أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زهير قوطرش - رحيل مناضل















المزيد.....

رحيل مناضل


زهير قوطرش

الحوار المتمدن-العدد: 2953 - 2010 / 3 / 23 - 00:21
المحور: الادب والفن
    


من عادتي في غربتي ,ولا أستطيع تفسير ذلك .بأن الأحداث المؤلمة التي تصيب أحد أفراد عائلتي أو المقربين ,تنعكس على طبيعة نومي في ليلة الحدث ,وما أن يصبح الصباح , حتى أتعوذ من الشيطان وأسأل الله تعالى أن يكون الهاجس خيراً ,إلى يصلني الخبر المؤلم بأن فلان من عائلتنا قد توفى ,,أو أن أحدهم أصابته مصيبة كبيرة .
ما زلت أذكر تلك الليلة ,كم تعذبت وأصابني القلق ,حتى ضاقت بي الدنيا بما وسعت ,وشعرت وقتها وكأن شيئاً قد أطبق على صدري .قضيت معظم الوقت في تلك الليلة وأنا أطلب من الله عز وجل أن يكون ما أعاني منه خيراً.إلى أن جاءني الخبر الذي هز كياني .... حيث أخبرني أخي في مساء اليوم التالي أن المناضل قد أصيب بمرض السرطان ,وقد انتشر المرض الى العقد الليمفاوية ,وأكد لي , أن الأطباء قدروا أن ما تبقى له من العمر لن يتجاوز الأشهر الثلاثة أو الأربعة كحد أقصى.
أؤمن بالقضاء والقدر , وأؤمن بأن لكل نفس أجل مكتوب , وأؤمن بأن الموت حق....لكني إنسان مجبول على المشاعر والعواطف ,وكانت فكرة مرض أو موت أحد المقربين ,وخاصة إذا تعلق الأمر بالمناضل هو مصاب ومصيبة هزت كل كياني. أخبرت أخي والدموع تسيل من عيوني بأنني سأحضر فوراً ,لعلي أساعد في تخفيف المصاب . لكن أخي أعترض على حضوري ,وأخبرني أن المناضل سيعلم بمجرد حضورك أنه مفارق لا محالة ,ويمكن أن يؤثر ذلك على حالته النفسية .ثم تابع ....سأخبرك كل يوم عن تطور حالته الصحية ,والعلاجات التي سيتناولها..... وعندما يصل الحال كما قال الأطباء الى تدهور حالته وفقدانه لجهاز مناعته, سوف أطلب منك الحضور فوراً.
مرت الأيام وكأنها دهور ,كنت على اتصال بأخي وبالمناضل ....كنت أشعر مع كل مكالمة هاتفية أنه حتى في المرض ما زال مناضلاً عنيداً ...كان يكتب ,ويحضر الاجتماعات النقابية ,ويلتقي بالشباب الذين أحبوه ,وأحبوا فكره وإخلاصه للفقراء والمساكين . وكان يؤكد لي في كل مكالمة ,أن النضال الاجتماعي لا ...ولن ...ينفصل عن النضال الوطني ولن نستسلم للفساد والمفسدين بأي حال من الأحوال. و كنت بعد أن ينهي كلامه, أسأله بحذر عن صحته .... كان يضحك ويقول لي ...تصور الكل يسألوني بخوف عن صحتي .... أجيبهم ...مازلت قادراً على العطاء ...وهذا يكفي لكي أكون مرتاحاً من هذه الناحية.
مرت الشهور الثلاثة ....وفي الليلة الأولى التي أعقبت نهاية الشهور الثلاثة ...عادت نوبة القلق والألم ألي , ولم أستطع معها في تلك الليلة لا النوم ولا حتى البقاء مستيقظاً بشكل مريح. إلى أن رن جرس الهاتف في ساعات الصباح الأولى....قفز قلبي من مكانه ...رفعت سماعة الهاتف وأنا خائف من سماع الخبر....على الطرف الأخر كان صوت أخي ...من لحن الصوت شعرت أن الأمر قد انتهى ....بعد تحيته قال لي بصوت متعب ....المناضل بين الموت والحياة يمكنك أن تحضر فوراً.
لقد كنت مستعداً خلال الأشهر الماضية لهذه اللحظة ,ومن حسن الحظ أن موعد أقلاع الطائرة التي حجزت عليها للسفر كان نفس اليوم ....كنت أدعو وأرجو الخالق أن يمهل رحيله ,حتى ألتقي معه ,وأتحدث إليه في رحلته الأخيرة عن هذا العالم ....لأني كنت أعلم أن المناضلين يموتون في حياتهم كل يوم ألف ميتة ,وإذا جاء موعد الميتة الحق فأنهم يستقبلونها كونها الراحة الأبدية. فور وصولي توجهت إلى المستشفى التي كان يرقد فيها المناضل, استقبلني أخي وبقية أفراد العائلة على مدخل المستشفى ...سألت عنه أجابوني ...مازال فيه شيئاً من القدرة والطاقة على التفاعل مع من حوله ....قلت الحمد لله.
