أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قصي غريب - دفاع عن العروبة : ملاحظات على مراجعة عبد الإله بلقزيز لمفهوم الوحدة العربية















المزيد.....



دفاع عن العروبة : ملاحظات على مراجعة عبد الإله بلقزيز لمفهوم الوحدة العربية


قصي غريب

الحوار المتمدن-العدد: 4137 - 2013 / 6 / 28 - 19:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



على الرغم من الاعتزاز والفخر العميق بالانتماء العربي والإيمان بالعروبة والالتزام بتحقيق الوحدة العربية، إلا أننا مع نقد ومراجعة وتصحيح وتصويب الفكر القومي العربي برمته، وبشكل خاص منه الفكر الوحدوي، من أجل أن تصحح العروبة السياسية مسارها وعملها لتسير من جديد بخطوات واثقة نحو السعي لتحقيق أهدافها وخاصة الوحدة العربية.
وفي هذا الشأن نشر المفكر القومي العربي عبد الإله بلقزيز، في مجلة المستقبل العربي، العدد 367، الصادر في أيلول 2009 مقالاً مهماً بعنوان : من أجل مراجعة فكرية وسياسية لمفهوم الوحدة العربية، والذي تضمن مقدمة، وثلاثة مواضيع رئيسة، هي : أولاً- لماذا المراجعة ؟ وثانياً- معنى المراجعة وثالثاً- موضوعات المراجعة التي تناول فيها سبعاً من المسائل الرئيسة التي يقوم عليها الخطاب الفكري الوحدوي العربي وهي : فكرة الأمة، ومعضلة الاندماج الاجتماعي والوطني، وأولوية فكرة الوحدة في الخطاب القومي، وثنائية الدولة القطرية - الدولة القومية، وأولوية الوحدة السياسية على الاندماج الاقتصادي، ونزعة الحتمية الوحدوية، والاحتكار القومي لفكرة الوحدة العربية، وفي هذا المقال المهم جداً أثار عدداً من القضايا الأساسية وقد كان لنا عليها الملاحظات الآتية :
في ص 101 قال بلقزيز : " لا يمكن الجمع بين فكرة وحدوية تفترض العرب ساكنة يمتد مدى انتشارها آسيوياً من شرق السويس إلى الخليج العربي، كما في حالة نجيب عازوري، وبين أخرى تختزل الوحدة في الأمة السورية، وفي مجالها الجغرافي المحدود الهلال الخصيب، كما عند أنطون سعادة، وبين ثالثة تشمل رؤيتها الفضاء العربي الجغرافي كاملاً، من المحيط إلى الخليج، كما عند ساطع الحصري وآخرين. إن كل واحدة من هذه الأفكار الوحدوية الثلاث محكومة بفرضية ضمنية بتصور مكاني - جغرافي للأمة تنجم عنه نتائج مختلفة عن تصور آخر ".
في هذه الفقرة يجانب بلقزيز الدقة والموضوعية المطلوبة منه، ويقحم أنطون سعادة منظر القومية السورية الاجتماعية، ومؤسس الحزب القومي السوري الاجتماعي، المتأثر بالأفكار النازية، ويعده تعسفاً من دعاة القومية العربية والوحدة العربية، وهو ليس كذلك لأنه يدعو إلى وحدة إقليمية انعزالية ضيقة، مناوئة للقومية العربية والعروبة، ففكره وحزبه لم يكن عربياً، ولا مؤمناً بالقومية العربية والوحدة العربية، بل على العكس إقليمياً انعزالياً ضيقاً، ينكر ويهاجم دعوة القومية العربية، وفكرة العروبة، ويدافع عن أمة سورية خيالية متولدة من تاريخ طويل، يرجع إلى ما قبل الزمن التاريخي، تضم الشعوب الساكنة في سورية الطبيعية، أو الهلال الخصيب، ويزعم أنها تتمتع بخصائص ومزايا تختلف عن الشعوب العربية الأقل حيوية وأحط حضارة، ولذلك فإن أنطون سعادة وحزبه، والدعوة إلى الأمة السورية، لا صلة رحم لهم بالقومية العربية والعروبة ولا بالوحدة العربية، لا من قريب ولا من بعيد لأنها دعوة إلى وحدة انعزالية ضيقة، وليس دعوة إلى وحدة إقليم عربي، كخطوة أولى لوحدة الأقاليم العربية الجغرافية الأخرى، التي دعا إليها بعض المفكرين القوميين العرب مثل نبيه أمين فارس(1).
إن عدم تبلور فكرة العروبة السياسية قد أسهم بشكل ما في ظهور أفكار وعقائد أيديولوجية إقليمية انعزالية ضيقة، في بعض دول الوطن العربي، دعت إلى التعلق بالإقليم أولاً مثل النزعة الفينيقية، والقومية السورية الاجتماعية، والمتوسطية، والفرعونية، فحاولت أن تجد لها مرتكزات خيالية من الماضي، أكثر ما تستند إلى الحقائق الاجتماعية والإنسانية في الحاضر، ولكنها عجزت في التعبئة والتحشيد لأفكارها، وعقائدها الشعوبية الواهية والزائفة، لأنها لم تستطع أن تكون منافساً ونداً حقيقياً لفكرة العروبة التي تعيش في وجدان الشعب العربي، فعلى الرغم من تكريس الدولة القطرية وتغولها، فقد بقيت فكرة العروبة تخيم بظلالها على كل الدول القطرية في الوطن العربي، ولا تزال تشكل العصبية الأولى الجامعة للعرب في زمن التفكك، والتمزق، والضعف، والتراجع، والكبو القومي، وعلى الأقل وجدانياً، ولذلك فإن هذه الأفكار والعقائد الشعوبية الضيقة والمغلقة قد أصبحت من الماضي وليس من الحاضر والمستقبل، لأنها أضغاث أحلام، أكثر مما هي واقع حال، وإن حاولت بكل الوسائل أن تجد لها مرتكزات واهية، ولكن من دون جدوى، فالأغلبية المطلقة من الشعب العربي الساكن بين المحيط الأطلسي، والخليج العربي، والبحر المتوسط، والصحراء الأفريقية الكبرى، كان وسيبقى نزوعه عروبي وإن كان يعيش واقع حال في ضلالة الدولة القطرية التي لن تكون ولن تبقى حتمية مطلقة.
وفي ص 102 قال بلقزيز : " لا بديل من نقد الفكر القومي، وفكر الوحدة العربية فيه، بحسبان فعل النقد جزءاً تكوينياً في عملية التطوير ودينامية حيوية من دينامياتها ". وقال في الهامش 4 فيها : " من المؤسف أن عبارة نقد في اللغة العربية توحي بفعل معرفي سلبي، يرادف معنى الهدم والتخطئة، في حين هي تعني في لغات أخرى كالفرنسية والألمانية العرض والبناء ".
في الفقرة الأولى نتفق مع بلقزيز في هذا المبدأ تمام الاتفاق، ونتبنى قوله في الصفحة نفسها ونؤمن به : " إن المراجعة مبدأ صحي وضروري في تاريخ الأفكار والممارسات والمؤسسات، بها تتقدم المعرفة، وتعيد فحص كيانها، فرضياتها، ومفاهيمها، وأدوات عملها... الخ. وبها تصحح التجارب مسارها، والمؤسسات عملها، والتمرين الدائم على فعل المراجعة هو السبيل الأقصر إلى تقليص الأخطاء ". ولكن في الفقرة الثانية نستغرب من أسفه بل إننا نذهل وتتملكنا الحيرة في أن يصدر مثل هذه الأقوال من شخص بحجمه، يعرض نفسه؛ ويزعم أنه من المفكرين القوميين العرب الجدد في هذا الزمن الصعب على العروبة، ولا سيما أن المشروع القومي العربي قد أثخنته الجراح بمقتل من الذين ادعوا أنهم دعاته، وسدنته، ويده العاملة، وكانوا عليه أكثر قسوة وسادية وعنفاً مفرطاً من الآخر الأجنبي، الذي شاركهم بالقتل، ومن حقنا أن نتساءل ما الفائدة المرجوة للفكر القومي العربي، وفكر الوحدة العربية، من هذه المقارنة الاعتسافية ؟ التي لا يوجد لها داعي أبداً، إلا إذا كان هنالك انسلاب، واغتراب فكري، وحضاري للآخر المختلف عن الثقافة والحضارة العربية الإسلامية، عن وعي مقصود، وليس عن غفلة جانحة، بمحاولة الانتقاص والغض من شأن اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، ولغة العرب والمسلمين، التي هي نفسها من لوازم الدين، وهي من أهم عناصر التكوين القومي العربي، لأنها رمز وحدتهم، ورابطة أمتهم، وقاعدة ثقافتهم، وإظهارها قاصرة قبالة اللغات الأجنبية الأخرى، وهذا غير صحيح، ففي الماضي أكد الزمخشري،- فارسي الأصل - نسبة العروبة إلى العربية وقال دفاعاً عنها :
" والله أحمد على أن جعلني من علماء العربية، وجبلني على الغضب للعرب والعصبية لهم"، ثم أضاف : " ولعل الذين يغضون من العربية، ويضعون من مقدارها، ويريدون أن يخفضوا ما رفع الله من منارها، حيث لم يجعل خيرة رسله، وخير كتبه، في عجم خلقه، ولكن في عربه ". ولصلة العروبة بالإسلام قال البيروني - تركي الأصل - : " ديننا والدولة عربيان وتوأمان يرف على أحدهما القوة الإلهية وعلى الآخر اليد السماوية "، ثم بين أن العربية لغة الإسلام والثقافة فقال : " وإلى لسان العرب نقلت العلوم من أقطار العالم، فازدانت وحلت بالأفئدة " ثم يميز العربية قائلاً : " والهجو بالعربية أحب إلي من المدح بالفارسية، وسيعرف مصداق قولي من تأمل كتاب علم قد نقل إلى الفارسية، كيف ذهب رونقه، وزال الانتفاع به؟"(2). واليوم للغة العربية مكانة عالمية، كونها واحدة من لغات الدبلوماسية المعتمدة في الأمم المتحدة، كما أنها كانت لغة التعبير، التي أوصلت بالكاتب العربي المصري نجيب محفوظ إلى العالمية، ولذلك فإن الانتقاص، والغض من شأنها، والتي هي شعار الإسلام وأهله بها يتميزون عن غيرهم من الأمم، بمحاولة إظهارها قاصرة، يضع بلقزيز في مكان ليس مكانه، هو يعرفه جيداً، ولا نريد له أبداً أن يكون فيه، لأن كل أمة تمتاز بخصائص لا توجد في غيرها، فاليونانيون يمتازون بالفلسفة، والهنود بالحساب، والصينيون بالتصاوير، ويمتاز العرب كونهم أهل فصاحة وبيان وبلاغة، وهذا محل اعتزازهم وفخرهم(3). وفي هذا الصدد فإن اللغة العربية التي يجهلها ويحتقرها ويحاول التفريط فيها بعض ضحايا الإستلاب الثقافي، ليست أقل قدرة من اللغات الأخرى، ولا دونها قيمة، فهي قد وسعت كتاب الله، كما أنها الرابط الوثيق بيننا، والإطار الفكري والوجداني الذي يجمعنا، والحافظ الأمين لتراثنا، والأساس المتين لشخصيتنا، ولذلك هي ضمان وحدتنا، في حين يحاول البعض الإساءة إليها ووأدها، في الوقت الذي يقوم الشعوبيون في بعض دول الوطن العربي إحياء لهجات الرعاع والشوارع. كما أن الزعم من قبل بلقزيز بأن النقد يعني الهدم والتخطئة عند العرب، وفي لغتهم العربية، يخالف الحقائق العلمية، والموضوعية، والتطبيقية، مخالفة كلية، بل إنه افتئات، وافتراء من قبله، ففي القواميس العربية ما يدحض زعمه، فالمعاني المعجمية لكلمة نقد اسماً ومصدراً يمكن حصرها على سبيل المثال بالآتي : ففي مختار الصحاح، النقد يعني تمييز الدراهم، ومعرفة جيدها من رديئها، نقول نقدت الدراهم، وانتقدتها، أي أخرجت منها الزيف، وعرفت معدنها الأصيل، وما دخلها من غش، ويتم ذلك بالنقر، والتفحص، وإمعان النظر(4). وفي لسان العرب نقد : نقده الدراهم، ونقد له الدراهم، أي أعطاه إياها، فانتقدها أي قبضها. ونقد الدراهم، وانتقدها أخرج منها الزيف. ودرهم نقد، أي وازن جيد، وناقده : ناقشه الأمر(5).
والنقد عند العرب هو محاولة لكشف الأخطاء في الفكر والتطبيق، من أجل الإصلاح، ولقد ضمنت الشريعة الإسلامية هذا الحق بشكل قاطع، فالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أمر عظيم في الإسلام، لأن فيه يدوم صلاح البلاد والعباد، وقد وردت في القرآن الكريم الآيات العديدة التي تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، كقوله تعالى : " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر "(6). و" كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر "(7). و" فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض "(8). و" الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور "(9). و " يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث "(10). " وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور "(11).
وخوفاً من انحراف الحكام عن هذا المبدأ، فإن الإسلام عد الفرد المسلم حارساً لأحكام الشريعة، من خلال توفير حق النقد للحاكم، وتوجيه النصح إليه، وأن يبين له مجال الخطأ، فالسنة النبوية، جعلت النصيحة والنقد من أفضل أنواع الجهاد، فقال رسول الله محمد – ص- : " إن من أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر "(12). وقال : " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره فقتله "(13). وقال : " من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان "(14). ولذلك فإن النقد والنصيحة حق وواجب على كل مسلم قادر، إذا ما رأى ما يخالف العقل، والمنطق، والشرع، والتاريخ العربي الإسلامي يعطينا أبلغ وأصرح الأدلة على ذلك من خلال الخلفاء الراشدين، فالخليفة أبو بكر - رض - قال عند توليه مسئولية الحكم : " يا أيها الناس، فإني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فاعينوني، وإن أسأت فقوموني "(15). وخطب الخليفة عمر بن الخطاب – رض - في الجماعة قائلاً : " أيها الناس، من وجد منكم في اعوجاجاً فليقومه " وعندها قال أحد الحاضرين : " لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا " عقب على ذلك بقوله : " الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوم اعوجاج عمر "(16). وقال : " رحم الله من أهدى إلي عيوبي "(17). ومن أقوال الخليفة علي بن أبي طالب – رض - : " رحم الله امرأً سمع حكماً فوعى، ودعي إلى رشاد فدنا "(18). وقال : " أعينوني بمناصحة خلية من الغش سليمة من الريب "(19). وقال : " أيها الناس إن لي عليكم حقا،ً ولكم علي حق، فأما حقكم علي، فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأيبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم، فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم "(20). وقال : " لا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي، ولا التماس اعظام لنفسي، فإنه من استثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك مني "(21). وقال : " من استقبل وجوه الآراء، عرف مواقع الخطأ "(22). وقال : " إن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يقربان من أجل، ولا ينقصان من رزق، وأفضل من ذلك كله كلمة عدل عند إمام جائر" (23).
وكذلك كان التأكيد على مبدأ ممارسة النقد البناء والموضوعي حقاً وقاعدة سلوكية وتربوية مهمة في الفكر القومي العربي، بهدف التقويم والتطوير، فقد قال رائد العروبة وشيخها ساطع الحصري : " إن الطريق إلى الصواب مرسوم ومرصوف بالأخطاء في معظم الأحوال "(24). وكذلك في التطبيق القومي العربي - في بعض الأحيان - إذ بعد حصول انقلاب الانفصال العسكري بين سورية ومصر 1961، قام الرئيس جمال عبد الناصر بنقد ذاتي صريح وشجاع بالخطاب الذي ألقاه في 16 تشرين الأول 1961 فقال : " أيها المواطنون من أول واجباتي في هذه اللحظة، أن أدرس معكم، وتدرسوا معي، الدروس المستفادة ... هدفي الأول والأخير، أن تكون الفائدة للنضال العربي كله، ولمعركته الاجتماعية الشاملة، من أجل حق الإنسان العربي في حياته، وفي كرامته، وأشعر الآن أنه لا بد لي من أن أواجه معكم بشجاعة وشرف أخطاءنا "(25). ومن هنا فإن مبدأ ممارسة النقد البناء قاعدة مهمة في الفكر والتطبيق العربي الإسلامي والقومي العربي من أجل تجاوز الأخطاء والإصلاح والتقدم إلى الأمام، ولكن يبدو أنه يرادف معنى الهدم والتخطئة، ليس عند العرب، ولا في لغتهم العربية، كما قال بلقزيز، ولكن عنده، وعند الذين امتهنوا الديماغوجية مهنة، كما شخصتهم في ص 104 بدقة متناهية، ونصبوا من أنفسهم سدنة للفكرة القومية العربية، ومنعوا عنها الهواء والنور، لتهوية فضائها من حال الاختناق الحاد، ونظروا إلى دعوات المراجعة والتأمل النقدي نظرة نكراء، وتوجسوا منها ريبة، فحسبتها في جملة الدعوات إلى الهدم، وكان هؤلاء السدنة الديماغوجيين، يرفضون النقد، من منطلق مصلحتهم الحزبية الضيقة، أو الفئوية، أو المادية، أو الوجاهية – الزعامية، ولقد عاش كثير منهم من الريع المادي، والمعنوي، الذي درته الفكرة عليه، وبنى أمجاده باسم تمثيلها، والنطق باسمها، ولا يستطيع هؤلاء الكثير أن يعرض دوره السداني لأزمة باسم المراجعة، والنقد، والتصحيح، والتصويب. بل إن هؤلاء السدنة الغوغائيين، لم يكتفوا بتعطل مبدأ وممارسة النقد، الذي يعني لديهم الهدم والتخطئة، بل أسهموا في قتل المشروع القومي العربي، فلا تستقيم أبداً الدعوة إلى الانقلابية، والترشح إلى مقعد نيابي طائفي، والسقوط المريع، والفشل، ومن ثم الاتجاه إلى تشجيع الانقلابات العسكرية، لتحقيق مآربهم، وأهدافهم الشخصية الضيقة، بالوصول إلى السلطة، والتي غلفت بلياقة عالية، بالدعوة إلى العروبة، وتوظيف الإسلام الثقافي والحضاري، وادعاء الزهد الكاذب، وعمق الفكر، - المسروق من الفكر الغربي - بغموض التعبير في حين قال الجاحظ : " إن أحسن الكلام ما كان معناه في ظاهر لفظه ".
