أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - باقر جاسم محمد - الشعر و طبقات المعنى: - أهاجي الممدوح- إنموذجا ً






المزيد.....


الشعر و طبقات المعنى: - أهاجي الممدوح- إنموذجا ً


باقر جاسم محمد

الحوار المتمدن-العدد: 2164 - 2008 / 1 / 18 - 11:20
المحور: الادب والفن
    


في النقد الأدبي، هناك سؤالان قديمان و جديدان في آن واحد: كم هو عدد المعاني التي يمكن أن يحتويها النص الأدبي و الشعري منه تحديدا ً؟ و هل صحيح أن المعاني تنحصر في المعنى الأول المباشر و المعنى الثاني غير المباشر، كما يقول كثير من النقاد و الباحثين؟ سنحاول أن نجيب على هذين السؤالين لنكشف عن تعدد مستويات المعنى؛ وذلك من خلال قراءة في مجموعة "أهاجي الممدوح" للشاعر عبد الحسين الحيدري التي صدرت حديثا عن مطبعة التأميم.
إذا كانت معاني النص تتشكل و تتداخل مكونة طبقات و حزما ً ذات مستويات متعددة، فإن ذلك يعني أن المعنى الظاهر و المصرح به مباشرة منها يؤدي إلى المعنى الخفي و المحتجب و غير المباشر. و هنا سيكون من المناسب أن نقسم صور المعنى المختلفة على نحو أخر؛ فبدلا ً من المعنى الأول و الثاني، كما يقول معظم الباحثين، و المعنى الثالث كما يذهب أبعد من ذلك بعضهم، سنتحدث عن طبقات المعنى الثلاث. و تحتوي كل طبقة من طبقات المعنى على أكثر من حزمة من المعاني. و الحقيقة أنه يمكن تقسيم حزمة معاني الطبقة الأولى من الشعرإلى نوعين متميزين و متداخلين. فهي تتألف من معنى يرتبط على نحو واضح بالجانب المؤسسي للغة و معنى آخر يرتبط بالجانب النحوي. و المعنى المرتبط بالجانب المؤسسي يستند إلى البعد الموضوعي الذي نجده مدونا ً في المعجم؛ أما المعنى المرتبط بالجانب النحوي فهو المعنى الذي قد يكون بعضا ً مما قصده عبد القاهر الجرجاني حين بين المقصود من النظم فقال " و أعلم... أن لا نظم في الكلم[ و هو جزء مما أشرنا إليه بالجانب المؤسسي للغة]، و لا ترتيب، حتى يعلق بعضها ببعض، و يبنى بعضها على بعض، و تجعل هذه بسبب تلك... فليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو [ و هو الجزء الآخر من الجانب المؤسسي للغة] و تعمل على قوانينه و أصوله..."(1) و هنا يشتبك المعنيان المكونان للطبقة الأولى من المعاني و يتداخلان. فالكلم أو الكلمات، لا تحمل، قبل أن تصير في النص، سوى ما استقر لها من معاني معجمية. أما معاني النحو فهي صفات لموضع الكلمة في البنية النحوية. إذن فإن لدينا في الطبقة الأولى من المعاني التي يولدها النص الأدبي نوعان من المعنى هما معاني المعجم و معاني النحو. و معاني النحو من المعاني التي لا تدرج في كشف معاني الكلمة في المعجم و لكنها تلحق بالكلمة لتصف وظيفتها النحوية في النص. و من تفاعل هذين النوعين من المعاني قد يحدث الخرق الدلالي المعبر عنه بأنواع التجليات البلاغية و المجازية. و في النص الأدبي، قد يكون حدوث الخرق الدلالي أو الانزياح مقصودا ً أو غير مقصود. و لبيان ذلك ، سنعمد إلى مجموعة " أهاجي الممدوح" فنأتي بأمثلة منها لتكون شواهد على قلناه و ما سنقوله لاحقا ً بشأن بقية طبقات المعنى. ففي "قصيدة ينبثق الدم، تنبثق الوردة" نقرا:
1. بوجهك أشهر سبابتي (ص 52)
2. و هو وجهك! يقرأ في صفحة تتحدث عن سيرة الثلج غبَّ انحسار النهار ( 52)
3. أقول: هو البعد تجديفة ... مائة... و ألوحك
أحتل وجهك... ( ص 54)
نلاحظ هنا أن كلمة ( وجه) قد تكررت ثلاث مرات. و كانت تعني ذلك الجانب الأمامي من رأس الإنسان، و هذا هو معناها المعجمي المألوف. و أنها كانت مضافا ً إليه في الجمل الثلاث. و كانت في الجملة الأولى مجرورة بحرف الجر حالا ً مقدمة، و في الجملة الثانية مرفوعة بدلا ً عن المبتدأ، و في الجملة الثالثة منصوبة مفعولا ً به. و ما عدى المعنى المعجمي، فإن المعاني الأخرى كانت مما ولده الموقع النحوي لكلمة وجه في كل حالة. و يمكن أن يكون لكلمة وجه معان ٍ نحوية أخر كالفاعل و الخبر المرفوعين مثلا ً. و المعاني النحوية لا تذكر في المعجم كما سبق القول.