دخلت الى غرفته ....وما أن رآني .. حتى ابتسم ...وقال لي أخبروك أن تستعجل المجيء ..جئت في الوقت المناسب ...وكأني في انتظارك حتى أرحل.
قبلته ..وصارعت مشاعري ..حتى أحبس الدمعات التي لا أملك سواها لتعزيته ...في مثل هذه المواقف تتجمد الكلمات ,ويسود الصمت كسيد للموقف ...فكلمات التشجيع والعزاء لا يمكنها حجب الحقيقة بأن مصيبة الموت ماثلة أمام المناضل ..وما هي إلا مسألة لحظات أو ساعات فقط وينتهي كل شيء.
طلب المناضل من الجميع أن يتركوننا لوحدنا في الغرفة ,وبنبرة المناضلين قال لهم آن الأوان أن تذهبوا للراحة , فقد تعبتم معي كثيراً .وفعلاً كانت وجوههم ذابلة ومصفرة ... ثم أنهى كلامه بقوله ...مشكورين جداً.
بعد أن خرج الجميع ,طلب مني أن أحمله ليجلس على الكرسي المجاور لسريره ,حملته وأسندت رأسه على الوسادة ,ومد ساقيه الى حافة السرير....ثم نظر إلي قائلاً ...انظر الى عروق الدم وأشار الى ساقيه ...وقال هل ترى كيف تتفجر ...إنه الموت يا عزيزي ,يزحف من القدمين حتى يصل الحلقوم ...أجبته هون عليك ...قال لي وهو يضحك ..أختصر عبارات المجاملة أرجوك ...أريد أن أخبرك أنه عند بزوغ الفجر سأكون قد فارقت الحياة.
وتابع حديثه ..وسألني هل أخبروك أنهم (أولياء الأمر) قدموا لي مبلغاً لتسديد نفقات العلاج ...رفضت المبلغ وشكرتهم ...لم أقبل في حياتي أن يبتزني ويشتريني أحد ,ولن أقبل ذلك وأنا على وشك الرحيل. قلت في سري عشت مناضلاً شريفاً وسترحل ولم تغيرك وتبدلك المغريات.
ثم ساد الصمت ,وشرد المناضل شرود المفارق ...لم أتمكن من متابعة الحديث ,لعدم مقدرتي في هذه اللحظات على أيجاد الكلمات و المعاني المعبرة. ..لكنه كسر الصمت بقوله ...هل تعلم أنني رميت ساعة اليد منذ أسبوع ....الزمن والوقت هذه كلمات لم تعد تعني شيئاً بالنسبة لي ...أصبح الوقت وكأنه العدم ....ثم نظر الى السقف وسألني هل ترى ما أرى ... قلت له لا أدري ما ذا تقصد .
أجابني ....تصور كل ما أنجزته في حياتي من فكر, وقراءة ,أو كتابة أشعره فوق هذا الجسد المفارق , أنه يملئ هذه الغرفة وكأني أحمله على رأسي المتعبة ...ثم هز رأسه قائلاً ...غريب هذا الشعور ...هل سأحمل كل ما تعلمته وكتبته إلى العالم الأخر؟..
بعد فترة صمت قصيرة وضع يده على يدي ..وسألني ...سأرحل عن هذا العالم ولم يكتمل مشروعي في تعرية الفساد والمفسدين في هذا البلد.لا باس..... المخلصون في بلدنا كثر وسوف يتابعون المشوار.... لقد كان هذا همه الوحيد ,وهاهو يحمل هذا الهم وهو في لحظات الرحيل الأخيرة
نظرت الى أسفل ساقه اليمنى ورأيت جرحاً وكأنه حديث العهد ...سألته ما هذا الجرح ...أبتسم وقال لي هذا بيني ,وبينك لا أحد يعلم بقصة هذا الجرح إلا أخوك ...تعجبت ..و سألته أن يخبرني قصته ...تنهد قائلاً: أرجو أن يُحسب عليَّ هذا الجرح من ضمن أعمالي الصالحة.
