعاش."- ابن خلدون
تنتهي أطراف الصحراء العربية شمالا داخل الحدود الحدود العراقية الدولية اليوم، يحدها مجرى نهر الفرات الذي يمتدّ كذراع طويلة حاملا همّ العراق من قبل ظهور البشر. إلى الشرق من نهر الفرات تمتدّ بحيرة كبيرة في تسميتها وأصل نشأتها اختلاف، باختلاف المرجعيات البحثية. فمن معتقد أنها بقايا من بحر النجف، ومن قائل أنها بقية منحسر من مياه طوفان نوح. ومنهم من يقول أن الامتداد الأصلي لعنق الخليج كان يمتد قديما قريبا من موقع سامراء (سرّ من رأى) الحالية شمالي بغداد. ثم حدثت تغيرات جيولوجية ومناخية كانت من أثرها تراجع نسبي تدريجي في جسم المياه، حتى استقرت على ما هي عليه عبر عشرات القرون أو أكثر. ويدعم هذا الرأي التصوير التوبوغرافي لسطح الأراضي العراقية الآخذ في الانخفاض والتحدر من المرتفعات الشمالشرقية نحو الجنوب. ويزداد معدل الانحدار من بعد بغداد بمعدل أكثر.
هذا الرأي يدعم ظهور أقدم المستوطنات جنوبي العراق على حافات المياه أو داخلها، على النمط المتعارف حتى اليوم باسم (الجبايش) التي تعتمد بناء بيوت اصطناعية طافية على سطح المياه بشكل دائمي، تأخذ معه صورة قرية متقاربة البيوت، ويجري التنقل فيما بينها بواسطة قوارب ضيقة نحيفة لا تسع لأكثر من شخص أو أثنين، تدعى [شختورة، شخيتيرة].
نمط الحياة المائية في الجبايش أكثر تعقيدا وغرابة من نمط البداوة الصحراوية القاحلة، ومصدر الغرابة في الحالتين، هو سرّ دافع الانسان لترك الأرض اليابسة المنبسطة الخضراء والانعزال وراء الصحراء الجافة أو داخل الماء، واعتزال بقية البشر.
لكن المقارنة بين النمطين جدير بالأهمية، وسر الجدارة، يتركز في طبيعة الخصائص الاجتماعية والنفسية لكل من الجماعتين. فجفاف الصحراء وقيظها الحارق منعكس في جفاف طبائع البدو وأخلاقهم القاسية الراجحة للعنف باستمرار. بينما تتسم سكان المياه بالنعومة والسلاسة والسلمية على طول الخط. ورغم اتفاق الجماعتين في ميول العزلة ونزعة الخوف والارتياب من الغريب والغير. فأن سلاسة سكان المياه ورطوبة نفوسهم سرعان ما تذيب الحواجز وتربط العرى، تلك التي تبقى عائقا يابسا عند البدو مهما حاول المرء التقرب منهم.
طبيعة البيئة ونمط الحياة والطعام والعلاقات لها اثر مباشر في انماط العادات والسلوك على الصعيد المباشر، يضاف لذلك العوامل الداخلية المتعلقة بالنفس واللاوعي والغيب الديني. مما يترتب عليه وجود اختلافات فكرية ونفسية واجتماعية بين أتباع كل بيئة عن سواها.
ثمة اعتقاد متزايد منذ التسعينيات، بوجود صلة ما بين سكان الأهوار العراقية كامتداد وإرث متصل بالسكان السومريين القدماء، أقدم الجماعات السكانية في المنطقة والسابقين في تأسيس المستوطنات والمدنيات والدول الأولى في التاريخ في الألف الرابعة قبل الميلاد. وتنتشر قرى (قضاء) الجبايش بين محافظتي ذيقار (الناصرية) والبصرة حيث يلتقي مجري الفرات ودجلة عند القرنة مشكلين شطّ العرب الذي يصبّ في ثغر الخليج.