في الطبقة الثانية من المعاني تأتي المعاني البلاغية، و منها المعاني التي تولدها الصور الشعرية أو الأدبية، و الأسلوبية بكل تنويعاتها. و هي معان ٍ تتميز بكونها مرتبطة بالمعاني المعجمية و المعاني النحوية ارتباطا ً وثيقا ً و لكنها في الوقت نفسه مختلفة و متميزة عنها. ففي هذه الجمل الثلاث، تكون كلمة ( وجهك) المؤلفة من مضاف و مضاف إليه علامة مهمة من علامات النص من جهة تكرارها ثلاثا ً، و هي فضلا ً عن ذلك تلعب دورا ً مهما ً بوصفها أداة تماسك نصي، و هذا ملمح أسلوبي. و إذا ما قرأنا الجملة الأولى لقلنا أن عملية إشهار السبابة أمام الوجهة تنطوي على معنى كنائي هو التهديد الذي يؤول على أنه دالة علاقة متوترة أو عدائية بين الذات الباثة للرسالة الشعرية و صاحبة الوجه. و كما نعلم فإن الكناية من تقسيمات علم المعاني في البلاغة. أما في الجملة الثانية، فإن الوجه لا يقرأ، و الصفحة لا تتحدث، و الثلج لا سيرة له. و لكن المعاني المجازية المترشحة عن إسناد الأفعال إلى فاعلين لا يقومون بها في ( و هو وجهك: يقرأ) و ( صفحة تتحدث)، أو إسناد السيرة للثلج تسمح بذلك و تؤسس بعدا ً جماليا ً عند المتلقي يرتبط بالخرق الدلالي و بالبعد التأويلي للصورة الشعرية كما في سيرة للثلج غب انحسار النهار تعبيرا ً عـن غياب الدفء و هيمنة الظـلام و الثلج. و في الجمـلة الثالثة ( أحتـل وجهـك)، نعلم أن كلمـة ( أحتل)، و هي قد تعني معجميا ً أشغل كل وجهك أو أقوم بغزوه و قهره عنوة- و هما معنيان معجميان- لا يمكن أن يكون مفعولها كلمة ( وجهك). و المعنى المجازي هنا يعبر عن علاقة عدائية تشتمل على القهر و البطش و العدوان مع صاحبة الوجه خصوصا ً و أن كلمة وجهك تأتي بعد الفعل (ألوحُ)، و هو فعل لازم معناه المعجمي ( أظهرُ أو أبدو)، و قد استعمل هنا متعديا ً بالمعنى العامي الذي قد يعني يصيب الهدف مما يؤكد وجود عداء مضمر بين الذات الباثة للرسالة الشعرية و المرأة المخاطبة. و مما يؤكد ذلك هو أننا نعثر على مثل هذا العداء في أكثر موضع من قصائد المجموعة، مثل قوله ( سأجرها من شعرها من شعرها سأجرها مسبية لجنائني) ص 47. هكذا إذن تتخلق المعاني في تجلياتها المعجمية و النحوية و البلاغية و الصورية لتوطئ و تؤسس لتحديد اتجاهات الحفر في طبقة معاني التأويل.