وفي ص 106- 107 قال بلقزيز : " نبدأ من البداية من فكرة الأمة الموحدة، من النافل القول أنها لم تتوحد في تاريخها سياسياً، لم تقم في تاريخها دولة واحدة جامعة، حتى حينما نشأت فيها امبراطوريات كبرى، من طراز الامبراطوريات الأموية، والعباسية، والموحدية، والعثمانية، ظل التعدد الكياني سمتها تاريخياً. أما الخلافة، فظلت فكرة دينية، وصارت منصباً رمزياً مع قيام الدولة / الدول السلطانية منذ نهاية القرن الثالث الهجري / العاشر الميلادي. وحين انتهت آخر امبراطورياتها العثمانية، التي لم تكن عربية، وانتهى معها منصب الخلافة، كان معظم البلدان العربية خارج سلطان الدولة العثمانية وخليفتها، - المغرب العربي، ومصر، والسودان، والجزيرة العربية - ولم يكن قد بقي لها من ممالكها العربية غير بلدان المشرق العربي، هذه حقيقة يعرفها المفكرون القوميون الأوائل، لأنها – بكل بساطة – من معطيات التاريخ الموضوعية، ولذلك ما ربطوا بين فكرة الأمة والدولة، وما أسسوا شرعية الأولى على كونها وجدت في نطاق كيانية سياسية ".
إن نافل القول الذي أتى به بلقزيز من أن الأمة لم تتوحد في تاريخها سياسياً، ولم تقم في تاريخها دولة واحدة جامعة، قد أتى متهافتاً، لأنه لا يصمد أمام حقائق التاريخ الموضوعية، كما أنه لا يتماشى مع مقتضيات التفكير العلمي الصحيح، لوقوعه في خطأ تاريخي، يدل على نقص واضح في استقصاء الحقائق التاريخية الصحيحة، فضلاً عن تضليله الشباب العربي، فالوطن العربي الكبير المعروف بحدوده الآن، والممتدة من المحيط الأطلسي غرباً، إلى الخليج العربي شرقاً، ومن البحر المتوسط شمالاً، إلى الصحراء الأفريقية الكبرى جنوباً، قد توحد في تاريخه السياسي، وأقام دولة واحدة جامعة في ظل الحكم العربي الإسلامي الأموي، وبقي كذلك حتى ظهور الدولة العباسية، عندما استقل المغرب والأندلس، ومنذ القرن السابع الميلادي ارتبط تاريخ العرب بتاريخ الإسلام، وغدا العرب يجتمعون حول ذكريات تاريخية واحدة، ترجع إلى تراث الإسلام، الذي يرى فيه القوميون العرب الأصلاء- المسلمون والمسيحيون- تراثاً قومياً بصرف النظر عن أصول المشاركين فيه، فالإسلام وثقافته، وحضارته، وتاريخه، محل اعتزازهم وفخرهم، لأنه جزء من تكوين الأمة العربية، التي تكونت في ظل الحضارة الإسلامية، بل إن الآباء الأوائل للقومية العربية رأوا في الإسلام أنه قد أدى دوراً مهماً في تقدم القومية العربية، وتوسعها، وأنه ركن أساس من أركان القومية العربية، أو مكون رئيس من مكوناتها، لأنه شكل بتراثه الحضاري محتوى للعروبة والقومية العربية، وقد قال ساطع الحصري : " إن الديانة الإسلامية لعبت دوراً مهماً في تقدم القومية العربية، وتوسعها، لأنها : أولاً - كانت القوة الدافعة للفتوحات العربية التي نشرت اللغة العربية، ووسعت نطاق القومية العربية. ثانياً - صارت القوة الواقية التي أكسبت اللغة المذكورة نوعاً من المناعة ضد عوامل التفرق، والتفتت، وصانت بذلك القومية العربية من الانشطار، في عهد انحطاطها الطويل "(26). وقال زكي الأرسوزي : " إننا ندين بمجدنا القومي للإسلام ندين به لمحمد نبي الإسلام "(27). وقال قسطنطين زريق : " فنتساءل : ما علاقة النبي محمد بالقومية العربية ؟ النبي محمد؛ هو أولاً نبي الإسلام، عليه أنزل هذا الدين الكريم، وبواسطته انتشر في مشارق الأرض ومغاربها، وقد بلغ أثر هذا الدين كل ناحية من نواحي ثقافتنا العربية، فلسنا نستطيع اليوم أن نفهم تراثنا العربي القديم سواء أفي الفلسفة، أو العلم، أو الفن، إلا بعد درس عميق لنصوص الدين الإسلامي، وأحكامه، وتفهم صحيح لروحه ونظامه. وهذا التراث العربي قسم من ثقافتنا الحاضرة، بل هو أساسها الذي تقوم عليه، وباطل ما ينادي به البعض من أن نرمي بهذا التراث القديم جانباً، ونقبل على الثقافة الغربية الجديدة، فالتراث العربي جزء منا - شئنا أم أبينا - وهو فوق ذلك ميزتنا التي بها ننفرد بين الأمم، وقد أوتي من الخصب، والقوة، والجمال، ما يدفعنا إلى الحرص عليه، ومفاخرة الناس كلهم به، ولهذا وجب على كل عربي من أي طائفة، أو نحلة، يهتم بثقافة الماضي وببعثها الجديد - وهذا الاهتمام هو في طليعة الواجبات التي تفرضها عليه قوميته – أن يقدم على درس الإسلام، وتفهم حقيقته، ويقدس ذكرى النبي العظيم، الذي أنزل الإسلام عليه، والنبي محمد؛ هو من ناحية ثانية موحد العرب، وجامع شملهم ... والنبي محمد؛ هو من ناحية ثالثة مثال لرجل العقيدة "(28).
ومن الجدير بالذكر في المغرب العربي الكبير لا يفرق أهله بين العربي والمسلم، وبلقزيز يعرف هذا جيداً، ولكن يبدو أنه لا يريد الربط بين تاريخ العرب، وتاريخ الإسلام، وهذا شأنه وحده، ولكن يجب أن لا يعممه على القوميين العرب، لأننا نؤمن بالصلة العضوية بين العروبة والإسلام، فلولا كل منهما ما عز الأخر.
ومن ناحية أخرى إن تفسير بلقزيز من أن المفكرين القوميين الأوائل؛ ما ربطوا بين فكرة الأمة والدولة، وما أسسوا شرعية الأولى على كونها وجدت في نطاق كيانية سياسية، بسبب أن الأمة لم تتوحد، ولم تقم في تاريخها دولة واحدة جامعة، وظل التعدد السكاني سمتها، فإن هذا الكلام غير صحيح، وغير دقيق، لأن لهم وجهة نظر أخرى مختلفة كلياً فالآباء الأوائل لم يربطوا بين الأمة والدولة ليس للأسباب التي جاء بها بلقزيز إنما لاعتبارات أخرى يأتي في مقدمتها أنهم ميزوا بين عوامل التكوين القومي، وبين مفهوم الدولة، وفي هذا الشأن قال ساطع الحصري : " من الأمور المسلمة لدى الجميع أن مفهوم الأمة يجب أن يفصل عن مفهوم الدولة. في الواقع أن كل أمة تنزع إلى تكوين دولة خاصة، ولكن كيان الأمة لا يتوقف على وجود الدولة، والأمة تكون موجودة ولو لم تكن قد توصلت بعد إلى تكوين الدولة القومية، التي ترعى شئونها، ولو كانت قد فقدت الدولة الخاصة بها "(29). وقال : " إن مفهوم الأمة يجب أن يفصل عن مفهوم الدولة فصلاً تاماً، وأكرر القول بأن كل أمة تنزع إلى تكوين دولة خاصة بها إلا أنها تكون موجودة قبل أن تتوصل إلى تكوين الدولة، كما أنها تبقى أمة ذات كيان خاص، ولو فقدت الدولة الخاصة بها، وتكون أمة واحدة ولو تعددت الدول التي ترعى شئونها، فالأمة شيء والدولة شيء آخر "(30). ثم قال : " إن أس الأساس في تكوين الأمة وبناء القومية هو : وحدة اللغة، ووحدة التاريخ، لأن الوحدة في هذين الميدانين هي التي تؤدي إلى وحدة المشاعر، والمنازع، ووحدة الآلام والآمال، ووحدة الثقافة، وبكل ذلك؛ تجعل الناس يشعرون بأنهم أبناء أمة واحدة متميزة عن الأمم الأخرى. ولكن لا الدين، ولا الدولة، ولا الحياة الاقتصادية، تدخل بين مقومات الأمة الأساسية، كما أن الرقعة الجغرافية أيضاً لا يمكن أن تعتبر من المقومات الأساسية "(31). وبعد هذا من أين جاء بلقزيز بهذه الحقيقة، التي يعرفها المفكرون القوميون الأوائل، والتي بكل بساطة لديه هي من معطيات التاريخ الموضوعية، ولذلك ما ربطوا بين فكرة الأمة والدولة، وما أسسوا شرعية الأولى على كونها وجدت في نطاق كيانية سياسية، فنحن لا نعرف إطلاقاً مفكراً قومياً له قيمة، ما ربط بين فكرة الأمة والدولة، وما أسس شرعية الأولى على كونها وجدت في نطاق كيانية سياسية بناء على ما يؤكده وليسمح أن نطالبه بتقديم نص واحد لمفكر قومي كبير يمكننا أن نجد فيه ما يؤكد حتمية ما ذهب اليه.
وفي ص 107 بالهامش 9 قال بلقزيز : " ولعل من المضاعفات السلبية لذلك أن الفكر القومي أنتج نظرية الأمة ولم ينتج نظرية الدولة، وبالتالي لم ينتج نظرية الوحدة القومية بالمعنى الذي نقول فيه أن الفكر الألماني – مثلاً - أنتج نظرية في التوحيد القومي ذلك أن عمادها الدولة وليست الأمة ".
لا بد من دراسة التاريخ، فمن دون دراسته لا يمكن أن يكون الباحث موضوعياً، فلا يجوز خلط الماضي بالحاضر، وضرب عرض الحائط بتاريخية منطق الأفكار، نعم صحيح ما ذهبت إليه من أن الفكر القومي العربي أنتج نظرية الأمة ولم ينتج نظرية الدولة، فالمفكرون القوميون الأوائل عندما قالوا بأن الأمة تسبق الدولة يرجع سبب ذلك إلى أن التاريخ العربي الإسلامي فيه الأمة تكونت قبل الدولة، كما أن نوع التفكير السياسي الذي كان سائداً في وقتهم إن الأمة هي من يصنع الدولة، وليس العكس، فكان فكرهم مهتماً بالأمة قبل كل شيء، ولهذا لم يسترع اهتمامهم إلا فكرة الأمة التي تصنع الدولة، فاهتموا بأسسها، ومقوماتها الأساسية، بحكم الواقع، فالأمة مجزأة، وبعضها محتل، ولذلك كانوا على صواب، فكيف تنتج نظرية الدولة والأمة في هذا الحال ؟ أما الفكر الغربي عندما أنتج بعض مفكريه نظرية الدولة، فقد كان لديهم مفهوم الوطن، أو الكيان السياسي واضح المعالم، ومستقر الشكل، غير مجزأ، أو محتل، مثل حال الأمة العربية.
وفي ص 107 قال بلقزيز : " نشأ في تراث الفكر القومي العربي ما يشبه الإجماع على القول أنها أمة وحدها اللسان والتاريخ والثقافة، أما الدين فاختلف في موقعيته وأساسياته في تكوين الأمة، لكن هذا الجواب الفكري القومي عن عوامل تكوين الأمة وتوحيدها يثير من الأسئلة أكثر مما يجيب عنها ".
وهنا نسأل بلقزيز لماذا تكوين الأمة العربية على أساس اللسان، والتاريخ، والثقافة، والدين، الذي اختلف في موقعيته وأساسياته في تكوين الأمة يثير من الأسئلة أكثر مما يجيب عنها ؟ وفي الوقت نفسه في تراث الفكر القومي الإنساني هنالك نظريات مختلفة وعديدة تعطي الأولوية لهذا العامل أو ذاك في تكوبن الأمة(32). وعلى هذه الفقرة التي أوردها سجل ملاحظة في الصفحة نفسها قائلاً : " إنه تصور يفترض ضمناً أن تكون أمة بعوامل غير سياسية – ثقافية ولغوية ودينية - تحصيل حاصل تاريخي، أو من بداهات تاريخ الأمم، وليس دقيقاً تماماً أن الأمم في التاريخ تكونت وتوحدت من دون كيان سياسي من دون دولة جامعة ".
وهنا يخترع بلقزيز حقيقة معاكسة بالاستناد إلى التاريخ الذي لا وجود له إلا في ذهنه فقط، ففهمه الخاطئ قاده إلى خطيئة فادحة بالمعلومات التاريخية، فهو لا يفرق بين عوامل التكوين القومي، التي هي أصلاً عوامل غير سياسية، والتي تؤدي بدورها إلى قيام فكرة القومية وانتشارها، وتكون باعثاً للأمة على تحقيق كيانها السياسي، وبين مفهوم الدولة، فإذا راجعنا الوقائع التاريخية وجدنا أن الحركات القومية تنشأ أولاً وبعد ذلك تقوم الدولة أي أن الدولة هي أخر علامات القومية، وليس أولها، وهي نتيجة للحركة القومية وليست سبباً لها على الإطلاق، ولذلك فإن تراث الفكر القومي العربي لا يختلف عن تراث الفكر القومي الإنساني، ولكن يبدو أن بلقزيز لا يميز أبداً بين مفهوم تكوين الأمة، وبين مفهوم الدولة، كما إنه يحاول أن يفتري على تراث الفكر القومي العربي بمحاولة إظهاره تعسفاً بأنه عدمي، لا يؤمن بوجود الدولة عندما قال : " وليس دقيقاً أن الأمم في التاريخ تكونت وتوحدت من دون كيان سياسي، من دون دولة جامعة ". ولكن لا يوجد تلازم حتمي بين الدولة والأمة كما هو واقع حال الأمة العربية اليوم فهي موجودة ولكن لا يوجد لها كيان سياسي وهذا لا ينفي وجودها مع العلم أن التراث الفكري القومي العربي دعا إلى قيام كيان سياسي عربي واحد أي دولة عربية واحدة من خلال الدعوة إلى الوحدة العربية فقد آمن المفكرون القوميون الأوائل بدور الإقليم – القاعدة الذي يقود عملية التوحيد السياسي للأمة العربية، أي إنهم آمنوا أن الإقليم – القاعدة هو الذي يصنع الدولة القومية، فاتجهت أنظارهم إلى مصرن وفي هذا الشأن قال ساطع الحصري : " لقد زودت الطبيعة مصر بكل الصفات والمزايا التي تحتم عليها أن تقوم بواجب الزعامة والقيادة في إنهاض القومية العربية، لأنها تقع في مركز البلاد العربية بين القسمين الأفريقي والآسيوي منها، كما إنها تكون أكبر كتلة من الكتل التي انقسم إليها العالم العربي بحكم السياسة والظروف. هذه الكتلة قد أخذت حظاً أوفراً من غيرها من الحضارة العالمية الحديثة، وأصبحت أهم مركز من مراكز الثقافة في البلاد العربية، وهي أغنى هذه البلاد بأجمعها، كما أنها أقدمها في تشكيلات الدولة العصرية وأقواها في الآداب، وأرقاها في الفصاحة ... وكل ذلك مما يجعل مصر الزعيمة الطبيعية للقومية العربية "(33). وقال ياسين الحافظ : " إن مصر هي بالأساس وحدها قاعدة العمل الوحدوي : أولاً – إن مصر هي مركز الثقل البشري في الوطن العربي – في مصر أكثر من ثلث الأمة العربية – وهي مركز الثقل الحضاري – مصر أول بلد عربي حقق تماساً مع الحضارة الحديثة – وهي نقطة المركز العربية جغرافياً – مصر هي صلة الوصل بين مشرق الوطن العربي ومغربه - . ثانياً – وفي مصر أيضاً الطبقة العاملة العربية الأكبر عدداً والأكثر تطوراً وراديكالية من أية طبقة عمالية عربية أخرى في الوطن العربي أي أن في مصر بروليتاريا بالمعنى الماركسي للكلمة. ثالثاً – وفي مصر وحدها يتوفر شعب عربي مندمج ومتكامل. رابعاً – وفي مصر أخيراً المشكلات الأكثر راديكالية والأكثر قابلية للإنفجار الثوري. وعلى هذا فإن مصر هي على الصعيد التاريخي عتلة النهضة العربية المرتقبة وموقدها الثوري ومناط أملها في التحرر من الإمبريالية والصهيونية ومعقد رجائها الإشتراكي "(34). وقال نديم البيطار : " تمثل مصر في أهمية مركزها الاستراتيجي في موقعها الجغرافي في قلب الوطن العربي في وزنها البشري ثقلها العسكري الخ ... القطر العربي المرشح حالياً أن يمارس دور الإقليم – القاعدة، فدون مصر تستحيل الوحدة العربية وخروجها منها يعني قتلها "(35). وقال ساطع الحصري : " آن الأوان ليدرك الناطقون بالضاد أنهم أبناء أمة واحدة على الرغم من تعدد دولهم في الحالة الحاضرة، وأن يعملوا لتكوين دولة موحدة، ليصبحوا أقوياء من جميع الوجوه : الثقافية، والإقتصادية، والعسكرية، والسياسية "(36).
وفي ص 107 قال بلقزيز : " إن الفكرة التي يرفضها الفكر القومي العربي قديماً وحديثا – وتقيم الدليل عليها تجارب التوحيد القومي كافة – هي إن " الأمة لا تصنع دولتها القومية دائما وإنما الدولة من يصنع الأمة ". ليست الأمة الأميركية من صنع الدولة القومية والوحدة القومية الأميركية، وإنما الوحدة الأميركية ما صنع الأمة الأميركية " ثم قال في هامش 12 من الصفحة نفسها : " كان عزمي بشارة من أوائل المفكرين القوميين الجدد الذين تنبهوا – منذ سنوات – لهذه الحقيقة وسلط الضوء عليها في مقالات له نشرت في جريدة الحياة اللندنية " .