يعتبر توينبي أن السومريين سبقوا المصريين القدماء تاريخيا في الاستيطان والتحضر وبناء الدول والجيوش والفكر الديني، رغم أن ظهور الاثنين كان متقاربا في الزمن. ويرى أن فنون الهندسة والكتابة والفكر الديني انتقلت من جنوبي العراق إلى مصر، بينما يشيد كذلك بجانب الاستقرار والتنظيم عند المصريين مقابل قصر فترات الاستقرار في العراق.
ففي وقت شبه متقارب، بدأت جماعات سكانية تتسم بالتنظيم والتعاون والارادة القوية، في شطف الغرين في جنوبي نهر الفرات ومنطقة دلتا النيل، مؤسسين بذلك أقدم مدنيات زراعية على سطح الأرض. والأسئلة هنا تتركز حول عناصر الخبرة والتنظيم الاجتماعي وفنون القيادة وقوة الارادة والنفس الطويل في العمل. فبزل الغرين عملية شاقة ومتعبة وتحتاج إلى عمل متواصل ولمدة طويلة. ويغتقد توينبي أن العمل كان يجري على وجبات، تشارك فيها مجموعات عمالة بشرية كبيرة، مما يعكس حسن الادارة وقوة القيادة، ولا يخلو من عناصر الاهتمام والرعاية والتمويل للعمال وعوائلهم خلال مدة العمل الطويلة. أي ان المشرفين على العمل كانت لهم مصادر دخل كبيرة ومستمرة [رأسمال متراكم]، إلى جانب عناصر الخبرة والسياسة.
مثل هذا العمل المؤشر تاريخيا في الألف الرابعة قبل الميلاد، يقتضي تاريخا أكثر قدما لوجود السكان في تلك المناطق. وهي الفترة التي سمحت لهم بدراسة ظروف المكان وعناصر جدوى المشروع، ونوعية الخبرات اللازمة لانجاز مثل تلك المشاريع الصناعية الجبارة الأولى.
ان تأمل الخطوات الأولية والدراسات السابفة لبدء تنفيذ حفر قناة السويس مثلا، يكشف مدى أهمية التخطيط والادارة والتمويل والتنظيم والقيادة في مشروع ضخم وغير عادي. رغم أن مشروع قناة السويس الحديث نسبيا مقارنة بالمشاريع الزراعية الأولى في الدلتا، انتهى إلى سحابة من الأزمات والاشكاليات التي غطت سماء مصر ودفعتها في نفق من الأزمات استمرت آثاره وانعكاساته حتى زمن قريب.
أنشأ السومريون مملكة واسعة امتدت شمالا مع مجرى النهرين، وجنوبا نحو الخليج. وعملت على تسويق منتجاتها الزراعية وغير الزراعية خارج حدودها، وكان لها مبادلات تجارية تصل إلى مصر وجنوبي الخليج، رافقها انتقال كثير من مظاهر الحضارة والعلوم والمكتشفات الحديثة مما تحقق على أرضها، كاكتشاف العجلة وشيّ الطين وتقدير الزمن وتقسيمات اليوم والعام وقاعدة الستين في الحساب ومقاييس الفلك والخطوط المسمارية التي انتشرت في ارجاء العالم القديم لمدة طويلة ترتبت عليها تطور اللغات وظهور الأبجدية وقاعدة المربع في البناء، وانشاء المعابد والزقورات والقصور وكثير من فنون الحياة وخصائصها المستمرة حتى اليوم بتغيير طفيف، وليس آخر بوضع الدساتير وصياغة القوانين التي كانت تمهيدا لمسلة حمورابي في العهد البابلي.
وفي الجانب الزراعي استخدم السومريون منظمات المياه وأنشاء السدود في أعالي الفرات حسب تنقيبات الدكتور المهندس العالم أحمد سوسة، الذي ساهم في بعثات تنقيبية في الأراضي العراقية والسعودية في النصف الأول من القرن المنصرم، جمع نتائجها في أربعة كتب قيّمة.
الوركاء.. أور.. أريدو.. الناصرية.. النصر.. نقاط حضرية وتاريخ عميق وعريق.. بينها وبين مركز نجد خط صحراوي مستقيم هو البادية.. لكنه يجمع طرفي نقيض من الحضارة والعمران المدني والمرجعيات الفكرية والدينية المتعارضة.