و نقرأ في الجملة الشعرية المأخوذة من ( أهجية رقم 5):
4. الذئب أوغل في الخرافة
و الفيء تأكله النحافة. ( ص 20)
هنا يظهر التحليل النصي أن للانحراف عن المعنى المعجمي و ما يفرضه الموضع النحوي للكلمات من معنى دورا ً أساسيا ً في تخليق المعنى المجازي و الكنائي. فلا علاقة للذئب بالخرافة حتى يوغل فيها! و ليس من طبيعة النحافة أن تأكل أصلا ً حتى تنجز فعل أكل الفيء الذي هو مما لا يؤكل أصلا ً. و في الجملة الشعرية ( و الفيء تأكله النحافة) يكون المعنى المجازي لجهتين أولهما إسناد فعل الأكل إلى فاعل لا يستطيع أن ينجز فعل الأكل، و ثانيها إسناد مفعولية الفعل إلى ما لا يؤكل، على وفق ما استقر للفاعل و المفعول به من مقومات دلالية معجمية. و لتوضيح العلاقة في هذه الصور البلاغية، نتجاوز النحو الموضعي إلى النحو الوظيفي. فالذئب في الجملة الأولى مبتدأ بحسب موضعه النحوي، و لكنه فاعل من الناحية الوظيفية, و الفيء في الجملة الثانية مبتدأ أيضا ً، و مرة أخرى بحسب موضعه النحوي، و لكنه مفعول به من الناحية الوظيفية. و هذه من المواضع التي يختلف فيها الوصف النحوي التقليدي عن الوصف النحوي الوظيفي بشكل يؤكد فاعلية النحوي الوظيفي الدلالية و رجحانه على شكلانية المعنى النحوي. و لذلك لا يمكن حل مشكلة المعنى في هذا المستوى أو الطبقة ما لم نستعن بآاليات البلاغة في تفسير الانزياحات الحاصلة و دلالة تواترها الأسلوبي.
و عموما ً، نرى أن طبقة المعاني البلاغية و الصورية و الأسلوبية تتسم بسمات أساسية هي:
أولا .ً أنها تقع على سطح النص و لذلك فهي مما يمكن حصره و دراسته دراسة وصفية و علمية استنادا ً إلى الموروث النحوي و البلاغي و الأسلوبي على نحو دقيق.
ثانيا ً. أنها تشتغل على تفاعل محوري العلاقة الركنية أو الإسنادية،syntagmatic relationship، و العلاقية الرأسية أو الاستبدالية،prardigmatic relationship. و تتولد المعاني الشعرية نتيجة الانزياح عن قواعد التفاعل المؤسسية لهذين المحورين.
ثالثا ً. أن العناصر المكونة للبنية المجازية قد تكون ثنائية بين كلمتين إحداهما مستعملة في النص بمعناها المعجمي و أخرى مستعملة بمعناها المجازي، كما هو الحال في ( أحتل وجهك)، حيث يكون معنى الفعل (أحتل) هـو غير ما نألفه في المعجم، فالوجه، بمعناه المعجمي، لا يكون مفعولا ً لفعل الاحتلال. أو ثلاثية بين ثلاث كلمات، كما في ( الفيء تأكله النحافة) حيث يكون مركز انبثاق المعنى المجازي هو الفعل ( تأكله).
رابعا ً. أو قد تكون الصورة الشعرية بطبيعتها الحركية و بأبعادها الحسية البصرية و السمعية و الشمية و اللمسية و الذوقية كلا ً أو جزءا ً مركز توليد المعنى المجازي كما هو الحال في المثال الآتي:
5. عناقٌ طويلٌ ...
يلف الصدى و المدى و الندى بارتعاشاته و هو
و هو يحمر في قدم حافية
طويلٌ يلـُّف الأباطح و الأرخبيل
سوف أكسر نظارتي
لا ستائر... لا لجة ٌ... لا دخان....
لا مرايا ... و لا صولجان...
لا بخار... لا تراب نحيل...