في هذا يخترع بلقزيز حقيقة معاكسة بالاستناد إلى تاريخ تجارب التوحيد القومي الإنساني، التي لا وجود لها إلا في ذهنه فقط، ففهمه الخاطئ قاده إلى خطيئة فادحة في عرض المعلومات التاريخية حول تجارب التوحيد القومي، فالتراث القومي الإنساني يؤكد على وجود أنموذجين في عملية التطور القومي : الأنموذج الأول – الدولة تصنع الأمة : ففي هذا الأنموذج تكون الدولة المركزية المنظمة أساساً لقيام الأمة، وسبيلا لتقويتها، وخير مثل انكلترة وفرنسة(37). والأنموذج الثاني – الأمة تصنع الدولة : وهو الغالب وأفضل من يمثل هذا الأنموذج الحالتين الألمانية والإيطالية، فقيام الروح القومية وانتشارها كان باعثاً للأمتين على تحقيق وجودهما السياسي، أو كيانهما السياسي(38). ولهذا ليست الولايات المتحدة الأميركية أنموذجاً أصيلاً لقيام الدولة القومية، لأنها مجتمع استيطاني من أجناس متعددة، ومذاهب مختلفة، كانت تابعة لبريطانيا، ولم يكن أهلها يطالبون بالانفصال، ولكن تعسف بريطانيا ضدهم دفعهم إلى الانفصال، فحركتهم من نوع الثورة الداخلية، ولم تكن حركة استقلال قومي، كما أن أرض الولايات المتحدة الأميركية جاءت عن طريق الاستيلاء والشراء والانضمام، ومن جانب آخر فإن الفكر القومي العربي قد آمن بالأمة – الدولة للاعتبارين الآتيين: الاعتبار الأول – إن التاريخ العربي الإسلامي وهو أنموذجنا الأول قد قام على مبدأ الأمة هي من يصنع الدولة، وليس العكس، فعندما جاء الإسلام أنشأ النبي محمد – ص – من القبائل العربية المتفرقة والمتناثرة أمة، وصفها الله تعالى بقوله : " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ". ثم كانت البداية الحقيقية لتأسيس الأمة – الدولة(39).
الاعتبار الثاني – إن وضع الأمة العربية يشبه تماماً وضعا ألمانية وإيطالية قبل توحيدهما في أواخر القرن التاسع عشر، إذ كانت هاتان الدولتان مجموعات من الدويلات والولايات الصغيرة، فكانت ألمانية وإيطالية أنموذجاً في الأمة – الدولة في العصر الحديث، أو أنموذجاً أصيلاً لقيام الدولة القومية، فضلاً عن ذلك إن فقهاء القانون الدستوري يقرون بالأمة – الدولة، فالفقه الفرنسي؛ يتجه في جملته إلى أن الدولة هي التشخيص القانوني للأمة، فعلى الرغم من أن الدولة هي التي صنعت الأمة في فرنسة، فتطابقت الأمة والدولة فيها، إلا أن الفقيه اندريه هوريو قال : " الأمة سابقة للدولة حتى العقود الأخيرة كانت الأمة تعد كنتيجة تفاعل تاريخي ينمو ويتكامل قبل ولادة الدولة، وكانت هذه تبدو في المرحلة النهائية كمركز سياسي وقانوني للأمة. إنه لمن الثابت في أغلب البلدان الأوربية أن تكوين الأمة قد سبق تكوين الدولة، فالأمة الألمانية، والأمة الإيطالية، كانتا حقيقتين اجتماعيتين قبل أن تصبح كل منها دولة. فمن ناحية أسبقية الأمة على الدولة حيث تبدو المجموعة البشرية مزودة بشخصية متفردة ذاتية قبل أن تتحول إلى دولة تطرح مسألة معرفة ما إذا كانت الأمة تستطيع ويجب أن تشكل دولة. والقضية هنا تتعلق بمسألة لا تخطر ببال الفرنسي تلقائياً وذلك لتطابق الأمة والدولة في فرنسة، ولكن هذا الأمر لا يحدث في كل مكان، فهناك أمم كانت وما تزال تقسم إلى عدة دول، كما يوجد في الماضي وفي الحاضر أمم مختلفة مجموعة تحت سلطة دولة واحدة "(40). كما أن هناك فرق بين الأمة والدولة، فالأمة ظاهرة اجتماعية تتلخص في وجود جماعة من البشر تسود بينهم روح الترابط والاتحاد وتجمعهم الرغبة في العيش المشترك فوق إقليم معين، لتضافر عدد من العوامل التي حولتهم إلى قوم يتميزون عن غيرهم من الجماعات البشرية، أما الدولة فهي جماعة من الناس، يعيشون فوق إقليم جغرافي محدد بصورة دائمة، ويخضعون لسلطة سياسية معينة، فالفارق الجوهري بين الدولة والأمة، يتمثل في عنصر السلطة السياسية الذي لا يشترط توافره لوجود الأمة، في حين إنه أحد الأركان الثلاثة لقيام الدولة، فقد توجد الأمة قبل قيام الدولة بكامل أركانها، لأن الدولة لا توجد إلا بنشأة السلطة السياسية، فإذا وجدت تحولت الأمة إلى دولة، فلا يوجد تلازم حتمي إذن بين الدولة والأمة، وقد تنقسم الأمة الواحدة إلى عدة دول، كما هو واقع الأمة العربية اليوم، كما أن الدولة الواحدة قد تضم أمماً مثل دولة النمسا والمجر قبل الحرب العالمية الأولى. وهكذا تختلف فكرة الدولة عن فكرة الأمة، فإذا كانت الأمة ظاهرة اجتماعية، فإن الدولة ظاهرة قانونية، سياسية، لا بد أن تتوافر لها شروط معينة حتى توجد من بينها وجود السلطة السياسية، لكن لا يشترط أن ينتمي شعب الدولة إلى أمة واحدة، وإن كان في ذلك تحقيق للوحدة والترابط وتقوية لدعائم الدولة(41). وكان برهان غليون قد علق قائلاً : " إن النظرية القومية الحديثة، تقوم في الحقيقة على مسلمة رئيسة كبرى هي حتمية تطابق الهوية الثقافية مع الهوية السياسية، وهو ما نشير إليه عندما نتحدث عن الدولة الأمة، أو عن الأمة وقد تحولت إلى دولة، وهي تخلط في الواقع بين الأمة بوصفها شعباً متميزاً لغة، وثقافة، وهذا أحد مستوياتها، وبين الأمة من حيث هي دولة، تضم هذا الشعب، والحال إن هذه الحتمية ليست فعلية، ولا تعبر إلا عن ظاهرة تاريخية فريدة، ومن الممكن وجود شعب أو أمة من دون أن تكون قد تحققت كدولة واحدة، وأن تكون هناك دول كثيرة ليست بالضرورة مطابقة في حدودها السياسية للهوية الثقافية الواحدة، وخطر هذه النظرية الأول هو أنها تلعب على الالتباس الذي تخلقه هي نفسها بين مفهوم الأمة ومفهوم الدولة – الأمة، بحيث تسمح لنفسها عندما يتفق ذلك مع مصالحها بإنكار وجود الأمم من خلال الإشارة إلى عدم قدرتها على تكوين دولة – أمة، وبإنكار وجود الدول لأنها لا تضم قومية ذات هوية ثقافية واحدة "(42). وقال أيضاً : " إذا لم يكن هناك دولة – أمة عربية كما هو واضح، فإن هناك أمة – جماعة تؤكد نفسها في أغلب الأوقات إلى جانب الدولة، أو ضد الدولة، أي هناك قومية عربية، بمعنى قرابة روحية، وثقافية، وسياسية، وتاريخية، تدفع نحو التضامن والتماهي والانفعال المشترك، بأهداف وآمال وآلام واحدة ... ليس هناك أي مبرر في نظري كي لا نعطي في تحليلنا التاريخي والسياسي قيمة، ولا نعترف من بين العلاقات القرابية التي تنميها المجتمعات عبر التاريخ، إلا بذلك النوع من التضامن المرتبط بتكوين الدولة – الأمة الحديثة كما عرفتها أوربة، معتبرين أن كل أشكال التضامن الأخرى تنتمي إلى عالم ما قبل السياسة، فهذا يعني تحويل الدولة – الأمة إلى مقياس كوني ورفض النظر إلى تاريخ الشعوب والجماعات كافة إلا من منظور نموذج التطور التاريخي للمجتمعات الأوربية الذي ظهر في منطقة معينة نتيجة خصوصيات محلية وقامت عليه علاقات قومية معينة وهو يقود إلى أن ينكر على هذه الشعوب شرعية الروابط النابعة من خصوصياتها وتاريخيتها وهي هنا العقيدة والثقافة إذ لا يعني مثل هذا التطبيق إلا إنكار وجود أية رابطة قومية أخرى في التاريخ إلا تلك التي ظهرت في القرون الأخيرة وتجسدت في الدولة القومية ونجمت عن السيرورة التاريخية الأوربية "(43).
أما قول بلقزيز إن عزمي بشارة هو من أوائل المفكرين القوميين الجدد الذين تنبهوا إلى أن الدولة تصنع الأمة، فهنا لم يتمكن من التزام الدقة العلمية، ونسبة الأسبقية بالآراء بصورتها الصحيحة إلى أصحابها الحقيقيين، فلقد سبق بشارة في هذا التناول مفكرون قوميون – بعضهم قبل عقود – مثل نقولا زيادة في كتابه " العروبة في ميزان القومية "(44). وجورج طرابيشي في كتابه " الدولة القطرية والنظرية القومية "(45). وقد تناول الموضوع بإفاضة علمية ومنهجية دقيقة، وكذلك برهان غليون في كتابه " المحنة العربية : الدولة ضد الأمة "(46).
وفي ص 108 قال بلقزيز : " إن درس الدولة – الأمة في أوربة وأميركا وآسيا الشرقية يثبت حقيقة دور السياسي في تكوين القومي حتى تجربة الدولة الصهيونية تثبت أن الدولة قد تخلق شعباً أو أمة من أرخبيل من الجماعات المنتزعة – باسم الرابطة الدينية – من بيئات مختلفة ".
إن السائد والقاعدة في تاريخ الفكر القومي الإنساني أن الأمة هي التي تصنع الدولة وخاصة إذا كانت الأمة متجانسة، في حين كان الاستثناء الدولة من يصنع الأمة، كما أننا نصاب بالدهشة، ونتوقف عن التعليق، عندما يضع المفكر القومي العربي بلقزيز من الكيان الصهيوني المغتصب فلسطين – هي أرض عربية ووقف إسلامي – أنموذجاً لقيام الدولة – الأمة.
وفي ص 108 قال بلقزيز : " هل نريد بهذا الاستدراك النقدي أن نذهب إلى إنكار وجود أمة عربية ؟، لا؛ نحن نسلم بوجودها، ونعترف بدور كل تلك العوامل التي تحدث عنها أباؤنا القوميون في تكوينها، لكننا نميز بين وجودها كحقيقة ثقافية – تاريخية، ووجودها كحقيقة سياسية – كيانية، بين وجودها بالقوة، ووجودها بالفعل، إن استعرنا عبارات ومفاهيم أرسطو. لنقل بلغة أخرى إن وجودها على هذا النحو الذي لا تعبر فيه عن نفسها من خلال كيانية سياسية يهدد بقاءها، ويهدد بمحو كل عناصر التكوين التي قامت عليه، كما تعرض غيرها للمحو، ماذا بقي اليوم من هندية تاريخية للباكستانيين، والبنغلاديشيين، بعد أن صارت لهم دولتان معاصرتان ؟، ماذا بقي لليهود العرب من عروبتهم التاريخية بعد أن ادمجوا في دولة سرقتهم من أوطانهم الأصل ؟، وما أغنانا عن القول إن هذه الاستنتاجات لا تهدم ولا تحبط بل تحث على فكرة الدولة القومية كحاجة مصيرية لإنتاج الأمة العربية بالمعنى الحديث للأمم والقوميات ".
إن الأمة العربية بناء على قول بلقزيز في ص 108 : " لم تتوحد في تاريخها سياسياً لم تقم في تاريخها دولة واحدة جامعة " وعلى الرغم من ذلك فإن عدم وجود الكيانية السياسية لها ومنذ القدم وإلى اليوم إلا أنه لم يهدد بقاءها ولم تهدد بمحو عناصر التكوين الثقافية – التاريخية، التي قامت عليها، والتي كانت السر في قوتها، وما زال العرب على قيد الحياة، ويدعو البعض منهم بناء على هذه العوامل السحرية إلى إقامة كيان سياسي، وقد قال عبد العزيز الدوري : " إن تاريخ الأمة لا يتحدد ببداية، ولا يؤرخ بحدث، فهو مسيرة متصلة من بدايات قد تكون بعيدة في التاريخ – كحال الأمة العربية –، ولكنها ليست مسيرة موحدة، فقد تبدأ من مجموعات مبعثرة، أو من تجمع كبير، وقد تحقق كياناً سياسياً واحداً، أو تجد نفسها موزعة بين كيانات عدة، وقد تجد الأمة في أصولها البشرية رابطتها وشعورها بالانتماء، وقد تطور لغة واحدة مشتركة تنطلق منها إلى تكوين ثقافة لها لتجد في ذلك قاعدة كيانها وأساس وجودها "(47). كما أن الأمة العربية أمة ند، وتحد، ومواجهة، ولها مكانة في العالم، على الرغم من واقع الحال الضعيف الذي يعيشه العرب، ومع ذلك فلسنا مثل الأمم المهددة بالانقراض، ولا من الأمم المشردة، لأننا أمة أصيلة مرتبطة بالإسلام، والقرآن الكريم ووجوده، وقد قال الله تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون "(48). فلماذا الخوف ؟، والحملات الصليبية قد هزمت وأصبحت من التاريخ، كما ان الجزائر وعلى الرغم من احتلالها لمدة 132 سنة من قبل فرنسة، وممارسة سياسة الفرنسة تجاهها ما تزال عربية، وقد قال عصمت سيف الدولة : " إن الأمة العربية تتميز بأنها دخلت مرحلة التكوين القومي ونمت حتى اكتملت أمة في ظل الإسلام والحضارة الإسلامية، من الإسلام اكتسبت وحدة اللغة، وخلال المعارك التي خاضتها في سبيل رسالة الإسلام أو دفاعاً عنها كونت أمجد مراحل تاريخها، وبالدولة الإسلامية تحقق لها الاستقرار الطويل الكافي لتكوين حضارتها العربية، وبذلك كان الدين بعض نسيج هذه الأمة، وكان الاستعمار أضعف من أن يمزق هذا النسيج، فحفظت المناعة الدينية الأمة العربية من التخريب الاستعماري، وكما أسهم الدين في بناء الأمة العربية، أسهم في الحفاظ عليها "(49). فعلى الرغم من حالة التفكك، والتمزق، التي تعيشها الأمة العربية اليوم، ولكن لارتباطها الوثيق بالإسلام فإنها ما تزال تشكل تحدياً حقيقياً للغرب، وخاصة من قبل مفكريهم، فصموئيل هنتنغتون في كتابه " صدام الحضارت " يحذر من الإسلام على الحضارة الغربية الذي امتزج تاريخه كرسالة وحضارة بالعرب من منطلق أن تاريخ هذه الحضارة المشرف ما يزال حائزاً على قدر كبير من مكونات التحدي ومؤهلات التفوق(50). أما الخلط بين التكوين التاريخي للأمة العربية، وبين الهندية التاريخية للباكستانيين، والبنغلاديشيين، والعروبة التاريخية لليهود، فليس هناك أي رابط، لأن الهند كانت أرضاً تضم جماعات شتى منذ القدم، أو هي بلاد متعددة القوميات، انفصلت عنها الباكستان نتيجة الاختلاف الديني والقومي، وأقامت كياناً سياسياً خاصاً بها، كما انفصلت فيما بعد بنغلادش عن الباكستان بحكم الاختلاف القومي والبعد الجغرافي، وأقامت أيضاً كياناً سياسياً قومياً خاصاً بها، واليهودية دين وإذا أراد اليهودي العربي التمسك بانتمائه العربي فهذا خياره، خاصة وأن البعض من العرب لا يتمسكون بهذا الانتماء، فهل نتكلم عن التاريخية ؟، ولهذا فإن الطرح تبسيط سطحي وخلط للأوراق، فالمثال ليس في مكانه الصحيح إنما جاء لإضعاف ما جاء به الآباء الأوائل، ولكنه أطلق على عواهنه باسم التاريخية التي تختلف من حال إلى أخرى.
وفي ص 108– 109 قال بلقزيز: " هل حقا أنجزت التجزئة الاستعمارية تمزيقاً لأوصال أمة موحدة ؟، هل وقعت التجزئة على وطن عربي موحد ". ثم يجيب على هذين السؤالين بأن هناك : " حقيقتين لا تقبلان النكران : الأولى أن التجزئة الكيانية للبلدان العربية كانت موجودة قبل الاستعمار، وفي ظل نفوذ الدولة العثمانية، وضمن مواريثها، حيث لمصر، وبلدان المغرب العربي، والجزيرة العربية، كيانات منفصلة ومستقلة عن المركز العثماني، والثانية أن ما أضافه الاستعمار من تجزئة طال في المقام الأول الولايات العربية التابعة للدولة العثمانية في منطقة المشرق العربي وبالذات سورية الكبرى ". ثم يعززهما بنظيرتين تعززان سابقتيهما " أولهما أن التجزئة الداخلية سابقة في الوجود للتجزئة الاستعمارية الخارجية ... وثانيتهما أن الاستعمار وحد بقدر ما فكك ".
