أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائف أمير اسماعيل - ظل الزمن















المزيد.....

ظل الزمن


رائف أمير اسماعيل

الحوار المتمدن-العدد: 4152 - 2013 / 7 / 13 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


غير معقول ... كلمتان بقي يهتف بهما لنفسه وبصوت صارخ ... ذلك العالم الشاب وهو يقفز من خلف تلسكوبه الشخصي ... ثم بقي يرددها من بعدها باندهاش استمر طوال حياته ...
كان وحده في البيت ، حين اكتشف كوكبا يشبه تماما كوكب الارض ... لم يبعد سوى الاف السنين الضوئية ...
وظل وحده يكتم السر ... الا مانطق مدعوما بوثائق قبل وفاته بساعات ...
صحيح انه اندهش قبلها باكتشافه شمس هي بحجم شمسنا ... وصحيح انه شك بوجود كوكب فيه حياة حولها ... وصحيح ان حدسه هذا لم يوافقه به كادر العلماء المتخصص في اكتشاف حياة في كواكب اخرى ... الذين اصروا ان يديروا وجهة تسلكوباتهم الى وجهة اخرى ... فلم يكتشفوا لا تلك الشمس ولاذلك الكوكب ... لكنه لم يتخيل يوما ان يرى مايمثل ضوئه أمامه الآن ..
كان الاكتشاف هو أيضا ثمرة لعناده ... واستقالته من وكالة ناسا للفضاء ... وثمرة سنين من البحث الشاق ... عبر تلسكوب أصغر بكثير من التلسكوبات المعتمدة في تلك الوكالة ... كان قد اشتراه من حسابه الخاص ومعه تقنيات بسيطة لاجهزة اخرى مساعدة ... ابتكرها بنفسه ...
وكان ثمرة لاصراره ان يسخر كل حياته للبحوث الفضائية ... ولم يتقبل حتى فكرة الزواج و(الانشغال ومضيعة الوقت بامور ثانوية) وكان يجيب الاخرين مازحا عندما يقولون له... يجب ان تكون وراء كل عظيم إمرأة .... انها هناك ... هي ورائي في السماء ...
وكان جواب للج عين إتجهت لنجوم السماء منذ ان كان تلميذا يتلذذ بتلسكوب صغير ... اشتراه له والده .... بل ان والده توفي في نفس اليوم، فأصبح عنده أثمن شيء في الوجود.
كان يسمع من الناس البسطاء ( بأن الله يخلق من نفس الشبه أربعين ) ... لكنه كان لايحتمل مطلقا ان ينشأ جسمان متشابهان في الكون كله الى درجة التطابق ...
لكنه الآن ... كيف يستطيع أن ينكر حساباته وبصره فيما يرى من صور ... تم تصفيتها من الضوء المنعكس عن كوكب الارض الشبيه ...
كيف ينكر مسافتها الدقيقة عن تلك الشمس الشبيهة وقطرها ودورانها حول نفسها باربع وعشرين ساعة ... كيف ينكر قاراتها السبع ومحيطاتها ... وحتى قمرها
أصبح لزاما عليه الآن أن يشتري تلسكوبا أكبر .... ويقترب أكثر .....
فأشترى واقترب أكثر ... كيف له بعد هذا الاقتراب ان ينكر مدينته وشوارعها ... بل حتى اسمائها والناس في احيائها ومتنزهاتها.
وكيف له ان ينكر صوره المجسدة ... شبيهه ... نفسه ... وهو يخرج ويدخل في منزله الشبيه
لم يعد هناك أي شك ... بل ... لايستطيع كل السبعة مليارات من البشر بعد هذا ان يقنعوه عكس ذلك، خصوصا ... ان الدليل الدامغ هذه المرة لم يكن مكان مشابه وانما زمان يسبق زمنه بيوم واحد .... فتتكرر كل الحوادث على الارض 2 في اليوم التالي على أرض 1 التي فضل تسميتها على كوكب الارض فيما بعد...
وبينما هو يخط تسميتها الجديدة على احدى خرائطه الكونية تسائل مع نفسه ... هل توجد آخريات ...أربعون مثلا كما شبهوا ... او ملايين أو أكثر
وتسائل ... هل هو يرى المستقبل فقط ؟ هل يرى زمنه من بعيد ؟ ... من مكان آخر ؟ وماذا يعني ذلك ؟ الايعني ان الحياة مصممة ... وكل شيء فيها قد تم تسييره ؟ ... ثم ان عمر الضوء القادم هو الاف السنين الضوئية ... يعني ذلك أن مايراه هو قد حدث منذ آلاف السنين ... هل هو يرى الماضي البعيد ام يرى المستقبل ؟.....
في كل الاحوال هو الآن هنا وهناك ... وظل حائرا لسنوات ان يحسم... أن يكون هو نفسه ام شبيه له ...
تلهف لحظة الاكتشاف ان يفاجأ به أنداده من العلماء ثم البشرية جمعاء .... فيكون له شهرة ومجد كبير ربما يتخطى فيه شهرة نيوتن وآينشتين ... لكنه تراجع بمثل ما اندفع ... فكر وفكر ... فاستنتج ان الاعلان ربما سيكون بداية اللحظة الاولى للحظات متتالية ومتسارعة لفناء البشرية ... وظل يرى ويراقب ...
كان لزاما عليه أن يتصرف كما لو انه لم يعرف ولم ير غده ... فربما أي تغيير سيؤدي الى ارباك شامل في كل الحياة على كوكبه الاول .... عليه ان يستجيب ويتقن الدورفقط ... وجرب ليوم ولايام ان لايرى شيئا فيتصرف بعفوية لكن اجهزة التسجيل لتلك الايام ايضا كانت متطابقة ..
نزل باقترابه الى مستوى ان يسمع اصواتهم هناك فكان الأصعب والأمر عليه هو انه كان يرى من حوله في الوجه الاخر لهم ... وجه الكذب والنفاق ... بل كان عليه أن يسيطر على عواطفه ... فلايبوح لاحد باقتراب الموت منه أو ماسيواجه من حوادث خطرة ....
لكن كل غير المعقول الذي سبق لم يكن يعادل المفاجأة الجديدة ... فقد رأى شبيهه أو نفسه في أرض 2 قد (مات غدا) وأضيف لمفاجأته انه لم يعرف كيف مات هناك ... كان هناك انقطاع وتشويش لأول مرة بعد سنوات من اكتشافه ذالك الكوكب ..
خاف وهلع أول الامر ... أرتاب من كل شيء حوله .... لكنه بعدها قرر ان يصمد ... وأن يفكر جيدا ... وأن ينحاز الى نفسه ... أن يصدق نفسه ... أن يلقي بتلك الاضواء في مرآة جديدة تعكسها بعيدا ...
صرخ بداخله ... لا ... لايمكن أن يكون الانسان مسيرا الى هذه الدرجة المقيتة ... للانسان ارادة ... للانسان قوة تحدي لأرادة الطبيعة ... غير معقول ان كل انجازاتنا على هذه الارض قد جاءت دون ارادتنا ... نعم كنا نسير ضمن قوانين الطبيعة ... لكن ... نحن اخترنا مايناسبنا من طرق ... ثم ... ربما كنا نحن القانون الذي انطلقت منه كل تلك القوانين .. علي أن افهمها الآن بشكل معكوس ..
قرر في اليوم التالي أن يمارس كل تفاصيل حياته بشكل طبيعي وكأنه نسي مارآى ... ومر اليوم دون حتى أن يشعر أن هنالك ما قد عكر مزاجه ...
إذاًُ كان ذالك شبيه له ... لانفسه ... وفي حيرته الشديدة تلك والاسئلة الجديدة التي ألقت بنفسها تحت ظلال ذلك الضوء العتيق ... حدثت مفاجأة أخرى ... لقد أختفى الضوء ... بعد ساعات من ذلك اليوم ... فأختفى ذلك الكوكب ... أختفى أرض 2
صبر سنوات عسى أن يجده مرة أخرى ... أو يجد شبيها آخر ... لكن ... في النهاية بدا له ... أنه قد تعلم الدرس ...
تعلم ان كل منا لايمكنه على الاطلاق أن يحوي كل الوجود بيدين أثنتين ... تعلم ان ألوجود ... هو زمن يسبقنا دوما ...
تعلم اننا لايمكننا الإمساك سوى بـ(ظل الزمن ).. لا الزمن نفسه ولا كله ...
لذا ... قرر أن يتوقف عن اللهاث ... وأن يكمل في مسار آخر ... أن يكتشف القريب ... أن يكتشف نفسه ...
إقتنع أن يكتشف بنفسه من جديد وبزاويته الخاصة أشياء قد اكتشفها الآخرون ... فزادتهم شغفا في الحياة ... فقد أقتنع إن له زاوية نظر ... زاوية محدودة مهما كبرت ... أقتنع بأنه ليس هو( المطلق)...
لم تمض شهور ... حتى كان يسير مع زوجته وهو يكركر معها تحت قبة السماء دون أن يكلف عينيه بالنظر الى الأعلى ... لقد اخفى عن زوجته كل شيء ... ولم يثيره حتى استهزاء أنداده العلماء بأنه لم يعثر على شيء ... لكنه قبل أن يموت بساعات... شعر وكأن رسالة تأتيه من السماء ... ومن نفس جهة الكوكب المفقود ... تقول له ... دعهم يعرفون .... وتعال ...