والغريب.. أن أول خط اتصال العرب بالعراق كان عبر هذه النقطة.. أولى المعارك وبوابات الاختراق. القادسية وذيقار ومعركة الجمل متقاربة من بعضها في علاقة البدو بقلب الحضارة، والذي تخلده حتى اليوم مراكز البطحاء وتلّ اللحم. لذلك نفر العرب من جغرافيا سومر وذيقار، لبناء معسكرات الجيش الجديد في طرف البصرة، من جهة (قضاء) الزبير من آثار الخلافات البدوية.
ما يقتضي التنويه.. ان سومر وحضارتها المؤسسة كانت في فجر التاريخ.. قبل آلاف السنين من الظهور البدوي المتأخر.. عقب السبات العراقي الحضاري منذ الغزو السكندري، غير بعيد من السبات الراهن منذ الغزو الأمريكي، وارتفاع رايات البدو.

(9)
الجماعة الزراعية والجماعة الصحراوية..
تختلف طبيعة الانسان وعاداته وأفكاره ومبادئه القيمية والسلوكية بحسب نوعية البيئة المرتبط بها. ويشكل الغذاء ونوعه وطبيعته أحد خصائص البيئة ذات الأثر الرئيس في الطبيعة النفسية والاجتماعية للشخص، إلى جانب عوامل البيئة الأخرى.
البيئة الزراعية أكثر تطورا من البيئة البدوية غير الزراعية في التصنيف الحضاري. ولكن المهم في ذلك طبيعة الغذاء التي تشكل منتجات الزراعة مكونه الرئيسي، بمعنى تقليل الاعتماد على اللحوم الحيوانية. وكلما انخفض معدل اللحوم وتداولها، لصالح الأغذية النباتية، تتشكل خصائص نفسية وفكرية واجتماعية جديدة، تجعل للجماعة/ المجتمع الزراعي خصوصية واستقلالية مميزة.
أما البيئة الصحراوية أو البدوية فيمكن الاصطلاح عليها بالبيئة الحيوانية. حيث يشكل الحيوان العنصر الأكثر تداولا وورودا في الحياة الصحراوية. بينما يقتصر دور النباتات في بعض الحشائش والاشجار الجافة التي تتغذى عليها الحيوانات، الجمال خاصة. تعتمد حياة البدو بالكامل على الحيوان في الغذاء والشراب والثياب والخيام والتنقل والصيد والغزو.
فإلى جانب عوامل البيئة الصحراوية في صياغة الطبع والتطبع عند الأفراد، يلعب الغذاء (الحيواني) دورا أكثر حيوية في منابت السلوك ودوافع الغرائز وانماط التعبير عنها. ويميز علماء السلوك بين أكلة اللحوم [carnivore] وبين أكلة النباتات [vegetarianism]. ويزداد معدل شراسة السلوك، كلما زاد تناول الشخص للحوم.
هذا الاستنتاج البيولوجي هو أحد شقي مقولة ابن خلدون في توصيف الناس.. "ان اختلاف الأجيال في أحوالهم انما هو باختلاف نحلتهم في المعاش." أما الشق الثاني فيلتقي مع التفسير الماركسي لأثر العمل وأسلوب الانتاج في تحديد شخصية الفرد. ويمكن القول أن مرادف (المعاش) في لغة ابن خلدون، هو (العمل) في لغة ماركس. مع درجة من التحفظ حول مدى اعتبار الالتقاط والصيد (الحياة البدائية) ضمن مفهوم العمل بالتفسير الاقصادي والحضاري، والذي يعتمد أساسا على دور اليد بالتلازم مع الذهن البشري في انتاج سلعة مادية لم يكن لها وجود حرّ لولا جهد الانسان/ العامل. وهو أمر لا يتحقق في حالة صيد الحيوان الموجود أصلا في الطبيعة خارج جهد الانسان.