هنا يضع بلقزيز من نفسه محامياً عن الاستعمار الأجنبي – الشيطان – ويحاول بحجج تاريخية، ولكنها واهية من تبرئته مما أصاب الأمة العربية من تجزئة وتمزيق، ويبرر أن التجزئة كانت موجودة قبل الاستعمار، فالبلدان العربية كمصر، والمغرب العربي، والجزيرة العربية، كانت كيانات منفصلة ومستقلة وان الاستعمار طال بالتجزئة فقط سورية الكبرى وكأن هذه البلاد لديه من عالم آخر، وليست من بلاد العرب، مع أن بلاد الشام كانت موئل الفكر القومي العربي، ورائدة القومية العربية، ولذلك فإن تمزيقها إلى دول يبدو أمراً عادياً لديه، فالاستعمار قام فقط بتقسيم جزء من البلاد العربية، وليس كلها، ولذلك لا جرم عليه، ولا توجد أية مشكلة، لأن الوطن العربي بالأساس هو مجزأ، فلماذا التجني من قبل القوميين العرب على الاستعمار ؟ فهذا المنطق الذي يدعي الموضوعية في البحث العلمي من أجل شرعنة الدولة القطرية القائمة، والزعم والادعاء أن بعض الدول العربية ليست صنيعة الاستعمار بل بعضها سبق وأن عرضه إيليا حريق في بحثه : " نشوء نظام الدولة في الوطن العربي "(51).
ثم يرتكب بلقزيز شطحة فكرية لا تقوم على أي سند تاريخي أو منطقي عندما قال مادحاً الاستعمار : " إن الاستعمار وحد بقدر ما فكك " وهنا نسأله أن يعطينا مثالاً واحداً عن فائدة من فوائد الاستعمار، التي أعطاها للأمة العربية وأين وحد ؟، ولا نظن أبداً أنه قد أفادها بقدر ما فككها، ومزقها، وأثخنها بالجراح، وما زال سادراً في غيه، ويعزز هذا ما ذهب إليه برهان غليون عندما قال : " لكن الاستعمار إذا لم يكن هو السبب الأول لتفكك الكيان العربي فإنه المسئول الأول عن وضع العراقيل أمام إعادة توحيد الفضاء العربي، فقد قطع على العرب الطريق الطبيعي لنمو الوعي القومي، وأدخل في تاريخيتهم السياسية، وفي المناقشة التي سوف تعكسها عوامل اضطراب وتشويش قوية، ليس من الممكن السيطرة عليها بسهولة، كما تشكل حجر عثرة أمام تقدم العرب في حل مسألة تحديد هويتهم السياسية على أثر انهيار الدولة الامبراطورية العثمانية "(52).
وفي صفحة 109 قال بلقزيز : " لا بد من الاعتراف إذن أننا أمام خطاب وحدوي لم يكن يلحظ حقائق التاريخ كافة، ولا كان يلحظ حقائق الجغرافية العربية، إنه خطاب انتقائي ينتقي من معطيات التاريخ والجغرافية ما يخدمه ويطرح الباقي جانباً ... إن خطاب الوحدة خطاب مشرقي بامتياز وشامي بامتياز ... لكنه لم يستدمجنا في جغرافيته وأعرض عن حيزاتنا التاريخية والجغرافية وظل مشرقياً حتى عهد قريب ... ومن سخرية الأقدار أن تجارب التوحيد الوحيدة الجزئية المتواضعة ولكن الصامدة التي نجحت في البلدان العربية المعاصرة حصلت خارج نطاق المجال المشرقي الذي ولدت فيه الفكرة القومية العربية ".
اسمح لنا بلقزيز أن نقول لكم من خلال عرض هذه الفقرات إن خطابكم تسيطر عليه الانتقائية التاريخية والجغرافية وإنكم تطرحون الباقي جانباً، إذ لا تأخذون الفكر القومي العربي في لحظته التاريخية، ومكانه الجغرافي، لأنكم أسير هذه الفكرة، أي قد أصبتم بداء الإقليمية، والجهوية، الذي من المفروض على القومي العربي الأصيل أن تكون لديه مناعة منه، وضده، ولا يفكر فيه أصلاً، نعم لقد كان الخطاب القومي مشرقياً وشامياً، ويعود ذلك إلى أن الدعاة، والآباء الأوائل، الذين رفعوا لواء القومية العربية كانوا يسكنون جغرافياً في هذه المنطقة، ولكنهم ينتمون إلى كل الوطن العربي بجهاته الأربع، كما أن الفكرة والدعوة إلى القومية العربية ولدت في المشرق العربي، التي كانت حواضرها مكة، والمدينة، ودمشق، وبغداد، والقاهرة، مراكز اشعاع حضاري للعرب والمسلمين والإنسانية، وهذا لا يضر ولا ينتقص من أي منطقة جغرافية من الوطن العربي، فلقد كانت بروسيا بقيادة بسمارك داعية الوحدة الألمانية، فليس هنالك مشكلة أن ترفع لواء الفكرة والوحدة العربية بلاد المغرب العربي من الوطن العربي، فحسب تقسيمكم الجغرافي إننا نعيش في المشرق العربي، ولكننا ننهل فكرياً من مفكرنا الكبير محمد عابد الجابري الذي عاش في المغرب العربي، وكنا أيضاً ننهل ونراهن كثيراً على المفكر عبد الإله بلقزيز، ولكن بعد الشطحات في هذه المقالة بدأنا جدياً نعيد النظر فيما قاله وسيقوله أو يصدر عنه – على الأقل من جانبي – كما أن قولكم إن تجارب التوحيد الوحيدة والصامدة التي نجحت في البلدان العربية حصلت في خارج نطاق المجال المشرقي الذي ولدت فيه الفكرة القومية العربية لا يصمد أمام حقائق التاريخ والجغرافية، فأول وحدة في التاريخ العربي الحديث قامت على أساس قومي هي الوحدة بين سورية ومصر في شباط 1958، وسمي الكيان السياسي الجديد الجمهورية العربية المتحدة بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، وكانت الدولتان من المشرق العربي، أما الوحدات الناجحة في خارج هذا المجال الذي ولدت فيه القومية العربية، فإنها وحدة ولايات، أو محافظات، أو أقاليم، أو مشيخات داخل الإقليم الواحد، وليس بين دول مثل دولة سورية، ودولة مصر، بإستثناء حالة الوحدة اليمنية التي قامت بين دولتين والتي توجه لها الآن السهام من كل حدب وصوب من أجل تقسيمها.
وفي ص 110 قال بلقزيز : " لا حاجة بنا إلى القول إننا نريد الوحدة العربية لأننا أمة واحدة تجمعها رابطة اللغة، والثقافة، والتاربخ، ولا لأن الاستعمار جزأ هذه الأمة إلى كيانات قطرية، وإنما نريد الوحدة لأن لدينا مصلحة فيها، لأن مصيرنا يتقرر بها إيجاباً وبغيابها سلباً ... وننقلها من مجال التاريخ والأنثرويولوجيا إلى مجال السياسة والاقتصاد، من مبدأ الهوية إلى مبدأ المصلحة، من كان إلى سيكون من الماضي إلى المستقبل ... من هنا ومن هنا فقط ينبغي أن يبدأ تفكيرنا في الوحدة العربية بعيداً عن الأيديولوجية قريباً من المصلحة ".
لقد قرأنا دعوة بلقزيز غير المسئولة إلى إقصاء الهوية العربية واستبدالها بالمصلحة بدهشة عظيمة، واستغربنا صدور هذه الدعوة من قبله في الوقت الذي يدعي ويزعم أنه مفكر قومي عربي، ويقدمه الآخرون على أنه من المفكرين القوميين العرب الجدد، ومن ثم يجب أن تكون من أولى واجباته؛ بل في مقدمة مهماته، وأولوياته، الدفاع عن الهوية العربية، والوجود العربي، وليس مسخ العرب، وجعلهم من دون هوية، وفي مهب الريح، وخاصة في المنطقة تعرض الكثير من مشاريع الهويات البديلة، وبذلك فإنه بدعوته قد تجاهل الحقائق الآتية :
- إن هوية الشخص حقيقته، أو الشيء المشتمل على صفاته الجوهرية، التي تميزه عن غيره، أو إنها مجموعة من الأوصاف والسلوكيات التي تميز الشخص عن غيره، ولها بعدان وهما جانب التصورات والتصرفات، وأركانها الدين، واللغة، والقيم، والأخلاق، ومن ثم لها علاقة أساسية بمعتقدات الفرد ومسلماته الفكرية، التي تحدد سمات شخصيته، وأطر سلوكه وتصرفاته.
- إن الهوية العربية هي انتماء حضاري، وروحي، وثقافي، وتاريخي، وشعوري، وهي رابطة لغة، وثقافة، وتراث، وتاريخ، ومصالح مشتركة، ووعي بمصير واحد، ومن ثم فإن إلغاء الهوية العربية هو محاولة لاستئصال مكونات الأمة العربية.
- إن إقصاء وإلغاء الهوية العربية، هو إفراغ العرب من محتواهم، وجعلهم في مهب الريح، خاصة وإن الدولة – الأمة التي تدعو إليها لا تقوم إلا على أساس الهوية العربية.
- إن محاولة إلغاء الهوية العربية تصور مضلل، يحاول تثبت فكرة دونية العرب وتفوق الآخر.
- إننا نعيش في عصر يقظة القوميات والدول القومية من جديد، والدليل ما حدث من تفكك الاتحاد السوفيتي إلى دول قومية، وما حدث في ألمانيا، والصين، من عودة إلى الوحدة القومية، فالعالم الذي نعيش؛ فيه حالة صحوة للقوميات والثقافات القومية من جديد.
- إن محاولة إلغاء الهوية العربية دعوة خطرة جداً، ونسأل بلقزيز هل يمكن أن يتخلى الفرنسيون أو الألمان أو الإيطاليون أو الهولنديون عن هوياتهم القومية، وإن انضووا تحت لواء الاتحاد الأوربي ؟ .
- إن الهوية العربية من مقدسات ومقومات الأمة، ولا يجوز أبداً الدعوة أو المطالبة بإلغائها، فالقول بذلك يجعل صاحبه خارج إطار الولاء للأمة العربية.
- في الوقت الذي يدعو فيه بلقزيز إلى إقصاء الهوية العربية وإحلال هوية المصلحة بديلاً عنها يعلن تخوفه على هويات ومصير الجماعات الأقوامية غير العربية – ص 110 الهامش 15 – فهم من حقهم بناء إلى ما يدعو إليه التمسك بانتماءتهم القومية، أما نحن العرب فعلينا التخلي عن هويتنا بتعلة المصلحة، فهذا المنطق الملتوي لا يستقيم مع دعوته.
- إن محاولة تجريد العرب من هويتهم وانتمائهم اعتداء صريح وواضح وصارخ على حقهم في الحفاظ على مقومهم الأساس.
- إن الوجود في أرض واحدة، وممارسة الحياة بثقافة واحدة، يخلق علاقات قوية تدور حول المصلحة المشتركة.
- إن عامل المصلحة قد يكون من عوامل التكوين القومي، وليس بديلاً عن الهوية العربية.
وإن طرح بلقزيز بأن ننتقل من أجل الوحدة العربية من مبدأ الهوية إلى مبدأ المصلحة كان قد رد عليه ساطع الحصري منذ عقود خلت عندما أكد على أن عامل المصلحة يؤدي دوراً مهماً في حياة الأفراد والجماعات ولكن ذلك لا يسوغ اعتباره أس الأسس في بناء الوحدة، لأن كل أحداث الحياة الاجتماعية والسياسية، تشهد شهادة قاطعة على أن المصلحة إذا كونت رابطة توحد فإنها كثيراً ما تكون بعكس ذلك، مدار خلاف، وعامل تفرقة، فإنها إذا ما وحدت في بعض الأحوال تفرق في كثير من الأحوال، إن المصلحة ليست من الأمور الثابتة، بل هي من الأمور النسبية، التي يختلف الناس في تقديرها اختلافاً كثيراً، فضلاً عن أن تقديرهم لها يتغير ويتطور بتغير الظروف وتوالي الزمن وأنظار الناس في ميدان المصالح، فلا تمتد على أبعاد متساوية وإن المنفعة والمادة والاقتصاد ليست كل شيء في حياة الإنسان، لأن النوزاع والعوامل العاطفية والفكرية أيضاً تؤدي دوراً مهماً في حياة الأفراد والجماعات حتى أنها لا تخلو من التأثير في الحياة الاقتصادية نفسها.
إن الأحاسيس الوطنية والقومية لا ترتبط بالمنافع والمصالح المادية والاقتصادية، إنها من النوازع والعواطف التي تسمو على الحسابات النفعية لو عمل الناس في كل شيء بسائق المنفعة دون أن يلتفتوا إلى الأمور العاطفية والمعنوية لتفككت جميع الروابط الاجتماعية من العائلية إلى القومية ولانحطت البشرية إلى مرتبة البهائم بل إلى مرتبة أحط منها.
إن النوازع الوطنية والقومية تدفع الناس في بعض الأحوال إلى التضحية بالنفس، فمن الطبيعي بل من الأولى أن تدفعهم إلى تضحية بالمصالح الاقتصادية عند الاقتضاء، إن الشعوب المحكومة تستطيع أن تحافظ على لغتها، وتقاوم سيطرة الحاكمين في أمرها مدة طويلة، ولكنها لا تستطيع أن تقاوم سيطرتها الاقتصادية ولو لمدة قصيرة، إن المستولين والمستعمرين لا يستطيعون أن يقضوا على لغة البلاد، ولا أن يسيطروا على ذكريات الناس إلا في ظروف خاصة، وبعد جهود تستمر مدة أجيال وأجيال، ولكنهم يستطيعون أن يسيطروا على اقتصاديات البلاد في حملة واحدة(53).
وبناء عليه فإن طرح بلقزيز صراحة على إلغاء الهوية العربية من خلال الانتقال من مبدأ الهوية إلى مبدأ المصلحة يريد منه بناء عالم على مزاجه الشخصي، بعد أن جعل من شخصه سادن للعروبة، ووصي عليها، مع أن هنالك الكثير من القوميين العرب – نحن منهم – ليس لديهم الاستعداد للتنازل عن الهوية العربية، ففشل القوميين العرب في الإيفاء بوعودهم والتزاماتهم تجاه الشعب العربي، وغياب الكيان السياسي العربي في الساحة الدولية، لا يبرر أبداً التخلي عن الهوية العربية، وإنها أصبحت عقيدة من الماضي، أو فكرة عفا عليها الزمن، وطويت بين صفحات الماضي، لأنها تبقى محط الرجاء في بناء الكيان السياسي المنشود، وحجر الزاوية في أي كيان يجمع بين العرب مستقبلاً، وكان طه حسين قد سبق بلقزيز بهذا الطرح إذ حاول استبدال هوية مصر العربية بالهوية المتوسطية، تحت زعم وادعاء أن العقلية المصرية قد تأثرت بالمتوسطية وتبادلت في جميع الميادين مع الشعوب المتوسطية فكان يرى أن وحدة الدين، ووحدة اللغة، ووحدة الجنس، لا تصلح للوحدة السياسية التي يجب أن تقوم على المنافع العملية(54).
وفي الصفحة 110 الهامش 15 قال بلقزيز : " ما أغنانا عن القول إن الجماعات الأقوامية غير العربية لا يعنيها في شيء أن يقيم العرب وحدتهم على فكرة أنهم أمة ذات هوية قومية متميزة، بل إن مثل تلك الوحدة تخيفهم أو لا تطمئنهم، وقد تنمي في بعض أوساطهم دعوات الانفصال، أما حين تقوم فكرة الوحدة على المصالح المشتركة بعيداً عن فرضيات الثقافة والدين، فإن تلك الجماعات غير العربية لا تجد ما يمنعها من العمل داخلها والدفاع عنها ".