أغمض عينه وكأن ذاكرته بدأت باستعادة الحدث ,ثم نظر إلي قائلاً. قبل مرضي بأيام جاءني شخص مسكين,و بالكاد كان يستطيع السير على قدميه ,كانت الساعة السابعة صباحاً على ما أعتقد ..سألته عن حاجته ..فأجابني أنهم أرسلوني إليك ... سألته ...من أرسلك قال لي الشيخ سعيد ورفاقه...في الحقيقة لم أسمع بهذا الاسم من قبل..قلت له خيراً وما هي حاجتك .. .شرح لي وضعه المأسوي كونه أب لخمسة عيال أصابه المرض في إحدى ساقيه وأعجزه عن السير والعمل بشكل اعتيادي . حالته المادية تحت خط الفقر ,ولا يملك بالطبع أجرة العلاج . وبعد أن شرح لي حالته هجم ثم انحنى ليقبل يديَّ طالباً المساعدة , رفعت يدي وأمسكت على كلتا يديه وقبلتهما وهو ينظر إلي مشدوهاً ,وقلت له يا أخي لا تستغرب ...لأن أيادي المساكين من عمال وفلاحين وفقراء هي التي تحمي وتصّنع هذا البلد, وقبلت يديه ووجنتيه ونظر إلي وقد أصابه الاندهاش . لم يصدق ...أن ما قلته هو عين الحقيقة.و في الحال توجهنا إلى عيادة أحد الأطباء الذين أعرفهم ,وعرضت عليه حالة هذا المسكين ....فحصه الطبيب ..وقال لي عمليته في حال تنازلي عن أجوري تكلف خمسة ألاف دولار تقريباً .أنت تعلم يا عزيزي أني لا أملك إلا راتبي النقابي وبالكاد يكفيني حتى نهاية الشهر...طلبت من الطبيب إن كان بالإمكان أن ينتظر المريض في العيادة لمدة ساعة أو ساعتين....أسرعت بدوري الى أهل المروءة من التجار الأغنياء ,وليس الى المترفين المتطفلين اللصوص....صدقني خلال ساعة جمعت المبلغ .وقدمته للطبيب , الذي فاجئني بقوله ...لقد فحصت شرايين المريض أثناء غيابك ...مع كل أسف نحن بحاجة الى شريان من متبرع ...لإن شرايينه لا تصلح كقطع غيار.وبدون تردد سألته هل أستطيع أن أقدم له شريان من شراييني .قال الطبيب ..لماذا لا ؟...لكن.... أراد الطبي أن يعترض ...قلت له بدون لكن ...وفعلاً أُجريت له العملية ...وتحسن وضعه ...وعندما ودعته أخبرته بأننا صرنا أخوة بالشرايين.
وبدون مقدمات تابع حديثه قائلاً ...أنا لم أكن أصلي ولم أكن أصوم ...ولم أملك يوماً نصاب الزكاة, لكنني ما قصرت في عمل الخير ...أما الله عز وجل ... أنتم تؤمنون به ...لكني أنا أعشقه كعشق رابعة العدوية . فهل سيقبل الله أعمالي الصالحة ,ونضالي من أجل الفقراء والمساكين؟. قبلته على وجنتيه وقلت له يا مناضل ..إن الله يقول في كتابه.
"الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ"
هل سمعت يا مناضل ....لم يقل أيكم أحسن عبادة أو صلاة أو صيام ... بل قال أيكم أحسن عملاً ...وهو العزيز الغفور.
ابتسم وقال لي أرحتني وأرحت نفسي قبل الرحيل ...
طلب مني إعادته الى السرير ,وبدأت حالته تسوء الى أن فقد الوعي وبدأ بالاحتضار ,وكنت أسمع بعض الكلمات التي كان يتمتم بها ....الله, الله, الله . وما أن بزغ الفجر وعلا الآذان في المسجد القريب ,في هذه اللحظة وكما تنبأ ...فارق الحياة.
ودَّعته الى مثواه الأخير القوى السياسية بكل أطيافها ,والكثير من الفقراء والمساكين .ولأول مرة في حياتي ,قرأت على الجدران ملصقات نعوته التي كتب عليها ولأول مرة في تاريخ الموت في هذا البلد.
إن لله وإن إليه لراجعون ....الحزب الشيوعي ,ونقابات العمل تنعي إليكم موت النقابي المناضل...... سالت دموعي وقلت في نفسي كما في حياته وحد المثالية مع المادية من خلال عمله النقابي وها هو في ملصقات نعوته يوحد الإيمان , مع المادية , مع العمل الصالح ....فهنيئاً لك أيها المناضل.
في أيام العزاء ...تقدم إلي أحد الأشخاص ...وقبلني معزياً بحرارة ...وقال لي هامساً ... والدموع تسيل من مقلتيه ....داعياً له بالمغفرة , ولنا بطول العمر...ثم أخبرني بأنه أخ لنا ...لم أفهم قصده ,حتى أخبرني بأنه يحمل في جسده شرايين أخونا المرحوم.
يا مناضل وأنت في العالم الأخر أسمع ما قالوا وكتبوا عنك ".أن تكون وطنياً مخلصاً .وسياسياً مبدئياً وفقيراً ,فهذه عملة أصبحت نادرة ".
لن أنسى مقولتك الرائعة" إذا كنا نريد أن نبني حزباً ثورياً,فيجب أن يكون حزب مجتمع لا حزب اجتماعات. رحمة الله عليك وعلى أمثالك المخلصين.