الزراعة عمل يدوي حرفي، ولكنه يعتمد في الأساس على المعرفة الزراعية والخبرات المتراكمة، في توجيه طبيعة العمل وطريقة التعامل مع التربة والتحكم بكميات المياه (السقي) المتغيرة بحسب كلّ نبات وموسمه. والفلاح/ العامل الزراعي بممارسته للعمل يزداد خبرة ومعرفة بكلّ ما يتعلق بالانتاج الزراعي نحو: تصنيع الأدوات الزراعية وعمل السدود ومنظمات المياه، دراسة ظروف الجو وقراءة الطقس للتهيؤ للمطر والاهتمام بالزمن وحساب الأشهر ومواقيت السنة لارتباط الزراعة والسقي والحصاد وتقليب التربة بمواعيد وجداول زمنية، إذا أخطأها فاته الموسم أو تلف المحصول.
فالزراعة لها دور محفز في يقظة الذهن والوعي وتحفيز العمل الجماعي والاتصال البشري نحو حبّ الحصول على المعارف والأخبار، وارتباطها الصميم بمرحلتي التصنيع والتبادل التجاري وعلاقتها بتطور طرق الاتصال والنقل البحري والبري. وفي هذا المجال، كان المجتمع الزراعي سباقا ومتميزا في صياغة الوعي السياسي والنضال الطبقي عبر تاريخ انتفاضاته وثوراته التي كان لها أثر مباشر في الاصلاح السياسي وتطوير منظومة القيم والمؤسسات المدنية.
يعود تاريخ تلك الانتفاضات إلى أيام سومر عندما ظهرت طبقة سياسية جديدة تفرض هيمنتها على ريع الممالك/ المدن الزراعية دون أن يكون لها دور ومساهمة في العمل والانتاج، مما أسفر عن ثورة شعبية، حاول بعض الملوك والقادة المحليين توظيفها لصالحه، مما حرف اتجاهها إلى صراع أطماع سياسية، انتهت إلى حالة من الفوضى التي انقضت على أهلها.
والظاهرة الأخرى كانت عقب الغزو المقدوني السكندري لبابل في القرن الثالث قبل الميلاد، وبناء معسكره فيها، متخذا منها مركزا تنطلق منه قواته نحو الشرق وتعود إليه. وكان لعسكرة قوات الاسكندر جنوبي العراق مدة تزيد على الثماني سنوات، آثار اقتصادية واجتماعية مدمرة، جراء ما يقتضيه وجود القوات من مستلزمات غذائية وجيوبولتيكية هائلة، انعكست سلبا على كلّ الانتاج وميزان التبادل الزراعي والاقتصادي، وكانت تلك المرة الأولى التي تراجع فيها معدل الصادرات نحو الخليج. والطريف - هنا-، قيام مصادر أمريكية بنشر هذه المعلومة عقب الغزو الأمريكي للعراق (مارس 2003م) وعسكرة ما يزيد عن مائتي ألف –حسب الأرقام الرسمية- من الجيوش الأجنبية على أرض العراق ولمدة لا تقل عن (ثمانِ) سنوات.
ولا تخرج ثورات الزنج [869- 883م] والقرامطة [] في العهد العباسي التي انطلقت من جنوبي العراق – سهل شنعار- عن أسبابها الاقتصاداية والطبقية. وفي العهود اللاحقة للحكم العثماني أو الدولة الحديثة حدثت انتفاضات محلية محدودة من قبل الفلاحين بسبب نقص المياه، أو تجاوز السياسات الحكومية على مصالح الأهلين الزراعية، لم تنل حظا من البحث والتاريخ الاجتماعي والسياسي، ناهيك عن محدوديتها الجغرافية وعجزها عن التحول إلى ثورات شعبية وطنية عامة. ويذكر –في هذا المجال- أن الثورة الكردية العراقية في (أيلول 1961) كانت في الأساس عملية عصيان مدني للأغوات (الأقطاع الكرد) ضد تطبيقات قانون الاصلاح الزراعي الجمهوري الأول، والذي تطور بفعل مضاعفات عشائرية سياسية إلى ثورة قومية عامة. وفي ظل الآثار السلبية للاحتلال واهمال الحكومات اللاحقة للمطالب الشعبية ومستلزمات الاصلاح والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، زادت معاناة الفلاحين وتردى الانتاج الزراعي العراقي لحدّ الغياب، لأسباب كثيرة منها تفاقم انحسار مياه الفرات، وكان من نتائج ذلك، انتشار حركات انتحار بعض الفلا حين مع عوائلهم، جراء عدم قدرة الزراعة على توفير قوت عوائلهم.