في هذه الفقرات يضيف بلقزيز شطحة أخرى من شطحاته الفكرية الكثيرة التي أتخم فيها النص إلى درجة التعدي وجرح المشاعر والاعتداء الصارخ على حرمة أهله العرب بتعلة المراجعة، والتقويم، والتصحيح، فيخترع تعلة أخرى يتعلل بها لإلغاء الهوية العربية واستبدالها بالمصلحة من أجل الوحدة العربية، وهي وجود جماعات أقوامية غير عربية تعيش بين ظهراني العرب، فيطلب من العرب التخلي والتنازل عن هويتهم من أجل هذه الأقليات الأقوامية حتى لا تقلق خواطرها، ولا تتأذى مشاعرها، ولكي لا تخاف وتطمئن وكأن وحدة العرب جور وعدوان على هؤلاء المواطنين غير العرب، أو إلغاء لشخصيتهم القومية، ولا ندري ما الذي يقلق الأقليات غير العربية من الوحدة العربية ؟، إنه إيحاء يصور العرب بأنهم عنصريون، غير قادرين على التعايش والتسامح مع الأقليات التي تعيش في المجتمع العربي، ولكن إذا نظرنا إلى التراث السياسي القومي للآباء الأوائل فسوف نجد أنهم يقفون على النقيض تماماً من العنصرية، فهم لا ينادون بأن دولة الوحدة يجب أن لا تضم سوى العرب ويرفضون ما عدا ذلك من العناصر غير العربية، إنهم لم يفكروا أن يكونوا عنصريين على الإطلاق، أو أن يقيموا مجتمعهم العربي المنشود على أساس التخلص من أي عنصر غير عربي من منطق وحدة الأصل والمنشأ، أو وحدة الأصل والدم، فهم على الرغم من اختلاف توجهاتهم ينعدم في كتاباتهم التأكيد على العامل العنصري، أو عامل الدم، أو الجنس، وقد قال ساطع الحصري : " إن كل الأبحاث العلمية تدل دلالة قاطعة على أن وحدة الأصل من الأمور التي لا تتحقق في أية أمة من الأمم على الإطلاق ... لا توجد أمة ينحدر جميع أفرادها من أصل واحد، بل إن كل أمة من الأمم تتألف من أفراد منحدرين من أصول مختلفة، حتى إن أعرق وأقدم الأمم الحالية في الوحدة السياسية والتجانس القومي بعيدة عن التجانس في الأصل والدم بعداً كبيراً ... إن أبناء الأمة الواحدة يعتبرون بعضهم البعض أقارب وأشقاء كأنهم منحدرون من أصل واحد ... ولكن هذه القرابة التي يشعر بها ويتكلم عنها أبناء الأمة الواحدة هي قرابة معنوية تنشأ من الروابط الاجتماعية المختلفة – ولا سيما من الاشتراك في اللغة والتاريخ فلا تدل – بوجه من الوجوه – على قرابة الأصل والدم "(55). وجزم وأكد الحصري على وهم وحدة الأصل والدم عندما قال : " ونستطيع أن نقول بكل جزم وتأكيد : إن وحدة الأصل والدم في أية أمة من الأمم إنما هي من الأوهام التي استولت على العقول والأذهان من غير أن تستند إلى برهان (56). وفي الاتجاه نفسه ذهب قسطنطين زريق في رفض وحدة الأصل والدم ودعا إلى هتكها فقال : " ما كانت القومية يوما لتبنى على حجم الرأس، أو لون البشرة، أو تركيب الشعر، بل على أسس اجتماعية، وعقلية، وروحية، أقوى أثراً في تكوين الأمم ... فلننتهك إذاً حجاب الجنس الذي يمنع الضياء عن تفكيرنا القومي، ولنطرد شبح الدم الذي يسيطر على أبحاثنا ومجادلتنا، ولننظر إلى ما أهم منها، وأفعل، في تكوين القومية الصحيحة، لننظر إلى اللغة، والثقافة، والعادات، والذكريات التاريخية، والمصلحة الحاضرة والمستقبلة "(57). وقد قال الشاعر القروي رشيد سليم الخوري : " ولعمري كم هم الذين يحفظون منا شجرة أنسابهم ؟، أنا لا أجزم بأني عربي خالص النسب فقد أكون سريانيا،ً أو يونانياً، أو رومانياً، ولكن ذلك لن ينفي عروبتي، لأن روحي عربية، وهذا كل الأمر، فلئن طاف الشك في عروبة الدمن فعروبة الروح لن يأتيها الشك من سبيل، قد ينحدر المرء من أبوين عربيين لا غش فيهما ولا فيه، ويكون هو غير عربي، لأن المسألة مسألة أرواح وعقول أكثر مما هي مسألة عظام ولحوم، وكما يقدم الجسد الحي على التراب، فكذلك تقدم الجسد. فالذي يربى تربية إفرنجية ويعرف لغاتهم أكثر من لغته ويرى الحقير فيهم عظيماً والعظيم في قومه حقيراً فذلك ولو ولد في بطحاء مكة لا يعدو أن يكون علجاً من هذه العلوج الفظة البعيدة عن قلب كل عربي. ولرب أعجمي أزرق الدم والعيون يقرأ تاريخ العرب والإسلام متجرداً عن كل هوى دنيء وتعصب ذميم. فيعشق آدابهم ويعجب بمكارم أخلاقهم، ويجهر بفضلهم، ويذود عن حياضهم بقلمه ولسانه، هو وأيم الحق أقرب إلى العرب وأولى بعطفهم وشكرهم من كل عربي خائن وإن كان قرشياً متحدراً من صلب الرسول "(58).
ولذلك إن الاعتماد على وحدة الأصل والدم والجنس، وعده الأساس لقيام الأمة الواحدة لم يأخذ بها الفكر القومي العربي أبداً من منطلق كون العروبة لها مكون حضاري هو الإسلام، ولذلك فإن الحضارة العربية الإسلامية قد استوعبت الجماعات الأقوامية غير العربية، فتجد القومي العربي الأصيل يعتز ويفتخر بشخصيات كبيرة إسلامية غير عربية الأصل، مثل : صلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، وقطز، والفارابي، والبيروني، والزمخشري، وغيرهم ويعدهم من العرب، ومن تاريخه العربي الإسلامي، على الرغم من معرفته من أنهم من أصول غير عربية، فالنزعة إلى العربية وإن تحولت إلى أيديولوجية إلا أنها لم تصل أبداً إلى مستوى الفاشية والنازية، بل إننا نجد العكس تماماً هو الصحيح إن العرب كانوا دائماً مع حركات التحرر الوطني، وهم ذوو نزعة تحررية إنسانية، بعيدة عن النزعات العنصرية والتعصبية، التي سادت في المجتمعات الغربية التي تتشدق بالديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، وتمارس عملياً استعباد الشعوب، والسيطرة عليها، ونهب ثرواتها، والنظر بدونية إلى الآخر المختلف عنها، وهذا بحد ذاته مناف للروح الإنسانية، ولذلك إننا نستغرب وتعترينا الدهشة من منطق الكيل بمكيالين وادعاء الإنسانية المصطنعة عندما يطلب من العرب التنازل عن هويتهم، وانتمائهم، وحلم وحدتهم، ولكن هذه المرة ليس من خلال مبدأ المصلحة، وإنما التضحية من أجل المصالح المشتركة مع الأقليات الأقوامية غير العربية، التي يدافع عن حقها في أن تحافظ على هويتها، وانتمائها، فالوحدة العربية على أساس الهوية تخيفهم ولا تطمئنهم، وقد قال محمد جابر الأنصاري : " إذا كان من حق غير العرب التمتع بحقوقهم الإنسانية كافة ، فمن حق العرب أيضاً وهم الأغلبية في الإقليم أن يتمتعوا بحقوقهم المشروعة ... وعندما نتحدث عن حقوق الأقليات، فلا بد أن نتبين ما هي حقوق العرب أنفسهم، فليس من العدل إنصاف الأقلية وظلم الأكثرية "(59).
إن الدول العربية مثل أي دولة في العالم يعيش فيها جماعات أقوامية غير عربية، فمعظم دول العالم تضم مجموعات أقوامية تختلف عن الأكثرية، ولا يؤدي وجود هذه المجموعات بالضرورة إلى قيام مشكلة سياسية، إذ نادراً ما نجد في دولة مجتمعاً أحادياً وإن البقاع التي تعيش عليها هذه الجماعات الأقوامية جزء من أرض الوطن العربي ولم تأت عن طريق الاحتلال وإنهم كانوا جزءاً حياً من صلب الدول العربية وتسلموا فيها مناصب سيادية مهمة عندما كان ولاءهم لدولهم حصراً، ولكن في ظل المتغيرات الدولية الجديدة، أو في ظل النظام الدولي الجديد الأحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية سيطر منطق الأقليات على المنطقة، فبدأت محاولات خارجية محمومة ومشبوهة لإبعاد هذه الأقليات عن أوطانهم ومواطنيهم بالدعم غير المحدود لمحاولات الشق التي تقودها عناصر متطرفة في أوساطها لإيجاد التعارض بينهم وبين مواطنيهم من الأكثرية العربية عن طريق المطالبة بامتيازات تتخطى حدود المواطنة، ولذلك إننا مع الحقوق السياسية، والثقافية، والدينية للجماعات الأقوامية غير العربية، ومع حمايتها، والمحافظة على حقوقها، بعدهم جزءاً أصيلاً وأساساً من مواطني الدولة العربية، لهم ما للعرب، وعليهم ما عليهم، عن طريق إعطائهم حقوقهم السياسية بتطبيق مبدأ المواطنة التي تنص وتؤكد عليه المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان :
1 - لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون خياراً حراً.
2 - لكل شخص الحق نفسه الذي لغيره في تقلد الوظائف في البلاد(60).
وأيضاً إعطاؤهم حقوقهم الثقافية والدينية بتطبيق المادة 27 من الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية، والتي تنص على أن : " لا يجوز في الدول التي فيها أقليات إثنية أو دينية أو لغوية أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم(61).
إن مفهوم العروبة يتعارض مع العنصرية، والتعصب، ويعود سبب ذلك إلى أن الإسلام هو مكون حضاري، فهو لا ينكر الرابطة القومية، ولكنه يجعل منها قيمة سامية وقد قال تعالى : " وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"(62). فالعروبة لا علاقة لها بالحركات القومية الأوربية التي اتسمت بالعدوانية والاحتلال، ونهب ثروات الشعوب، لأنها نزعة تحررية إنسانية بعيدة عن النزعات العنصرية والتعصبية، فالعرب ضد العنصرية والتعصب، ولم يذكر التاريخ أن العرب متعصبون أو عنصريون، فهم لم يقوموا باستئصال أحد يعيش بينهم، ولو فكر أحد منهم بتفكير عنصري أخرق تقوم في وجهه الناس، فاللأقليات وجود في الوطن العربي ولم يكن يعوق انتماءهم لمجتمعاتهم إلا نزعات البعض العنصرية الكامنة للانفصال.
وعليه لقد جعل بلقزيز من نفسه سادناً للعروبة، وقام بإلغائها من جانب واحد، وبهذا فإنه يعلن توبته من فكرة العروبة، ويعلن صراحة تنصله من الهوية العربية، والانتماء القومي العربي، مبطناً مقاصده بظاهر الحكمة والرشادة، والمصلحة العامة، لتصبح هويتنا لديه هوية المصلحة، وانتماؤنا هو المصلحة، واسمنا في العالم المصلحيون، فبدل أن أقول أنا عربي، أقول أنا مصلحي، عند السؤال عن هويتي القومية.
وفي ص 111 قال بلقزيز : " لكن مشكلة هذا الخطاب الفكري الوحدوي في أنه رأى إلى التجزئة في هذا الوجه الوحيد منها فحسب أي بما هي ثمرة فعل خارجي وقع على الوطن العربي بقدرة قاهر جبار ظالم هو الاستعمار ولم ينصرف كثيراً إلى رؤية الوجه الداخلي لتلك التجزئة الذي مكن للعامل الخارجي - الاستعمار - أسباب النجاح في تحقيق التمزيق الكياني للجغرافية البشرية والسياسية العربية وهذه كانت – وما زالت إلى حد ما – ثغرة كبيرة في الخطاب القومي العربي " .
إن هذا الكلام الذي يطلق على عواهنه غير دقيق أبداً فلو تم الاطلاع بشكل صحيح على الفكر القومي العربي لوجد أن المفكرين القوميين العرب قد ربطوا بين الوجهين الخارجي والداخلي في تحقيق واستمرار التمزيق الكياني للجغرافية البشرية والسياسية العربية، فقد قال ساطع الحصري : " إن الدول الأجنبية التي تطمع في تلك البلاد تجد في هذه الأوضاع والاختلافات مجالاً واسعاً للقيام بالدسائس والدعايات التي تضمن لها مصالحها الخاصة، وتعمل لإذكاء نيران الخلاف بتقوية الإقليمية بشتى الوسائل والأساليب، لتحول دون اتحاد الأمة لتكوين دولة قوية، هذا والنفعيون من أهل البلاد أيضاً لا يتأخرون عن استغلال هذه الأوضاع، فيسعى قسم منهم لتقوية الإقليمية تارة للاحتفاظ بالمنافع التي اكتسبها وطوراً للحصول على منافع جديدة وتحقيق أطماع كبيرة " (63). وفي الشأن نفسه قال نبيه أمين فارس : " الوحدة العربية حلم طالما داعب آمال النخبة من العرب، فسعوا إلى تحقيقه بشوق وإيمان وتصميم، غير أن سعيهم هذا ارتطم بعقبات عديدة منها ما كان من صنع الدول المستعمرة، ومنها ما كان من صنع العرب أنفسهم، ومن طبيعة أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومنها ما كان من ائتلاف هذه العناصر كلها وتشابكها "(64).
وفي ص 111 قال بلقزيز: "ولسنا نعني بالوجه الداخلي للتجزئة سياسات النخب القطرية الحاكمة المتمسكة بكيانات التجزئة ... ما نعنيه بالوجه الداخلي أو – للدقة – بالآليات الداخلية هو مجمل العلاقات والبنى الاجتماعية التقليدية الموروثة والمتجددة ذات الطبيعة الانقسامية والعصبوية المغلقة التي تبدو فاعليتها الاجتماعية تفكيكية، وليست توحيدية جانحة نحو رسم أطر مغلقة لها على حدود الهويات " الأنثروبو – جماعات صغرى " وعلى نحو يمنع من – أو يعوق – بناء الهوية الجامعة – الوطنية أو القومية –. إنها العلاقات الطائفية بأوسع معانيها وأرحب أشكال التعبير المادي والاجتماعي عن نفسها – الطائفية، والمذهبية، والقبلية، والعشائرية، والمناطقية، والعرقية –.
إن هذا الكلام صحيح ودقيق جداً ولكن مع الأسف الشديد في الوقت الذي ينتقد فيه بلقزيز الجماعات الانقسامية والعصبوية المغلقة ويطلب منها " أن تلغي ولاءاتها التقليدية فلا يكون الولاء إلا واحداً للوطن وللدولة وأن تتوقف مؤسساتها الخاصة عن تنشئة أفرادها على غير برنامج التنشئة الوطني " نجده في الواقع يناقض نفسه ويؤلف كتاباً(65) يمجد ويثني ويمدح فيه بعض هذه الجماعات الانقسامية المغلقة وبأسلوب فيه الكثير من الكلام الشعبوي الذي يخاطب الوجدان العربي، والذي كثير منه لا يعرف الحقائق والأمور وأبعادها بمفردات التجييش الانفعالي بعيداً عن سمات الرصانة، والموضوعية، والتحليل العلمي المطلوب منه، والإحساس بالمسئولية القومية خاصة وأن هذه الجماعات الانقسامية والعصبوية المغلقة والضيقة هي الأكثر مناهضة للفكرة القومية العربية وتتناقض معها، وهنا نسأل المفكر القومي العربي عبد الإله بلقزيز وغيره من المثقفين العرب منذ متى كان صاحب المشروع الطائفي الانقسامي والمغلق على نفسه، والأداة بيد الأجنبي، الحاقد على العرب وتاريخهم، صاحب مشروع وطني، وقومي، وإسلامي، وإنساني؟.
وفي ص 112 قال بلقزيز : " إذا كان مشروع التوحيد الوطني – = القطري – قد هزم أمام المجتمع العصبوي فكيف لمشروع التوحيد القومي أن ينجح ؟ وهل جمع أقطار مشروخة بانقسامات عصبياتها إلى بعضها البعض فعل يليق به أن يكون توحيدياً، وأن يكون قوميا،ً وأن يناضل من أجله، ويسال الحبر من أجله ؟ ".
يا بلقزيز ليس من وظيفة المفكر القومي العربي الأصيل، النابع من آلام وآمال شعبه، والمنطلق فكره من قاعدة أصالة أمته الثقافية والحضارية، والواثق بقدراتها، والمؤمن بمكانتها، صناعة اليأس والقنوط والإحباط والهزيمة في نفوس أبناء الأمة العربية، خاصة وإنه من العناصر المؤثرة في صياغة الوجدان العام، وإنما مهمته الأساس صنع الأمل والثقة بالنصر، ولذلك يجب أن يكون المفكر الحقيقي من أهل الهمم العالية، والعزائم القوية، والرغبات الصادقة في تخليص شعبه من مشكلاته وأزماته، لينطلق في الحياة، ويكون له مكان بين الأمم وتحت الشمس، فهو يعبر عن أصالة وطنه وأمته القادرة على تجاوز مشكلاتها وأزماتها، وإعادة تكوين ذاتها، فقوته مستمدة من الإيمان بثقافة وحضارة شعبه، ومن إخلاصه لها، ومن الموقف القوي الذي يتخذه ويسير عليه، وأهميته تتوقف على الدور المسئول الذي يقوم به، فهو بما أوتي من إمكانات فكرية عالية، وقدرات معرفية واسعة، ولأنه في مقدمة من يرفض واقع مجتمعه بكل ما فيه من عيوب، قادر على أن يستنهض الهمم لتجاوز واقع الحال السلبي للوصول إلى مستوى الكمال، ببث الحياة الصحيحة في المجتمع، والأخذ بأسباب التطور، والتقدم، والرقي، لأفراده بتحفيزه الصفات الحميدة، والمواهب الكامنة في أبناء شعبه، بإبقاء جذوة الأمل فيهم حية مهما واجهوا من مشكلات وأزمات، وإفهامهم أنهم يمرون بمحنة وشدة وسوف تزولان، فمهمته أن يحتاط ويحذر لإيقاظ أمته من الغفلة، وإنقاذها من الخطر، ولذلك من أولويات الهموم التي يجب أن تشغله تنبيه أبناء وطنه على أوضاعهم السلبية، ويدعوهم إلى مواجهتها وتجاوزها، والتطلع بجسارة إلى إقتحام المستقبل، الذي هو إنجاز وليس هبة، فالمواقف السياسية والفكرية للمفكر القومي العربي، تزيد من قدرة الشعب العربي على التحدي، والمواجهة، لتجاوز الأوضاع السلبية لوعيه بالقوانين الموضوعية للواقع، التي من أبسط بديهياتها عد المشكلات والأزمات في حياة الأمة العربية حدثاً عابراً قابلاً للحل لا حتميات، فليس هنالك عتمة دائمة، ولا ظلام أبدي، فلا بد أن تشرق الشمس(66).
إن التوحيد القومي العربي سوف ينجح، فعلى الرغم من حالة التفكك، والتمزق، التي تعيشها الأمة العربية نتيجة الضعف العربي العام، لعدم وجود دولة قائدة للنظام الإقليمي العربي، تكون أنموذجاً صحيحاً وفاعلاً ومؤثراً تجاه تحقيق الوحدة العربية المنشودة، ويكون لها تأثير إقليمي فاعل ومؤثر، إلا أن الكثير من الدول العربية، والأحزاب والحركات والمؤسسات والأفراد، لا يزالون تحت وصاية العروبة، فالكثير من الدول القطرية لا تزال تقر وتنص دساتيرها على أنها دول عربية، وعلى أن شعوبها أجزاء من الأمة العربية، كما أن بعض المؤسسات القومية مثل مركز دراسات الوحدة العربية ما زال يعنى بقضايا الوحدة العربية ومشكلات المجتمع العربي، وآخر ما طرحه على أبناء الأمة العربية في شباط 2010 من أجل الوصول إلى الوحدة العربية المشروع النهضوي العربي(67). ومن جانب آخر أمامنا التجربة التاريخية العربية والعالمية، فعلى المستوى العربي هنالك الكثير من المشاريع الوحدوية الرسمية وغير الرسمية، لمحاولات التوحيد العربي، والتي انطلقت منذ بداية القرن العشرين(68). وعلى المستوى العالمي أمامنا تجربة الاتحاد الأوربي، فعلى الرغم من تعدد اللغات، والثقافات، وتراث حافل بالحروب بين الأوربيين، فإن أوربة تتوحد، مع أن العرب أولى بالاتحاد من الأوربيين، فنحن العرب تجمع بيننا لغة واحدة، وثقافة مشتركة، وتراث مشترك، ومصالح مشتركة، وشعور بوحدة المصير، فالوضع العربي الحالي يشبه تماماً حالتي ألمانية وإيطالية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فقد كانت الدولتان عبارة عن دويلات، وفي الوقت الحاضر ألمانية دولة اتحادية، وإيطالية دولة واحدة.