أيها الربُّ: هل ذقت طعم الرحيل...؟ ( ص 39-40)
فالعناق مما تشترك به جملة حواس فضلا ً الحراك النفسي الداخلي الذي تمنحه اللحظة الإيروسية طاقة مضاعفة. و هذا الحراك يلف (أو يعطل) الصدى، و هو مما يخص الصوت، و المدى، و هو مما يخص البصر، و الندى ، و هو مما يخص الحواس البصر و اللمس و الذوق معا ً، حين تنطلق طاقة الإيروس معطلة علاقة الحواس بما هو خارجي، و لتحصر الأحاسيس و الحواس باللحظة الراهنة. لذلك اختفت الستائر و المرايا و الصولجان. و هذه اللحظة هي لحطة تشبه النيرفانا أو الغياب المعبر عنه بطعم الرحيل. و هذه الحركة المنكمشة نحو الذات تعبر عن نكوص نفسي للتعويض عن الفشل في التجربة الاجتماعية و السياسية أكثر من كونه تمجيدا ً للفعل الإيروسي.
و هناك الكثير من هذا النمط البلاغي المجازي الذي يؤسلب نصوص المجموعة، فتقرأ على سبيل المثال:
6. النبوءات أرقها الطين... ( ص 1)
7. الأسى يهصر الضالعين بوحشتهم
و الندى يعصر الضائعين بورداتهم ( ص 9)
8. لو أن فحمة إصبعي قد لملمت دمع الزنابق ( ص17)
9. لم تلتقط أذنا شراعه صوتَ دُوريٍّ جريح ِ ( ص28)
و لنلاحظ هنا أن المعاني المترشحة عن كل صورة و استعارة إنما تصب في معان ٍ أبعد و أكثر إيغالا ً في الخفاء. و هي معان ٍ تتمحور حول الأرق و الأسى و الهصر و العصر و فحمة الإصبع التي لم تلملم دمع الزنابق، و أخيرا ً الصورة في إذني الشراع، بما يعنيه الشراع من قوة دافعة و موجهة، التي فشلت في التقاط صوت دوري جريح. و لا شك أن هذه المعاني تلتقي مع ما سبق من معان مترشحة عن المجازات و الأنساق الصورية في الجمل الشعرية الخمسة الأولى. فقد مر َّ بنا في الجملة التاسعة قوله (لم تلتقط أذنا شراعه صوتَ دُوريٍّ جريح). و هي جملة قد تعني أن شراعه أو ضميره لم يستطع أن يسمع صوت الطائر الدوري الجريح. فهو إذن يتعذب أو يعذب نفسه لهذا الإخفاق. و قد تعني أن شراعه أو الجهة السياسية التي كان ينتمي لها، قد أخفقت في سماع صوته هو بوصفه الدوري الجريح، لذلك فهو يعاني لحظة عصف نفسي و إحباط. و في كلتا الحالتين أو المعنيين فإن النتيجة كارثية إذ يتبع هذه الصوره قوله:
لكنه – في زعزعان الريح – توَّج َ نفسَه
مَوجا ً لقيدوم ٍ فصيح.
و إذا كانت ( زعزعان الريح) تورية عن لحظة الصدام أو السقوط أو الانهيارات الاجتماعية نتيجة لهول الصراع السياسي، فإنه يسخر من نفسه موجها ً إليها الهجاء بقوله (توج نفسه موجا ً لقيدوم فصيح). و هي صورة ثانية تعبر عن التحول إلى مجرد موج يشقه القيدوم بفصاحة القوة و القهر و الاستلاب المفضي إلى الاضطراب النفسي لأن الذات الباثة للرسالة الشعرية صارت إلى غير ما كانت تحلم به.
و في الأمثلة الآتية نقرأ:
10. عابران...
بجناح ثقيل...
و ذاكرة صدئة...
أخذت بهما سكرة ٌ من سفرْ
ساءَلا النهرَ: أين َ المفرْ؟
عندما تلتقي الضفتان...!
فأجاب:
أنتما تنسيان ِ الشجرْ !