[الناصرية- أ ف ب: أقدم مزارع عراقي في الناصرية جنوب بغداد على الانتحار تاركا وراءه أسرة مؤلفة من (11) فردا، وذلك بسبب النقص في المياه الذي دفع (مائتي) عائلة للنزوح إلى مناطق أخرى. وبحسب مصادر محلية، فأن حبيب سلمان (54)عاما أطلق النار على نفسه بسبب النقص المستمر في المياه التي يعتمد عليها في الزراعة، مصدر رزقه وعائلته المؤلفة من (11 فردا) بينهم (سبعة أطفال). وكان سلمان يعيش في ناحية الاصلاح جنوب شرق مدينة الناصرية (503 كلم) جنوبي بغداد. وكان صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أشار في وقت سابق إلى تقرير دولي يؤكد "احتمال جفاف نهري دجلة والفرات في العالم (2040) نظرا للتغيرات المناخية وانخفاض كميات المياه والاستخدام المكثف لأغراض الصناعة والاستهلاك المنزلي"/ جريدة القدس العربي ع 7184 ليوم الجمعة المصادف العشرين من يوليو 2012- ص3].
بينما اكتبت ثورات الفلاحين في أوربا أهمية تاريخية ساهمت في صياغة أوربا الحديثة.
يلحظ بالنتيجة ان خصائص التحفيز الذهني والخبرات المهنية والانفتاح للمعرفة والاتصال وهي عوامل لازمة للتطور الاجتماعي، لا مكان لها في الحياة البدوية التي تحتقر قيمة العمل وتعتبر العمل اليدوي أو المعاش اليدوي أمرا مهينا. مفضلة عيه اعتماد التطفل والصيد والسلب والنهب، باعتباره منسجما مع القيم القتالية والفروسية البدنية. وهذا سبب رئيس لجمود نمط البداوة في مرحلته وعجزه عن التغير أو تجاوز ذاته.
لكن إلى أي حدّ يمكن اعتماد هذا المنطق، مبررا لجمود البداوة؟..
مهما كانت العوامل البيئية والمادية، فلا يمكن اختزال عنصر الإرادة [Power Of Will] الذي لا غنى عنه لاستمرار الحياة. سلطان الارادة هنا سلبي الاتجاه، يزداد عزيمة وعنادا على عدم مفارقة النمط البدوي وشظف المعيشة الصحراوية.
فاعزاز البدوي بنفسه هو اعتزاز ببداوته وقيمها. ومن ذلك الأصالة (اللقاحية بلغة هادي العلوي)، والتي تجعل من نفسها ميزة [قوم- ية] تنماز بها عن سواها من الجماعات والأقوام المحيطة. فالبدو في علاقتهم بالصحراء ليسوا مجرد ظاهرة اجتماعية أو اقتصادية محددة، وانما حالة سياسية تستند إلى وعي غير عادي - مضخّم- بالذات، يتمثل في صورة الاعتزاز والفخر وحالة الكبرياء ووهم التفوق والصفاء الاخلاقي. وقد احتضن الفكر الاسلامي فكرة (الأصالة) البدوية بمتعبير (الفِطْرة)، التي عمل على تعميمها على البشرية، تمهيدا لاعتبار نفسه (الاسلام دين الفطرة)، ليس في خدمته النزعات البيولوجية والفسيولوجية للجسد فحسب، وانما بوصفه (دينا للبشرية جمعاء).