وفي ص 112 دكتور بلقزيز : " يعرف القوميون في التصنيف التقليدي الدارج بأنهم دعاة الوحدة العربية، حتى إن الصفة ما عادت تعييناً معرفياً من ملحقات الذات، وإنما باتت ماهية. وما أغنانا عن القول إن هذا الضرب من التعيين الجوهراني أو الماهوي للقوميين مسيء لهم وللفكرة الوحدوية على السواء. يسيئهم أن يقال في حقهم إنهم وحدويون فقط أو أن الوحدة كل قضيتهم، وكل ما لديهم، وإن ما عداها ليس لهم فيه حظ أو نصيب، ومعنى الإساءة لا يعود إلى وحدويتهم، وإنما إلى النظر إليها بما هي كل بضاعتهم، وهو ما يفيد – بالتفصيل والاستطراد والتبعة – أنهم مثلاً ليسوا ديمقراطيين، ولا تشغلهم مسألة العدل الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية، وما شاكل، أو أنهم إذا ما شغلوا بها ففي اتصالها بمسألة الوحدة، أو لاتصالها العرضي بها، ثم إن الإساءة تلحق الفكرة الوحدوية بذلك التعيين، لأن ربطها الحصري بالقوميين يفهم منه أنها ليست قضية الأمة جمعاء، ولا تياراتها الاجتماعية والسياسية والثقافية كافة، بل قضية تيار واحد منها فحسب، مما يفقدها امتياز الإجماع الوطني والقومي، ويدخلها في ساحات المنازعات والإختلافات كمسألة خلافية ".
لا يعيب القوميين العرب أبداً أن يصنفوا بأنهم دعاة الوحدة العربية، ولا يسيئهم أبداً أن تكون وحدة العرب هذه القضية الكبيرة والنبيلة كل قضيتهم، وكل ما لديهم، وكل بضاعتهم، ولكن العيب والإساءة لهم بمحاولة تجريدهم من كل شيء باسم النقد والتصحيح، الذي يبدو إلى الآن في هذا النص أنه يجانب الموضوعية، ويفتقر إلى العقلانية، فعلى الرغم من أن الوحدة العربية القضية الرئيسة للقوميين العرب، ولكن من الإفتئات والتجني عليهم بأنهم لم تشغل بعضهم قضايا كبرى مثل الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، كما أن الإساءة لا تلحق بالفكرة الوحدوية لارتباطها حصراً بالقوميين، والسبب لأن التيارات الاجتماعية والثقافية الآخرى لم تجعل منها قضيتها، ولم تكن قضيتها، بل إنها وقفت منها موقفا عدائياً شعوبياً، فالتيار الذي ادعى الوصل بالإسلام تظاهر بالأممية الإسلامية، فالوطن يشمل الأرض كلها، ومن ثم استناداً إلى فهمه للقومية في معانيها ومضامينها الغربية انتهى إلى إصدار مواقف فكرية عدائية ضد القومية العربية، تقترب بل تلتقي في محصلتها النهائية مع الشعوبية، مع أن هذا التيار بعض مفكريه الكبار مثل حسن البنا، ومحمد المبارك، وسعيد حوى، قد قالوا خيراً في العروبة إلا أن كتاباتهم في هذا المجال لا تروج ولا تسوق أبداً(69). أما الماركسيون لا يقبلون بأقل من دولة أممية، فعلى سبيل المثال عندما عرض الحزب الشيوعي السوري مشروع برنامجه السياسي الذي أعلن عن وجود الأمة العربية وجعل من أهم أهدافه النضال لتحقيق الوحدة العربية، انشق الحزب إلى نصفين حزب عربي بقيادة رياض الترك، وحزب أقليات بقيادة خالد بكداش(70). في حين ذهب بعض المثقفين الليبراليين مثل دكتور لويس عوض إلى اصدار أحكام وآراء مجافية للحق ومنحرفة عن المنهج العلمي، وصلت إلى حد الافتراء ضد القومية العربية والوحدة العربية، عندما قال : " إن الأسطورة الانعزالية لا تقل شططاً عن أسطورة أخرى هي الاندماجية، المتمثلة في دعوة القومية العربية، التي تفرض أن شعوب المنطقة أو أقوامها من الخليج إلى المحيط أمة واحدة، ليس فقط ثقافياً وحضارياً ولكن عرقياً وعنصرياً... وهذه الأسطورة أسطورة العروبة العرقية ... لا تقل شططاً وخطراً عن أسطورة الآرية العرقية أيام النازي "(71).
وبناء على ذلك فإن السيئة لا تلحق بالقوميين العرب، بقدر ما تلحق العيب بغيرهم من تيارات اجتماعية وسياسية وثقافية أخرى، وكان ساطع الحصري قد شخص هذه الحالة الشاذة عندما قال : " إن فكرة العروبة لا تزال تجابه مقاومة شديدة من بعض البيئات، كما أنها تتعرض إلى هجمات عنيفة من بعض الهيئات، هناك طائفة من الكتاب والساسة لا تؤمن بوحدة الأمة العربية، ولذلك لا تبذل أي جهد في هذا السبيل، وبينهم من لا يكتفي باتخاذ مثل هذا الموقف السلبي في هذا المضمار، بل يزدري بكل من يؤمن بوحدة الأمة العربية، ويتهمهم بالخيالية، والبعض منهم يمضي في هذا المضمار إلى أبعد من ذلك يتهم دعاة العروبة بضعف التفكير وينتقدهم أشد الانتقاد، ولكن هناك طائفة أخرى لا تكتفي بنقد وتسخيف فكرة الوحدة العربية، بل تعتبر هذه الفكرة من الأمور الضارة التي يجب محاربتها، وتتهجم على العروبة وعلى دعاتها هجوما عنيفاً "(72). ولهذا انحصرت الصفة الوحدوية وارتبطت باسم القوميين حصراً، ولم ترتبط بأحد غيرهم، لأنهم الوحيدون فقط الذين حملوها فكرة، ودفعوا من أجل تحقيقها أثماناً باهضة جداً من الحرية والحياة.
وفي ص 116 – 117 قال بلقزيز : " الدولة التي ناضل الوحدويون في المشرق العربي من أجل إلغائها، لأنها غير شرعية، هي الدولة التي ناضل الوحدويون والوطنيون في المغرب العربي ومصر واليمن من أجل تحريرها من قبضة الاحتلال الإجنبي ... الدولة القطرية التي رسم الاستعمار حدودها، وإن لم تولد شرعية، اكتسبت مع الزمن كثيراً من مصادر شرعيتها من طريق الحقائق السياسية والاجتماعية والثقافية والنفسية، التي خلقتها على مدى عقود طويلة، وإن أية محاولة لإسقاط تلك الشرعية أو تجاهلها – بدعوى أن الحقوق لا تسقط بالتقادم – سيصطدم بممانعات شديدة من تلك الكيانات القطرية، لا من نخبها الحاكمة فحسب، وإنما من شعوبها وتياراتها غير القومية، وحينها ما الفائدة من التجديف اليائس ضد أمر واقع لا يقتلع بالرغبات والأماني ؟ ".
يبدو من هذا التنظير الفكري أنه ميل واضح إلى تقوية وتكريس النزعة القطرية، وميل إلى تعميق الخصوصيات القطرية على حساب الدعوة إلى الإيمان بالوحدة العربية، ومما يؤسف له كل الأسف أن مفكراً قومياً عربياً بحجم بلقزيز يدافع عن شرعية الدولة القطرية، ويحاول تحويلها إلى صنم مقدس، وهي عاجزة عن تقديم أي إنجاز حقيقي كما قال في صفحة 117 فهي : " لا تستطيع بإمكاناتها الذاتية المحدودة أن تجيب عن معضلات الأمن والتنمية والتقدم ". وبذلك فإنه قد وقع بالمحظور، لأنه يزعم أنه مفكر قومي عربي، فقد كان الأنجع منه أن يظهر كل عيوب الدولة القطرية، ولا مانع من تقوية الإيجابيات التي تنمي السعي إلى الوحدة العربية، ويفلسف وينظر لكل الآليات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والسياسية، التي تعمل بخطوات عملية حثيثة تجاه تحقيق الوحدة، وليس العكس، نعم صحيح لقد تغولت الدولة القطرية، وأصبحت قوة مادية لا يستهان بها، ولكنها لم ولن تصبح يوماً قوة أيديولوجية، بعكس قوة فكرة العروبة التي تجمع الشعب العربي في كل كياناته القطرية على الرغم من حالة التفكك والتمزق التي يعيشها العرب .
إن الدفاع المستميت عن شرعية الدولة القطرية، ومحاولة تحويلها إلى صنم مقدس، من خلال المنادى بقومنتها، هو نسيان أو تناس أن الخطر الرئيس الذي يواجه الوحدة العربية المنشودة هو خطر تأييد الكيانات القطرية اللقيطة، وقومنتها، فلقد قال ساطع الحصري : " إن تطور الأحوال الاجتماعية والسياسية في البلاد العربية يسير على الدوام نحو إضعاف النزعات الإقليمية، وتقوية الإيمان بوحدة الأمة العربية "(73). ولكن يبدو أن تطور الأحوال الفكرية في زمن الثناء على الجماعات الطائفية الانقسامية المغلقة وتمجيدها يسير تجاه تقوية النزعات الإقليمية وإضعاف الإيمان بوحدة الأمة العربية.
وفي ص 120 – 121 قال بلقزيز : " إن المفردات الحقيقية للوحدة ليست المفردات الأيديولوجية والتعبوية التي ألفناها وأدمن عليها خطابنا القومي طويلاً – التاريخ المشترك اللسان الواحد الأمة الواحدة ... الخ – وإنما هي المصالح المشتركة، والمصير المشترك، والمنافع المادية المتبادلة، والسوق المشتركة، والاندماج الاقتصادي، والوحدة الجمركية، والوحدة النقدية ... الخ ". ثم يضع هامشاً رقمه 26 في ص 121 قال فيه عن التاريخ المشترك، واللسان الواحد، والأمة الواحدة : " لا شك في قيمة هذه المفردات وفي جدواها بشرط أن تجند في مشروع جدي للتوحيد وإلا تحولت إلى مجرد بخور سياسي ".
من خلال قراءة هذه الفقرات يتبين أن بلقزيز ما زال مصراً على استئصال مكونات الأمة، فهو لا يرى أية قيمة سياسية للتاريخ المشترك، واللسان الواحد، والأمة الواحدة، وينبري للدفاع عن عوامل اقتصادية، في الوقت إن مقياس وجود الأمة العربية كان دائماً وحدة الثقافة واللغة، اللتين تشكلان الهوية العربية، التي هي من مقومات الأمة ومقدساتها، فتجريد العرب من انتمائهم هو اعتداء صارخ على حقهم في الحفاظ على مقوماتهم، ولذلك لا يجوز أبداً المطالبة باستئصال مكونات الأمة، لأن المطالبة بذلك يجعل من صاحبها خارج إطار الولاء للأمة العربية، فمحاولة إلغاء واستئصال الهوية العربية التي تؤلف خصائص وميزات الشعب العربي دعوة خطرة جداً، ونسأل بلقزيز هل يمكن أن يتخلى الفرنسيون أو الألمان أو أي شعب أوربي عن هوياتهم القومية، وإن انضووا تحت لواء الاتحاد الأوربي ؟، ولذلك فإن دعوتكم إلى إلغاء هذه المكونات فيها الكثير من التطرف والمغالاة، لأنه لا يمكن أبداً إلغاء الهوية العربية بتعلة المصلحة، لقد كان من الواجب والمفروض عليكم كونكم مفكراً قومياً عربياً أن تؤكدوا أن إقامة الكيان السياسي العربي المنشود يجب أن يكون إلى جانب الأسس الآتية : التاريخ المشترك، واللسان الواحد، والأمة الواحدة، مفردات المصالح المشتركة، والمصير المشترك، والمنافع المادية المتبادلة، والسوق المشتركة، والاندماج الاقتصادي، والوحدة الجمركية، والوحدة النقدية، لتكون العروبة رابطة لغة وثقافة وتراث وتاريخ ومصالح مشتركة ووعي بمصير واحد، فالأمم لا تقوم إلا على أسس وروابط ثقافية وسياسية واقتصادية.
وفي ص 121 – 122 قال بلقزيز : " يشعر القارئ في نصوص الفكر القومي بحضور كثيف لفكرة الحتمية عند تناول مسألة الوحدة العربية، وعلى نحو تبدو فيه الوحدة قدراً مقدوراً ومصيراً آتياً لا ريب فيه ... إن أول ما نحتاج إلى اعتماده في رؤيتنا إلى مسألة الوحدة هو القاعدة التالية : إن الوحدة العربية ليست حتمية تاريخية ".
من خلال العقل المتشبع بقيم الموضوعية، والممكن التاريخي، والإيمان بقوانين التاريخ، والواقع الموضوعي، فالوحدة العربية سوف تبقى قدراً مقدوراً ومصيراً آتياً لا ريب فيه، وحتمية تاريخية، من منطلق أن الأمة العربية قد توافر لها من المقومات القومية التي تعطيها فرصة كبيرة وكبيرة جداً لقيام دولة واحدة، أو دولة اتحادية، ما لم يتوافر لأية أمة أخرى على وجه الأرض، وخاصة إذا تهيأ لها مشروع نهضوي قومي، وإرادة سياسية حرة وصادقة، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية ظهرت محاولات لتوحيد الدول العربية، وكانت أولها في إنشاء جامعة الدول العربية كما " آمن الوحدويون العرب بصورة لا تخلو من الاستمرارية وبالاستناد إلى تجارب التاريخ الوحدوية بأن الوحدة العربية لا بد أن ترتكز في مسيرتها للتحقق الذاتي إلى قطر مركزي تتمحور حوله الجهود والصبوات الوحدوية، ويكون مركز الثقل في حركة الدفع باتجاه الوحدة واجتذاب سائر الأقطار إليها وقد اتجهت الأنظار منذ البدايات الأولى إلى مصر لتلعب بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السكاني وتطورها الثقافي النسبي دور الإقليم – القاعدة، وقد لعبت مصر بالفعل بعض هذا الدور في عهد قيادة جمال عبد الناصر لثورة يوليو، وقد كانت توقعات الوحدويين العرب في محلها، لأن الوحدة الوحيدة التي تحققت في تاريخ العرب الحديث إنما كانت وحدة 1958 التي كانت مصر طرفاً مركزياً فيها (74). وبما أن الوحدة العربية حتمية تاريخية، كان هنالك على الدوام مشاريع وحدوية عربية رسمية تعرض فتحققت وحدات عربية إقليمية مثل : مجلس التعاون الخليجي – لحد الآن هو اتحاد وظيفي - واتحاد المغرب العربي – للأسف شبه متوقف - ومجلس التعاون العربي – انتهى - وهي على الرغم من كل شيء تبقى محاولات وخطوات إيجابية لتوحيد الدول العربية، ودليلاً قاطعاً على أن الوحدة " قدراً مقدوراً ومصيراً آتياً لا ريب فيه ... وحتمية تاريخية " بمقدار ما يتهيأ لها مشروع تاريخي وبمقدار ما يعمل عليه بدأب وإصرار ".
وفي ص 123 قال بلقزيز : " وطن في أذهان القوميين طويلاً أنهم وحدهم من دون سواهم حزب الفكرة العربية ودعاتها وألسنتها الناطقة بها وجمهورها المناضل من أجلها، وغيرهم القريبون منها ضيف عليها في أحسن أحوال الظن به ... والتلازم في وعي القوميين بينهم والفكرة العربية – هو – ما كان أساس تسميتهم قوميين تميييزاً لهم ... ارتضى القوميون لأنفسهم التسمية، وما أبوها لأنها لهم في مقام الماهية، وبها من غيرهم يتميزون ويتمايزون، بل بها ينتزعون من ذلك الغير التسليم بأن المسألة القومية إقطاعهم السياسي، الذي أقطعه لهم نوع من التوزيع الأيديولوجي، لإسقاط الدور التاريخي العائد إلى هذا الفريق أو ذاك من قوى السياسة والفكر والأيديولوجية والحزبية في المجتمع العربي ".
من الظلم والتعسف والخروج عن الموضوعية التاريخية المطلوبة في الكتابة اتهام القوميين العرب الذين حملوا وحدهم المسألة القومية، عندما تخلى عنها الآخرون، بأنهم احتكروها وجعلوها إقطاعهم السياسي، فالوقائع التاريخية تؤكد على أنهم لم يقفوا أو يمنعوا بتاتاً أي تيار سياسي سواء كان إسلامياً أو ماركسياً أو ليبرالياً من المشاركة في رفع لوائها، بل إن هؤلاء تخلوا عنها تهرباً من تحمل المسئولية القومية والشرعية، واهتموا بقضايا ومشكلات خارج الحدود، وكانت لهم مواقف معادية للفكرة القومية والوحدة العربية تلتقي في محصلتها النهائية مع الشعوبية، فعلى سبيل المثال التاريخي عندما أعلنت وقامت الجمهورية العربية المتحدة بوحدة سورية ومصر في شباط 1958 وقف الحزب الشيوعي السوري وأمينه العام خالد بكداش ضد الوحدة، وغادر سورية احتجاجاً عليها، وعاد إلى سورية بعد قيام انقلاب الانفصال في أيلول 1961، وقد قال عبد الحسين شعبان : " وقف الحزب الشيوعي السوري ضد وحدة 1958 فالأمين العام خالد بكداش لم يحضر جلسة مجلس النواب، ولم يصوت مع الوحدة، وظل متمسكاً بموقفه حتى وفاته "(75). وقال : " لقد تعاملت الأدبيات الماركسية مع المسألة القومية باستخفاف كبير وكنا غالباً ما نتندر على القومية والقومجية "(76). وقال : " كنت أعجب كيف أن قومياً كردياً أو ماركسياً كردياً يعتز بكرديته ... ولا يقابله ماركسي عربي أو شيوعي عربي الاعتزاز ذاته ؟ والأمر يحصل بذات الدهشة لي عندما أقابل ماركسياً روسياً أو تركياً أو إيرانياً يعتز بقوميته، في حين لم نكن نجد وسيلة إلا وحاولنا فيها الانتقاص من الانتماء القومي، لا سيما العروبي ". وقال : " لعل الموقف من القضية العربية لا سيما موضوع الوحدة أو الاتحاد ظل يمثل عنصر ضعف لدى الحركة الشيوعية بشكل عام "(77).