( ص 8)
فهنا لا نعلم إن كانت هذه الباء الداخلة على (جناح ثقيل) و المتعدية بالعطف إلى (ذاكرة صدئة) تعني المصاحبة أم الوسيلة. و كلا التفسيرين يرتب اختلافا ً لا ينقض وظيفة هاتين العبارتين في أنتاج الدلالة الكلية لأن العابرين قد أخذتهما سكرة من سفر. و حين ساءَلا النهر، و المساءلة غير السوال، أين المفر؟ عندما تلتقي الضفتان... ! نعلم أن المعنى الكنائي لالتقاء الضفتين هو موت النهر لخلوه من الماء و انطفاء الحياة فيه، و كذا انطفاء الحياة في الأرض التي تنتظر النهر المتدفق ليرويها، و هي كناية فريدة و جميلة و متعددة المعاني؛ أو ربما كان معنى التقاء الضفتين هو موت الذات الباثة للرسالة الشعرية أو موت الجهة السياسية التي تنتمي إليها. و هنا تكون عملية المسائلة كناية عن التذكير بما بعد الموت من وعيد بدلالة قولهما: أين المفر؟ و يكون الجواب: أنتما تنسيان الشجر! ليكون دالة تشبث هذه الذات الباثة للرسالة الشعرية بقناعتها، و بالرموز المعبرة عن استمرار الحياة ممثلة بالشجر.
و الواقع أن الجزء الأول من أهاجي الممدوح كان قد قدم لنا فتانا العتيد قبل التجربة مع جيله. حين كان ذلك الجيل يقرأ سورة السهر، و هي عبارة شعرية من قصيدة للشاعر قالها عام 1970. لذلك فإن هذا الفتى يتدفق قائلا ً:
11. لا تقربوه ُ، فقد تشظى:
كـَلِما ً، و ً رَيحانا ً، و نبضا ً
نهض الفتى من نومه ...
و بلفتة ٍ في كفه...
ريش الخرائط صار أرضا ( ص 3)
و التشظي هنا ذو دلالة إيجابية لأن هذه الذات قد تحولت إلى كلمات و ريحان و نبض، و لم يكن تحولا ً إلى أشلاء ميتة.
في الحزمة أو الطبقة الثالثة من المعاني، نصل إلى المعاني التأويلية التي ترتبط بما هو أكثر خفاء ً و أبعد غورا ً في أعماق النص مما سبق. و هي التي تتجاوز قدرة البلاغة و الأسلوبية على إنتاجها و إن كانتا، أعني البلاغة و الأسلوبية، تقدمان عونا ً أساسيا ً في إنجاز القراءة التأويلية. و يختص هذا النوع من المعاني بتأويل الظواهر النصية الكلية، مثل الظواهر المعجمية و النحوية و الصورية و الأسلوبية و الرمزية و الأجناسية و الشكلية فضلا ً عن العنوان الذي يعد من أهم الظواهر الكلية على الرغم من كونه قد لا يتجاوز في حجمه بضعة كلمات، و لكن وظيفته هي التي تجعل منه ظاهرة كلية لأنها تمنحه أهمية استثنائية. و تتم القراءة التأويلية من خلال الكشف عن العلاقة الوثيقة لهذه الظواهر مع الظواهر الكلية غير النصية مثل الظواهر الاجتماعية و الفكرية و الفلسفية و الأيديولوجية و الأسطورية. و هنا نتحدث عن المعاني بوصفها دلالات لحضور الذات المؤولة على نحو أكبر في إنتاجها أولا ً و لكونها تتجاوز المعاني المعجمية و النحوية و البلاغية و الصورية و الأسلوبية ثانيا ً. و في هذه الطبقة سيكون لدينا أيضا ً تنوع في المعاني أو الدلالات. فهناك الدلالات النسقية ذات الأصل الديني للنص التي أسس لها كل من الدكتور عبد الجبار المطلبي في دراسته " محاولة تفسير صورة من صور الشعر الجاهلي"(2) ؛ ثم كانت الدراسة الموسعة للدكتور على البطل في كتابه " الصّورة في الشّعر العربيّ حتّى آخر القرن الثّاني الهجريّ".(3) ثم جاء الدكتور عبد الله الغذامي في كتابه " النقد الثقافي" ليوسع مفهوم الدلالات النسقية و يرسيه على أسس أكثر وضوحا ً. و هي دلالات تستحصل من الكشف عن تأثير الأنساق الاجتماعية و الثقافية و الحضارية المضمرة في النص الأدبي توكيدا ً على العلاقة الوثيقة بين أنظمة الخطاب و أنظمة الإفصاح النصوصي.(4) و كذلك نجد في النص الشعري الدلالات الفلسفية و الرمزية الرؤيوية المترشحة عن الخطاب بوصفه نسقا ً شكليا ً له طبيعته الوظيفية الخاصة المرتبط برؤيا المؤلف للعالم و المعبرة عن تفاعله الذاتي الواعي و غير الواعي مع محيطه الاجتماعي و السياسي.