وحاولت حركة القومية العربية الحديثة توظيف المأثور البدوي والديني لصالحها كما يظهر في كتابات ميشيل عفلق زعيم حزب البعث وزملائه، ومنها: كان محمد كلّ العرب، فليكن العرب محمدا!، والقومية حبّ وتذكر! (بمعنى الحنين للماضي والعمل لاحيائه) – والمرادفة للعصبية لدى ابن خلدون-، با ينسجم مع المعنى اللغوي للفظة البعث المحيلة على الاحياء، نقلا عن المرادف الأوربي [Renaissance].
*

(10)
نجد.. وتهامة.. حتمية الجغرافيا والتاريخ..!
ثمة إشكالية بنيوية في تأسيس الثقافة العروبية أو البدوية، [باعتبار أن المعنى اللغوي للعربية في الأصل يحيل على البداوة (اللا تحضر واللا استقرار)، أو باعتبار أن العروبة كتعليم وجماعة بشرية تستند إلى جذورها وأصولها البدوية]. ومركز التناقض أو الاشكالية، يتمثل في..
- مرجعية الصحراء كبيئة جغرافية اجتماعية في الفكر العروبي [العقل العربي عند محمد عابد الجابري] يستند إليها الإرث الاجتماعي والديني.
- القول بأن اليمن وأهلها القدماء (!) هي موطن الجماعات السامية (جواد علي) ومصدر انطلاق العرب وانتشارهم في أرض شبه الجزيرة وخارجها لأسباب متعددة وعلى فترات متعددة.
واليمن قديما هي اليمن السعيد أو البلاد السعيدة، من المدنيات الحضارية العامرة، وصاحبة المكانة الاقتصادية والتجارية في العالم القديم، ما زال العمران والزراعة والثقافة سمات بارزة في تعريف شخصيتها. هذه الهوية الثقافية والعمرانية لأهل اليمن تتعرض للالغاء والتعطيل لدى المهاجرين منها، لتلحق بهم هوية أخرى تتصل ببيئة الصحراء ونمط البداوة وقيمها. بحيث ان الفرد العربي، لا يعرف الفصل أو التمييز بين أصوله اليمنية [قبائليا واثنولوجيا] وعقليته البدوية- الصحراوية.
ان الصراع الحقيقي وجذوره الأكثر قدما، بحسب تشخيص ابن خلدون للصراع -بين الحضارة والبداوة-، تكمن هناك على أبواب اليمن، التي تشغلها دولة (السعودية) اليوم، وآثاره مستمرّة، سواء في صورة النزاعات العسكرية على الحدود أو التدخل في شؤون اليمن أو مظاهر الحرب الباردة بينهما بوجوه عدة.
تثبيت نقطة الخلاف هذه ضرورية لفهم وتفكيك مضامين وأبعاد الثقافة البدوية / القبلية التي تأصلت بدين الاسلام في القرن السابع، وعادت للابتعاث مجددا في القرن الثامن عشر من خلال الوهابية، والتي يجري تعميمها وتسويدها اقليميا وعالميا –منذ سبعينيات القرن الفائت- كنسخة دينية وحيدة للاسلام وهوية ثقافية فضلى لـ"خير أمة أخرجت للناس"!.
تبتدئ السيرة النبوية بإرسال الطفل للبادية لتعليمه القيم الأصيلة والفروسية وفن الصيد. هذه الاضافة التي تبدو عفوية، وظيفتها تبيان أفضلية البادية على الحضر، والتي ستتحول إلى مبدأ أساس ومنهاج عمل للصالحين. هكذا يبدأ التجذير والتأصيل والأدلجة والتقنين والالزام.
إذن.. لابدّ من صحراء..!
توصف أراضي شبه جزيرة العرابيا بأنها (الصحراء العربية الكبرى)، ويجري مدّ حدودها بدء من المياه المحيطة من جهات ثلاثة حتى أطراف الأردن وسوريا والعراق. فتتحول الجغرافيا قدرا حتميا يحكم المشرق العربي كلّه، من الجنوب نحو الشمال – وليس العكس، من جهة التبعية-. وباعتبار البيئة الجغرافية عاملا رئيسا في صياغة الشخصية الاجتماعية، فأن سكان هاته البلدان هم جزء من الهوية الثقفية الصحراوية، بحسب الحتمية الجغرافية [Geographic Determinism].