ولكن من المفارقة العجيبة التي يجب أن تذكر هنا إن الإسلاميين والماركسيين في كل دول العالم ما عدا الماركسيين والإسلاميين في الدول العربية يكونون في مقدمة المدافعين عن هوياتهم القومية، وحاملين لواءها وفي الصفوف الأمامية عندما تتعرض أوطانهم إلى المحن والشدائد، ليقدموا من أجلها الحرية والحياة، ولذلك فإن حمل القوميين العرب لواء القومية وحدهم وتخلي الآخرين عن مسئولياتهم وواجباتهم القومية والشرعية ليس احتكاراً وإقطاعاً سياسياً بقدر ما هو فرض وواجب وضرورة وشرف كبير، ومن ثم ليس سبة أو سلبية تحسب عليهم من أجل إعطاء صك براءة للآخر المتخاذل فكرياً وعملياً عن واجبه، فالقول باحتكار القوميين العرب المسألة القومية هو تبسيط رث من أجل تبرئة الآخرين الذين تخلوا عنها من أجل تحقيق الأمميات، كما إن القول باحتكار القوميين العرب الفكرة القومية والمسألة القومية والوحدة العربية وجعلها إقطاعهم السياسي يتناقض تماماً مع ما قلت في ص 123 : " ربما كان من حق القوميين أن يروا في أنفسهم سدنة للفكرة العربية، فلقد كانوا لأزمان متطاولة شديدي التمسك بها في السراء والضراء، وقدموا في سبيلها أعز ما يطلب العقل والوجدان والحرية والحياة، ولم يكن غيرهم يأبه لأمرها، إما لأنها بدت للبعض فكرة تنقض مشروعه وتهدده في الوجود – = الفكرة الوطنية النهائية – أو تنافسه على دور وتزاحم مشروعه على مستقبل وكيانية أخرى – = الفكرة الإسلامية – أو لأنها بدت لبعض ثان فكرة برجوازية عفا عليها التاريخ تجذف ضد قانون التراكم والتقدم – = الفكرة الأممية – أو لأنها بدت لبعض ثالث فكرة متمذهبة منغلقة تحول الوحدة من برنامج سياسي إلى فلسفة في الحياة وعقيدة وإذ حاربها من حاربها، وأعرض عنها من أعرض، وتردد في أمرها من تردد، فقد بقي القوميون وحدهم في المعبد مرابطون فمن ذا الذي ينازعهم في حق التمثيل ؟ ".
وفي ص 124 قال بلقزيز : " ومن وجوه الخطيئة أن يستمرئ القوميون شعورهم الدائم بأنهم وحدهم أمناء هيكل الوحدة، لم ينتبهوا في الماضي إلى أن انسياقهم وراء إغراء التمثيل الأوحدي للعروبة والوحدة حول الفكرة العربية من فكرة عامة إلى أيديولوجية سياسية، من قضية للأمة جمعاء إلى قضية فريق سياسي وثقافي في المجتمع، من جامع إلى مسألة خلافية ! وكان الضرر الناجم من ذلك فادحاً ".
إن هنالك فرق كبير جداً بين حالة الانتماء العربي التي هي انتماء شعوري فطري ووجداني وحالة الانتماء العروبي أو العروبة السياسية التي هي أيديولوجية أو عقيدة، فالعربي هو كل من ينتسب إلى العرب بحكم الانتماء العام مهما كان بلده أو دينه أو مذهبه أو اتجاهه السياسي، ولكن على الرغم من هذا الانتساب إلى العرب بحكم الانتماء العام إلا أنه هنالك بعض الدوائر الرسمية والشعبية من يتنكر للانتماء العربي وتتمسك بهويات أخرى مختلفة،
في حين إن العروبي هو كل من تجيش في نفسه روح الانتماء إلى الأمة العربية، ويعتز ويفتخر بالانتماء العربي، والهوية العربية، ولديه العروبة هوية ثقافية وحضارية وسياسية، بعيدة عن العنصرية، تقوم على الإيمان بمشروع نهضوي عربي يسعى إلى إقامة كيان سياسي عربي موحد على أساس الهوية العربية، ويرفع لواء هذه العروبة السياسية أحزاب وحركات وأفراد، وبهذا تكون " قضية فريق سياسي وثقافي في المجتمع " ولكن الدعوة إليها عامة، لأنها أيديولوجية سياسية مثل أي أيديولوجية في العالم، وفي هذا قال برهان غليون : " من الضروري كي نفهم معاً أزمة الهوية التي نتحدث عنها كثيراً في هذه الأيام التمييز بين الهوية من حيث هي واقع الجماعة المادي العملي، وبين تصور الجماعة لهذه الهوية، فقد أكون عربي الأصل واللغة – شخصيتي المادية – ولكنني أعتبر نفسي غير ذلك، أو أرى نفسي في مرآة عقيدية تجعلني أنظر إلى هذه الحقيقة الموضوعية نظرة ذاتية مختلفة وبقدر تطابق التصور مع الواقع تكون قوة الشخصية واتزانها واتساقها بل وجودها كمقر لارادة مستقلة وفاعلة "(78).
وعليه لم تكن أبداً الفكرة العربية فكرة عامة حولها القوميون إلى خاصة، ولم تكن أبداً قضية الأمة التي عليها الإجماع، فالانتماء إلى العرب عام، والانتماء إلى العروبة التي هي أيديولوجية سياسية خاص، ولكن الدعوة إليها عامة مفتوحة لجميع أبناء الأمة العربية، وهنا يجب الفرز بين العروبة كفكر، وبين الممارسات المبتذلة الرثة للأنظمة العربية الاستبدادية المتخلفة التي وظفت العروبة كأيديولوجية سياسية للتعبئة والتجييش لأخذ الشرعية، ومن ثم فإن السلبيات لم تأت من العروبة إنما جاءت من ممارسات الذين رفعوها شعاراً وأساءوا إليها.
وفي ص 124 قال بلقزيز : " إن أعظم خراب للفكرة العربية وأشنع مقتل للوحدة أن تظل حكراً للقوميين، وأن يقر في أذهان الناس جميعاً أنها حصتهم من الدنيا، إن في ذلك إفقاراً شديداً لها، وتجفيفاً لينابيع ينبغي أن تغتذي منها وتستقي، من يرتضي لنفسه ذلك عليه أيضاً أن يسلم بأن الديمقراطية لليبراليين وحدهم، والعدالة الاجتماعية للماركسيين وحدهم، وميراث الأمة الديني والحضاري للإسلاميين وحدهم ... آن لنزعة احتكار الفكرة العربية أن تغادر العقل القومي العربي إلى الأبد – غير مأسوف عليها – آن للقوميين أن يسلموا بصدق أن فكرة الوحدة العربية ملكية جماعية لا خاصة، مثلما آن لغيرهم أن يسلم بأن الإسلام والديمقراطية وقيم الحرية والعدالة الاجتماعية ملكية جماعية وليست صكاً مكتوباً لزيد أو عمرو ".
إن القول بأن أعظم خراب للفكرة العربية وأشنع مقتل للوحدة أن تظل حكراً للقوميين لا يأتي أبداً من باب المراجعة والنقد والتصحيح والتصويب، وإنما يدخل في باب الشتيمة والتحامل والتجريح والتصغير والتقليل من شأن القوميين العرب، والتشكيك بدورهم، ودفعهم عن كل فضيلة، وإلحاق كل رذيلة بهم، وبهذا يضع بلقزيز من نفسه في مكان سلبي لا نريد أن يكون فيه، فهو يجرح بأشياء دقيقة جداً، تمس جوهر وجودهم وكفاءتهم، إنه يطعن بالقوميين العرب ويحقرهم، ولهذا فإن موقفه الفكري ليس مجرد موقف سلبي بقدر ما يبدو موقفاً أيديولوجياً معادياً، لأنه يشن حملة عنيفة، وهجوماً لاذعاً على القوميين العرب، فالموضة السائدة اليوم هي هجاء العرب والقوميين العرب حصراً – قومجية - ولكنه يشن حملة وهجوماً على القوميين العرب من خندقهم، لأنه منهم، فيشوه تاريخهم، ويحط من شأنهم، وينكر عليهم أي دور، هذا من جانب، ومن جانب أخر؛ على الرغم من أن القوميين العرب وحدهم حصراً من يرفع لواء الفكرة العربية إلا أن منهم الكثيرون الذين يرفعون ألوية الديمقراطية وتداول السلطة واحترام حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، ويفتخرون ويعتزون بميراث الأمة الديني والحضاري، ويعدونه عقيدتهم وتراثهم القومي، ومادة ثقافتهم وهويتهم، من منطلق العلاقة المترابطة بين العرب والإسلام، لأن من بين القوميين العرب من هو إسلامي، وليبرالي، وماركسي، ولكن لا يوجد إلا ما ندر إسلامي أو ماركسي عروبي الاتجاه، ولذلك يستطيع القوميون العرب الزعم والادعاء حقيقة بأنهم وحدهم " الممثل الشرعي الوحيد " للفكرة العربية، وفي الوقت نفسه الزعم والادعاء حقيقة أنهم ديمقراطيون، واشتراكيون، وإسلاميون، من منطلق أن تراث الأمة الديني والحضاري دينهم وثقافتهم وهويتهم، ولكن لا يستطيع الليبراليون الزعم والادعاء أنهم وحدهم " الممثل الشرعي والوحيد " للديمقراطية، ولا يستطيع الماركسيون الزعم والادعاء أنهم وحدهم " الممثل الشرعي والوحيد " للعدالة الاجتماعية، ولا يستطيع الإسلاميون الزعم والادعاء أنهم وحدهم " الممثل الشرعي والوحيد " لميراث الأمة الديني والحضاري، لأن القوميين العرب يشاركون الليبراليين بالإيمان بالديمقراطية، والماركسيين بالعدالة الاجتماعية، والإسلاميين بميراث الأمة الديني والحضاري، ويرفعون ألوياتها معهم، في حين ربما لا يؤمن الماركسيون بالديمقراطية الليبرالية، ولا بميراث الأمة الديني والحضاري، ولا بالعروبة والوحدة العربية، ولا يرفعون ألويتها، وكذلك أيضاً ربما لا يؤمن الإسلاميون بالديمقراطية الليبرالية، ولا بالاشتراكية، ولا بالعروبة، والوحدة العربية أديولوجياً، ولا يرفعون ألويتها، وربما لا يؤمن الليبراليون بالاشتراكية، ولا بالعروبة والوحدة العربية، ولا يرفعون ألويتها .
وفي ص 124 قال بلقزيز : " آن للقوميين العرب أن يتخلوا عن مذهبيتهم المغلقة التي يدل عليها اسمهم قبل فعلهم، وأن يختاروا من الأسماء والنعوت أرحبها وأدلها على قضيتهم، أعني اسم : الوحدويين العرب، فحين تتحول القومية إلى مذهب تنحط، وتؤول إلى تعصب وانغلاق، ولا أحسب أحداً ممن يتأبون حمل صفة القومي يخجل من أن يقال في حقه أنه وحدوي عربي، بل إني أحسب غير العرب ممن يتقاسمون معنا الانتماء إلى هذا الوطن الكبير يسعدون بحمل نعت الوحدويين، والنضال من أجل وحدة تجمعهم والعرب في كيان عربي واحد ".
في هذا الاتهام المستبد كان على بلقزيز أن يقدم الدليل والبرهان على أن الفكرة العربية مغلقة، من خلال تسمية معتنقيها، ورافعي لوائها بالقوميين، فالفكرة العربية لا تقوم على العرقية أو العنصرية التي لا تعترف بالآخر وتلغيه، مثل النازية، والفاشية، فالمفكرون العروبيون وعلى اختلاف توجهاتهم لم يظهر أبداً في أدبياتهم القومية التأكيد على العامل العرقي والعنصري، أو الروح الاستعلائية، ولم يكن في كتاباتهم روح التعصب الواضحة الفجة، ولم تتحول أطاريحهم الفكرية إلى نوع من الأصولية الفكرية، والأيديولوجية التي تتعصب للأنا، وتنفي الآخر المختلف، وتصادر خصوصيته الثقافية والحضارية وتلغيه، لأن مفهوم العروبة يتعارض بالمطلق مع المفاهيم العرقية والعنصرية، والروح الاستعلائية، ويرجع سبب ذلك أن العروبة لها مكون ثقافي وحضاري هو الإسلام، فالدين الإسلامي جزء أساس ورئيس في تكوين الأمة العربية، وقد صبغ كل حياتها، فالحركة القومية العربية منذ أن ظهرت وإلى اليوم تقف بالضد من العرقية والعنصرية، والروح الاستعلائية، وفي هذا الشأن قال رجاء النقاش : " فمن ناحية الموقف العنصري لم يطلب أحد من المؤمنين بالقومية العربية إبعاد العناصر غير العربية عن المجتمع العربي، فالوطن العربي يضم الكردي، والبربري، والأرمني، والزنجي، وذوي الأصول التركية، والشركسية، والفارسية، ومع ذلك لم تظهر عند مفكري القومية العربية دعوة نظرية أو عملية للقضاء على هذه العناصر، أو حرمانها من حقوقها الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية ... إننا نجد العكس تماماً هو الصحيح، فحركة الفومية العربية قد استوعبت على ما يمكن أن نسميه بالهام تاريخي وحضاري شديد النقاء، فالحضارة العربية قد استوعبت في عصور ازدهارها أبناء الشعوب غير العربية استيعاباً كاملاً، وذلك دون أن تضيق بهم أو ترفضهم، أو تبني أي نظرية من النظريات التي يمكن أن تعوق اندماج غير العرب في الحضارة العربية، أو المجتمع العربي "(79). ولكن فرضت الأوضاع الداخلية والخارجية على العرب وخاصة بعد تفكك الدولة العثمانية أن تتحول الفكرة العربية إلى عقيدة سياسية أو أيديولوجية للتعبئة والتجييش من أجل قيام الكيان السياسي العربي الواحد، وخاصة أن الدول في العالم قامت وتقوم على أساس الفلسفة القومية، وفي هذا الشأن قال برهان غليون : " قد جاء إلغاء الخلافة الصورية عام 1924 ... ليضع العرب لأول مرة بعد الحقبة الإسلامية الأولى التي تزعموا فيها مصير العالم الإسلامي أمام التحدي الكبير : إعادة بناء شخصيتهم الوطنية، وما كان من الممكن تحقيق مثل هذا الهدف الكبير من دون عقيدة مرشدة ورؤية جديدة، ولم تكن تلك الرؤية شيئا آخر غير الرؤية المستمدة من الفلسفة القومية، التي كانت سائدة في عصرهم، وهكذا أصبح التأكيد على الانتماء العربي نواة الفكرة التي تتصدى لمسألة قيادة العرب نحو تأسيس أمة حديثة، أو نحو توحيد الشخصية المبعثرة والممزقة "(80).
وعليه فإن القول بشكل مباشر وفج أن القوميين العرب ( مذهبيون منغلقون ) والقومية العربية ( منحطة ومتعصبة ومغلقة ) هو اتهام باطل وسفيه، وهي محاولة منحطة ومتعصبة ومغلقة، للتشويه بامتياز للنيل من العروبيين والعروبة، وتصويرهم على أنهم غير قادرين على التعايش مع الآخر المختلف، الذي يعيش في المجتمع العربي، ولا يستطيعون التعامل معه، لأنها تتهمهم بوضوح على أنهم منحطون ومتعصبون ومنغلقون، ومن ثم يعني أنهم يتصفون بالعنصرية وضيق الأفق، كما أن تأكيد بلقزيز على أن القومية عندما تتحول إلى مذهب، تنحط وتؤول إلى تعصب وانغلاق، هذا الرأي المستبد والمتعصب والمنغلق لا ينطبق أبداً على القومية العربية الإنسانية بقدر ما ينطبق على رؤيته الواضحة المستمدة من تطور مفهوم القومية التي عرفتها أوربة في تاريخها الحديث والمعاصر، والتي تميزت بمواقف استعلائية عنصرية تستند في فلسفتها العامة إلى نظريات عرقية عدوانية، وما نتج عنها من نزوع عدواني إلى الهيمنة والسيطرة، ودعوة إلى التفوق والاستعلاء، إذ لا ترى وجودها إلا في إفناء غيرها، وهنا نسأل بلقزيز ما هو الدليل والبرهان على أن تسمية القوميين العرب بهذه التسمية تعني التعصب والانغلاق ؟، في الوقت الذي ينتشر في أرجاء العالم مثل هذه التسمية، فعلى سبيل المثال هناك قوميون وأحزاب قومية في فرنسا، واليابان، وروسيا، وتركيا، وإذا كان القوميون والأحزاب القومية الأجنبية متعصبة ومغلقة، فليس من المقبول إسقاطها على القوميين العرب، أو العروبيين، كما أن التسمية بحد ذاتها ليست مشكلة، سواء أقومية كانت أو وحدوية، لأنها واحدة، وقد تناولت أدبيات الفكر القومي العربي مفردة القومي والوحدوي على أنها تسمية واحدة، وهناك أحزاب عربية في بعض الدول العربية ذات اتجاه قومي، تطلق على نفسها أحزاباً وحدوية بدل مفردة القومية، أما ظن بلقزيز ومراهنته الإيجابية على العناصر غير العربية التي تعيش في المجتمع العربي بأنهم " يسعدون بحمل نعت الوحدويين، والنضال من أجل وحدة تجمعهم والعرب في كيان عربي واحد "، فإننا ندعو ونتمنى من أجل أن يكون ظنه في محله، ولكن كنا نأمل منه أن يشخص هذه الحال الإيجابية، ويدل عليها، ليكون كلامه أكثر واقعية، خاصة وأننا لا نعرف منهم إلا المتعصبين والمنغلقين، وما أكثرهم.