إذن، فإن لدينا حزما ً من المعاني في الطبقات الثلاث هي المعاني المعجمية و النحوية في الطبقة الأولى، و المعاني البلاغية و الصورية و الأسلوبية في الطبقة الثانية، و المعاني النسـقية و الرمزية الفلسفية و التأويلية في الطبقة الثالثة. و عودا ً إلى ما سبق من تحليل لطبقات المعنى الثلاث، نجد أن التأويل النهائي لمجموعة عبد الحسين الحيدري يمكن أن يوجز بالآتي:
أولا ً. في تحليل العنوان، و هو " أهاجي الممدوح" نرى أنه يتألف من كلمتين و لكن بدلالة واحدة. و قد أضيفت الثانية إلى الأولى فولدت الإضافة مفارقة جناسية. و هذا يعني أن العنوان يتضمن الوحدة لجهة أنه يؤدي معنى واحدا ً، و الصراع المعبر عن انقسام الذات على نفسها. ذلك أن كلا الكلمتين تشيران إلى نمط من الممارسة النصوصية كانت سمة قارة في الشعرية العربية. أعني المديح و الهجاء، ليس بوصفهما غرضين منفصلين، بل بوصفهما تعبيرا ً عن وحدة ولدتها الإضافة التي من وظائفها التعريف. و لهذه الوحدة في الدلالة من جهة و انقسام الذات على نفسها من جهة ثانية مغزى تأويلي مهم سنأتي على ذكره لاحقا ً.
ثانيا ً. تكشف النصوص التي احتوتها المجموعة عن كثافة بلاغية و صورية تمثل ملمحا ً أسلوبيا ً مهما ً. فالشاعر، و هنا أسمح لنفسي أن أشير إليه، يتميز بذلك التدفق الخيالي الخصيب بحيث تحول النص الشعري لديه إلى غابة لفاء من التجليات البلاغية و الصورية حتى ليكاد يتعذر علينا أن نعثر على جملة شعرية تخلو من نوع أو أكثر من أنواع التشكيل البلاغي و الصوري. و هي جمل شعرية مونولوجية و غنائية تنبثق من الذات الباثة للرسالة الشعرية لتشكل وسيلة أساسية في رؤيا هذه الذات للعالم. و تتسم بكونها قادرة، من حيث كونها وحدات أولية، على توليد معان ٍ متعددة و موحدة الأثر.
ثالثا ً. يظهر تحليل القوافي، و هي ملمح شكلي مهم هنا، أن الذات الباثة للرسالة الشعرية كانت تعاني من ضغوط نفسية جسيمة عبرت عن نفسها بشكل غير مباشر من خلال نوع من اللعثمة في القوافي.
رابعا ً. إن االدال النصي، في كل تمظهراته، قد كان تعبيرا ً عن هجاء الذات الباثة للرسالة لنفسها. و هذه هي الدلالة الخفية للوحدة، في دلالة معنى العنوان، و للانقسام، المعبر عنه باختلاف دلالة الهجاء عن المديح، و هما المعنيان المنفصلان المتصلان اللذان تضمنهما العنوان.
خامسا ً. إن الخيار الشكلاني المتمظهر في البقاء في منطقة شعر التفعيلة يعبر عن الاهتمام بجوهر المشكلة النفسية و محتواها الاجتماعي أكثر من اهتمامه بمسألة التجريب الشكلي. و قد ظهر فرق في تاريخ كتابة الأهجية الأولى، و تاريخها 1987، و الأهجية الأخيرة 1996. و هذا يعني أن الفرق يبلغ تسعة أعوام؛ و من دون أن يظهر هذا البون الزمني الكبير اختلافا ً في البناء الفني للقصائد، و هو الأمر الذي يرجح صحة ما ذهبنا إليه من أن الشاعر كان مهتما ً بالاحتراقات الداخلية إلى الدرجة التي جعلته يغفل ضرورة أن يسهم في المغامرة الشكلانية.