إضافة للصحراء، تستخدم الأدبيات العربية لفظ (البادية) وهي أفضل من الصحراء بنسبة نزول المطر وكونها مناطق صالحة للرعي، فهي منطقة وسطية بين الصحراء الرملية القاحلة والمنطقة الحضرية. لكن الأكثر شيوعا، استخدام لفظ (نجد) للمناطق المرتفعة من الأرض (الهضاب)، ولفظ (تهامة) للأراضي المنخفضة (السهول). ومنها : نجد اليمن ونجد الحجاز، التي تفصلها عن تهامة اليمن وتهامة الحجاز سلسلة جبال السروات. وفي القسم الشمالي منها دعيت بالحجاز، لأنها تحجز بين مرتفعات نجد وسهول تهامة.
تعتبر الجغرافيا من العلوم الوصفية وتعني (وصف سطح الأرض)، والثقافة العربية عموما ثقافة وصفية، يشكل (وصف الظاهر) كيانا رئيسا في مختلف قطاعاتها لغة ودينا وسياسة وعادات وتقاليد وأدبا. الوصف يؤكد على الظاهر والشكل والسطحي والملموس من الشيء أو الشخص، دون اعتبار للمعنى أو الغرض منه. ويجري استخدام (الصفات الظاهرية) في عمليات تقييم الأشياء والأشخاص ايجابا أم سلبا، رغم ما يعتور ذلك من مخالفة للحقيقة أو جرح للموضوع. لكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فثمة خاصة نفسية اجتماعية أخرى تلتصق بالتعبير العربي، هي خاصة المبالغة والمغالاة. وباقتران (الوصف) بخاصة (المبالغة) تزداد حدّة الهجاء أو المديح أو الفخر أو الغزل، إلى حدود تتجاوز المنطق والواقع.
دراسة هذه الثيمة في طريقة التعبير والمعاملة، تترجم حجم العنف اللغوي الذي يسم المعاملات والسلوك الاجتماعي اليومي. فلا غرابة أن توصف الثقافة العربية بأنها ثقافة هجائية، أيديولوجية هجومية تتجه للآخر باستمرار، حتى في حالاتها العادية وعندما يفترض أنها محايدة. لكن - الذات- مستثناة دائما، وخارج دائرة الخطاب والقصد والمعنى. فالمتحدث يتناول الآخر ويعنيه، ويستثني نفسه.
وفق هذه الخلفية الأيديولوجية يمكن فهم الأبعاد النفسية للفظة (نجد) دالة الارتفاع والكبرياء والخيلاء والكرامة والاتجاه للأعلى والسماوي، مقابل استخدام لفظة (تهامة) دالة الانخفاض والضعة والانحطاط والدونية والاتجاه للأسفل. معنى (تهامة) لا يعني مستوى أقل في مقياس الطول أو العلو، وانما الانحدار المستمرّ نحو البحر، فهو (منطقة انتقالية) يستمر في الانحدار إلى أعماق المياه التي لا تدرك. وبنفس المعنى، يستمر الارتفاع (في معنى النجد) إلى ما لا نهاية من الناحية القصدية.
ينية لفظة (تهامة) من الثلاثي [ت هـ م] إحالة مباشرة على جملة سلبية في اللفظ والمعني [تهمة، اتهام، متهم]. وتهامة مصدر خماسي مزيد غير مستقر، يتيح للمتحدث التصرف به كما يشاء، وفتح حدود المبلغة واتهام المقابل بلا حدود، كما يظهر من الاستخدامات الشعرية..