وأخيراً وأمام مزاعم هذه المقالة التي تثير الشبهات لا يسعنا إلا أن نقول : إن المفكر القومي العربي عبد الإله بلقزيز يطل علينا من إطلالة لا تبدو عروبية، فلقد ظهرت عليه حالة الإنسلاخ والإرتهان الحضاري للغرب، فهو متأثر بالفكر والتجربة القومية الأوربية التقليدية، فقام خطابه الفكري على استحضارها، فهو يريد أن نتبع الآليات نفسها، التي عرفتها سيرورة تكون الأمم الغربية، إذ اعتاد أن يقيس كل ظاهرة وتطور بموجب المفاهيم والمؤسسات الغربية، وهذا الأسلوب الذيلي غير صحيح، وغير مقبول، لأن هذه المفاهيم والمؤسسات لا ترسخ أو تدوم في أية بيئة بالاقتباس وحده، بل لا بد من أن تكون هناك أصول ومقومات في تلك البيئة، وهذه قد تنشط وتطور بالاتصال بالفكر الخارجي، فالحركة القومية في الغرب كانت وراء تكون الدول القومية، والتوسع الاستعماري، ولكن هذا لا يسقط بالضرورة على كل حركة قومية وبخاصة حركة القومية العربية، لاختلاف منطلقاتها وظروف نشأتها وأهدافها(81). وكان انبهاره وافتتانه بالتجربة القومية الأوربية قد جعل نقده لا يرى في المقومات العربية وخاصة الهوية العربية إلا هباء لا قيمة لها، فحاول إلغاءها مستغلاً مكانته الفكرية الاعتبارية، مع أن السائد في عالم اليوم صحوة الهويات والثقافات القومية من جديد، وفي النقد هناك فرق شاسع بين إظهار سلبيات، والهجوم على مقومات، والمطالبة الفجة بإلغائها، مع أن هناك محاولات بائسة من هنا ومن هناك لاستئصال مكونات الأمة العربية ونسيجها الثقافي والحضاري.
ولقد تجاهل بلقزيز أن وجود الأمة يرتبط بوجود الثقافة الخاصة بها، والهوية المميزة لها، فإذا زالت ثقافتها، أو انمسخت في ثقافة أخرى، زالت تلك الأمة من الوجود، وفي هذا الشأن قال فرانز فانون : " لا أمة بدون ثقافة خاصة، ولا ثقافة بدون أمة "، والأمم الحية لا تتأقلم أبداً بإطار ينفي قيمها الثقافية والحضارية، ويفرض عليها الخنوع والذوبان في ثقافة وحضارة الآخرين(82). ونعتقد أنه لا يمكن أبداً بأية حال ومهما كانت النوايا تجديد الفكر القومي العربي، ومحاولة إرساء آليات جديدة خلاقة للوحدة العربية بانتهاج سبيل الانسلاخ والارتهان الحضاري للآخر المختلف، من خلال الدعوة إلى إلغاء الهوية العربية، واستبدالها بالمصلحة، مع أن الهوية الثقافية والحضارية هي الأساس في كل دول العالم، ولذلك قال جواهر لال نهرو: " إننا لا نستطيع أن نخدم غايات صحيحة بوسائل فاسدة ".
وعليه ليسمح لنا المفكر بلقزيز أن نستخدم بعض مفرداته التي وردت بالنص إذ يمكن القول إن أحكامه النقدية في المراجعة الفكرية والسياسية لمفهوم الوحدة العربية لم تأت عن طريق استنطاق موضوعي وعلمي للنص القومي العربي، بل أطلق أحكاماً عدمية الهوى والمنزع، فقد كان يبحث عما يقيم به دليلاً عليه، متسقطاً فكرة هنا وفكرة هناك، ومبالغاً في تظهيرها على نحو يختزل فيه النص الفكري القومي العربي بما يسهل نسف وإلغاء الهوية العربية، وهذه طريقة مبتذلة ورثة بامتياز، وهل ثمة من ابتذال أكثر من أن يتحول النقد إلى مماحكة لفظية مع النص تطرح جانباً البحث والتمحيص في المشكلات والسلبيات الحقيقية للفكر والتطبيق القومي العربي، ومن ثم يصنع فكراً جديداً نيراً خلاقاً منطلقاً من قاعدة أصالة الأمة العربية الثقافية والحضارية، فكراً جديداً أساسه ثقافة وحضارة الشعب العربي، مع انفتاحه وتفاعله مع ثقافات وحضارات الأمم الآخرى، فكراً جديداً ينطلق من المنابع الروحية والأصول الحضارية للشعب العربي، مع انفتاح راشد ومسئول على العصر ومدنياته وحضاراته الإنسانية الأخرى، والاستفادة من كل إيجابياتها، فكراً جديداً يوفق بين الأصالة والمعاصرة، يكون في مصلحة الشعب العربي، ويحافظ على التكامل في أوطانه، ومتلائماً مع قيمنا وثقافتنا العربية الإسلامية، مع انفتاح وتفاعل وانطلاق على أفكار وتجارب ومتطلبات العصر والحضارة الإنسانية(83)، ومن ثم يضع آليات جديدة خلاقة للعمل الوحدوي، ولكن كما يبدو أنه تسلى بلعبة البحث عن طريدة كي يأخذها بالجرم المشهود، في إثارة شبهات على طريقة المستشرقين، تدور حول مجموعة من المسائل الجزئية والفرعية والهامشية، التي لا تقدم ولا تأخر، مثل هل الدولة القطرية شرعية أم غير شرعية ؟، وهل نحن قوميون أم وحدويون ؟ وبهذا لم يستهدف أي موضوع حقيقي.
وبناء عليه فلقد كانت المقالة شططاً فكرياً بصيغة مراجعة، أو تراجعات فكرية بصيغة مراجعات، ومن ثم يستحق أن يقال لبلقزيز : " لقد جئت شيئاً إمرا " (84). و" لقد جئت شيئاً نكرا "( 85). لأن ما ورد في المقالة من شبهات غير مسئولة تدل على إرتجال الآراء من دون درس أو بحث، فهو يتنكر بوضوح للفكر القومي العربي الذي دعا إليه وكسب منه التأييد والمكانة القومية الرفيعة، مما يجعل منه يتنكر قبل كل شيء لوظيفته، ورسالته كمفكر قومي عربي واعد، مما سيخيب آمال الكثير من القوميين العرب وخاصة الشباب، ونحن منهم، ولهذا عليه أن يعيد النظر بهذه الطروحات.
1 - نبيه أمين فارس، دراسات عربية، الطبعة 1،( بيروت، دار العلم للملايين، 1957)، ص 104 – 111.
2 - د. عبد العزيز الدوري، التكوين التاريخي للأمة العربية : دراسة في الهوية والوعي، ط 3،( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1986)، ص 103- 104.
3 - عن مكانة اللغة العربية وتميزها انظر د. أحمد فؤاد الأهواني ، القومية العربية،( القاهرة، دار القلم، 1960)، ص18- 44.
4 - الرازي، مختار الصحاح، ( بيروت، المركز العربي للثقافة والعلوم )، ص492.
5 - ابن منظور، لسان العرب،( القاهرة، دار المعارف )، ص 4517-4518.
6 - سورة آل عمران، الآية 104.
7 - سورة آل عمران، الآية 110.
8 - سورة هود الآية، 116.
9 - سورة الحج، الآية 41.
10 - سورة الأعراف، الآية 157.
11 - سورة لقمان، الآية 17.
12 - أبو داود 11/419.
13 - مستدرك الحاكم 11/214
14 - مسلم 1/167
15 - سيرة ابن هشام 2/661
16 - ساطع الحصري، ما هي القومية : أبحاث ودراسات على ضوء الأحداث والنظريات، ط1،( بيروت، دار العلم للملايين، 1959)، ص 202.
17 - سنن الدرامي 2/230.
18 - الإمام علي، نهج البلاغة، تحقيق الإمام محمد عبدة،( القاهرة، دار الحديث، 2004)، ص90.
19 - المصدر نفسه، ص160.
20 - المصدر نفسه، ص62.
21 - الإمام علي، نهج البلاغة، مصدر سبق ذكره، ص393 – 394.
22 - المصدر نفسه، ص 436.
23 - المصدر نفسه، ص467.
24 - ساطع الحصري، الإقليمية، ط 2،( بيروت، دار العلم للملايين، 1964)، ص119.
25 - المصدر نفسه، ص123.
26 - ساطع الحصري، ما هي القومية، مصدر سبق ذكره، ص249 .
27 - زكي الأرسوزي، الأمة العربية، (دمشق، دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر، 1958)، ص 98. 28 - قسطنطين زريق، الوعي القومي، الطبعة 2،( بيروت، دار المكشوف، 1946)، ص 128 – 132.
29 - ساطع الحصري، ما هي القومية، مصدر سبق ذكره، ص37.
30 - المصدر نفسه، ص40.
31 - ساطع الحصري، ما هي القومية، مصدر سبق ذكره، ص251-252.
32 - المصدر نفسه.
33 - ساطع الحصري، آراء وأحاديث في الوطنية والقومية، ط3،( بيروت، دار العلم للملايين، 1957)، ص 141 – 142.
34 - ياسين الحافظ، كيف نخرج النضال الوحدوي من أزمته وعجزه ؟ ، مواقف، عدد 6، 1969 نقلاً عن كتاب جورج طرابيشي، الدولة القطرية والنظرية القومية، ط1،( بيروت، دار الطليعة، 1982)، ص 22- 23.
35 - د. نديم البيطار، من التجزئة إلى الوحدة : القونين الأساسية لتجارب التاريخ الوحدوية، ط3،( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1982)، ص 388.
36 - ساطع الحصري، دفاع عن العروبة، ط2،( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1985)، ص 95.
37 - المصدر نفسه ، ص 22 – 28.
38 - نقولا زيادة، العروبة في ميزان القومية،( بيروت، دار العلم للملايين، 1950)، ص 34 – 49.
39 - انظر خالد بن صالح الحميدي، نشوء الفكر السياسي الإسلامي من خلال صحيفة المدينة، ط1،( بيروت، دار الفكر اللبناني، 1994) والفضل شلق، الأمة والدولة : جدليات الجماعة والسلطة في المجال الوعي الإسلامي، ط1،( بيروت، دار المنتخب العربي، 1993) ورضوان السيد، الأمة والجماعة والسلطة، ط1،( بيروت، دار إقرأ، 1986).
40 - اندريه هوريو، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، ج1، ط2،( بيروت، الأهلية للنشر والتوزيع، 1977)، ص 100.
41 - د. عبد الغني بسيوني عبدالله، النظم السياسية،( بيروت، الدار الجامعية، 1984)، ص 36 – 37.
42 - د. برهان غليون، المحنة العربية : الدولة ضد الأمة، ط2،( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،1994)، ص 94 .
43 - المصدر نفسه، ص 99 – 100.
44 - نقولا زيادة، العروبة في ميزان القومية، مصدر سبق ذكره.
45 - جورج طرابيشي، الدولة القطرية والنظرية القومية، مصدر سبق ذكره.
46 - د. برهان غليون، المحنة العربية : الدولة ضد الأمة، مصدرسبق ذكره.
47 - د. عبد العزيز الدوري، التكوين التاريخي للأمة العربية : دراسة في الهوية والوعي، مصدر سبق ذكره، ص 15.
48 - سورة الحجر، آية 9.
49 - د. عصمت سيف الدولة، الطريق إلى الوحدة العربية، ط 1،( بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، 1968)، ص 17.
50 - صموئيل هنتنغنتون ، صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي، تعريب د. مالك عبيد أبو شهيوة ود. محمود محمد خلف، ط1،( مصراتة، الدار الجماهيرية، 1999).
51 - انظر إيليا حريق، نشوء نظام الدولة في الوطن العربي، الدولة والإندماج في الوطن العربي، ج 1،( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1989)، ص 27- 47.
52 - د. برهان غليون، المحنة العربية : الدولة ضد الأمة، مصدر سبق ذكره، ص 94.
53 - ساطع الحصري، ما هي القومية، مصدر سبق ذكره، ص 151- 159 .
54 - انظر طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر،( القاهرة، مطبعة المعارف، 1936).
55 - ساطع الحصري، ما هي القومية، مصدر سبق ذكره، ص 44 – 45 .
56 - ساطع الحصري، محاضرات في نشوء الفكرة القومية، ط 2،( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1985)، ص 20.
57 - قسطنطين زريق، الوعي القومي، مصدر سبق ذكره، ص 107.
58 - الشاعر القروي، الأعمال الكاملة النثر، جمعه وبوبه وضبطه وشرحه وقدم له د. محمد احمد قاسم، ط1،( طرابلس لبنان، منشورات جروس برس، 1996)، ص 133.
59 - محمد جابر الأنصاري، هذا المصطلح الهجين هل المراد به محو العروبة ؟، الموقع على الأنترنت :
http://www.alkhaleej.ae/portal/6c31dcea-b221-4dd4-84fa-ee0a3891ff6f.aspx
60 - الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الموقع على الإنترنت :
http://www.un.org/ar/documents/udhr
61 - العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الموقع على الإنترنت :
http://www.unicef.org/arabic/why/files/ccpr_arabic.pdf
62 - الحجرات، آية 13.
63 - ساطع الحصري، الإقليمية، مصدر سبق ذكره، ص 27.
64 - نبيه أمين فارس، دراسات عربية، مصدر سبق ذكره، ص 104.
65 - د. عبد الإله بلقزيز، المقاومة وتحرير جنوب لبنان : حزب الله من الحوزة إلى الجبهة، ط1،( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2000).
66 - د. قصي غريب، المتلبرلون الجدد في سورية، الموقع على الانترنت :
http://www.alsafahat.net/blog/?p=19957
http://www.alfikralarabi.org/modules.php?name=News&file=article&sid=6420
67 - المشروع النهضوي العربي، ط 1،( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2010).
68 - د. يوسف خوري، المشاريع الوحدوية العربية 1913 – 1989 دراسة توثيقية، ط 2،( بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1990).
69 - على سبيل المثال كتاب محمد المبارك، الأمة العربية في معركة تحقيق الذات، ط 2،( بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1988).
70 - انظر كتاب وثائق انشقاق الحزب الشيوعي السوري.
71 - لويس عوض، الأساطير السياسية، الأهرام، عدد 7 نيسان، 1978.
72 - ساطع الحصري، دفاع عن العروبة، مصدر سبق ذكره، ص 11.
73 - ساطع الحصري، الأمة العربية 1953 : أبحاث مختارة في القومية العربية،( القاهرة، دار المعارف، 1964)، ص23.
74 - جورج طرابيشي، الدولة القطرية والنظرية القومية، مصدر سبق ذكره، ص 22 – 23.
75 - عبد الحسين شعبان، تحطيم المرايا : في الماركسية والاختلاف، حوار وتقديم خضير ميري، ط1،( بيروت، منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ناشرون، 2009)، ص 201.
76 - المصدر نفسه، ص 171 .
77 - المصدر نفسه، ص200.
78 - د. برهان غليون، المحنة العربية : الدولة ضد الأمة، مصدر سبق ذكره، ص59.
79 - رجاء النقاش، الانعزاليون في مصر، ط 1،( بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981)، ص 12 – 13.
80 - د.برهان غليون، المحنة العربية : الدولة ضد الأمة، مصدر سبق ذكره، ص61.
81 - عبد العزيز الدوري، التكوين التاريخي للأمة العربية : دراسة في الهوية والوعي، مصدر سبق ذكره، ص9.
82 - د. قصي غريب، المتلبرلون الجدد في سورية، مصدر سبق ذكره.
83 - المصدر نفسه.
84 - سورة الكهف، آية 71 .
85 - سورة الكهف، آية 74.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحكومة السورية الانتقالية المؤقتة ومهامها الخارجية والداخلي ...
- اتفاق أميركي روسي على إعادة إنتاج الطغاة
- حل الربيع العربي في العراق
- مواصفات المفكر
- سورية دولة غير قابلة للقسمة وهي لكل السوريين
- الثقافة السائدة في سورية هي عربية إسلامية
- الشعب السوري في ظل الحماية الدولية بموجب القرارين الأممين 20 ...
- القتلة في سورية هدفهم الحصانة
- الربيع العربي صناعة شعبية عربية وليس أميركية
- المقاومة الوهمية والممانعة المزيفة
- اعلان مبادئ دستورية لسورية المستقبل
- رئيس خارج عن القانون
- التعاون والتنسيق الأمني والاستخباري بين النظام في سورية والو ...
- قراءة في زيارة السفيرين الأميركي والفرنسي لدى سورية الى مدين ...
- نظام كذاب بامتياز
- فات أوان الحوار الوطني
- في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الأممي السوري سهيل راغب
- في الذكرى السنوية لمؤتمر النقلة النوعية
- هل المنحة الأميركية للمعارضة السورية دعماً أم تشويهاً لها؟


المزيد.....




- فرنسا تفرض حجرا صحيا على القادمين من البرازيل والأرجنتين وتش ...
- واشنطن تأمر الدبلوماسيين الأمريكيين بمغادرة تشاد
- بيلاروس… الكشف عن خطة للانقلاب المسلح واغتيال لوكاشينكو
- واشنطن تدعو دبلوماسييها لمغادرة تشاد بسبب هجمات محتملة من مس ...
- بكين : على واشنطن وطوكيو وقف الإساءة لمصالح الصين
- الكاظمي لرجال دين: نراهن عليكم كثيرا
- سخرية على مواقع التواصل.. النظام السوري يحتفل بعيد جلاء الاح ...
- بيرو.. مقتل خمسة جنود في تحطم طائرة مروحية
- بوشكوف للخارجية الأمريكية: توقفوا للحظة كلوا -تويكس-
- كندا.. شرطة أونتاريو ترفض القيام بتفتيش عشوائي للمارة بشأن ك ...


المزيد.....

- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قصي غريب - دفاع عن العروبة : ملاحظات على مراجعة عبد الإله بلقزيز لمفهوم الوحدة العربية