أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - سعد محمد رحيم - عن -أمكنة تدعى نحن-














المزيد.....

عن -أمكنة تدعى نحن-


سعد محمد رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 3048 - 2010 / 6 / 29 - 20:12
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


تؤشر حمى الكتابة عن المكان العراقي بعد أحداث 2003 نوعاً من محاولة تأصيل، أو تعزيز، هوية شخصية وأخرى جماعية.. محاولة لها من المحمول الرمزي بقدر ما لها من المحمول الواقعي. فالمكان، ها هنا، تاريخ، وتضاريس طبيعة حولتها الثقافة، وأسطرتها المخيلة. والمكان، ها هنا، كذلك، شرط كينونة، ومعطى مشاعر وانفعالات، وأفق ذهني يمتد بين ماضٍ ضاع بعضٌ من حواشيه وهوامشه، وأجزاء من متنه أيضاً، ومستقبل ليس من السهل التكهن باتجاهه وصورته. وهي محاولة لتسكين قلق الوجود ومناورة في خضم صراع البقاء، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مخزونات الذاكرة ومقتنياتها بعد أن راحت تتعرض للتهالك، ومن ثم للنسيان.
يخوض خضير الزيدي مغامرة مثل هذه الكتابة في كتابه ( أمكنة تدعى نحن: دار الينابيع/ دمشق ـ 2010 ) مستلهماً أماكن طفولته وشبابه بعدِّها حواضن نشوء وتكوين، ومسارح فعل، ومحرِّضات أحلام. يتمثلها قبل يمثِّلها عبر استعادة ما تبقى من إرث ذاكرته البصرية التي يشبِّهها بـ "الصندوق السحري للمصور الشمسي قبالة دار العدالة". ولا أدري إن كان هذا التشبيه موفقاً على الرغم من جماليته. تعينه ذاكرة تخيلية تحيل الواقعي الحسي إلى شعر وأسطورة. ولذا نراه حين تعييه الذاكرة يلوذ بالمجاز. وحين تتسع لديه مساحات الغياب يستنجد بأحابيل اللغة ومكرها. لكن ثقل الواقع وضغطه لا يدعه يبتكر مكاناً متخيلاً معززاً بتاريخ مؤسطر وأحلام هاربة متشظية على غرار بصرياثا محمد خضير. أو مدن إيتالو كالفينو اللامرئية. فهو سعى كما يخبرنا لصياغة هيتروتوبيات وهي في عرفه؛ "يوتوبيات مغايرة تُفترض من خيال الأمكنة اللامرئية في الأمكنة الحقيقية"، لكنه لم يُكمل مشروعه مثلما يجب، ومثلما كنا نتمنى.
يبدو أن الزيدي رسم في البدء خريطة واسعة لأمكنته التي رشحها للكتابة عنها. ولم تكن علاقته بها من حيث التجربة معها وفيها، ودرجة الحميمية، ناهيك عن المعرفة الخابرة، في مستوى واحد. لهذا جاءت بعض نصوصه في الكتاب شاحبة وبعض مشاهده مفتعلة. في مقابل نصوص ومشاهد انطوت على قيمة أدبية ووثائقية وجمالية مميزة.
في هذا الكتاب نجد الزيدي مغرماً بالتعريف المجرد، ولكل مكان في كتابه تعريف ما. وفي هذا المفصل تتباين قوة صياغاته وإنشائه ففي سبيل المثال يصف الناصرية بأنها "في التاريخانية الحديثة تنتمي للغرابة أكثر مما تنتمي لحضن الواقع البسيط". وأعتقد أن استخدام اصطلاح التاريخانية، في هذا السياق، لم يكن في محله. أما عن المقهى فيقول أنها "انفلات من قبضة تراص الهموم وثقلها الذي لا يُطاق". لكنه يعود ويصفها ثانية بعبارات أكثر سلاسة وصفاء وأعمق دلالة متخلصاً من جفاف بلاغته الفضفاضة في العبارة الأولى:
"هي الملاذ الآمن للغرباء والمشردين والتقاء الصحبة ومواعيد الضحك واتفاقات النهارات القادمة.. المقهى التعبير الخفي عن تقويض فكرة آصرة العشيرة والريف".
وفي موضع آخر يحدِّثنا عن الشارع الذي يراه "أرضية رحبة لمعصية الوالدين". تستثيره عبارة أولاد الشوارع وتمنحه فرصة تأمل الشارع عن قرب "آه ليتني كنت شوارعياً بختم أحمر لأروي ما حدث بالطريقة التي ترضي طموح أبناء جنسي المنسيين". وهذا اعتراف صادق. فالزيدي بقي متردداً في استكناه أسرار المدينة، ولامس بعض الوقائع على استحياء كما لو أنه يحذر لوم وغضب الأحياء والأموات. وظل كائناً بيتوتياً.. يقول في تصديره لكتابه؛ "قطعاً يا بني ستشيب في ذات البيت الذي ولدت فيه.. أتعرف لماذا؟ إنها دعوة أمك عليك..". وهكذا لم يغادر البيت أبعد بما يكفي لكتابة تتمادي في انتهاك المحرّمات. ومن أجل إكمال لوحة كتابه كان على الكاتب أن يخصص فصلاً واحداً على الأقل للبيت الذي نشأ فيه. بتأكيد أنه يعرف بيته أكثر من أي مكان آخر. مع هذا كانت ثمة فصول ممتعة وغنية بتفاصيلها عن شارع الحبوبي ومحطة قطار الناصرية، ومناطق أبو غار والمسنّاة، والأسود عراقي النكهة ( الشاي )، وشاشة الأحلام.
الأمكنة تكتبنا طوال الوقت، ومن واجب الوفاء على الكاتب أن يرد لها الجميل بجعلها مناسبات كتابة. وخضير الزيدي سارد ومؤرشف دؤوب، بكتابه ( أمكنة تدعى نحن ) ربحت الناصرية وربحنا نحن العراقيين، عملاً جيداً.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأستاذ محمد خضير
- الجابري في مكتبة مؤيد
- محنة اللغة واضطراب البناء في رواية ( سرير الأستاذ )
- الكتابة عن المكان العراقي
- قصة قصيرة؛ ( غداً ربما )
- قراءة في ( ذاكرة الكتابة )؛ خفة المهمل وثقل التاريخ
- مذكرات تنيسي ويليامز: بين الانشداد للحياة والانجذاب نحو المو ...
- الكاتب والمكان: قراءة في تجربة أورهان باموق
- -اسطنبول- أورهان باموق: سيرة حياة ومدينة
- ماركس وأنجلس: صداقة في نور الفكر والحياة
- ماركس صديقاً
- مصادر ماركس
- مكنسة الجنة رواية ضد سياسية في سريالية عراقية خالصة
- يوميات القراءة لألبرتو مانغويل: انطباعات قارئ
- أطلقوا سراح المعلومات
- قيامة العنف
- -خيال ساخن- في خريطة السرد المصري
- في -ثغرها على منديل- تحسين كرمياني يحتفي بالحب
- أسماؤنا
- نحو استشراف مستقبل ثقافتنا


