أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمل جمعة - العرض الأخير














المزيد.....

العرض الأخير


أمل جمعة

الحوار المتمدن-العدد: 4009 - 2013 / 2 / 20 - 16:44
المحور: الادب والفن
    


أشدُّ الستار، أسحبه حتى النهاية ، المسرح فارغ تماماً،غبارٌ خفيف يعلو سطحه الخشبي وأكوام من أزياء الممثلين،شبه ممزقة وكئيبة، أجدُ في ركنٍ قصيّ ثلاث نسخٍ مختلفة لعرض مسرحيّ،تشدني تلك المخطوطة بخظ اليدّ،بها عشرات الخطوط الحمراء والشطب والإضافة،أقرأ النسخ المطبوعة أيضاً رغم أنها تحمل نفس العنوان ،وأقرأ الثالثة والمذيلة بكلمتين بقلم الرصاص :نسخة نهائية

لكن العرض الذي شاهدته قبل سنتين كان مختلفاً عن النسخ الثلاثة ولا يتقاطع مع كومة الأوراق إلا بالإسم، جميع النسخ تحمل نفس الإسم ،أدس يدي في قعر الصندوق أجدُ نسخاً جديدة كلها تحمل تذيلاً بقلم الرصاص :نسخة نهائية ،ومع ذلك كتبت العبارة بخطوط مختلفة .

لماذا يتوالد هذا العرض المسرحي بلا توقف؟ ولماذا ترك الممثلون والكاتب والمخرج كل هذه النسخ تغبرُّ هكذا بلا قيمة وبلا اهتمام ؟

أبحث عن نسخة بعينها،تبدو العملية شديدة التعقيد ،أي نسخة كتبت لي كممثلة، كنت قد تدربت على الفصل الأول فقط،تحديداً هو كتب لي خصيصاً كما قال الكاتب والمخرج والممثل النجم،والعبارة هنا تحملُ قصدها لا تأويل ولا مجاملة ولا تورية وتعني أن النص لبسني تماماً فصار لي وحدي.

كنت ممثلة جديدة لم أقف من قبل فوق خشبة مسرح، ولا أحمل صوتاً جهورياً ذو رنّة مميزة ،وجهي كما قال المخرج ينفعُ لدورٍ واحد فقط :امرأة في الأربعين تسافر في سفينة للمرة الأولى، وتبقى طوال الوقت تحدق بالماء وتتذكر،ضحكت من المشهد حسبته كوميدياً بامتياز ،ولكن المخرج صرخ بي حاسماً:"هذا مشهد درامي مائة بالمائة،وهو فصل المسرحية الأول".

لم يعجبني الدور فانسحبت ،رغم إنجازي لكل التدريبات القاسية، كل نسخة تلت هذه النسخة كان الكاتب يستبدل أثواب الممثلات فقط ،وقبعاتهن،فرحت أنه لم يمنح لون ثوبي لممثلةٍ أخرى ،وعجبتُ أن ما رفضته بالنص - وكان سبب إنسحابي من عرضه- قد غيره المخرج ،واستخدم جملةً حرفية لي في إحدى النسخ ،منحها لممثلة بثوب خمري ،وقبعة حريرية سوداء .

لم أقرأ أبداً نهايات العروض كانت تهمني البداية فقط الفصل الأول تحديداً.
لست ممثلة أبداً فلماذا قبلت منافسة عشرات الممثلات المحترفات ،وكنت أعرف أن وجهي لا يتمتع بالقدرات التعبيرية المهمة للتمثيل،هو ساكن جداً ، وضعيف التعبير ،ويسرع في البكاء مفسداً كل شيء ،وهو لا يحتمل الإضاءة ولا مساحيق التجميل.

لا يهم أبداً لقد أحببت الدور حقاً ، وبقيت لسنوات متعلقة به أحقظه عن ظهر قلب،بل واسترجعه في ليلي ونهاري ،وانتظر أن يسند الدور إلىّ وأشخصه بمهارة – كما صرت أعتقد - تدربت على أكثر المشاهد صعوبة عندما أقفز للماء،وأتذكر أن حفرة عميقة انسيابية غير ظاهرة كانت في أرض المسرح وعلى أن أعطي الشعور الكامل بالغوص تماماً بالماء وكأنني أسقط في بحرٍ حقيقي .
الغريب أنني لم أسأل المخرج يوماً عن الفصل الثاني وجدوى السقوط في أول المسرحية ،وكان يبتسم كل مرةً ويقول بشيء من الحزن :"ولا أنا !