أليس كذلك؟


كلية الآداب/ جامعة بابل

المصادر و الإشارات:
1. أبو بكر، عبد الرحمن بن محمد الجرجاني " دلائل الإعجاز" ط 5. مكتبة الخانجي القاهرة. 2004.
2. عبد الجبار المطلبي (1980) " مواقف في الأدب و النقد". وزارة الثقافة و الإعلام. بغداد.
3. علي البطل (1980) " الصّورة في الشّعر العربيّ حتّى آخر القرن الثّاني الهجريّ" المقدمة. دار الأندلس، بيروت، ط 3، 1983.
4. عبد الله الغذّامي(2005) "النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية" ط 3. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء/ بيروت. ص 32.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,073,083,429
- أنا الحرية: البنية و التأويل في ( الكرسي )
- الفدرالية و أزمة الحكم في العراق
- روح هجرتها الموسيقى
- لطفية الدليمي: هجرة الإبداع
- الميثوبي و السرد الغنائي
- بين مربدين
- كان شامخا ً مثل نخلة عراقية
- أدلجة سوسور: قراءتا بلومفيلد و تشومسكي لمحاضرات سوسور
- ما تستحقه الكلمات
- نظرية النشوء: نحو منهج مادي تاريخي في تأريخ اللسانيات
- هدف الرغبة الغامض البعيد: علم اللغة
- نزع الميثولوجيا عن اللسانيات الاجتماعية
- من الذي سيكون سيدا ً تأسيس السلطة العلمية في علم اللغة
- الأيديولوجيا و العلم و اللغة
- أبواب
- محو الغربة و تدوين الاغتراب
- مسألة السلطة السياسية هي جوهر الخلاف بين العلمانيين و القائل ...
- جدل الشكل و لامحتوى في السرد الوائي: ( حديث الصبح و المساء إ ...
- العلمانية و الدين و المجتمع
- لحية كارل ماركس


المزيد.....




- -الجائحة-... فيلم روائي عن رجاء الجداوي
- شبيهة بفيلم هولوودي.. القصة الكاملة لاغتيال العالم الإيراني ...
- -ورقة-.. فيلم لطالب ثانوية يتحول إلى أيقونة إبداع
- الممثل شين كونري مات بقصور رئوي قلبي بعد معاناة طويلة من الخ ...
- بيوت مبدعين ألمان.. شواهد حية على الأدب ومزارات سياحية
- الخارجية الإسرائيلية تنشر صورة نادرة لأم كلثوم مع فرقة يهودي ...
- أحد أبطال -حرب النجوم- ينعى وفاة الممثل الأصلي لشخصية الشرير ...
- -فيلم هوليوودي-.. صحيفة تكشف كيف اغتال -الموساد- فخري زادة
- ثيمته المنفى وسيرته الضوء وتميمته الترحال.. المصور العالمي ج ...
- متحف الكاريكاتير.. كتاب تاريخ مفتوح لحقب مصر المختلفة


المزيد.....

- لستُ أنا... / محمد جبار فهد
- مثل غيمة بيضاء / نامق سلطان
- ستولَد شمس / ج. د. بن شيخ- ترجمة مبارك وساط
- ستولَد شمس من أهدابك / ج. د. بن شيخ- ترجمة مبارك وساط
- لستُ أنا... / محمد جبار فهد
- جورج لوكاتش - مشكلات نظرية الرواية / صلاح السروى
- أثنتا عشرة قصيدة لويس غلوك / إبراهيم الماس
- أنطولوجيا مبارك وساط / مبارك وساط
- على دَرَج المياه / مبارك وساط
- فكر الأدب وادب الفكر / نبيل عودة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - باقر جاسم محمد - الشعر و طبقات المعنى: - أهاجي الممدوح- إنموذجا ً