أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد رحيم - الغموض في القصص














المزيد.....

الغموض في القصص


سعد محمد رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 3207 - 2010 / 12 / 6 - 19:05
المحور: الادب والفن
    


نُشرت آلاف النصوص، لاسيما منذ الستينيات، تحت مسمّى ( القصة القصيرة ) والتي أساءت إلى هذا الفن السردي الرفيع باستغراقها في التهويمات والشكليات البلاغية الفضفاضة. وقد أصبح الأمر لعقود بمثابة موضة أن تكتب ما هو مقعّر وغير مفهوم بدعوى إشراك القارئ في فك مغاليق النصوص، تلك التي لا مفاتيح لها حتى في أذهان كتّابها. ولا أقصد، هنا، بطبيعة الحال اتهام الستينيين، فمنهم مبدعون كبار أثروا حقل هذا الفن برؤى وأساليب متقدمة. لكن آخرين من أجيال متعددة، ومنهم، موهوبون انخدعوا بالشعارات والتوصيفات الحداثية الزائفة واتخذوا طرقاً في الكتابة استنزفت مواهبهم في كتابة ما لا قيمة إبداعية له. ناهيك عن أنصاف الموهوبين، ومَنْ يفتقرون إلى ملكة الخيال والقدرة على بناء النص السردي. وهكذا اكتسحنا طوفان من النصوص الشاحبة والثقيلة الظل والفارغة من المعنى.
لا أدعو إلى الكتابة السطحية، وأجد أن أجمل القصص هي تلك التي فيها مسحة من الغموض، ووحدهم الكتّاب الكبار من بمستطاعهم خلق قصة متقنة فنياً ومظللة بتلك المسحة السحرية المغرية. فالغموض مزية في القصة تُحسب لصالحها، ولكن حين يتحول إلى حجاب غليظ سيغدو عيباً يخفي فقر الموهبة وشحّ الخيال. فثمة فرق تقني بين النص الغامض الذي يواري المعنى ويحيل فعل القراءة إلى تجربة فكرية ـ جمالية تمتحن قدرة القارئ على الفهم والتأويل والمشاركة في لعبة التأليف وإملاء الفراغات المتروكة لذكائه. وبين النص المملوء بالمعمّيات التي لا معنى لها.
ما زلنا نقرأ تشيخوف بشغف، وما زال فوكنر وهمنغواي وبورخس يبهروننا. وما زالت تلك اللغة البسيطة والمكثفة، الخالية من الزوائد البلاغية الطنانة التي تتصف بها قصصهم تبعث فينا الدهشة وتمنحنا مسرات لا تضاهى. وما زال ذلك الأسلوب السهل الممتنع الذي يميّز أعمالهم يأسرنا.
ينطوي معظم نصوص همنغواي، في سبيل المثال، على الرغم من وضوحها الظاهر على ظل من الغموض.. ثمة دلالات مختبئة فيما وراء الجمل الصافية المباشرة، وفراغات يملؤها خيال القارئ الفطن وذكاؤه.. في قصص كثيرة يلجأ همنغواي إلى لغة الإيحاء. إنه لن يخبرك بكل شيء، فهو واثق من حُسن قراءتك.. من لمّاحايتك في فهم الإشارات، في تكملة الجمل المبتورة في أثناء الحوار، في معرفة عمّا يتحدث عنه شخصياته حتى وإن لم يذكروا بالاسم هذا الذي يتحدثون عنه.. فالراوي لا يفصح عن حقيقة مشاعر وأفكار الشخصيات مباشرة، بل يدعهم يتكلمون، هم، عمّا يجري في أعماقهم ويدور في خلدهم.. إنه لا يسهب في الوصف الممل وإنما ينقل لك شذرات من الصورة، أو المشهد الذي يصوِّره. فبضع كلمات على لسان شخصية ما كفيلة أن ترشد القارئ إلى جوانب هامة من طبيعة أفكارها ومشاعرها.
لنذكر قصصاً أو مجموعات قصصية؛ مجموعة ( حالات ) لناتالي ساروت.. مجموعة ( الجريمة ) لنجيب محفوظ.. مجموعة ( كتاب الرمل ) لبورخس.. قصتا ( العاشق ) و ( عيون زرق، شعر أسود ) لمارغريت دوراس، والأخيرتان تعدّان روايتين قصيرتين، أو هما قصتان قصيرتان طال شريطهما اللغوي قليلاً.. هذه الأعمال، وغيرها، تمنحك المتعة وتجعلك في حالة من الشك والالتباس، وأمام حزمة من التساؤلات.. تضعك إزاء الجميل والمدهش والمحيّر.. ذلك الجزء الباهر الذي تحاول استكشافه بالحس والحدس في آن.. تفرغ من القراءة فينتابك هاجس مؤداه أنك إنما التقطت أشياء وفاتتك أشياء، وها أنك مغمور ببعض الارتباك اللذيذ، وتفكر بإعادة القراءة، في محاولة لالتقاط ما تسلل من بين كماشة فهمك في المرة الأولى.. وأحياناً حتى المرة العاشرة تبقى تشعر بأن هناك، لابد، من شيء آخر.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مع محيي الدين زنكنة.. خواطر وذكريات
- القابض على الجمر.. يوميات قاسم عبد الأمير عجام
- أنْ نأسر المكان داخل النص: قراءة في -خرائط منتصف الليل- لعلي ...
- إدوارد سعيد: المنفى والهوية.. الأنا والآخر
- تمثلات النهضة: 4 معوقات النهضة في العراق، ونقد مشروعها
- تمثلات النهضة: طبيعة ثقافة النهضة في العراق ومعضلة الهوية
- تمثلات النهضة 2 ثقافة النهضة والمثقفون والدولة
- تمثلات النهضة 1 المنهج والمفاهيم وحدود البحث
- أفق النهضة وأسئلة الحداثة: قراءة في كتاب ( نحو وعي ثقافي جدي ...
- عن أدب اليوميات
- رواية -فيكتوريا-: أشكال السرد وتحيّزات السارد
- عن -أمكنة تدعى نحن-
- الأستاذ محمد خضير
- الجابري في مكتبة مؤيد
- محنة اللغة واضطراب البناء في رواية ( سرير الأستاذ )
- الكتابة عن المكان العراقي
- قصة قصيرة؛ ( غداً ربما )
- قراءة في ( ذاكرة الكتابة )؛ خفة المهمل وثقل التاريخ
- مذكرات تنيسي ويليامز: بين الانشداد للحياة والانجذاب نحو المو ...
- الكاتب والمكان: قراءة في تجربة أورهان باموق


المزيد.....




- خبراء أمريكيون يؤكدون وجاهة الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحرا ...
- تسوية قضية الصحراء محور مباحثات بين نائب وزير الخارجية الروس ...
- المغرب يؤكد ضرورة جعل المكافحة العالمية للمخدرات أولوية ضمن ...
- المخرج السوري الليث حجو يعلق على مسلسل -قيد مجهول-
- روح ديفيد لينش المُعذّبة معروضة في أولتن
- إعداد الدفاع يؤخر ملف الكوميدي الجزائري بوهليل
- الشاعر مراد القادري للجزيرة نت: التحديات الكثيرة التي تواجه ...
- هُوَ في عُرفِ الصابرينَ مَسِيحُ - - - - 11-4-2021 ...
- جلالة الملك يترأس حفل إطلاق مشروع تعميم الحماية الاجتماعية و ...
- العناني يبحث مع سفير الإمارات بالقاهرة دفع حركة السياحة الثق ...


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد محمد رحيم - الغموض في القصص