حتى عندما ذهبت لمشاهدة العرض الأول بعد أن تلقيتُ دعوةً من المخرج مذيّلةً بكلمات قليلة مكتوبة كعادته بقلم الرصاص ،انسحبت فور سقوط الممثلة في الماء ،لم أشهق من براعة اللقطة ، فأنا أعرف سرّ الفتحة الخفية في أرض المسرح ،كان يهمني أن أرى وجه الممثلة التي أخذت دوري ،أو بإنصاف شديد ،تلك التي حازت على لقب نجمة العرض ،أحببت أنها تشبهني بشكل ما،رغم ثوبها الخمري وقبعتها السوداء، ووجهها سخيّ التعابير والقوي لإحتمال الإضاءة الكثيفة .

لغاية الآن لم أشاهد باقي فصول المسرحية ،وكنت ألتقي المخرج لماماً على هامش عروض لمسرحيته ، أنسحب بعد الفصل الأول وكان يبتسم كلّ مرة ويقول لي ذات لعبارة وأنا أتلمس طريقي في ظلام صالة العرض :" اليوم ستحملُ مسرحيتي نهاية موفقة ستروق لك" وأقول كما دوماً :"أحبٌّ البدايات ،الفصل الأول تحديداً،النهاية دوماً نهاية مهما أدهشت ".

غداً هناك عرضٌ جديد ،سيكون كالعادة بنجمة جديدة ،وسأكون هناك أتابع سقوطي المدهش في الماء بثوب جديد وقبعة جديدة ،فقط عندما يمنحُ المخرج لونَ ثوبي لنجمةٍ جديدةٍ ،سأتوقفُ وأتابعُ المسرحية حتى الفصل الأخير ،ولن أشارك بمسرحية بتاتاً ،فكما قلت وجهي لا يحملُ سخاءً بالتعابير،والنهايات لا تروق لي فهي دوماً نهايات.






إطلاق البث التجريبي لقناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
أفلام من أرشيف الحوار المتمدن
أفلام من أرشيف الحوار المتمدن
قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب ترحب بكم
قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب ترحب بكم


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,245,818,246
- المرأة التي اعتزلت سماءها ظهيرة صيف
- وكوكب أيها الشامخُ تُهديك السلام
- مهمّات نَهاريّة
- الغياب
- الرائحةُ العالقةُ بيننا
- ذاكرة المرايا
- سأموت فيما بعد
- المتسولة
- العاشِقات
- مات أبي
- كوابيس بأخطاء نحوية فادحة
- في صباح حار
- أرتجلُ الحب
- كأنها قلادة من الماس
- إعتزال
- سِر الغَجرية
- تلك الأشياء الصغيرة
- الذي لا يأتي
- ندم الخميس
- الطائرة ألقت بكومة رسائلي


المزيد.....




- الاتحاد الاشتراكي بزاكورة: - الصدمة كانت قوية-
- صدر حديثًا.. كتاب -سلاطين الغلابة- لصلاح هاشم
- أطباء بلا حدود تطالب بالتخلي عن بعض قيود الملكية الفكرية لإن ...
- تونس: مسرحية تلقي الضوء على معاناة المتحولين جنسيًا في مجتمع ...
- بعد الأردن الشقيق: على من الدور القادم ياترى؟
- الغناء والقهوة والنوم.. طريقك للحفاظ على صحة عقلك
- خالد الصاوي يعترف: عضيت كلبا بعد أن عضني... فيديو
- مخبز مصري يحقق أحلام -أطفال التمثيل الغذائي-
- كاريكاتير -القدس- لليوم الأحد
- نظرة حصرية وراء كواليس فيلم لعرض أزياء -موسكينو-


المزيد.....

- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمل جمعة - العرض الأخير