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أعشق شهر إبريل (نيسان)
- مرض التقليد في الحركات الشيوعية العربية.
- الجنس عند العرب والمسلمين
- الاشتراكية و صحة الإنسان
- لماذا يا أبي؟
- أمي الأرملة.
- ما ذنب الكلاب !!!!
- يا نساء العالم ,ويا نساء المملكة العربية السعودية
- الاشتراكية..... هل انتهت؟
- ماء الحياة
- الإسلام هو الحل
- خال المؤمنين معاوية بن ابي سفيان
- حكاية وعبرة
- العجوز التي فجرت قنبلة
- الحضور الألهي ,والشخصية الإنسانية
- خالد بكداش ,للأمانة والتاريخ (1)
- الأصلاح الديني ما بين الشيخ محمد عبده ,والدكتور أحمد منصور
- فقر أم تفقير
- الأشتراكيون والمتدينون
- نساؤكم حرث لكم


المزيد.....




- رواية -من دمشق إلى القدس-  للروائي يزن مصلح
- إصابة النجمة ميساء عبدالهادي برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي. ...
- كاظم الساهر يتضامن: قلوبنا مع شعب وأطفال فلسطين
- 7 أفلام جسدت النضال الفلسطيني في السينما
- سلا.. هجرة جماعية لمستشارين بجماعتي عامر وبوقنادل لحزب الحم ...
- اختيارها مخاطرة... مخرج -المداح- يكشف اسم فنانتين اعتذرتا عن ...
- طرق وحضارات ومدن عريقة.. جدل الهوية والتاريخ في تمبكتو
- انطلاق عرض «صاحب مقام» ابتداءً من الليلة على «المسرح العائم» ...
- في ذكرى رحيله.. نوري الراوي التشكيلي العراقي الذي أوصل بيئته ...
- لوحة لبيكاسو تباع بأكثر من 100 مليون دولار في مزاد بنيويورك ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زهير قوطرش - رحيل مناضل