عروض تدلت من تهامة أهديت.. لنجدٍ، فتاح البرقُ نجداً وأتهما (حميد بن ثور الهلالي)
أتوعدُني وأنت ببطنِ نجدٍ.. فلا نجداً أخاف ولا تهاما (بلعاء بن قيس الكناني)
فإن تتهموا أنجد خلافا عليكمو.. وإن تمعنوا مستحقبي الحربِ أعرق
مقابل الدالة السلبية لتهامة الساحلية، تنعكس الدالة في لفظة (نجد) من النجدة والعون والمساعدة والاحياء. ومن لا يحتاج للنجدة والعون والحياة. بالإضافة لذلك، توصف منطقة (نجد) بكلمة أخرى هي (اليمامة) نوع من الطيور ( (doveوهي دالة للارتفاع والصعود نحو السماء.
الاعتزاز بالذات والموطن ظاهرة طبيعية قيمة، لكنها إذ تتجاوز حدود المعقول، وتأخذ بعدا جارحا، فثمة شيء غير طبيعي، يقتضي الدراسة والمعالجة. والقيم عموما، مشاعية حرّة، لا فضل لأحد فيها على آخر، إلا في خدمتها للانسانية وحركة التقدم الايجابي. وما زال المجتمع البشري، على مدى تاريخه وتنوع تجاربه الدينية والعسكرية والسياسية عاجزا عن تجسيد قيم المؤاخاة والمساواة والعدل الاجتماعي والتسامح المترددة في خطاباته على استحياء. والمستقبل لا يعود للخلف، ولا يحتمل مزيدا من ألم وجراح.
ان الاختلاف.. سواء في الطبيعة أو البشر، في المظاهر أو الدخائل، الأفكار أو المسالك، هو مسألة طبيعية وسليمة، وعنصر غنى وتكامل ونمو، ولا يجوز فهمها بغير هذا الاتجاه، أو التعامل معها باتجاه سلبي.
وإذا كان البعض يعتبر النص الديني من القداسة، بحيث لا يسمح بما يخالفها، فأن النص الانساني، ممثلا بكيان الانسان، هو أكثر قداسة على الأرض، ولا يقبل أي نص يتعارض مع صالحه. لأنه بدون الانسان، لا قيمة لكلّ ما سواه. الانسان هو سيد الحياة، ومختبر القيم والأفكار والتجارب. والقيمة الحقيقية لكل فكرة أو اعتقاد أو جماعة، مشرطة بخدمة الانسان، والحياة والمحبة غير المشروطة.

وديع العبيدي






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدلية الوطن والمنفى في قصيدة أسعد البصري
- نحو علمنة الدين..! (الكتاب كاملا)
- في قصور الفلسفة..
- في رثاء الحضارة ..!
- شاكر النابلسي.. وعلم نقد الدين
- سعدي يوسف.. صورة في الثمانين (الكتاب كاملاً)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (18)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (17)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (16)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (15)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (14)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (13)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (12)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (11)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (10)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (9)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (8)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (7)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (6)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (5)


المزيد.....




- حتى صباح الثلاثاء.. إليكم عدد الضحايا من الإسرائيليين والفلس ...
- -الاختيار2- في الصدارة وانسحاب من مشاهدة -موسى-.. دراما رمضا ...
- -لدينا زجاج أمامي متصدع-.. استمع لما حدث على متن طائرة بعد أ ...
- الوحدة والعزلة.. كيف ستشكل جائحة كورونا جيلًا جديدًا؟
- مقتل رجل من عرب إسرائيل في اللد.. واستدعاء 8 سرايا من قوات ا ...
- حتى صباح الثلاثاء.. إليكم عدد الضحايا من الإسرائيليين والفلس ...
- وزير الخارجية الإسرائيلي يقطع زيارته إلى سيئول
- اكتشاف -أحفورة حية- يعتُقد أنها انقرضت منذ أكثر من ربع مليار ...
- بوتين يأمر بمراجعة قوانين حمل السلاح بعد إطلاق نار في مدرسة ...
- دارسة: 60 بالمئة ممن دخلوا المستشفى جراء كوفيد يعانون من عار ...


المزيد.....

- الماركسية كعلم 4 / طلال الربيعي
- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - وديع العبيدي - في علم الاجتماع القبلي (الكتاب كاملا)