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حوار فلسفي
- مسيرة
- مرآة الزمن
- سعيد العتال
- مشروع صفر
- شارع الاطباء
- الصرح الزراعي
- الوطن وحقوق الانسان
- وجهها
- فلم الماتريكس.. جنة الأحلام على أرض أجهزة الكمبيوتر
- أرجوحته
- انبثاق
- هروب الزمن
- نظرية الأوتار من وجهة نظر فلسفية- قراءة في كتاب الكون الانيق
- الديمقراطية من وجهة نظر مادية
- الفلسفة .. التشكل الجديد
- التسلسل المنطقي لمداخل فهم العقل الانساني


المزيد.....




- المعارضة تطالب العثماني بتجديد ثقة البرلمان
- ثقافة العناية بالنص التراثي.. جماليات المخطوط في زمن التكنول ...
- إلغاء تصوير فيلم ويل سميث الجديد -التحرر- في جورجيا بسبب قوا ...
- أرقام قياسية لمشاهدات برومو برنامج رامز جلال والكشف عن موعد ...
- الإنجليزية كلغة مشتركة في سويسرا.. فائدة إضافية أم ظاهرة إشك ...
- العثماني: الوضعية مقلقة وقرار الإغلاق صعيب وأنا حاس بكم
- الفن يزيح الغبار عن أصحاب المعاناة.. الفنان المغربي نعمان لح ...
- الطمأنينة الوجودية في -رحلة اتراكسيا- للكاتب سليمان الباهلي ...
- الجزائر والعقدة المغربية المزمنة
- شاهد: باريس وآخر ابتكارات كورونا.. -ابقوا في منازلكم وحفلات ...


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائف أمير اسماعيل - ظل الزمن