المزيد.....




- -مارد من رماد-..ما قصة هذا المجسم العملاق الذي يقف في قلب مر ...
- في ذكرى الانفجار.. آلاف اللبنانيين يزحفون نحو المرفأ ويطالبو ...
- ريبورتاج - العراق: وزارة الخارجية تستلم أكثر من 17 ألف قطعة ...
- في ذكرى الانفجار.. آلاف اللبنانيين يزحفون نحو المرفأ ويطالبو ...
- مصر.. صديق الشاب المصري المنتحر عبر -واتس آب- ينفي تصويره لح ...
- بيلاروس.. حرس الحدود يسعف 5 عراقيين على الحدود مع ليتوانيا
- -واتس آب- يطلق ميزة -عرض مرة واحدة- تخفي الصور والفيديوهات م ...
- شاهد.. نشر مقاطع فيديو تثير جدلا واسعا في مصر والأمن يحقق
- بالفيديو.. الجيش اللبناني يحيي ذكرى ضحايا انفجار مرفأ بيروت ...
- الصين تسجل أعلى حصيلة إصابات بالكورونا في 6 أشهر وتشدد القيو ...


المزيد.....

- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي
- آليات توجيه الرأي العام / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب إعادة التكوين لجورج چرچ بالإشتراك مع إدوار ريج ... / محمد الأزرقي
- فريديريك لوردون مع ثوماس بيكيتي وكتابه -رأس المال والآيديولو ... / طلال الربيعي
- دستور العراق / محمد سلمان حسن
- دستور الشعب العراقي دليل عمل الامتين العربية والكردية / منشو ... / محمد سلمان حسن
- ‎⁨المعجم الكامل للكلمات العراقية نسخة نهائية ... / ليث رؤوف حسن
- عرض كتاب بول باران - بول سويزي -رأس المال الاحتكاري-* / نايف سلوم
- نظرات في كتب معاصرة - الكتاب الأول / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - سعد محمد رحيم - عن -أمكنة تدعى نحن-